ظلت آسيا مكانها تحاول استيعاب ما حدث بينهم منذ قليل. هزت رأسها بقوة لعلها تفيق من كابوسها ذلك، ولكنه لم يكن بكابوس للأسف، هو حقيقة. كانت دموعها تنساب فوق وجنتيها بغزارة. هزت رأسها مرة أخرى وهي تتمتم غير مصدقة: "ده مش مراد، ده أكيد مش مراد." ثم انفجرت في البكاء تشهق بقوة وهي تتذكر ما قاله منذ قليل. هل يشك في صدق كلامها؟ مراد يظن أنها تكذب عليه من أجل المال!
لقد رفض ابنته منذ قليل. لم تتوقع حدوث ذلك في أسوأ كوابيسها. ظنت أن يعنفها ربما، أو أن يثور ربما أيضًا، ولكن أن يرفض ابنته!
ظلت في مكانها طوال الليل تبكي حتى الصباح. مع اقتراب شروق الشمس، مسحت دموعها بظهر يدها وقررت النهوض. قررت بقوة أنها النهاية. لن تجبره على شيء، ولن تنتظر منه شيئًا. ستأخذ ابنتها التي رفضها منذ قليل وتذهب. إنها لا تريد ماله اللعين. ستترك له كل شيء وتذهب، ولكن أولاً، ستثبت له صدق حديثها وتعيد كرامتها وكرامة طفلتها.
بعد مرور يومين، كانت تجلس آسيا على طرف فراشها وهي تبكي بصمت متذكرة ما حدث بينهم. لم تره منذ تلك الليلة. فقد عادت إلى المنزل في ذلك اليوم بمفردها، ولم تطأ قدمه المنزل من وقتها. كانت تمسك بمغلف ما، وتحركه بشرود بين أصابعها. أفاقت من شرودها على صوت رنين هاتفها. أجابت ببرود: "أفندم؟ حضرتك جهزت الورق؟ تمام، هاجي أوقع عليه دلوقتي وأخده من حضرتك." ثم أغلقت الهاتف ومسحت دموعها بظهر كفها وهي تتحدث بقوة:
"كفاية وجع قلب لحد كده، كفاية توجعني وتدمرني يا مراد." ثم تحركت للخارج. وقفت أمام باب منزله في وسط المدينة. تنهدت للحظة قبل أن تقرر دق جرس الباب. انتظرت دقيقة كتمت معها أنفاسها قبل أن يقف أمامها ممسكًا بمقبض الباب. تنفست مطولاً وهي تراه يقف أمامها مشعث الشعر، يرتدي بنطال أسود وتي شيرت من نفس اللون، ولحيته قد نمت بشكل ملحوظ. وقف أمامها مترددًا لثانية قبل أن يترك مقبض الباب ويستدير عائدًا للداخل دون اهتمام.
أخذت نفسًا آخر طويلًا لتهدئة أعصابها قبل أن تدلف إلى الداخل وتغلق الباب خلفها. سبقها إلى الأريكة وارتمى فوقها بكسل وعاود مشاهدة التلفاز مرة أخرى، غير آبهٍ بها كأنها فراغ. وقفت أمامه تنظر حولها، ثم انحنت تلتقط جهاز التحكم من الطاولة وقامت بغلق التلفاز قبل أن تعتدل في وقفتها وترفع رأسها بكبرياء. أعادت إحدى خصلات شعرها للوراء قبل أن تتنحنح محاولة تنقية حلقها، فخرج صوتها ثابتًا قويًا:
"مش هعطلك كتير، أنا عرفت العنوان من أنور، سألته عليك وهو اللي عطاني العنوان وقالي إنك قاعد هنا." لم تجد رد فعل منه، لذلك قررت التحرك مباشرة. انحنت مرة أخرى تضع الأوراق التي في يديها أمامه على الطاولة، ثم اعتدلت تشبك ذراعيها حول قفصها الصدري وتضيف بنبرة قوية عندما لم ينظر في اتجاهها:
"الظرف ده فيه حاجة بيتهيألي إنها مهمة، رغم إنها مش هتغير أي حاجة من اللي حصل. لو سمحت افتحه واقرأه، وبعدها يا ريت تمضيلي على الأوراق اللي تحته. هتلاقي إمضتي موجودة، فاضل بس إمضتك عشان المحامي يكمل إجراءاته." نظر لها بعبوس وقد استولت على اهتمامه بالكامل، ثم تحرك نحو المنضدة آخذًا المغلف ليفتحه. كانت نظرته ثابتة، ثم انتفض واقفًا وهو يتمتم بصدمة: "متطابق! إزاي؟ بنتي!!! آسيا بنتي أنا، مش معقول!
التحليل ده حقيقي، آسيا بنتي أنا؟ طب إزاي؟ آسيا بنتي فعلاً." كادت آسيا تجزم أنها سمعت الدموع واضحة في نبرته، ولكنها نفضت رأسها عائدة إلى أرض الواقع. اقتربت منه تقول بثبات: "ده تحليل DNA بيثبت أبوك لآسيا، بس ده مش هيغير أي شيء." ثم أضافت باستهزاء: "وطبعًا من حقك ترفض التحليل ده وتفتكر إنه مش حقيقي، بس صدقني مش هتفرق في حاجة عندي." ثم اقتربت خطوة أخرى وهي تقوم بخلع خاتم زواجها من إصبعها وتضيف وهي تضعه
على الأوراق فوق المنضدة: "وده طلب طلاق زي ما قلت من شوية. أنا مضيت، فيا ريت تمضي عليه وتبعتهولي في أسرع وقت عشان إجراءات المحكمة." أنهت حديثها والتفت تستعد للرحيل. كان مراد في عالم آخر ينظر إلى المغلف بصدمة، غير قادر على استيعاب الحقيقة بعد، فهو فعلاً والد آسيا. كيف حدث ذلك؟
التحاليل منذ سنوات أكدت استحالة قدرته على الإنجاب. أعاده للواقع صوتها وهي تطلب منه الطلاق وتنزع خاتم زواجها من يدها. حاول إيجاد صوته مسرعًا ليوقفها، كأنه يتحدث إلى نفسه قبل أن يتحدث إليها: "أنا مش بخلف... استدارت تنظر إليه عابسة وهي تسأل باستهزاء: "انت بتستهزأ بيا؟
اطمن، أنا مش ناوية أطلب منك تبرير لأي حاجة حصلت، زي ما أنا مطلبتش تبرير إنك ليه رجعت لحياتي تاني بعد ٦ سنين غياب، وزي ما مطلبتش تبرير للي سبتني عشانها راحت فين، وزي ما مطلبتش تبرير ليه يوم بتطلعني لسابع سما ويوم تاني بتنزلني لسابع أرض. مطلبتش تبرير لأي حاجة ولا عايزة أسمع حاجة. كل اللي عايزاه إنك تسيبني في حالي. كفاية أوي كده اللي عملته لحد النهارده، بس خلينا أنا وبنتي لوحدنا وكفاية."
كان يشعر بالألم يعتصر قلبه بقوة من المرارة البادية في نبرتها. فاقترب منها خطوة حذرة وهو يضيف: "مش تبرير، دي حقيقة. من ٦ سنين وبالتحديد يوم ما سبتك، الدكتور أكد لي إني استحالة أخلف أو أجيب ولاد." كانت نظرة الألم تكسو ملامحه. فشعرت بغصة في قلبها من مظهره. فأقتربت منه دون وعي تسأله باهتمام يشوبه الصدمة: "يعني إيه!!! إزاي مش بتخلف؟ مين الحمار اللي قالك كده؟ واسيا!!! واللي...
وضعت يدها فوق بطنها ثم أنهت جملتها وهي تعض على شفتيها، فليس من الحكمة أن تخبره الآن. اقترب منها يمسك يدها وهو يترجاها بألم: "آسيا، ممكن تقعدي وتسمعيني وأنا هحكيلك كل حاجة من الأول."
تحركت معه تلقائيًا دون مقاومة، فالألم البادي على وجهه جعلها تريد أن تحتضنه لتخفف عنه ذلك الألم، دون اعتبار لأي شيء حدث من قبل. جلست على الأريكة بجواره تستمع له بكل جوارحها. ازدرد ريقه بصعوبة قبل أن يبدأ حديثه وعيونه تغيم من تأثير الذكريات. فتلك أول مرة منذ معرفته يشارك أحد سره أو يفيض له بما يحمله قلبه: "فاكرة لما افتكرتي إنك حامل وطلعت النتيجة نيجاتف؟
كنت شايفك قد إيه محبطة وزعلانة عشان كان نفسك في طفل وقعدنا سنة كاملة من غير نتيجة. قررت بعدها بفترة إني أروح أعمل تحاليل للاطمئنان بس مش أكتر، ومكنتش متوقع إن ممكن تظهر حاجة مهمة أو إنها تخرب حياتي بالشكل ده. فعلاً روحت للدكتور وطلب مني أعمل تحاليل معينة وعملتها والنتيجة ظهرت تاني يوم. روحت بيها للدكتور وساعتها اتصدمت منها وقالي إن بالتحاليل اللي قدامه مفيش أمل ١٠٠٪ إن ممكن أخلف. طبعًا مستوعبتش اللي هو قاله ورفضت إني
أصدقه. فطلب مني إني أعيد التحاليل مرة تانية. رجعت المعمل فالموظف هناك قالي إنهم لسه محتفظين بالعينة بتاعتي ومش لازم أديهم عينة جديدة. وبعد ساعة حد من هناك كلمني إن التحليل خلص والنتيجة هي هي. رجعت للدكتور أكد لي التشخيص وقالي إن الحيوانات المنوية عندي صفر، يعني مفيش أي أمل إني ممكن أخلف في يوم بأي طريقة. خرجت من عنده وأنا حاسس إني بموت وإن أكتر حاجة بتتمنيها في حياتك مش هقدر أحققها لك."
شعرت آسيا بالدموع تتجمع داخل مقلتيها من سماعها لمعاناته وشعوره بألمه. ابتلع ريقه بصعوبة بالغة وأضاف محاولاً السيطرة على نبرته:
"قعدت ساعتها أفكر إزاي ممكن أحل المشكلة دي. افتكرت كل كلامك وإنتي في حضني عن الأطفال وإنك مستنية طفلنا بفارغ الصبر، وافتكرت الشغف وعيونك اللي بتلمع لما بتشوفي أي طفل قدامك، وافتكرت لما سألتك إشمعنى اتخصصتي للأطفال وقعدت تحكي لي ساعة كاملة عن عشقك ليهم. وكنت عارف كويس إني لو قلت لك الحقيقة مكنتيش هتقبلي تنفصلي عني بأي شكل من الأشكال، وأنا عمري ما كنت هقبل تضحي أو إنك تتنازلي عن أكتر حاجة بتتمنيها عشاني. عشان كده فكرت
إن أحسن حل إني أخبي عليكي وأقولك سبب يخليكي تكرهيني وتتنازلي عني بسهولة. ساعتها رجعت البيت ولقيت الفرحة مالية وشك كالعادة. صدقيني فكرت كتير لحظتها وأنا شايفك قدامي إني أترمى في حضنك وأقولك الحقيقة، بس مقدرتش وفضلت إني أجرحك وأجرح قلبي بنفس السكينة على إني أدمر حلمك. فقلت لك إني عايز أنفصل وإن فيه واحدة تانية في حياتي."
شهقت آسيا بصدمة وهي تضع يدها فوق فمها ثم سألته من بين دموعها المتساقطة: "إيه!!! يعني مفيش واحدة تانية؟! هز رأسه نافيًا قبل أن يجيب بصدق: "ربنا يشهد إن عمر ما حد دخل قلبي أو لفت نظري أو ملا عيني غيرك إنتي. عمري ما حبيت ولا هحب غيرك. بس مكنش قدامي حل تاني عشان أقنعك تسبيني وتقابلي غيري وتحققي أمومتك معاه." اقتربت منه أكثر تحاوط وجهه بكلتا يديها ودموعها تنهمر بصمت ثم سألته:
"بس أنا شفتك مع ياسمين، شفتك لما رحت أقولك إني حامل." رفع رأسه بصدمة مستنكرًا وهو يضيف: "إنتي!! إزاي وامتى؟! حاولت السيطرة على دموعها وهي تجيبه: "بعد ما سبتني وعرفت إني حامل، طلبت من أنكل كمال يدور عليك عشان أقولك، وفعلاً عرف يجيب عنوانك وروحت لك الفندق لقيتك نازل مع ياسمين وماسكة إيديك وبتضحكوا سوا وكنتوا بتعدوا الطريق، وبعدها طلعتوا مع بعض في قارب. لحظتها اتأكدت إنك نسيتني وإن فيه في حياتك واحدة تانية."
هز رأسه بقوة نافيًا وهو عاقد حاجبيه معًا: "ياسمين طول عمرها شريكتي وبس." صمت قليلًا ثم أضاف متذكرًا: "اليوم ده كان عندنا اجتماع مع مستثمر إيطالي وهو كان بيحب البحر جدًا لدرجة إنه طلب منا يكون اجتماعنا هناك." صمت قليلًا ثم أضاف كتقرير: "إنتي عشان كده قلتي لآسيا إن باباكي في مركب في البحر؟! هزت رأسها ببطء إيجابًا، فتأوه بصوت مسموع قبل أن يرتمي بين ذراعيها يتمتم:
"يا ريتني كنت صارحتك أو كنت شفتك لحظتها. أنا بحبك وعمري ما هحب غيرك في حياتي. إنتي كل حاجة بالنسبالي. الحياة من غيرك السنين اللي فاتت دول مكنتش حياة." كانت تمسح على شعره بحنان، فهي تصدقه وتثق به. فهي تحبه لدرجة أنها تشعر بأنها هي من يتألم وليس هو. شدت من احتضانها له، فرفع رأسه ينظر لها بضياع وهو يحاوط وجنتيها بكفه:
"أنا مش هسيبك، أنا مش هخليكي تضيعي مني تاني. أنا آسف إني مصدقتكيش وآسف إني اتعصبت عليكي وآسف إني زعقت لك وآسف إني زعلتك في يوم وآسف إني جرحتك وآسف إني... قاطعته مطمئنه بحنان: -هشششش, مراد اهدى أنا جنبك وحواليك ومش هخليك تبعد عنى تانى ومش هسمحلك. كانت تطمئن نفسها قبل أن تطمئنه، فللمرة الأولى شعرت أنه كطفل صغير يريد الشعور بالأمان في حضن والدته. عاد يستند برأسه على صدرها وهي تمسح بحنان على شعره، فأكمل حديثه:
-بعد ما سبتك ومشيت قررت إني هقاوم حبى ليكي لمصلحتك ومش هدور عليكي تاني وفعلاً عملت كده. كنت بهرب منك بس الحقيقة إني كنت بهرب من نفسي. سنين كاملة بفتكرك كل يوم وكل ليلة وكل لحظة. مروا الـ 5 سنين عليا وأنا بحاول بكل طاقتي إني مدورش عليكي عشان مضعفش. كنت دافن نفسي ليل ونهار في الشغل بس ماكنتش عايش. كنت حاسس إني إنسان ماشي من غير روح وكنت بصبر نفسي إن ده كله لمصلحتك وإنك أكيد دلوقتي عايشة حياتك ومستقرة ومعاكي أطفالك. بس
في يوم ضعفت وأديت لنفسي حق إني أدور عليكي وأطمن من بعيد لبعيد ومصدقتش لما اكتشفت إن عندك طفلة وعايشة بيها لوحدك. وعلى قد وجعي إن حد غيري لمسك، حسيت إن حظي ابتسملي تاني وإني دلوقتي بس أقدر أرجعلك من غير ما أكون حرمتك من الأطفال. ومن حسن حظي إن المستشفى اللي كنتي شغالة فيها كانت بتمر بأزمة مالية والملاك مخبين على الموظفين. ساعتها قلت إن دي أحسن فرصة تخليني أتقرب منك من غير ما ترفضي تتعاملي معايا. وساعدني في ده دكتور
طارق. عرفني من أول مقابلة وطبعاً في الأول مكنش مطمنلي بس لما حكيتله إن مفيش واحدة في حياتي وإني عملت كده عشان أحميكي قرر يقف معايا واتفقنا إننا نخبي هوية المالك عشان متعرفيش وتسيبى المستشفى قبل ما أقابلك. وأخد فرصتي معاكي. وجه اليوم اللي المفروض كنت أقابلك فيه. كنت عامل زي الطفل اللي مستني ليلة العيد. معرفتش أنام من كتر الحماس والقلق والخوف. أيوه متستغربيش من الخوف إني أشوف نظرة كره في عيونك أو إنك متقبلنيش في حياتك
تاني. ولما جه تاني يوم فضلت قاعد في العربية من الساعة 6 رغم إن دكتور طارق قالي إنك مش بتوصلي قبل 8 بس أنا وصلت بدري وفضلت مستني أشوفك. ولما ظهرتي في الشارع كأن الشمس رجعت تدفي حياتي من تاني. كنتي لابسة بلوزة لبني وشعرك طاير وراكي من الهوا ومع كل خصلة بتتحرك كان قلبي بيتحرك معاها كأني مراهق بيحب جديد وأول مرة يشوف حبيبته. بعدها دخلتي واستنيت شوية ودخلت وراكي عشان أطمن إنك ماخدتيش بالك مني. ولما وصلت دكتور طارق اقترح
عليا أعرفك بنفسي لوحدنا بس أنا كنت خايف من رد فعلك عشان كده طلبت منه تكوني موجودة مع باقي زمايلك وفعلاً ده اللي حصل. كنت واقف وسطهم مستنيكي تظهري في أي لحظة وفعلاً طلعتي وإنتي بتضحكي ضحكتك اللي رجعتلي روحي. وفجأة رفعتي عينيك عشان تقابلي عيني. حسيت العالم اختفى كله من حواليا وبقينا أنا وإنتي لوحدنا. كانت عينيكى بتشع تحدي وعناد ومعاهم جزء خوف. نظرة خلتني أقع في حبك من أول وجديد. عارفة قد إيه ساعتها تمنيت بس إني أحضنك.
كانت كل انفعالاتك واضحة على وشك الناعم ده. انفعالات أنا بس اللي عارفها. وعلى قد ما وجعتني رسالة عينيك ليا والعتاب اللي ماليها على قد ما فرحت إنها مافيهاش نظرة كره. بعد كده فجأة جريتي على السلم واختفيتي من قدامي ومبتعرفيش قد إيه كنت مستاء من اختفائك عن عيني. رجعت مكتب طارق معاه وأنا بعد الثواني لحد ما ساعات شغلك تخلص ويقدر يستدعيكي. معرفش الساعات عدت عليا إزاي وأنا قاعد زي العاجز قريب منك وفي نفس الوقت مش قادر أريح
قلبي وعيني بضحكتك. بعدها استداعاكي طارق وكتمت نفسي لحد ما فتحتي باب المكتب تطلي عليا منه وشفتك بتضحكي لطارق.
صمت قليلاً كأنه يحاول السيطرة على نبرة صوته قبل أن تخونه، وهو يشدد من احتضان ذراعيه لها كأنها يخشى هروبها، ثم أضاف بنبرة تملؤها المرارة ممزوجة بالحنان معاً:
-عارفة، بعدك عني عقاب. إني أكون جنبك ومقدرش المسك عقاب. بس أقسى عقاب ليا إني أشوف ضحكتك للناس كلها وأنا لأ. سكينة غرزت قلبي وأنا شايفك بتضحكي لطارق وبتبصيلي بغضب. كان لازم أعمل حاجة تريح قلبي وتطمني إني لسه بأثر عليكي ولو شوية صغيرة. ومش هنكر إني قعدت أحلم سنين إمتى هييجي اليوم وألمس إيديك تاني عشان كده ما صدقت. أول ما لمستها تمنيت أكتر من لمستها بكتير وفرحت لما حسيت إنك اتأثرتي بلمستي زي ما لمسة منك بتجنني. هربتي بعدها مني وأنا هربت وراكي. فضلت أراقبك من بعيد لحد ما خرجتي من المستشفى وكان وشك سرحان ومش حاسة بأي حاجة حواليكي ولا العربية اللي كانت بتقرب منك. جريت عليكي في لحظة خدتك جوه حضني وأنا قلبي هيقف من الرعب عليكي.
ابتسم قليلاً ثم أضاف: -بس ساعتها قطتي هربت مني وبعدت عني. مسمحتليش أرتاح وهي جوه حضني شوية. وطلبت مني طلب كان الموت أهون عليا من تنفيذه. اخفضت رأسها بخجل، فهي تتذكر جيداً عندما دفعته بقوة طالبة منه ألا يقترب منها أو يلمسها لأي سبب كان. فتحت فمها تهتف اسمه بحنان ممزوج بخجل، ولكنه استقام في جلسته ليحيط وجهها بكلتا كفيه هامساً بحنان: -هششش، متقوليش حاجة، سبيني أقولك كل اللي جوايا.
هزت رأسها له ببطء والدموع تتجمع داخل مقلتيها من عذوبة كلماته واعترافه ومدى العذاب الذي مر به مثلما مرت هي، بل وأكثر منها. أعادها صوته العميق إليه مضيفاً: -لحظتها خفت فعلاً إنك تسبيني وتمشي وساعتها فرصتي الوحيدة إني أقربلك تضيع مني، عشان كده طلبت من حد يتابعك وأي مستشفى كنتي بتقدمي فيها كنت بخليهم يرفضوا. شهقت بفزع مصدومة من اعترافه وهي تردد مستنكرة: -أنت فعلاً عملت كده. أجابها مبتسماً:
-وكنت مستعد أعمل أكتر من كده بكتير بس تفضلي جنبي. اقتربت منه تحتضنه وتستند برأسها على صدره ليمسد هو على شعرها بحنان مستكملاً: -من اللحظة دي كنت عايز أعترفلك بكل حاجة وأطلب منك ترجعيلى، بس فضلت إني أديكي وقت تتعودي على رجوعي الأول. ومن ناحية تانية كنت بحاول أعرف مين أبو أسيا وأطمن إنك مش ناوية ترجعيليه. أضاف بنبرة ملؤها الألم:
-عارفة يا أسيا، وقت ما عرفت إن في حد تاني دخل حياتك وبعد انفصالنا بـ 3 شهور بس، كنت حاسس إني روحي بتتسحب مني. الليلة دي كنت حاسس إني نايم على شوك. كانت الدنيا برغم براحها ضيقة عليا وأنا بتخيل إن في حد تاني لمسك. لو بس تعرفي قد إيه تمنيت إنها تكون بنتي. حلمي اللي كنت بحلم بيه من يوم ما شفتك. لدرجة إني حبيتها من قبل ما أشوفها وكنت مستعد أتخلى عن كل حاجة في حياتي مقابل إنها تكون بنتي منك.
ظلت تستمع إلى كلماته تلك ودموعها تنهمر بقوة، ندم على ما فعلته به من إخفاء الحقيقة عنه. تحدثت بخفوت: -أنت كنت غيران من نفسك!! مراد أقسم لك إن محدش لمس حتى إيدي من يوم ما سبتني. صمتت قليلاً تحاول السيطرة على دموعها المنهمرة بقوة قبل أن تضيف:
-أنا آسفة، أنا عارفة إني خبيت عليك ومفكرتش في إحساسك وكنت أنانية، بس أنا كنت خايفة، كنت خايفة لو عرفت إنها بنتك وأنت بتحب غيري تطلب تاخدها مني وأنا ماكنتش أقدر أعيش من غيرها. ولما قررت أصارحك وروحتلك المكتب لقيت ياسمين معاك، لحظتها شكوكى زادت إنك ممكن تاخد مني أسيا وتسيبني عشان ياسمين. مد يده يمسح بسبابته دموعها المنهمرة فوق وجنتها:
-أنا عارف إني كنت السبب في كل اللي حصلنا عشان كدبت عليكي وضيعت ثقتك فيا ومصارحتكيش من الأول. بس صدقيني ياسمين بالنسبالي مش أكتر من شريك وبس. آه كانت عارفة إني انفصلت عنك وكانت بتحاول تقرب مني بس في نفس الوقت كانت عارفة كويس إني بحبك أنتِ وأنا فهمتها ده أكتر من مرة. اقتربت أسيا منه تمسح على شعره بحنان متمتمة بخجل: -وأنا كمان خالد مكنش ليه أي وجود في حياتي. ثم أضافت بخجل:
-أنا استغليت إنك فكرت إنه والد أسيا الحقيقي عشان أمحي أي شك يجي في عقلك إنها بنتك مش أكتر. وعشان كده لما سألتني مقلتش الحقيقة. عضت أسيا على شفتيها بخجل متمتمة: -وبصراحة لما اكتشفت إنك كنت غيران منه الوضع ده فرحني. ولما طلبت مني نتجوز وروحت وقلتلك إني موافقة عشان الإنسان اللي بحبه كانت قصدي أنت مش خالد. ابتسم لها بحب وهو يضمها إليه ويطبع قبلة طويلة على جبهتها وهو يقول:
-إنتي عارفة لما طارق قالي إنه طلب يتقدملك كنت حاسس إيه؟ كنت عايز أقتله. وصدقيني لو كنتي وافقتي أنا كنت هنفذ تهديده كله ومن غير تردد كمان. مكنتش هسمح لحد ياخدك مني بعد ما لقيتك تاني. ابتسمت بخجل وهي تشد من احتضان ذراعها حول خصره: -أنا مكنتش هوافق أصلاً لو كنت هموت. أنا كل السنين دي كنت عايشة على أمل إنك ترجعلي في يوم. تنهد مراد مطولاً براحة وهو يرفع إحدى كفيها إلى فمه ويقوم بتقبيل كل إصبع فيها على حدة:
-وأنا معنديش استعداد أسيب روحي لحد تاني. تحدثت أسيا بخجل تسأله: -طب ممكن أسألك سؤال؟ ليه لما طلبت تتجوزني قلتلي عشان خاطر أسيا وهددتني بخالد مع إنك لو كنت صارحتني كنت هوافق على طول؟ أجابها مراد بحنان: -عشان في الوقت ده كنت مقتنع إنك بتحبي خالد وإني صفحة في حياتك وخلصت وإنك هتفضلي أبو بنتك عني. صحيح كنت متأكد إنك لسه بتنجذبيلي زي ما أنا بنجذبلك، بس خفت لو قلتلك الحقيقة تفضلي واحد بيخلف عني. شعرت بيده تشدد من احتضانه
لها بقوة أكبر وهو يضيف: -ولو كنت طلبت منك ترجعيلى من غير ما تعرفي السبب الحقيقي عمرك ما كنتي هتوافقي. عشان كده مكنش قدامي حل إني أجبرك حتى لو قبلتي تتجوزيني عشان تحمي واحد تاني. سحبت نفسها من بين ذراعيه لتقبل وجنته بحنان متمتمة من بين دموعها المنهمرة: -أنت الأول والتاني والتالت والأخير. أنت اللي ملكت روحي وقلبي ومن دلوقتي هنرجع نعيش حياتنا زي الأول وأحسن كمان مع بنتنا ومش هنخبى أي حاجة على بعض تاني. اتفقنا؟
هز رأسه لها بحنان موافقاً وهو يقول: -وعد عمري ما هخبي حاجة عنك أبداً. إنتي مراتي وبنتي الأولى وحبيبتي وحياتي كلها. ثم اقترب منها يلتهم شفتيها بعذوبة وحنان. ابتعد عنها بعد قليل يسألها بحماس: -أسيا، عايز أروح لآسيا، عايز أحضنها وأنا عارف إنها بنتي، عايز أبدأ معاها من دلوقتي وأعوضها عن كل الأيام اللي عاشتها من غيري. هزت رأسها له موافقة بقوة والدموع تتجمع داخل مقلتيها مرة أخرى قبل أن ترفع كفها تحتضن
وجهه بحب وهي تبتسم له: -هنعمل كل اللي نفسك فيه. صمتت لحظة ثم أضافت بتوتر: -مراد في حاجة أخيرة لازم تعرفها. نظر لها متسائلاً وهي تقضم على شفتيها، ثم مدت يدها لتمسك بيده وتضعه فوق بطنها، ثم أعادت نظرها له مبتسمة. حرك رأسه يسألها متفهماً: -مش فاهم؟ اقتربت منه تهمس في أذنه بفرح: -مراد أنا حامل. تسمرت نظرته فوق موقع يده غير قادر على استيعاب ما تفوهت به منذ لحظات. نقل نظره من عيونها إلى بطنها وهو يزدرد ريقه بصعوبة. "أسيا!
أنتِ... بجد؟ دوت ضحكتها عالياً وهي تجيبه. "آه والله حامل بقالي شهر تقريبًا. عشان تعرفي إن حبيبي مش أي كلام." ثم غمزت له بإغراء. مرر يده على وجهه بتوتر قبل أن يرتمي بين ذراعيها، يدفن رأسه في كتفها. شعرت بدموع تسقط على كتفيها. إنه يبكي!
مراد يبكي بين ذراعيها للمرة الأولى. لم يستطع قلبها تحمل ما يمر به، فسالت دموعها بالرغم عنها مرة أخرى وهي تمسح على شعره بحنان. ظلت تحتضنه بهدوء حتى أفضى بجميع مشاعره وتمالك نفسه. ثم رفع رأسه يقبل يدها بحنان ويمسح على شعرها ووجهها، ثم قام بتقبيل جبهتها مطولاً قبل أن يتحدث بهدوء. "أسيا مش هينفع، الحمل ده مينفعش يكمل. خطر عليكي وأنتي أهم عندي من أي حد."
في البداية صدمت من كلماته، ولكنها تفهمت موقفه عندما رأت نظرة الحزن تكتسي ملامحه. فهو سعيد مثلها، ولكنه يخشى عليها وكل ما يريده هو القليل من الاطمئنان. مسكت يده تضعها فوق بطنها مرة أخرى، ويدها الأخرى تحتضن وجنته، ثم تحدثت بحنان. "حبيبي أنا عارفة إنك قلقان عليا، بس متخافش. ده رزق من ربنا بعتهولي دلوقتي بالذات عشان يجمعنا سوا، وأنا استحالة أفرط في حتة منك جوايا." حاول مقاطعتها، ولكنها أكملت مسرعة.
"أنا عارفة إن الدكاترة قالولي صعب أحمل تاني، بس مش مستحيل. ده غير إنك جنبي، يعني مش هتسمح حاجة وحشة تحصلّي صح؟ أنا المرة اللي فاتت كنت بموت عشان أنت سبتني، لكن أنا دلوقتي عندي دافع قوي وهو أنت. ثم إني بوعدك إني هحافظ على نفسي وأكلي وهسمع كلام الدكاترة وهتابع على طول." فتح مراد فمه للاعتراض، فأكملت متوسلة وهي ترتمي داخل أحضانه.
"مراد، ربنا بيديك ويديني فرصة تانية نعيش مع بعض اللي اتحرمت منه واللي أنا معرفتش أعيشه صح من غيرك. فمتحرمناش منه. ثم إني واثقة في ربنا وعارفة إن مفيش حاجة وحشة هتحصلي. ومتخافش، أنا معنديش استعداد أسيبك ولا أسيب بنتي بعد ما اجتمعنا سوا." اعتدلت في جلستها تنظر إليه متوسلة وهي تتمسك بيده. فلم يستطع الصمود أمام نظرتها. تحدث على مضض. "موافق بس بشرط... قفزت من مقعدها بفرح وهي تصفق بيدها. "موافقة من قبل ما تقول."
نظر لها يبتسم بمرح قبل أن يكمل. "هتكوني في المستشفى عشان الدكاترة تتابعك من دلوقتي وتكوني تحت مراقبتهم." هزت رأسها موافقة وهي تحتضنه متمتمة بحب. "ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك أبداً." ...................
في الصباح التالي، أصرت أسيا على الذهاب إلى المختبر الذي قام بعمل فحوصاته منذ 5 سنوات. بالطبع كانت تعلم أنه مضى وقت طويل، ولكنها تريد معرفة من المتسبب في ذلك الخطأ الذي دمر حياتها وحياته. وافقها مراد في الذهاب على مضض، فقط من أجل سعادتها. وصلا إلى المختبر وطلب مراد بصرامة رؤية المدير المسؤول بعد أن عرف موظف الاستقبال بنفسه. اختفت قليلاً ثم عادت ومعها المدير، الذي ما إن رأى مراد أمامه حتى توترت ملامحه. ثم طلب منه الذهاب معه إلى مكتبه الخاص. جلس كلاهما بملامح جامدة أمام المدير الذي تحدث على الفور.
"مراد بيه، يمكن حضرتك مش فاكرني، بس أنا مدير الفرع من أكتر من 10 سنين. أولاً، أنا دورت عليك كتير لأن من حوالي 5 سنين حضرتك قمت بعمل تحليل عندنا والموظف عكس بين نتيجة حضرتك ومريض تاني." مرر المدير يده فوق جبهته بتوتر وهو يرى نظرات مراد الغاضبة إليه، ثم أضاف.
"زي ما قلت لحضرتك الموظف عكس بين النتيجتين، وللأسف عمل كده عن قصد بالاتفاق مع سيدة ما. ولما اكتشفنا ده حاولت أوصل لحضرتك على الرقم الموجود في الملف والعنوان، لكن مكنش في إجابة على التليفون وعنوان البيت للأسف ملقيناش حد متواجد فيه." هب مراد يقف على قدميه ويجذب المدير من ياقة قميصه متحدثاً بصراخ. "يعني إيه بدل نتيجتي مع شخص تاني! ومين الشخص ده؟ أنت عارف عملتك دي عملت فينا إيه! أعمل إيه باعتذارك ده؟
هبت أسيا تقف بجواره تحاول تخليص المدير من بين يديه رغم غضبها هي الأخرى. توسلت إليه، فتركه بعدما سمع توسلها. فتحدث المدير برعب مبرراً. "أنا عارف يا فندم إنها كارثة كبيرة وخصوصاً في تحليل حساس زي ده، بس صدقني إحنا أول ما اكتشفنا المؤامرة دي حاولنا نوصل لحضرتك كتير على التليفون ونبلغك بالنتيجة الصح، بس مكنش في إجابة منك."
تذكر مراد في ذلك اليوم كيف كان غاضباً حتى أنه قام بكسر هاتفه عند تأكده من استحالة إنجابه. سأله مستفسراً. "بس أنا فاكر إن اليوم ده طلبت إعادة التحليل وفعلاً عادوه تاني." تمتم المدير برعب.
"فعلاً حصل لما سمعنا تسجيل المكالمة، بس اللي حصل إن الموظف كان في اليوم لوحده وانتهز الفرصة إنه ينفذ خطته للآخر، عشان كده بلغ حضرتك بنفس النتيجة مطمن إن مفيش حد هيدور وراه اليوم ده. لأن في حالة تحاليل دي لازم عينة جديدة. بس هو قال لحضرتك إنهم هيعيدوها على العينة القديمة عشان تبان كل حاجة طبيعية، والحقيقة إنه معملش أي حاجة وسلم حضرتك نفس النتيجة بنفس الخطأ."
ارتد المدير إلى الخلف وهو يرى تقدم مراد الغاضب منه وهو يأمره. "اتفضل استدعيلي الموظف ده حالا. عايز أعرف مين اللي اتفقت معاه." أنهى جملته بصراخ جعل كلاهما أسيا والمدير ينتفضوا فزعاً. سارع المدير في الإجابة. "يا فندم، الموظف اتطرد من يومها وأخد كل العقاب اللي يستحقه. حتى السيدة اللي اتفقت معاه محدش يعرف عنها حاجة أكتر من اسمها، والمؤسسة مستعدة لأي تعويض حضرتك تشوفه مناسب." أجابه مراد ساخراً بنبرة يملؤها الغضب.
"قولي اسمها حالا. وبعدين التعويض ده هتشوفوا مع المحامي، عشان تتعلموا بعد كده تختاروا موظفين عندهم ضمير." تعلثم المدير في نبرته. "ياسمين." شعرت أسيا بالغرفة تضيق من حولها فتمتمت لمراد مترجية. "مراد لو سمحت عايزة أخرج."
التفت يحتضن يدها على الفور قاطعاً استكمال حديثه ليسير بها للخارج. بمجرد خروجهم التفت أسيا إليه تحتضنه بكل قوتها، فهي تعلم جيداً ما يشعر به الآن، فهي تمر بنفس الأحاسيس. احتضنها بقوة مشدداً من التفاف ذراعيه حولها. تمتمت له مطمئنة. "المهم إني معاك، المهم إنك جنبي، المهم إنك رجعت لبنتك تاني. والأهم إن ربنا عوضنا بطفل تاني هنعيش معاه أحلى ذكرياتنا." أجابها مراد يتوعد.
"صدقيني مش هسيبها تفلت باللي عملته وتدفع تمن غالي أوي." كان هناك سؤال يضرب في ذهن أسيا بقوة، فسألته مستفسرة. "مراد، أنت كل الفترة دي مفكرتش تزور دكتور تاني؟ أجابها مقرراً. "ولا مرة. كنت شايف بما إني بعيد عنك مفيش حاجة تستاهل من بعدها أدور عليها." عادت تحتضنه مرة أخرى هامسة. "أنا آسفة إني متمسكتش بيك وسبتك تمشي، بس وعد عمري ما هعملها تاني." .................
مضت أسيا فترة حملها بسلام. فمن اليوم التالي نفذ مراد رغبته وظلت أسيا طوال ثمانية أشهر حملها داخل المستشفى. بالطبع مرت ببعض الصعوبات، ولكن عزيمتها مع حنان مراد الذي كان يغدقها به ساعد كثيراً في تحسن حالتها. فمنذ انتقالها للمستشفى انتقل معها مراد ولم يتركها بمفردها إلا لأجل بعض الاجتماعات، ثم يعود إليها مرة أخرى ليقضي أيامه ولياليه بجوارها حتى وضعت طفلها بسلام. ................. بعد مرور 3 أعوام:
كانت أسيا تركض خلف سليم طفلها الصغير عندما اصطدمت بجسد مراد. مد يده يسندها ثم حاوطها بذراعيه يحدثها بمرح. "إيه؟ بالراحة، بتجري زي القطر كده ليه؟ نظرت له بعبوس مصطنع قبل أن تجيبه بدلال. "مراد، ابنك جنني، مش عايز ياكل وطول اليوم مخليني بجري وراه عشان أمسكه. عايز يلعب وبس." ابتسم لها بحنان ثم غمز لها ماكراً. "يعني عشان كده برجع بليل بلاقيكي خلصانة ومش معبراني خالص؟ شهقت بفزع وهي تلكمه بحنان على ذراعه. "والله!
ده على أساس إنك بتسبني أنام مثلاً ومش بتصحيني؟ دوت ضحكته عالياً قبل أن يضيف. "ما أنتي بتفصليني عقبال ما بتقومي وتروقي. عشان كده قررت استغل الفرصة النهارده وأجيلك بدري." رفعت يدها تتلمس وجنته وهي تتمتم بحنان. "مممم... يعني عشان كده جاي بدري. ماشي، وأنت كمان وحشتني بس مش هينفع." ثم ابتعدت عنه مخرجة لسانها لإغاظته. قبض عليها مرة أخرى بحركة واحدة يحبسها بين ذراعيه وهو يتمتم بمرح.
"مش هتعرفي تفلتي على فكرة، بس أنا جيت عشان في حاجة كمان عايز أقولهالك." سألته بقلق واضح. "إيه؟ أجابها بهدوء. "ياسمين." امتعضت ملامح وجه أسيا وهي تسأله. "مالها العقربة دي كمان؟ هي مش فلست وارتحنا منها؟ أجابها مراد بهدوء وهو يحتضن خصرها. "حبيبتي متخافيش. أنا ببلغك إنها اتقبض عليها بتهمة تهريب مع رجل أعمال من الخارج. ضحك عليها وخلى كل حاجة بإمضتها وهرب لما الشحنة امسكت والمفروض دلوقتي تتحاكم." تنهدت أسيا براحة.
"مش عارفة أقول إيه، أخدت جزائها. المهم إنها بعيدة عننا." أجابها مراد بحنان. "قلتلك طول ما أنا جنبك متخافيش من أي حاجة. وهي من ساعة الصفقة اللي ضربتها فيها وأعلنت إفلاسها بسببها وهي بعيدة عننا ومشغولة بنفسها. ودلوقتي هتاخد حكم مش أقل من 10 سنين كاملة." تمتمت أسيا بحب. "ربنا يخليك ليا وميحرمنيش من وجودك جنبي." شدد مراد من احتضانها يسألها بخبث. "سيبك من ياسمين، المهم إحنا كنا بنقول إيه؟
لم ينتظر إجابتها، وأخفض رأسه ينشر قبلات صغيرة متتالية على وجنتها وطرف شفتيها ودقنها. همست له بوهن معترضة. "مراد، الولاد... رفع رأسه يلتفت ينظر إليهم، ثم أضاف متمتماً بعدم تركيز عائداً إلى ما كان يقوم به. "الولاد مش مركزين، وبعدين سليم قاعد بيلعب مع أسيا والمربية هتاخد بالها منهم." ثم انحنى يحملها ويصعد بها إلى غرفتهم حيث مشاعرهم التي لم يختبراها إلا معاً. .................
في غرفة مظلمة لا يُسمع فيها إلا أصوات أجهزة القلب والتنفس، فتحت آسيا عينيها ببطء، تنظر غير مستوعبة ما يدور حولها. استدارت على صوتٍ باكي يتحدث من بين شهقات الفرح. إنه صوت والدتها تهمس لها باكية وهي تحتضن يديها بحب: "بنتي الحمد لله، ربنا استجاب لدعواتي."
حاولت الابتسام، ولكن يبدو أن عضلات وجهها لم تستعد عافيتها بعد. نظرت حولها، وإذا بها ترى ظلاً يقف بعيداً، مترقباً. ظل رجل تعرفه جيداً. تنهدت بعمق يشوبه الكثير من الألم. إذاً، فقد عاد. زوجها الهارب عاد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!