كان الوضع مازال بائس، والدتي تشعر بالإنهيار الكلي ووالدي يحاول معرفة ما حدث لي ومن فعل ذلك أثناء انشغاله الدائم عني. شعرت بأنني اكتفيت من كل ذلك الهراء وزاد غضبي وشعرت برأسي تكاد تنفجر وأنا أنظر لغرفتي وأجده يقف متصتاً. قمت بمنتهى اللامبالاة التي قد تكون على أحد يوماً، متجاهلة أسألتهم المتكررة إلى أين سأذهب، وقفت بالقرب من باب غرفتي وخلفي ذلك اللعين وأجبتهم بنبرة مرهقة: "أشعر بالدوار، هرتاح وقت قليل."
ثم أغلقت باب الغرفة خلفي. نظرت له بأعين غاضبة وبها الكثير من البغض والكراهية، للمرة الأولى طوال حياتي أشعر بذلك القدر الهائل من الكراهية تجاه شيئاً ما، حتى الفتيات اللاتي كن يتنمرن على وحدتي داخل أكاديمية ماري لويس لم أشعر تجلهن بكُل ذلك السخط. قال بنبرة فحيح أفعى سامة: "ليه بتنظري ليا بالشكل دا؟ زممت شفتي وأنا أرفع إحدى حاجبي وأقول بتنهيدة ألم: "أنا حامل." لتظهر ابتسامة مخيفة على محياه وهو يقول:
"عارف، لذلك كنت بتناقش مع أبناء عشيرتي، حول أخذك معايا لعالمي." اتسعت عيناي بصدمة وأنا أنظر له وكلي يرتجف، ثم بدأت بالصراخ عليه بهستيريا متجاهلة وجود والدتي ووالدي وأنا أقول: "مين سمح لك! مين إداك الحق تاخد قرار يخص حياتي بدون الرجوع ليا؟ أنا لو هموت مش هروح معاك عالمك! إنت دمرتني، ضيعت مسيرتي التعليمية، أهلي مشتتين وأنا ضايعة." ظهرت أجنحة سوداء، وملامحه بدأت تذوب ليظهر جلد أحمر قاتم، غاضب وهو يحاول التحكم بي.
عدت بظهري للوراء وأنا أنظر له برعب، ما أنقذني هو فتح والدتي لباب الغرفة عندما سمعتني أصرخ. احتضنتها بقوة وهي تنظر للغرفة الفارغة ولم تجد شيئاً، سوى الشرفة المفتوحة على مصراعيها والستائر تتحرك بفعل الهواء. خرجت برفقتها لوالدي مرة أخرى لتقول هي بتعب: "من الواجب عرضك على طبيب نفسي، يبدو بالفعل تعرضتي لصدمة عصبية، ومن ثم نبحث عن الشاب الذي حدث الحمل بفضله."
رفعت رأسي وأنا أنظر لها بصدمة، الرعب مازال يتملكني من مظهر لوسيفر، وكنت أود أن أتقيأ ذلك الطفل من داخلي لأنه بالطبع سيكون مثل أبيه.. مسخ مخيف. وجدت شفتاي تتحركا وأنا أقول دفاعاً عن نفسي التي تعرضت للقهر والظلم: "أنا.. لست.. مجنونة! صرخ والدي بي بعدما فقد آخر ذرة للتحكم بذاته وهو يقول: "اللعنة جلوريا أنتي لم تتمي السن القانوني وتحملين طفلاً مجهول الأب!! تؤيده والدتي وتقول بصراخ:
"إضافة لذلك لقد خسرتي مسيرتك التعليمية وفرصتك في تحقيق كيانك!! كان صراخهم مختلط، ولوسيفر أراه يقترب مني وهم لا يرونه. مددت يدي للطاولة بجانبي والتقطت سكين الفاكهة، لأغرزه بقسوة في أحشائي.. وأنا أنظر لهم، وأنظر لأجنحته السوداء تغطي المنزل بأكمله، اتساع عيناي مع الدماء المنثورة ونظرات الرعب والصدمة على وجه والداي، كان المشهد الأخير الذي أراه قبل أن أفقد الوعي.
هل تصنف ما فعلته أنا هو قسوة خالصة لأنني حرمت مخلوقاً من حضوره للحياة؟ أنا لم أندم أطلاقاً على ما فعلت، ذلك المسخ عندما قمت بغرز السكين في معدتي اعتقدت أنني تخلصت منه، لكن ذلك لم يحدث. عندما مرت أسابيع وأنا أصارع بين الحياة والموت، أخبرتني والدتي عندما أصبحت بخير أن الطبيب قال.. أن الطفل بداخلي لم يتعرض للأذى، وأن الأذى طالني أنا فقط، وأنه لم يسبق له رؤية طفل غريب كالذي أحمله.
أعربت والدتي عن رغبتها المطلقة في التخلص من ذلك الطفل، وتحدثت معه نيابة عني أنني عانيت من اكتئاب حاد وحاولت التخلص منه. لذا، كان من الواجب إجهاضه. ناهيك عن الصعوبة التي واجهوها في فعل ذلك، فقد اهتزت إضاءة المشفى بأكملها، وغيم الليل عليها رغم أنهم كانوا في ساعات الصباح، وتقول إحدى مساعدات الطبيب أن الجنين كان من الصعب تمزيقه! كأنه ليس ضعيف.
لذا قاموا بفتح بطني من ناحية الجرح وأخرجوه، وهنا صرخت بهم أمي لأنهم من هول ما رأوا تركوني بمعدة مفتوحة بدون جراحة ورفضوا تماماً دخول الغرفة إلا برفقة أحد القسيسين. كان يمسك بالصليب ويستنجد بالرب وهم يخيطون الجرح، وأدخلني ذلك في غيبوبة مؤقتة. كل ما كنت أراه داخل عقلي، هو لوسيفر. محبوس خلف القضبان، مع ذلك الرجل الذي رأيته في حلمي مسبقاً، ومظهره مخيف.. مخيف بحق. وتلك المرة مفاتيح القضبان كانت معي.
عندما أفق، أخبرتني والدتي أنه عندما تم إخراج الطفل مني بالفعل كان قد مات وانتهى كل شيء. ساعدنا القسيس في تحصين المنزل، قام بتعليق الصليب في كل مكان بالإضافة إلى صورة السيدة العذراء. لقد عانيت مدة ستة أشهر كاملة، حتى تعافيت من كل ما حدث ولكن لم أتعافى بالمعنى الحرفي، تجاوزته فقط لأستطيع العيش. أصبحت ملتزمة بالذهاب للكنيسة، رفضت أكاديمية ماري لويس تماماً أن أنضم إليهم مرة أخرى.
لذا قررت تأجيل الدراسة لمدة عام حتى نحاول مجدداً مع أي مؤسسة تعليمية. لوسيفر؟ منذ أفاقت لم أره مرة أخرى، زين عنقي بقلادة الصليب وأصبحت ملتزمة دينياً. لم أستطع التخلص من حديث الجيران المحيطين بنا، لكنني نوعاً ما تأقلمت معه، من لم يعلم الحقيقة كاملة سيُفضل الثرثرة وصنع قصة خيالية من رأسه لذا التجاهل هو الحل الأمثل. *** بعد عام من الحادث / ليلة الهالوين
في أحد شوارع العاصمة، حيث الشوارع المكتظة بسيارات من يريدون العودة إلى منازلهم في الحال.. والأرضية امتلأت بمياه المطر الجارية، كانت تسير هي، ممسكة بمظلتها التي تعد حاجز بينها وبين مياه المطر. لم تعد بتلك الجرأة كما كانت، لقد كانت الفتاة الأكثر لعباً تحت المطر في أيام الصبا، وكانت أكثرهم شغفاً وحباً للحياة وللطبيعة، كانت الابتسامة لا تفارق محياها.
زارها الزمان كما تقول الأغنية المشهورة، زارها ليسرق طيفها الشغوف ويتركها خائفة من كل شيء، تنظر للمارة من حولها نظرات شك وعدم ثقة.. تختبئ من مياه المطر التي لطالما احتضنتها في عنفوان صغرها.. أصبحت هشة ك ورقة شجر خريفية، تجرها الرياح وتنقلها كما تشاء. لم تعد تلك الروح النابضة في حيها البسيط، أصبحت صامتة لا تعبر عن آرائها للغير، غامضة وحزينة ومنطفئة.
كانت وحيدة ولكنها كانت تعلم كيف تكون سعيدة بالرغم من وحدتها وعدم اختلاطها بالآخرين. انعطفت يميناً لتدخل أخيراً لمنطقتها، الثلوج بدأت بالتراكم ومياه المطر توقفت عن الهطول، لتتحول لثلوج صغيرة. سارت هي والرياح الباردة تحاوطها حتى وصلت لمنزلها. دخلته وأغلقت الباب. العودة للديار، يمكنها بوضوح أن تشم رائحة مخبوزات الهالوين الطيبة التي تعدها والدتها، ابتسمت عندما وجدت سلة مليئة بالحلوى بالقرب من الباب،
لتقول لوالدتها بصوت مرتفع: "هل الحلوى لمن يطرق الباب من أطفال الجيران؟ خرجت والدتها وهي تضع بسكويت الزنجبيل على الطاولة ورائحته غمرت المنزل لتقول: "لكل طارق على باب منزلنا، وليس الجيران فقط." ابتسمت جلوريا وهي تلمس الحلوى بإصبعها وتقول: "وهل تلك المهمة تخصني؟ والدتها بتنهيدة: "بالتأكيد فأنا ملتزمة بميعاد تحضير العشاء، السيد طومسون والدك قد عزم نفسه الليلة على العشاء برفقتنا."
طاولة الطعام الخاصة بي وبوالدتي كانت تحتوي على ثلاث مقاعد فقط، واحد من تلك المقاعد كان دائماً فارغ، وهو مقعد والدي، ولكن الليلة ستكون مختلفة نوعاً ما.. لا مقاعد فارغة وسنحظى بليلة هالوين رائعة. دق الباب أخيراً، فتحته ببطء وأنا أنظر لهؤلاء الصغار الذين يتخفون خلف ملابسهم المرعبة ويقولون بصوت طفولي واحد: "الحلوى أو الخدعة؟ ابتسمت لهم وأنا أقول: "ماذا سيحدث لي إذا اخترت الخدعة؟ ليقول أحدهم وقد غلف جسده بملاءة
بيضاء لا تظهر إلا عينيه: "ستكون ليلتك هي الأسوأ على الإطلاق." أحضرت سلة الحلوى وأعطيت كلا منهم مقدار متساوي منها لأقول: "ولما المغامرة؟ ليشكروني قائلين: "عيد هالوين سعيد." ويذهبوا من أمام الباب، أغلقت باب المنزل وأنا أنظر للصليب الذي يزين كل حائط.. يزين حتى عنقي وابتسمت، ناهيك عن الزينة الخاصة بالاحتفال. ضممت يدي وأنا أشبكهما وأغلق عيني وأتمتم بدعاء، ما إن انتهيت حتى قلت: "آمين."
طرق الباب مرة أخرى، قمت بتصفيف شعري بيدي وأنا أقوم بفتح باب المنزل ظناً مني أنه والدي. فتحت المنزل لأجد فتى صغير يقف بمفرده أمام الباب محني الرأس. داعبته بلطف وأنا أقول: "ما الذي تريده أيها السيدة الصغير؟ ناديته بالسيد لأنه كان يرتدي بدلة سوداء صغيرة، وببيون حول عنقه بلون أحمر، نظر لي نظرة رجل وليس طفل ونظر للمنزل بعجز، كأنه يود الدخول ولكن لا يستطيع! يود لمسي ولكنه عاجز. ليقول بصوت غريب: "الحلوى، أم العشق يا سيدتي!
كان صوته، ظهر في هيئة طفل، لكن شعرت أن بيني وبينه حاجز يمنعه من أذيتي مرة أخرى، أمسكت بالصليب الذي يحاوط عنقي لأغلق عيني وأنا ألجأ للرب أن يحميني. عندما قمت بفتح عيني وجدته قد اختفى! والببيون الأسود الذي كان يحيط عنقه قد وقع أرضاً أمام باب المنزل. تنهدت براحة وأنا أنظر للسماء بابتسامة وأشكر الرب. لتفيقني والدتي على صوتها وهي تقول: "اللعنة جلوريا قطط الشارع دخلت المنزل والثلوج لوثت الأرضية، أغلقي ذلك الباب اللعين!
أغلقت الباب، ومقطوعة أماديوس موزارت المسماة Lacrimosa تتكرر في الخارج بصوت مرتفع، إنها تصيبني بالقشعريرة ولكنها جميلة.. تصف أجواء العيد. داخل بقعة الظلام ينظر لك بترقب، يضمر الشر لك. ينظر لضعف إيمانك كأنه مفتاح دخوله لعالمك. لتصبح سجين وسوساته، تنهار حصونك أمام ألاعيبه. عدوك الأزلي، لا تهمل صلواتك حتى لا تتيح له فرصة تملكك، بل اقترب من الرب ستحيطك هالة الحماية من كل شر وأذى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!