قضت آسيا ليلتها تلك وهي تبكي داخل غرفتها بصمت، أمامها أقل من اثني عشر ساعة قبل أن تنقلب حياتها رأساً على عقب. هي تعلم جيداً أن ليس لها أمامها فرصة للاختيار، هي من وضعت خالد في تلك اللعبة وهي من ستخرجه منها. كان تأنيب والدتها لها صحيحاً، كيف استطاعت وهي أدرى الناس بمراد أن تلعب معه تلك اللعبة دون الانتباه لعواقبها. تأففت بيأس، لقد فات أوان الندم، يجب تصحيح خطئها وحماية مستقبل خالد من الدمار، ستوافق على طلب مراد وينتهي الأمر. لعنت نفسها بصمت وهي تقفز من فوق الفراش لتقف أمام المرآة، كانت تنظر إلى انعكاس صورتها، الآن تواجه نفسها وقلبها، هل وافقت على طلبه فقط من أجل مستقبل خالد؟
يمكنها المحاربة، يمكنها نفي كل اتهاماته وإثبات أن آسيا ليست ابنته. يوجد أكثر من حل لتلك الورطة، ولكن الشيء الوحيد الذي عجزت عن إيجاد حل له هو ضعفها تجاهه. قلبها مرحب بفكره العودة له بقوة برغم كل تحذيرات عقلها. كانت تعلم أنها تسير الآن إلى فخه مرة أخرى مثل الفراشة التي تحلق حول النار.
في الثامنة إلا دقيقة واحدة، كان يجلس مراد باسترخاء خلف مكتبه، يرتدي بذلة زرقاء وشعره مصفف إلى الوراء، فكان يبدو وسيماً بشكل مدمر. نظر إلى ساعة يده فوجدها تشير للثامنة، عقد حاجبيه معاً، فهو يجلس هنا منذ السابعة صباحاً، ينتظر هجومها في أي دقيقة. لا أحد يعلم آسيا جيداً أكثر منه، ولذلك يعلم أنها لا تستطيع ترك أي إنسان يمر بأذى، وخصوصاً إن كانت تحبه. كانت طريقته فظة، اعترف لنفسه بذلك، ولكنها الطريقة الوحيدة التي أمامه. كان غارقاً في تلك الأفكار عندما سمع باب غرفته يفتح بعنف دون طرق، فولى فمه بنصف ابتسامة مستمتعاً بنوبتها الغاضبة.
وقفت أمامه تستند بكلتا ذراعيها على مكتبه، تنظر والغضب يملأ وجهها. أما هو فما زال يجلس باسترخاء في مقعده، يضع أحد الأقلام بين أصابعه بعبث به بلا مبالاة وهو ينظر إليها رافعاً إحدى حاجبيه بتحدٍ. آسيا: متفتكرش إني موجودة هنا عشان عرضك المجنون ده! الحاجة الوحيدة اللي مخلياني أكون هنا دلوقتي هي عشان الإنسان اللي بحبه، لكن ده ميمنعش إني موافقة بشرط واحد.
تحول استمتاع مراد لغضب عن سماع اعترافها بالحب لذلك المدعو خالد، فقفز من مقعده يقف أمامها ونبرته مليئة بالتهديد، يضغط على كل حرف يخرج منه: مراد: بيتهيألي إنك مش في وضع يسمحلك أبداً تحطي أي شروط. لوت فمها بسخرية قبل أن تجيبه: آسيا: عارفة ده كويس ورغم كده مش شايفة إن دي حاجة تدعوك للفخر. وبعدين اسمع يمكن يتوافق مع خططك كمان. تحرك مراد يستند بجسده على المكتب وهو يقعد ذراعيه معاً أمامه، ثم نظر باهتمام:
مراد: تمام، اتفضلي قوليه سامعك. آسيا: مش أنت قلت إن الجواز ده عشان آسو يبقى ليها أب؟ مراد: أيوه بالظبط. آسيا: طيب تمام يعني أنت مش مستني حاجة من جوازنا ده، وأنا كمان مش مستنية منه حاجة، عشان كده مش هيكون أكتر من جواز على الورق بس، طبعاً هحافظ على شكله قدام المجتمع عشان خاطر بنتي، بس بينا نكون عارفين إنه على الورق وبس.
أنهت آسيا حديثها وانتظرت رد فعله، لكنه لم يعقب. وقف حوالى دقيقة ينظر إليها مفكراً، أقسمت لنفسها أنها لمحت الغضب في نظرته قبل أن يمد شفتيه بعدم اهتمام ويجيبها بنبرة خالية: مراد: مش محتاجة تطلبي طلب زي ده، صدقيني آخر حاجة ممكن أعملها إني أقرب من واحدة رافضاني. آسيا: يعني أنت موافق؟ مراد وهو يلوى فمه متشدقاً: مراد: طبعاً، زي ما قلتلك عمري ما هقربلك غير لما أنتِ تكوني عايزة ده.
شعرت بالحرج من طريقة نطقه لجملته الأخيرة، ولكنها تجاهلت كل ذلك. مراد: تمام، اعملي حسابك كتب الكتاب كمان يومين. آسيا: يومين إيه لا مستحيل طبعاً. رفع حاجبه مستنكراً: مراد: ليه مستحيل؟ أنا هقوم بكل الترتيبات مش محتاج أكتر من توقيعك. ثم أضاف ساخراً: مراد: وطبعاً إنك متهربيش يوم الفرح. تجاهلت تعليقه الأخير: آسيا: أنت مدرك إني محتاجة أمهد لآسو الأول ده غير ماما والدكتور طارق غير ترتيبات المستشفى. قاطعها بنفاذ صبر: مراد:
بالنسبة لآسيا: بليل هنقولها سوا وده اللي يهمني، أما والدتك والباقي قدامك يومين تقوليلهم فيهم، بيتهيألي مش هتحتاجي وقت أكتر من كده، وبالنسبة للمستشفى أنا هرتبلك كل حاجة متشغليش نفسك بيها، ودلوقتي تقدري تتفضلي على شغلك. شعرت بالغضب من وقاحته في إنهاء الحوار بينهم، كانت تريد التعليق على وقاحته ولكنها عدلت عن ذلك، فخرجت تصفع الباب خلفها بعنف دون أن تلتفت إليه.
بعد ساعة من الجلوس في مكتبها دون حراك، قررت البدء في أولى مواجهاتها. ذهبت إلى الدكتور طارق لتخبره وهي تتوقع اعتراضه، ولكن لدهشتها وافق على الفور، يهنئها بسعادة دون السؤال عن أية تفاصيل. أما عن عائشة، فكانت تصرخ من السعادة طالبة منها كل التفاصيل، فتحججت آسيا بالعمل ووعدتها إخبارها كل التفاصيل لاحقاً. في المساء جاء دور آسو لإخبارها، التي كانت تقفز من الفرح وهي تسأل مراد بتلقائية: آسو: يعني أنا دلوقتي أقدر أقولك بابي؟
هز مراد لها موافقاً. أكملت والحماس يخنق نبرتها: آسو: وهنخرج سوا ونروح نخيم سوا زي مريم صاحبتي وباباها! حملها مراد بدلال وهو يقبلها: مراد: هنعمل كل اللي نفسك فيه. صفقت فرحاً وهي تركض اتجاه والدتها تحتضنها بحب: آسو: مامى أنا فرحانة إن مراد هو اللي هيكون بابي. بأدلتها آسيا ابتسامتها المشرفة بسعادة، ففي تلك الثواني تناست كل قلقها ولم تفكر إلا في سعادة طفلتها الواضحة أمام عينيها.
في الصباح التالي، كانت تجلس أمام مائدة فطور والدتها، فاليوم هو عطلتها وقررت الذهاب باكراً ومواجهة والدتها. بعد انتهاء الفطور، طلبت آسيا من آسو الذهاب إلى حديقة المنزل للعب بداخلها، فأطاعتها على الفور. استدارت تواجه كل من والدتها والسيد كمال، ثم تحدثت على الفور مسرعة: آسيا: أنا ومراد قررنا نرجع لبعض بكرة. ساد الصمت أركان الغرفة من الصدمة، وكان السيد كمال أول من تحدث بهدوء: السيد كمال: آسيا يا بنتي، متأكدة من قرارك ده؟
هزت آسيا رأسها بإيجاب. السيد كمال: أنا عارف إنه قرار مش سهل وخصوصاً في وجود طفلة بينكم، بس متأكدة إنك فكرتي كويس، وحتى لو فكرتي كويس ليه السرعة دي؟ أجابته آسيا كاذبة: آسيا: ما حضرتك قلت عشان آسو يبقى ليها، ليه نأجل؟ كانت السيدة جميلة تنظر إليها متشككة قبل أن تتحدث: السيدة جميلة: أفهم من كلامك ده إنه عرف إن آسيا بنته؟ هزت آسيا رأسها نافية. أضافت السيدة جميلة:
السيدة جميلة: يعني هترجعوا لبعض بكرة وهو لحد دلوقتي ميعرفش إنها بنته!!! آسيا أنتِ بتعملي إيه بالظبط أنا مش فاهماكي! أنتِ بتلعبي بيه وبنتك؟ تحدثت آسيا على الفور كاذبة:
آسيا: لا يا ماما مش بلعب بيه، هو عرض عليا الجواز وأنا وافقت عشان شفت حب آسيا في عيونه من غير ما يعرف إنها بنته، وكمان عشان آسيا طلبت منه إن يحضر معاها يوم الآباء، ساعتها مقدرتش أرفض طلبه. مقلتلهوش لدلوقتي عشان لسه قلقانة، خايفة ميكونش عايزني ولما يعرف إن آسيا بنته ومن حقه ياخدها مني. السيدة جميلة: يعني ناوية تقوليله إمتى؟
آسيا: محتاجة أطمن، هي دي كل الحكاية محتاجة وقت مش أكتر، وأوعدك إني أول ما أطمن هقوله على طول، بس لحد الوقت ده بترجاكي متقوليش أي حاجة. نظرت آسيا إلى السيد كمال مستعطفة، فتدخل على الفور: السيد كمال: جميلة، اديها شوية وقت وسبيها تقرر، هتعمل إيه في بنتها، آسيا كبيرة وعاقلة.
السيدة جميلة: أنا بس قلقانة عليها وقلقانة ترجع تعيش نفس التجربة تاني، مش مستعدة أشوفها بتموت قدام عيني تاني يا كمال، رغم إني موافقة إنه يعرف إنها بنته وإن آسو متتحرمش منه، بس مش بالسرعة دي ولا إنها تفضل مخبية عليه، وبعدين ليه بكرة خدي وقتك وقرري. لن تستطيع البوح لها بما ينتظر خالد إذا رفضت ذلك العرض، فهي وحدها من ستتحمل عواقب ادخاله في لعبتها، لذلك أجابتها كاذبة:
آسيا: زي ما قلتلك مادام قررنا ناخد الخطوة يبقى ليه التأجيل؟ آسو مبسوطة وهي معاه وده يكفيني. تنهدت والدتها بقلق قبل أن تضيف: السيدة جميلة: أنتِ بتضحكي عليا يا آسيا ولا على نفسك، أنا عارفة سبب سرعتك ده كويس. اخفضت آسيا رأسها تشعر بالخجل من حديث والدتها وواقعه. في اللحظة التالية دخلت آسو مسرعة تحتضن جدتها وهي تتحدث بسعادة: آسو: يا نينا، أنا نسيت أقولك أنا بابي مراد هيحضر معايا يوم الآباء، عرفتي؟
انتي عارفة إن دي أول مرة هيكون عندي بابي وييجي معايا، انتي عارفة كمان إن هو هيعيش معانا وهنعمل كل حاجة سوا زي مريم صاحبتي. سألتها جدتها بتأثر: السيدة جميلة: أنتِ فرحانة يا آسو؟ ردت على الفور وهي تبتلع لعابها: آسو: أوي يا نينا، امممم، انتي عارفة إني فرحانة عشان مراد هو اللي هيكون بابي مش حد تاني. تنهدت السيدة جميلة بألم وهي تنظر في اتجاه آسيا، التي تحركت فوراً تمسك إحدى يديها متوسلة قبل أن تسألها:
آسيا: ماما، هتكوني معايا بكرة؟ تنهدت السيدة جميلة باستسلام قبل أن تجيبها: السيدة جميلة: يارب يكون ده القرار الصح ليكي وليها. احتضنتها آسيا بعمق والدموع تخنق نبرتها قبل أن تقول: آسيا: شكراً إنك فهمتيني.
جاء الموعد سريعاً. كانت آسيا ترتدي بذلة بيضاء اللون قد أرسلها مراد لها في الليلة السابقة. أما عن شعرها، وضعت به طوق بسيط من الورد مع قليل من المكياج، كانت تبدو رائعة وهي تجلس بجواره الآن. أما مراد، فقد ارتدى بذلة سوداء رائعة أظهرت تناسق جسده ووسامته. لم يحضر عقد القران سوى والدتها والسيد كمال وعائشة والدكتور مراد وزوجته، وبالطبع آسو التي كانت تقفز فرحاً طوال الوقت. تمت الإجراءات سريعاً، ليعلن القاضي أنهم أصبحوا الآن
زوجاً وزوجة. قام مراد من مقعده يمسك يدها برسمية، ثم وضع بداخل إصبعها خاتماً كبيراً من الألماس كان يخطف الأنفاس من رِقته. شهقت عند رؤيته وقام بتقبيل شعرها وجبهتها قبل أن يفلتها ويلتفت يحمل آسو ويقبلها هي الأخرى، ثم أمسك يد آسيا مرة أخرى يحتضنها بقوة يقودها إلى الخارج.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!