نظرت أسيا بصدمة، تشعر كما لو أن الأرض تنسحب من تحت أرجلها والأصوات تتلاشى من حولها، ويدها ترتعش من شدة التوتر. أما هو، فكان ينظر إليها بتفحص شديد وعينيه تضيق عليها. سألتها عائشة بقلق: "أسيا مالك، حصل حاجة؟ هزت رأسها نافية وهي تبتسم، محاولة استجماع شجاعتها. أخذت تحدث نفسها بقوة: "اجمدي، أوعي تخليه يحس بحاجة. متنسيش وعدك لنفسك كل يوم، انتي تقدري تعدي الموقف ده." ثم رفعت رأسها بكبرياء لتجده ما زال ينظر إليها كالصقر. قطع
الدكتور طارق الصمت بحديثه: "موظفي المشفى الكرام، أحب أقدم لكم السيد مراد سويدي، المالك الجديد للمستشفى بتاعتنا. طبعاً السيد مراد رجل أعمال مشهور وغني عن التعريف، وإن شاء الله ناوي يطور من المستشفى بتاعنا، وده لمصلحته ومصلحتنا ومصلحة المريض طبعاً. فمن فضلكم رحبوا بيه معايا." ارتفعت الأصوات بالترحيب والتصفيق معاً. تحدث الصوت الرجولي العميق، الذي تتذكره جيداً كما لو أنه كان يهمس في أذنها البارحة، ببضع
كلمات مختصرة وافية كعادته: "أهلاً بيكم، أحب أرحب بنفسي وسطكم النهارده. المستشفى دي ملككم قبل ما تكون ملكي، وعشان كده أتمنى نتحد كلنا مع بعض ونتعامل كمجلس إدارة وطاقم طبي وإداري عيلة واحدة للوصول لأحسن النتائج اللي تخلينا المستشفى رقم ١ بالمدينة. وبالتوفيق وشكراً." دوت أصوات التصفيق مرة أخرى، وبدأ بعض مسؤولي المشفى بالتجمع حوله.
نظرت أسيا مرة أخرى في اتجاهه تتأمله، فوجدته كما تركها منذ ست سنوات، لم يتغير به شيء، كأن كل هذا الوقت لم يمر عليه. لا، إنها كاذبة، فقد تغير به كل شيء. لقد ازداد وسامة إلى وسامته وقوة إلى قوته، حتى جسده أصبح مصقولاً أكثر كأنه تمثال يوناني منحوت، وهو يرتدي بذلة رمادية متناسقة تماماً مع عضلات جسده، وقميص أبيض أسفلها يعكس سمار بشرته. كان مسيطراً كعادته، تحيط به هالة من الوقار تضيف إليه هيبة وسيطرة في أي مكان يتواجد به.
كان يتحدث باسترخاء مع أحد موظفي الاستقبال ويبتسم، لتكشف ابتسامته تلك عن أسنان بيضاء تتناسب تماماً مع ذقنه المشذب، فيبدو كشاب في العشرينات وليس بعمر السادسة والثلاثين. أما أكثر شيء يميزه، فهي تلك العينان الرماديتان الثاقبتان التي تستطيع اختراق أفكار أي شخص ببساطة وبرودة معاً.
نهرت أسيا نفسها بشدة، فهو لم يعد ملكها منذ عدة سنوات وليس لديها الحق في التفكير بأي شيء يخصه. حدثت نفسها بقوة: "إنه زوجها السابق، فقط السابق... سحبها من تلك الأفكار رنين جهاز النداء الآلي قادم من إحدى الغرف، لتركض إليها في عجلة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!