في صباح يوم ربيعي هادئ، كانت أسيا تجلس حول طاولة الطعام الصغيرة الموجودة بداخل مطبخها في منزلها المتواضع في أحد شوارع إسطنبول الجانبية. فبرغم صغر المنزل، إلا أنه كان أنيقًا، فقد اختارت كل قطعة أثاث منه بعناية فائقة وذوق مرهف كعادتها. كانت تنظر إلى الخارج من خلال النافذة المقابلة لها برضا، وهي تستنشق عبير الزهور القادم من حديقتها الصغيرة التي زرعتها بنفسها واهتمت بها طوال السنين الماضية.
تنهدت براحة وهي تتذكر كيف كان وضعها في مثل هذا الوقت منذ خمس سنوات، عندما انتقلت حديثًا إلى ذلك المنزل وكيف استطاعت تأسيس حياة جديدة لها. أفاقت من أفكارها تلك على صوت صغير محبب إليها يناديها برقة: "ماما.. ماما أنا خلاص خلصت الأكل بتاعي." نظرت إلى طفلتها وعيناها تفيضان بالحب، وهي تتحرك في اتجاهها، تطبع قبلة صغيرة على جبينها وتقول بهدوء:
"طب ممكن أنا وأميرتي الصغيرة نتحرك دلوقتي عشان مامي عندها شغل كتير النهارده ويادوب أوديكِ الحضانة بتاعتك وألحق أروح المستشفى؟ جاءتها إجابة سؤالها على هيئة حضن صغير دافئ جعل عينيها تمتلئ بالدموع. فتلك الصغيرة هي حياتها ودنيتها وسبب بقائها على قيد الحياة. *** أوصلت أسيا طفلتها الصغيرة واطمأنت على جلوسها مع أصدقائها، قبل أن تتحدث إلى معلمتها: "زي ما اتفقنا، والدتي هتخلص وتيجي تستلمها زي كل يوم."
أومأت لها معلمة طفلتها رأسها بإيجاب، مطمئنة، قبل أن تتوجه إلى صغيرتها تقبلها مرة أخرى وهي تحدثها بحنان: "أسو، زي ما اتفقنا حبيبتي، هنقعد هاديين لحد ما جدتك تمر تاخدك، وأنا هشوفك بليل إن شاء الله." هزت طفلتها رأسها الصغير بإيجاب، طائعة، فطبعت قبلة على جبينها وتحركت إلى الخارج مسرعة، يفيض قلبها بالحب من أجلها. ***
نظرت أسيا إلى ساعة يدها بقلق وهي تستقل سيارة الأجرة، قبل أن تتنهد براحة. فالوقت ما زال مبكرًا، والمرور يخدمها نوعًا ما. كان اليوم هو يوم استقبال المالك الجديد للمشفى، وباعتبارها رئيسة قسم الأطفال، يجب أن تكون أول المتواجدين لحظة استقباله. وصلت إلى المشفى لتجد صديقتها عائشة في انتظارها عند الاستقبال في الطابق الأرضي، تصفر بإعجاب واضح عند رؤيتها: "واو، الطقم هياكل منك حتة. أنا مش عارفة دماغك دي بس اللي تعباكي وتعباني!
لو تسيبى نفسك وتبطل تصدي أي حد يحاول يقرب منك أو حتى يبين لك إعجابه، كان زماني مطمنة عليكي." نظرت إليها أسيا بعتب صامت، فسارعت عائشة تضيف: "خلاص.. خلاص سكت أهو." وأشارت بحركة مضحكة للتعبير عن إغلاق فمها.
كانت عائشة محقة، فهي كانت جميلة فعلاً بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ. فعلى الرغم من ضآلة حجمها، إلا أن جسدها كان ممشوقًا متناسقًا. تمتلك وجهًا صافيه مستديرًا رائع الجمال بعيون بنية واسعة وأهداب طويلة، وأنف يونانية صغيرة، إلى جانب تلك الغمزة التي كانت تزيد إلى جمال ضحكتها جمالًا من نوع خاص، إلى جانب شفاه وردية منتفخة وشعر بني طويل يمتد إلى منتصف ظهرها. كان يعجب بها كل من يراها.
أما عن ملابسها، فكانت ترتدي بلوزة زرقاء رسمية وبنطال أبيض فضفاض يضيف إليها القوة والمهنية. أما شعرها، فرفعته للأعلى على هيئة ذيل حصان ثم تركته ينسدل بنعومة. كانت تسأل صديقتها عائشة بسخرية واضحة: "يا ترى المالك الغامض وصل ولا لسه هنستنى عشان نعرف هو مين؟ أجابتها عائشة بنفس السخرية: "لأ، نجم اليوم لسه موصلش، دكتور طارق بس هو اللي هنا وكان بيطمن عليكي وصلتي ولا لسه." ثم أكملت عائشة حديثها باستغراب:
"يا ترى كل التكتيم ده ليه؟ تفتكري فيه حاجة؟ لترد أسيا بعدم مبالاة: " كلها شوية ونعرف، متشغليش بالك. تعالي نشوف شغلنا، ولما يوصل أكيد حد هيبلغنا." *** كانت أسيا داخل غرفة الاستقبال تفحص أحد المرضى، عندما سمعت إحدى الممرضات تعلمها بوصول المالك الجديد إلى مكتبه وتطلب منها الصعود للطابق العلوي للتعرف عليه. تحركت إلى الطابق العلوي مباشرة وهي تسمع همهمات من الممرضات حولها: "شفتي شكله حلو إزززززززززززاي؟
لتقاطعها أخرى مضيفة بحماس: "لأ، ولا هيبته! عليه هيبة ولا أحلى من ممثلين السينما." لتقول الثالثة بإعجاب واضح: "ولا جسمه ولبسه ومشيته! شفتوا ماشي إزاي؟ مش هامه حد! ابتسمت أسيا من حديثهم وهزت رأسها بسخرية من تعليقاتهم السطحية. وهي في طريقها إلى دخول الطابق الرابع، التقت بعائشة التي سرعان ما علقت باستهزاء عند رؤية أسيا: "أخيرًا هنعرف الأمير الغامض، قصدي المالك الغامض."
ثم غمزت لها بخبث لينفجرا في الضحك سويًا وهما يستأنفان سيرهما إلى التجمع. رفعت أسيا رأسها وهي لا تزال تبتسم، لتتجمد الابتسامة على شفتيها وينسحب الدم من عروقها. فالمالك الجديد للمشفى لم يكن إلا ذلك الذي يسكن أحلامها ويقظتها معًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!