في ذلك الوقت كان مراد يجلس على مكتبه تعلو وجهه ابتسامة وهو يفكر في حبه الأول والأخير آسيا، مالكة قلبه وتوأم روحه التي شعر معها باكتماله.
عاد بذاكرته للصباح ليتذكر همساتها له ظناً منها أنه نائم. كانت تخبره كم تحبه وتشتاق له وتشعر بالأمان بجواره. كان يريد أن يخبرها بكل ما يحمله في قلبه لها من عشق وهيام. يريد أن يبوح لها بسره الذي يؤلمه ويمزق روحه. أنها زوجته وحبيبته والوحيدة التي استطاعت جعل قلبه يخفق لأجلها. ولكنه لم يفعل.
تأفف في مقعده مقرراً أن يخبرها بكل ذلك اليوم. نعم اليوم. فهو يثق بها كنفسه. سيخبرها بما حدث معه منذ عدة سنوات في ذلك اليوم المشؤوم. سيعترف لها بالحقيقة كاملة، سيشاركها ألمه وضعفه. وأيضاً، سيخبرها أنها هي الوحيدة التي ملكت قلبه دون سواها وليس هناك أنثى على الأرض استطاعت ملء فراغها بالنسبة له. سيخبرها أنه خدعها بادعائه حب أخرى وأنه فعل كل ذلك من أجل سعادتها.
أفاق من شروده على رنين هاتفه. التقطه ثم ابتسم بسعادة، فالمتصل هي زوجته الحبيبة. أجاب مسرعاً: "آسيا." جاءه صوتها من الطرف الأخير مبتسماً: "مراد، عايزة أقولك على حاجة هتفرحك." مراد: "إيه هي، قولي وأنا سامعك." كان يشعر بابتسامتها من خلال الهاتف فازدادت ابتسامته تلقائياً لسعادتها. آسيا بابتسامة عريضة: "لأ، الكلام اللي هقولهولك مينفعش في التليفون، لازم أشوفك." مراد:
"طيب، أنا أصلاً كنت مقرر أخطفك النهارده ونقضي ليلة لوحدنا بعيد عن أي حد عشان أنا كمان عايز أقولك حاجة مهمة." آسيا بفرح: "طبعاً موافقة، ياريت تخطفني في أسرع وقت عشان أنت وحشتني." سمعت صوت أنفاسه غير المنتظمة من الطرف الآخر قبل أن يجيبها: "يبقى استنى عليا لبليل واخرجي بدري وهقابلك في البيت الساعة ٨."
وافقت بسعادة قبل أن تغلق الهاتف وتقرر الخروج من المشفى. أتى المساء سريعاً، وبرغم حماس آسيا إلا أنها كانت تزداد توتراً من اقتراب ميعاد الحقيقة، فهي تعلم جيداً أن مراد سيسعد بها ولكنها لازالت متوترة من تأخرها في إخباره. في المساء كانت تتشابك أيديهما معاً في طريقهما للخارج. سألته آسيا بعد صعودهما للسيارة بفضول يتأكلها منذ الصباح: "مراد، احنا هنروح فين؟ ابتسم لها ابتسامة ساحرة وهو يجيبها:
"مانا لو قلتلك مش هتبقى مفاجأة، استنى بس ساعة وهتشوفي بنفسك." أجابته معترضة: "مانا عايزة أعرف، وكمان متنساش إننا سايبين أسو لوحدها." مراد: "متخافيش، هنرجع الصبح قبل ما أسو تصحى. وعد. وبعدين هو أنا مش من حقي أخطف مراتي شوية لوحدنا؟ ابتسمت بخجل وهي تعيد إحدى خصلات شعرها المتمرّدة للخلف قبل أن تجيبه: "خلاص، اللي تشوفه." مد يده يمسك بيدها قبل أن يرفعها نحو شفتيه يقبلها ثم يقبل باطنها.
بعد حوالي ساعة توقف أمام بيت جبلي رائع بحديقة واسعة خلابة. نظرت إليه آسيا بتساؤل فابتسم لها وهو يجرها بحماس للداخل. شهقت آسيا بمجرد دخولها للمنزل من ديكوره الخشبي الذي كان يضيف إليه الدفء والحميمية. التفتت تنظر لمراد بعيون لامعة قبل أن تحدثه بخفوت وهي مازالت ممسكة بيده: "مراد." أجابها بحنان: "عيون مراد." ابتسمت له بخجل من أثر كلمته البسيطة ثم أضافت: "مراد، البيت حلو أووووي." اقترب منها يلف ذراعيه حول خصرها
ويقربها منه وهو يهمس لها: "يعني عجبك؟! أومأت برأسها بقوة وهي تتمسك بياقة قميصه بكلتا يديها وتبتسم له: "عجبني أوي أوي." ابتسم لها وهو يرفع رأسه للأعلى ينظر للمنزل ثم أضاف بهدوء: "طب يا ستي، البيت ده بتاعك انتي وآسيا زي ما كنتي بتتمني." شهقت بفرحة وهي تسأله: "مراد، انت لسه فاكر؟! اقترب برأسه منها يضع قبلة رقيقة على جبهتها قبل أن يضيف: "آسيا، مفيش حاجة قولتيها أو اتمنتيها متحفرتش هنا وهنا."
ثم حرك يده يشير إلى رأسه ثم نحو قلبه. شعرت بالدموع تتجمع داخل مقلتيها من حنانه، فهو يتذكر جيداً كم تمنت أن تمتلك منزل جبلي تستطيع الاستجمام فيه مع طفلتهم المستقبلية في العطلات. حركت يدها تضعها فوق موضع قلبه بحنان ثم أخفضت رأسها تطبع قبلة رقيقة عليه. ابتسم من حركتها الناعمة وحاول استجماع قوته وصوته ليبدأ حديثه: "آسيا، عايز أتكلم معاكي في حاجة مهمة."
هزت رأسها له بوهن موافقة وهي تحرك إصبعها نحو عنقه وتتلمسه برقة قبل أن ترفع جسدها تطبع قبلة على مقدمة عنقه. حاول أخذ نفس عميق والسيطرة على سيل مشاعره التي تحركت بفعل لمساتها الرقيقة ولكنه فشل. تنحنح محاولاً إيجاد صوته ليعيد: "آسيا،.." نظرت له بابتسامة عريضة يعلمها جيداً قبل أن تضيف بدلال: "وأنا كمان عايزة أقولك على حاجة مهمة."
ثم اقتربت منه تلتهم شفتيه فما كان منه إلا أن استجاب لها بقوة يحملها ويصعد بها إلى الأعلى ليغرقا معاً في مشاعرهم الحارقة. فاقت آسيا من نومها في منتصف الليل. نظرت حولها فوجدت مراد نائماً براحة. ابتسمت بحنان وهي تتلمس وجنته وتضع يدها الأخرى أسفل بطنها بحنان. كم تمنت أن يرزقها الله بطفل يشبهه ويحمل ملامحه وتشعر أن دعواتها قد استجيبت.
تحركت بهدوء من جواره ترتدي ملابسها وتتحرك للأسفل تستمتع بالهواء الطلق في الحديقة. أغمضت عينيها تأخذ نفساً عميقاً وتستنشق عبير الزهور قبل أن تفتحها مرة أخرى تنظر إلى السماء بنجومها المتلألئة عندما شعرت برائحته تقترب منها فأبتسمت. مد ذراعيه يحيط خصرها بقوة ويجرها إليه فأصبح ظهرها ملتصقاً بصدره القوي ثم أخفض رأسه يستند بذقنه على كتفها. ابتسمت له دون أن يراها ثم اقتربت برأسها تستند على رأسه وهي تتمتم بسعادة:
"النجوم هنا حلوة أوي." أجابها بشغف: "عشان انتي بتبصي لها لازم تبقى حلوة." أجابته مبتسمة: "امممم، يعني انت مجبتنيش هنا النهارده عشان كده؟! جاءها إجابة سؤالها بقبلة رقيقة على طرف أذنها. مدت يدها تمسك بإحدى يديه تضعها فوق بطنها وهي تتمتم له: "ممكن تخلي إيديك هنا." رفع إحدى حاجبيه مستنكراً قبل أن يسألها: "ماشي، بس ليه؟ أجابته بهدوء: "عشان أنا عايزة كده. وبعدين ليه دي كلها شوية صغيرة وتعرفها." طبع
قبلة بجانب أذنها وهو يقول: "اللي حبيبتي تأمر بيه." شعرت بقلبها يقفز فرحاً من كلمته البسيطة ولم تريد أن تسمع كلمة أخرى بعدها. قطعت الصمت بعد فترة هامسة: "مراد." أخرج صوتاً من حنجرته يدل على استماعه فأكملت محاولة إخراج نبرة طبيعية عكس التوتر الذي كان يزداد بداخلها خوفاً من ردة فعله: "آسيا بنتك.." انتظرت رد فعل منه ولكنه تحدث بنبرة بطبيعية أكثر من اللازم يسألها: "مالها آسيا، مش فاهم؟!
استدارت تنظر إليه مصححة وهي تزدرد ريقها بقوة وتشعر بازدياد ضربات قلبها: "انت فهمتني غلط، آسيا بنتك انت، انت باباها." ثم اقتربت تحاوط وجهه بكفيها وهي تضيف: "انت باباها البيولوجي، آسيا بنتك انت ومن دمك." أقبض على معصميها بقوة ينفض يدها من فوق وجهه بعنف وقد تحولت ملامح وجهه للغضب وخرجت نبرته أكثر غضباً: "انتي عايزة توصلي لايه بالظبط، فهميني!! وايه لازمة كلامك ده؟! شعرت بالخوف من ملامحه ونبرته ولكنها حاولت السيطرة
على خوفها وسألته بصدمة: "مش فاهمة قصدك إيه؟! صرخ بها بقوة وهو يدفعها بعيداً عنه: "انتي اللي قصدك إيه!! ليه بتقولي حاجة مش حقيقة!! ليه بتكذبي عليا!! عايزة توصلي لايييييه؟! ارتجفت من مظهره وبصراخه بها، فكانت عيناه تقدح بالشرر من شدة غضبه. ابتلعت ريقها بصعوبة محاولة إخراج صوتها لتحدثه: "مراد، اهدى، أنا عارفة إنها مفاجأة ليك بس دي الحقيقة، انت والد آسيا الحقي...
لم تكمل جملتها فقد اقترب منها يقبض على معصمها يجرها له بقوة فشعرت بأنفاسه الحادة تقع عليها فزاد ارتجافها تلقائياً من عنفه الغير معهود. حاولت الإفلات منه وهي تطرق برأسها للأسفل فقد كانت تشعر بذراعها يتحطم من أثر قبضته ولكنه شدد من قبضته أكثر قبل أن يصرخ بها: "بصيلي." لم تتحرك فقد كانت دموعها تنساب بغزارة من ألم ذراعها ومن غضبه فصرخ بها مرة أخرى بصوت أكثر ارتفاعاً: "بصيلي هنا." انتفضت من صراخه فرفعت
رأسها تنظر له وهي تترجاه: "مراد، لو سمحت سيب إيدي، انت بتوجعني." لم يعرها انتباهاً ولكنه شدد على قبضته أكثر وهو يصرخ بها: "مش هسيبك غير لما أفهم انت قلتي كده لييييه!!! مين قالك تقوليلي الكلام ده؟! شعرت بالدم ينسحب من عروقها، فذلك الشخص الذي أمامها ليس مراد بل إنسان آخر لم تعهده من قبل. تناست ألم ذراعها ورفعت رأسها بكبرياء تقول: "انت قصدك إيه!! مين قالي إيه!! آسيا بنتك ودي الحقيقة، مش عايز تتقبل ده انت حر."
كان صراخه الآن يصم الآذان لدرجة أنها تمنت لو تستطيع الهروب منه بعيداً من شدة خوفها: "مش بنتي، متقوليش بنتي، استحالة تكون بنتتي، أنا مش غبي عشان أصدق إنها بنتي، انتي بتعملي فيا كده ليه!! أنا اعتبرتها زي بنتي بالظبط ومابخلتش عليها بحاجة، انتي هدفك إيه!! لو على الفلوس هكتب كل حاجة باسمها بس متقوليش بنتي!! انتي فاهمه، متقوليش بنتي حرام عليكي."
ثم دفعها بقوة فسقطت على الأرض قبل أن يتركها ويخرج راكضاً وصافقاً الباب بعنف. شعرت لو أن المنزل يتحرك من قوة صفقته. ركب سيارته وقاد بأقصى سرعة حتى توقف في مكان مهجور. ترجل منها وهو شبه فاقداً لوعيه من شدة غضبه. صرخ بكل قوته يركل إطار سيارته وهو يهتف باكياً: "مش بنتي، أنا مستحيل أخلف، مش بنتي، أنا مقدرش أجيب ولاد، مش بنتي، أنا عقيم." ثم ارتمى على الأسفلت تاركاً لدموعه العنان بحرقة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!