عشر أيام مرّت، وما زالت إشاعة شهامة سراج هي حديث البلدة الدائر، وسط تكهنات بمن ذاك الوضيع المجهول الهوية. لمّا لم يُفصح عنه، البعض يُخمّن أنّه بالتأكيد انشغل سراج بإنقاذها، مما أعطى فرصة لذاك المجرم بالهرب. والبعض الآخر يظنّ أنّه بالتأكيد سراج مُتحفّظ عليه وسيعاقبهُ هو بالنهاية. وتكهنات أخرى للقلائل أن خلف ذلك عائلة العوامري نفسها، لكن لا يستطيعون البوح بذلك، أو ليس من شأنهم الاهتمام بما لا يخصّهم. ***
في دار عمران العوامري غرفة آدم
كعادته، يستيقظ مبكرًا. فتح شرفة غرفته، يسمح لتلك النسمات الرطبة أن تدلف إلى غرفته. يملأ صدره بهواء البدرية، ينتعش من تلك النسمات الصيفية الحنونة. يشعر كأنّ تلك النسمات مثل لمسات الأم فوق خصلات طفلها، أو هكذا يعتقد. شعر بنسمات الهواء تتخلل بين خصلات شعره. تنهّد وهو يرى تلك الجوناء تبدّد بضيائها بقايا الظلام، كأنّ أشعتها مثل السهام ورؤوسها تلك الثريات. منظرٌ مُهيب لا وصف له. نورٌ بسيط يجعل الظلام يختفي رويدًا رويدًا.
تفسيره التلقائي هذا هو الأمل. تنفّس بأمل يعيش به دائمًا، أن اليوم أفضل من الأمس، وحتى الغد. بعد ذاك الحادث الذي مرّ به وهو صغير، علّمه أن يحيا يومًا بيوم، ويتطلّع أن الغد بعلم الغيب سيكون مثل اليوم وأفضل. رأى ذاك الطير الليلي المشؤوم، كما يطلق عليه، يقف على أحد فروع الأشجار، ويبدو أن ضوء الشمس بدأ يزعجه، فرد جناحيه وطار عائدًا لمسكنه بين الشقوق، حتى يعود الظلام وينطلق. استنشق الهواء العليل بقوة، ثم ذهب نحو مكتبه
الموجود بأحد زوايا غرفته. جلس، يجذب دفترًا وقلمًا، يسرد ما يجيش بعقله، يكتبه بيده. يكتب عن تلك الجوناء كأنّها إلهًا يهب الحياة. لاحت أمامه عينا معشوقته القريبة البعيدة. طال الوقت منذ أن تقابلا لأول مرة. صدفة؟
لا، لم تكن صدفة، بل قدرًا مرسومًا أن يعشق المُعاق تلك الرقيقة المُذبذبة الشخصية. تضادٌّ بينهم جذبهم. هو رغم إعاقته، لكن مقدام غير متخاذل. هي رغم تنوّر عقلها، لكن ما زالت مُقيّدة، تخشى سطوة والدها المُتجبّر والمُتحكّم. يشعر أنّها مُقيّدة بأسوار زجاجية سهل كسرها، لكن ليس لديها رغبة، أو بمعني أصح إرادة لكسر ذاك الزجاج المُعتم وتنطلق معه تُحلّق نحو نور الحرية. سطر بعض الأسطر بكلمات عن حكاية بطلتها مُتمردة تسعى نحو النور،
رغم جناحيها الضعيفان، لكن تقاوم شدّة التيار. من تلك المُتمردة لا يعلم، ربما يودّ أن تكون حبيبته الحبيسة وتتحرّر من استكانتها وتعلن العصيان. خطّ بيديه حكاية عشق الفارس المغوار الذي غامر سعيًا للوصول إلى قصر الجميلة العنيدة صعبة المنال، وانتزعها من بين الأسوار العالية لتسكن بين ضلوعه. يكتب آخر
جملة قبل أن يغلق الدفتر: "لا يليق بالعاشق إلا أن يكون صبورًا". *** بغرفة سراج
كعادته العسكرية، تعود على الاستيقاظ مبكرًا. فتح عينيه يتمطى، ثم نهض من فوق الفراش. ذهب نحو شباك الغرفة الزجاجي. أزاح الستائر، رأى الإشراق ينبعث. لحظات وقف، ثم استلقى أرضًا يقوم ببعض التمرينات الرياضية يُنشّط جسده، ثم نهض نحو مرحاض الغرفة، أنعش جسده بحمام بارد. ثم خرج. بنفس الوقت، دق هاتفه بصوت رسالة. ذهب نحوه كي يعلم هوية ومحتوى الرسالة. نظر إلى الشاشة، زفر نفسه بمجرد معرفة هوية من المتصل. لوهلة، تغاضى عن معرفة محتوى
الرسالة الذي ربما يعلمه، لكن دفعه الفضول فقط. قرأ نص الرسالة بنبرة سخرية وتهكّم: "حبيبي وحشتني". التوت شفتاه ببسمة سخرية وجمود. وكاد يحذف الرسالة، لكن بنفس اللحظة صدح رنين الهاتف. زفر نفسه بجمود واتخذ قرارًا بعدم الرد، لكن بسبب إلحاح الرنين، وعدم اهتمامه، أغلق
الرنين وبعث رسالة مختصرة: "مش فاضي". جاءه الرد برجاء وتوسل: "نتكلم دقيقتين بس مش هعطلك". ببرود تنهّد. وحين عاود الهاتف الرنين، قام بالرد، يسمع دون حديث. ثم تنهّد باقتضاب قائلًا: "الدقيقتين خلصوا، وسبق قلت لكِ مش فاضي".
لم ينتظر وأغلق الهاتف وألقاه فوق الفراش بضجر. ثم جلس على حرف الفراش، يمد نصف جسده للأمام، يضع وجهه بين راحتي يديه. يُفكر بما يشغل عقله. بعد أن كان ذمّ نفسه على ما فعله بثريا، وذاك الموقف السخيف الذي اضطر إليه رغمًا عنه ضد مبادئه، كذلك تلك الإشاعة الكاذبة. فكّر بذاك الحلم السخيف الذي رأى نفسه يُقبلها. فكّر. زفر نفسه بجمود: "من متى تحكّمت رغبته كرجل به؟
" بحكم عمله بالجيش، تعلم كبت مشاعره تلك، بل وجعلها متبلدة. وتلك المُحتالة آخر امرأة قد يُفكر فيها كامرأة.
أقنعه عقله: ليست رغبة، بل غضب منه عليها. تستحق ما ينوي عليه من غضب. سراج كان كامنًا، لكن بلحظة عاصفة هي أيقظته، ولن يهدأ قبل أن يُغرقها بثورانه. نهض واقفًا وحسم قراره المتحكّم. ذهب نحو دولاب الملابس، تألق بزي عصري وسترة صيفية، شمّر عن ساعديه. ثم وقف ينثر عطره المفضل الذي كان نسي رائحته منذ سنوات. لوهلة، وقف ينظر لانعكاسه بالمرآة، وسخط من نفسه. تعوّد على الزي العسكري الذي أصبح مثل جلد آخر له. تنهّد بأسف، ثم لم يهتم وغادر الغرفة، يبتسم بترقب. بالتأكيد يتوقع رد فعل والده حين يخبره بما عزم عليه.
*** بمنزل ثريا انتهت من ارتداء ثياب ملائمة بسيطة ومرتبة بأناقة دون تكلف، وخرجت من الغرفة. تقابلت مع والدتها التي تقوم بتنظيف المنزل. التي وقفت تنظر لها سائلة: "رايحة فين دلوك يا ثريا؟ وضعت ثريا حقيبة يدها الصغيرة على كتفها الأيسر وأجابتها: "رايحة المحكمة، في زبونة هتعملي توكيل في قضية". شهقت نجية قائلة: "وقضية إيه دي اللي هتروحي عشانها المحكمة؟
إنتِ لسه الجرح في راسك ملتأمش، وناسية الدكتور قال إن بلاش تتعرضي للإجهاد. الخبطة اللي في دماغك ما كانتش شوية. سبحان من نجاكي. لو ما كانش سراج العوامري... قاطعتها ثريا بنهي: "بلاش سيرة شهامة سراج العوامري، لآن الصفة دي عمرها ما كانت في أي بني آدم من عيلة العوامري. ومتقلقيش، أنا بجيت زينة، وكمان مش هتأخر. يادوب مسافة السكة وهعمل التوكيل. هتّوكل على الله. الست زمانها وصلت المحكمة".
غادرت ثريا دون الاهتمام بشيء. لديها يقين أن ما حدث لم ينتهِ، وبالتأكيد ما زال وسيظل هناك محاولات أخرى لإخضاعها وجبرها على بيع قطعة الأرض تلك. بينما تنهدت نجية بقلق أصبح يُحاوط قلبها على ثريا. ثريا التي كانت فتاة وديعة تحولت إلى امرأة لا تهاب شيئًا. قست قلبها وتبدّلت للنقيض. لم تعد تهاب من شيء.
ذهبت ثريا نحو موقف سيارات البلدة. توقفت حين سمعت صوت رنين هاتفها الخاص. أخرجته من الحقيبة ونظرت له، كان رقمًا شبهت عليه. قامت بفتح الاتصال. كما توقّعت هوية ذاك المتصل، سمعت لحديثه بعد أن عرف نفسه أنه مدير ذاك البنك التي ذهبت إليه قبل سنوات: "أستاذة ثريا، حضرتك في مشكلة خاصة بحساب حضرتك عندنا هنا في البنك. ممكن تشرفينا عشر دقايق نحل المشكلة". زفرت بحنق سائلة: "إيه هي المشكلة دي؟ ممكن تقولي عليها؟
أجابها بدبلوماسية: "حضرتك مش هينفع نتكلم عالموبايل. مشكلة بسيطة ومش هتاخد من وقتك كتير". تنهدت بامتثال: "تمام، الساعة اتناشر هكون عندك في البنك".
أغلقت الهاتف. وقفت للحظات تزفر نفسها بضجر. نظرت إلى إحدى سيارات الأجرة ثم سارت نحوها. صعدت، تجلس على أحد المقاعد المجاورة لأحد شبابيك السيارة. شعرت ببعض الحرارة تغزو جسدها. فتحت ذاك الشباك. دلف هواء ساخن لكن رطب. تلك الحرارة التي تتأجج بقلبها وجسدها. أغمضت عينيها لوهلة. سرعان ما فتحتها، خشيت من هطول تلك الدمعة التي تكونت بعينيها. وذكرى بداية طريقها البائس بين أنياب ثعلب قذر ومخادع. ظنت في البداية أن الحياة قد صفحت عن بؤسها السابق. لم تكن ترغب بأموال ولا شيء. موافقتها على الزواج من غيث كانت بحثًا عن سند تستطيع الاتكاء عليه وتحتمي به من غدرات الزمن. لكن هو كان ثعلبًا. رسم الفخ للدجاجة بإجادة.
تذكرت ذاك اليوم [قبل ثلاث سنوات تقريبًا]. تبسمت حين سمعت رنين هاتفها. كانت تقوم بتنظيف المنزل. تركت ما كانت تفعله وهرولت بقلب فتاة بسيطة نحو مكان هاتفها. سرعان ما ردت بعد أن وجدت اسم "غيث". سمعت منه بعض كلمات الغزل دون تطاول منه. كان جيدًا في الخداع. ثم قال لها: "عشر دقايق تكوني جاهزة، همُر عليكِ آخدك ونروح مشوار". سألته باستفسار: "هنروح فين؟
أجابها بمكر عاشق كاذب: "هخطفك ساعة بس، مفاجأة هتعجبك أوي. يلا يا حبيبتي قدامك عشر دقايق بس وهتلاقيني بضرب على تنبيه العربية. ولو اتأخرتي أكتر، مش هبطل إزعاج للمنطقة". تبسمت بانشراح قائلة: "لاء وعلى إيه، هلبس بسرعة". تبسم بمكر سائلًا بوقاحة أحيانًا يتعمدها كي يتلاعب بمشاعرها البريئة والمتعطشة لكلمات فقط تطرب قلبها.
أنهى الاتصال. تنبهت على نفسها سريعًا، ثم ذهبت إلى تلك الغرفة التي تشاركها مع والدتها بذاك المنزل الصغير مكون من طابق واحد بثلاث غرف صغيرة جدًا. أكبر غرفة بالكاد تأخذ الفراش ودولاب صغير وممر صغير بينهم، كذلك ردّهة صغيرة. نظرت نحو مرآة بأحد ضُلف الدولاب. نظرت إلى وجهها المُحتقن بالدماء خجلًا، تشعر به. قلبها الذي ينتفض بين ضلوعها. تنبهت سريعًا، بدلت ثيابها بأخرى مناسبة لها، ليست شديدة الأناقة لكن ملائمة للخروج. فعلًا، قبل عشر دقائق سمعت صوت تنبيه سيارة غيث. خفق قلبها بشدة. خرجت من الغرفة، تقابلت مع سعدية التي دخلت للتو.
نظرت إلى ثريا سائلة: "رايحة فين؟ تبسمت لها بعين لامعة بالخجل: "غيث بره يا خالتي... خارجين سوا". شهقت سعدية قائلة: "خارجين لوحدكم كده؟ استني هتصل على فاروق ابني يجي معاكِ". نظرت لها نجية قائلة: "فاروق إيه يا سعدية اللي يروح معاهم؟ إنتِ ناسيه إن غيث وثريا مكتوب كتابهم، يعني مراته. روحي يا ثريا، غيث مش مبطّل صوت زمارة العربية". انطلقت ثريا للخارج، بينما
نظرت سعدية لنجية لائمة: "ولو حتى لو كاتب كتابها، المفروض برضك يبقى في حدود شوية، لحد ما يتجوزوا وتروح داره، لكن خروج أكده عيب. كمان أنا جلبي مش بيرتاح للي اسمه غيث ده، حساه منافق جوي". تهكمت نجية: "وانتِ من متى جلـبك بيرتاح لحد يا سعدية، وخلاص كلها كم يوم ويتجوزوا. كمان ثريا مش صغيرة وتعرف إيه العيب ومتهملوش واصل". تهكمت سعدية ساخطة، تهمس لنفسها: "ثريا مش صغيرة، بس جلـبها محتاج لساه بيحلم".
بينما خرجت ثريا، توجهت نحو سيارة غيث الذي رغم أنه رأى خروجها من المنزل، لكن ما زال يدق على تنبيه السيارة مزحًا منه. ركضت سريعًا، فتحت باب السيارة وصعدت مبتسمة تقول بمرح: "كفاية أكده، الناس هتجول إيه".
نظر نحوها بعين ثعلبية وترك جهاز التنبيه، ومد يده جذب يدها وبمكر قبلها، ثم نظر إلى وجهها يزداد قلبه شغفًا بنيلها الآن وهي متوردة الوجه بهذا الخجل. كادت تغيب عن الوعي وهو يقترب بوجهه منها، أنفاسه قريبة من وجنتها. لكن انتبهت حين أخطأ وضغط بيده على جهاز تنبيه السيارة. أعادها للواقع. سحبت يدها وعادت برأسها تتكئ على مسند المقعد سائلة بخفوت: "جولي، هنروح فين؟ تنهد بشبه نرفزة واحتقنت ملامحه قائلًا: "مفاجأة. أما نوصل هتعرفي".
قاد السيارة يتساءل معها بأحاديث يتعمد أن يتلاعب بقلبها العطش، كأنه يعلم ما ينقصها ويحاول اللعب به على مشاعرها. كانت تخجل من حديثه ونظرات عينيه وتصمت. إلى أن توقف بالسيارة بعد قليل، قائلًا: "وصلنا بسرعة. كان نفسي الطريق يطول". نظرت إلى خارج السيارة تستعلم المكان. كانت السيارة واقفة أمام بمنطقة بها بعض البنايات، كذلك أحد البنوك. ترجّل من السيارة قائلًا: "يلا انزلي". سألته بترقب: "هنروح فين هنا؟
المنطقة كلها عمارات خاصة". توجه نحوها وفتح باب السيارة، أمسك يدها وجذبها قائلًا: "مش شايفة البنك ده؟ يلا انزلي بلاش تضييع وقت. المدير في انتظارنا".
دون فهم، ترجّلت من السيارة وذهبت معه إلى أن دخلا إلى غرفة مدير البنك الذي رحب به. بالطبع، فهو معروف بسبب سطوة عائلة العوامري. وجهها للجلوس على أحد المقاعد، ثم جلس مبتسمًا بتعالٍ يضع ساقًا فوق أخرى. ونظر إلى مدير البنك الذي تنحنح قائلًا: "كل اللي طلبته يا غيث بيه جاهز على إمضة الأستاذة". ما زالت لا تفهم شيئًا، إلى أن وضعت السكرتيرة تلك الأوراق أمامها. نظرت لها، ثم نظرت إلى غيث مستفسرة: "أمضي على إيه؟
نظر لها ونهض مبتسمًا وانحنى هامسًا بنبرة أمر: "ده أوراق فتح حساب في البنك باسمك". اندَهِشَت، سألته: "حساب باسمي أنا؟ بس أنا... قاطعها بأمر وبصوت أجش ناعم في نفس الوقت: "حبيبتي امضي عالأوراق". كأنه كان ساحرًا، بتلقائية منها قامت بالإمضاء على تلك الأوراق التي لحسن حظها قرأتها بعجالة منها، وهي تبحث عن مكان وضع إمضائها. [عودة للحاضر]
شعرت بتوقف سيارة الأجرة. عادت من تلك الذكرى، تهكمت على نفسها بسخط كيف كانت ساذجة إلى هذا الحد وصدقت كذب وادعاء غيث. تنهدت تخبر عقلها: "كم كنتِ ساذجة، وهو كان مُخادعًا جيد، لا بل بامتياز". *** بدار عمران العوامري غرفته هو وزوجته التي كانت تجلس أسفل قدميه تقوم بتدليكهما بالماء والملح، حين سمع نهضت حين سمع صوت طرق على باب الغرفة. أخرج قدميه من الماء قائلًا بجفاء: "كفاية أكده".
جذبت تلك المنشفة التي كانت على أحد كتفيها ونشفت له قدميه. تأفف قائلًا: "بلاه عالعوج عالصبح. روحي افتحي باب الأوضة". فتحت الباب ورسمت بسمة. بينما تنحنح سراج الواقف على جانب الباب قائلًا: "صباح الخير. أبوي صاحي؟ أومأت له بود، بينما تحدث عمران من الداخل قائلًا: "إيوه صاحي. ادخل يا سراج". ثم أمر زوجته قائلًا: "انزلي جهزي الفطور". أومأت له وغادرت. بينما دلّف سراج إلى غرفة والده الذي نظر بفخر قائلًا
بمدح: "تعالى يا سراج. رفعت راس العيلة. البلد كلياتها ملهاش سيرة غير عن شهامتك وعن إنك أنقذت بت الحناوي من المجرم اللي كان هيغتصبها. بالتوكيد بعد أكده مش بعيد تمضي لك على الأرض بتاعتها اعتراف بجميلك عليها. كانت ضربة معلم منك. بأكده اطمنت إن سيرة شهامة عيلة العوامري هتبقى على كل لسان في خط قبلي كلياته".
بداخله استهزأ من مدح وفخر والده وتيقن أن ما فعله كان صحيحًا. تزييف حقيقة أسهل شيء. من ظهر أمام الناس أنه حامي العرض هو من هدد بسلبه، لولا أن بدلت هي الحقيقة وخالفت توقعه. نظر لوالده قائلًا: "أنا قررت أتجوز من ثريا الحناوي". *** بمنزل مجدي السعداوي وضعت حنان الطبق الذي كان بيدها فوق طاولة الطعام، ثم جلست هي ووالدتها بعد أن انتهين من وضع جميع الأطباق، وجلوس مجدي يترأس الطاولة. يمد يديه يتناول الطعام. ثم تنحنح سائلًا
ولده: "انت مش بتروح المحلج ليه تساعد حفظي ولد عمك؟ رد عليه: "انت عارف يا أبوي إني السنة دي في الثانوية العامة والدروس خلاص بدأت". تنهد بشبه نرفزة قائلًا: "والدروس اليوم كلياته". ردت زوجته: "ده بيطلع من صباحية ربنا يرجع عشيه هلكان". تهكم مجدي قائلًا: "خليكِ أكده طبطبي عليه لحد ما يفسد. أنا عاوزه يتعلم من حفظي الشغل ويبجي إيده اليمين".
تفوهت ولية ما تحدثت حنان: "يا أبوي اخوي نفسه يدخل كلية التجارة عشان أكده يبقى يمسك الحسابات بتاع المحلج. إنما مالوش في شغل التنفيه والشيل والحط".
تهكم مجدي بغضب قائلًا: "كان عينكم محامين عنه، وانت كمان ما عارف إيه الحظ ده. كل ما أتفق أنا واخوي على معاد للخطوبة تحصل حاجة تأجل الموضوع. آخرها العميل اللي بنشتغل إمعاه في مصر بيقول إن البضاعة اللي وصلت له ناقصة. أهو حفظي راح يتأكد بنفسه، ولما يرجع مش هننتظر. بس إياك النحس يتفك".
خفق قلب حنان بهلع وهي تدعو بقلبها أن يستطيع آدم إقناع والدها بإتمام زواجهم، والتخلي عن تلك الفكرة المترسخة برأس والدها. فالموت أفضل لها من الزواج بذاك الوقح حفظي الذي لا يمتلك أي أخلاق. *** بمنزل زوج ولاء
كهلًا يحضن صورة بإطار أسود. تبكي عيناه بغزارة ونحيب يشبه ندب النساء في المآتم. يتمعن النظر إلى الصورة لذاك الشاب اليافع ذي التاسع عشر عامًا. كان يرتدي معطفًا طبيًا. أمنية حياته تحققت أن يدرس الطب. كان متفوقًا عن حق، كان على خلق. لا يعلم كيف انجرف بتيار السموم البيضاء "المخدرات" وأدمنها، لتؤدي إلى وفاته بجرعة زائدة من تلك السموم. أنهت الأمل باكرًا. ولده الوحيد أهلكته السموم. كيف وصلت إليه؟
هو كان مستقيمًا عكس ذلك. نحيب وندب. أشعل الغضب والضجر بقلب تلك الجاحدة التي دخلت إلى تلك الغرفة الخاصة بابن زوجها الذي رحل قبل سنوات. احتقنت ملامحها بجمود وتفوّهت بجحود: "هنفضل أكده لحد ميتي؟ إنت أكده بتعذبه في قبره. حافظ على منظرك جدام الخدامين لما يسمعوك بتنوح أكده كيف الحريم بالعزا". رفع عينيه عن تلك الصورة ورمقها بعذاب قائلًا: "ولدي الوحيد مستكترة إني أحزن عليه؟
تفوهت بضجر: "حاسة إن عقلك هيخف عن قريب. ولدك بجاله أكتر من ست سنين ميت. كفاية أكده. أنا زهجت من النكد اللي بصحى عليه كل يوم وكفاية نواح. النهاردة يلا جوم، في مشكلة في محلج الكتان اللي إهنه، وعمران جالي إنت اللي هتحل المشكلة دي". علق تلك الصورة على الحائط وهو ما زال يشعر بعذاب قلبه، ممتثلًا لأمرها وجفف دموع عينيه بمحرمة من القماش ثم خرج من الغرفة. بينما هي زفرت نفسها بضجر وتفوّهت
بجحود قائلة: "كأن الحظ العفش مهيخلاش عني واصل. جاب معاه النكد كمان". *** بمركز الشباب بصالة التدريب، كان جسار يحمل حقيبة ملابس على كتفيه يُناشد الأشبال قائلًا: "يومين أجازة، عاوز أرجع ألاقيكم وحوش وتسمعوا لإرشادات الكابتن إيمان. ممنوع المشاغبات والمناوشات".
تبسموا له باحترام. سار بضع خطوات. بنفس الوقت، تصادف دخول إيمان إلى الصالة. توقفت قبل أن تصطدم به. تبسم لها بمودة قائلًا: "أهلًا يا كابتن إيمان. كويس إني اتقابلت معاكِ قبل ما أمشي". لوهلة، انفرجت ملامحها وقالت: "إنت خلاص هتمشي من النادي؟ إتنقلت منه؟ ضحك قائلًا: "للأسف لاء. أنا واخد أجازة يومين، هروح أزور أهلي وراجع تاني بسرعة. ما كنتش أعرف إن وجودي هنا مضايقك أوي كده، إنك تتمني أتنقل من هنا، وأنا مكملتش حتى شهر".
شعور بداخلها لا تعلمه. تود أن يرحل وتنفرد هي بتدريب كما كانت قبل أن يأتي، وشعور آخر لا يتمنى ذلك. مشاعر مُذبذبة لأول مرة بحياتها تشعر بذلك. رغم أنها كانت دائمًا لا تشعر بالحيرة في مشاعرها ولا قراراتها. بينما جسار يشعر بسعادة لا يعلم سببها حين يُشاغب إيمان، سرعان ما تنبه على وقفتهم قائلًا
بغطرسة: "على العموم، قدامك يومين تدريب مع أشبال النادي. أتمنى لما أرجع ما ألاقيش الفورمة بتاعتهم نزلت، لآن خلاص تصفيات القطاعات وبعدها الجمهورية هتبدأ قريب. ومدير المركز بيقول لي إن نفسه أشبال النادي يشرفوه في التصفيات دي ويوصلوا لمراكز متقدمة. واضح إن فيه شيء ناقص في التمرين بيخليهم مش بيوصلوا لمراكز في التصفيات دي، يخرجوا من الجولات الأولى".
نظرت له بغضب وتبدلت مشاعرها. هي لا تود رؤيته الآن. ليته يختفي أفضل من أن تصفعه بفمه. لوهلة، سرح خيالها وظنت أنها فعلت ذلك ولقّنته مجموعة ضربات بوجهه جعلت أنفه وفمه السليط ينزف وترا ضحكات الأطفال عليه وهو مسجّى أرضًا. لكن كانت أوهام تمنتها، وهي تعود للواقع بعض أن سمعت طرقعة أصابعه أمام وجهها قائلًا: "روّحتِ فين يا كابتن؟
على العموم، للأسف أنا مرتبط بميعاد للقطر ولازم أمشي عشان ألحقه. عيلتي عارفة إني هروح لهم النهارده ولو اتأخرت أكتر من كده هيفوتني القطر وبصراحة أنا مشتاق لهم أوي. يلا سلام، الأشبال أمانة في إيديكي، حافظي على مستواهم الفني".
لم ينتظر ردها. هو يحب إثارة غضبها، ونجح في ذلك وغادر ضاحكًا. بينما هي ظلت متسمّرة للحظات قبل أن تنظر نحو خروجه من قاعة التدريب وترمقه بغضب جامح، وهو يرفع يده يشير لها بالوداع. زفرت نفسها، لكن انتبهت حين شعرت بنظرات الأشبال لها، وتلك البسمة على وجوههم. نظرت لهم بغضب قائلة بتعسّف: "الفريق كله ينزل تمارين ضغط. ألف تمرين، أما أشوف درجة تحمل مستواكم الفني".
نظر لها الأشبال بعد أن كانوا يبتسمون، اختفت البسمة واقتربوا منها يحاوطوها بتوسل أن هذا كثير عليهم. رَفَقَت بهم وهي تنفض غطرسة ذاك المتعالي، وأومأت لهم بموافقة قائلة: "تمام، بلاش ألف. خليهم النص". ما زالوا مدهوشين يتوسلون، لكن هي ابتعدت عنهم بحسم قائلة: "يلا، دقيقة هروح أغير هدومي وأرجع ونبدأ التمارين. واللي مش هيلتزم بيه هخليه ياخد التراك حوالين النادي جري خمسين مرة". *** بشقة قابيل العوامري
دلفت إيناس تحمل صينية الفطور وضعتها على طاولة مستديرة بالغرفة. نظرت نحو الفراش وتنهدت بعشق. رغم أنها حوالي الحادية صباحًا، لكنه كان ما زال غافيًا بالأحلام بأن ينال ما يشتهيها قلبه حتى لو بالأحلام. تُشاركه قبلة. اقتربت منه، قلبها يخفق. وضعت شفاها على وجنتيه ثم قبلت جانب شفتيه، تقترب منه بهمسات عاشقة. بينما هو هائم بحلم لذيذ، كأنه يشعر بشفاه أخرى هي من تتجول على صفحات وجهه وتقترب من شِفاه. بتلقائية غير واعٍ، جذبها يُقبل شِفاهها، مستمتعًا يتلذذ بآنين همسها وهي تكاد تشعر بالاختناق من قسوة قبلته التي أفاقته من غفوته اللذيذة ليكتشف أنها كانت وهمًا. وأخرى يبغضها هي التي تُصارع أنفاسها فوق صدره إلى أن هدأت وعاودت النظر له قائلة
بعيون تلمع بالرغبة والشوق: "صباح الخير يا حبيبي. أنا لقيتك نعسان مرضتش أصحيك من بدري، جولت إنك راجع وش الصبح، وشكلك كنت تعبان".
تنهد بضجر وهو يعتدل نائمًا على ظهره. بداخله غضب. ليته تلك الحمقاء ما أفسدت حلمه، وتركته يستلذ به. نظر لها وهي تضع يديها تُداعب صدره بإغراء. ونظرات عينيه تكشف شوقها. يكره ذلك، لكن يُشعره بهيمينته الرجولية عليها. جذبهامن رأسها وبتلقائية أصبحت أسفله. لمسات جافة من يديه الخشنة تُشعرها بأنوثتها. لحظات يشعر كأنها جارية بل أقل من ذلك، وهو يعطيها ما تبغي. تش
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!