الفصل 19 | من 22 فصل

رواية عثمان و رغد الفصل التاسع عشر 19 - بقلم فريدة الحلواني

المشاهدات
48
كلمة
2,989
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 86%
حجم الخط: 18

الصباح يهل على تلك القرية التي لم يغفل فيها أحد، ولم يذقوا طعم النوم. الكل في حالة قلق وترقب، ولكن كان أكثرهم وجعًا وقهرًا هو عبد الحكيم العبيدي، الذي أثبت ما حدث أنه بالفعل رجل حكيم. استطاع أن يلجم جموح بني عائلته، منعهم بحكمته الصارمة التي لا يستطيع أحد أن يعارضها من الهجوم على المشفى. فقد أخذتهم العزة ورفضوا منعه من دخولها، رغم ألمه الداخلي من ذلك الموقف المخذي بالنسبة له، إلا أن مصلحة ابنته وصحتها كانت أهم، خاصة بعدما أيقن عشق الطبيب له.

أما الطبيب، فهو الوحيد الذي نام قرير العين، حتى وإن كان مجرد ساعة واحدة غفى فيها بجانب رغد وهو يضمها داخل ضلوعه بعدما اطمأن أنها بخير. أمرت عفت بتجهيز بعض الثياب لرغد ولدها الذي هي على يقين تام أنه لن يبرح المشفى دونها. جهزت أيضًا بعض الأطعمة، وتوجهت نحو عبد العظيم وقالت: "مين فيكم هيوصلني المستشفى؟ وقف قبالتها وقال بمهادنة:

"يا حاجة اسمعي بس، الدنيا مجلوبة هنا. رجالة العيلتين واقفين من عشية جبال بعضهم، والحكومة فالنصول. الجادر مانع أي حد يخطي جوه الباب، ودي عاملة وعرة جوي وأنتي خابرة زين أكده." ردت عفت: "خابرة، لكن بردك هروح للبت اللي دمها اتصفى جدامنا، ما نهملهاش لحالها." قال عبد العظيم بحكمة:

"البنية جوزها وياها، ما فتتهاش دقيقة وحدها. إحنا حاطين إيدينا على قلوبنا، النار ممكن تشعلل في أي وقت. والحج يتجال، عبد الحكيم ماسك ناسه بيد من حديد، يبقى إحنا بجي منزودوهاش. ما يبقاش هما واقفين فالشارع مجدرينش يطمنوا على بتهم، وإحنا رايحين بحريمنا يزورها. أعجلي الحديث يا حاجة." اقتنعت بما سمعت، فهو لديه كل الحق، ولكنها حقًا قلقة للغاية عليها ولن ترتاح إلا برؤيتها سالمة أمامها. زفرت بهم وقالت:

"طيب يا حاج، أديني قاعدة أها... بس بالله عليك لما توصل طمني، البيه قافل تليفونه من عشية ومعرفش أوصله."

البيه يشاكس صغيرته بل يتواثق معها أثناء فحصه لجرحها وتغيير ضمادته. ألقى بعرض الحائط كل ما يحدث بالخارج، كل ما يشغله فقط حبيبته وتحسين حالتها النفسية. بل الأصح كان يطمئن قلبه أنها ما زالت معه، لم تفارقه. هو يرى ابتسامتها حتى لو كانت باهتة، يشعر بحزنها مهما حاولت أن تداريه. يعطيها جرعات محسوبة من المسكن كي لا تتألم بقدر المستطاع. بينما كان يضع ضمادة جديدة، سرحت يده تجاه صدرها قليلاً. لمساته الماجنة جعلتها تجحظ بعينيها

وتقول بخجل واستنكار: "وااااه... إيه اللي هتعمله ديه؟ نظر لها ببرود عكس ناره المنقادة وقال: "بغير عالجرح، في حاجة وجعاكي يا رغد؟ نظرت له بغيظ وقالت: "هو الجرح في كتفي ولا ااا... صمتت ولم تقو على التكملة. نظر لها بخبث وهو يقرب وجهه منها ويقول: "من إيه... كملي." عضت شفتها السفلى وأغمضت عينيها حينما لم تقو على مجابهة جرأته. ضحك برجولة ثم قبلها بسطحية وقال: "جلبي اللي لسه هيخجل مني. طب ده اسمه كلام، عيبه في حقي والله."

نظرت له برجاء وقالت: "عثمان... زفر بحنق لعلمه ماذا ستقول. لم تهتم وأكملت بعدما أمسكت كفه: "لجل خاطري... عليها بغضب نجحت في إخراجه: "لجل خاطرك، هطربق الدنيا على نفوخهم. لجل خاطر دمك اللي سال وجلبي اللي كان هيوقف من الرعب عليكي، هولع فيهم كلياتهم. هامحي اسم العبايدي من الدنيا." بكت، كل ما فعلته هو البكاء بهدوء حزين، لا تقوى على ردعه، كما تعتقد. لا تعلم أن تلك الدموع المنكسرة هبطت على قلبه مثل شظايا النار الملتهبة.

كب وجهها كي يمسح دموعها وهو يقول بحنو بعد أن ضعف من مظهرها: "عم تبكي ليه؟ لسه باقية عليهم بعد كل اللي عملوه فيكي؟ ردت عليه بحكمة من بين دموعها: "خليك حجاني يا دكتور، أهلي حقهم يعملوا كده بعد ما عرفوا اللي حصلي. لو كنت انت مطرحهم كان زمانك مولع فيهم، وأبويا إني متأكدة إنه كان هيحلها بالعجل، لولا الكلب ده هو اللي جاد النار." لم تخطئ في حرف واحد مما سمعه، ولكن يبقى أيضًا ما حدث لها، هذا كفيل أن يقتلهم جميعًا. رد بعناد:

"صح، أنتي صح. لكن حرمة بيتي اللي اتعدوا عليها، ملهاش عذاب؟ والأهم من كل ده اللي حصلك، كيف أعديه بالساهل؟ نظر لها بعشق وأكمل: "إني حسيت إني روحي طلعت مني أول ما غمضتي عينيكي. نسيت إني دكتور، كأني لأول مرة أشوف دم، مكنتش داري بالدنيا حواليا. جسمي بالله إني مخابرش مين اللي فوقني، كأني كنت في غيبوبة وفجأة لقيتك بجري بيكي. إيه حصل جابليها وبعد ما وقعتي بين إيدي، لحد دلوقتي مخابرش." مدت ذراعها السليم ثم وضعت

كفها فوق وجنته وقالت بحنو: "حاسة بيك يا جلبي، اللي توصفه هو نفسه اللي حسيته وجت ما شفت السلاح متوصب ناحيتك. بس الحمد لله، ربنا نجاك ونجاني ليك، يبقى نحكم العجل يا حبيبي، بكفاية لحدت كده." كاد أن يعترض مرة أخرى، فأكملت سريعًا: "متضيعش كل اللي عملته واتحملته، إنت خابر اللي حصل فيا قد إيه، بلاش ترميه في الأرض وتدوس عليه برجليك." تطلع لها بعتاب وقال: "أنا يا رغد... أنا أعمل كده؟ ردت عليه بحسم:

"لو العداوة جامت تاني بين العيلتين يبقى حديثي صح." أكملت بمكر تلعب على أوتار عشقه لها: "يبقى كده بتثبتلي إني مسواش حاجة عندك، وحتى لو كنت عاشجني كيف ما بتقول، أهو كلام ولد عم حديث. لكن إيه اللي يثبته ده لو مبتجدرنيش؟ وقع في فخها، تلك الصغيرة الماكرة التي علمت نقطة ضعفه واستغلتها جيدًا. نظر لها بعشق خالص وقال مدافعًا عن حاله: "أنا يا رغد، أنتي شيفاني كده صح؟

داني محسيتش إني عندي قلب غير بعد ما حطيتك فيه وقفلت عليكي جواته. لو أطول أحطك فوق راسي جدام الكل لجل ما أفخر إنك مرتي الجوية الجدعة اللي اتحملت كتير لجل ما تحافظ على أرواح ناس، كنت عملته." لمست على ذقنه النامية بحنو وقالت: "لجل خاطري يا طبيب جلبي، اقفل عالجرح لحدت كده...

بكفاية أنا وجع ودم ومرار طافحاني. رايدة أعيش وياك اللي مجدرتش أعيشه من كتر الخوف والهم اللي كنت شايلاه. لجل خاطر رغد الدنيا والآخرة كيف ما هتقول، اقفلها على كده." ضم رأسها بتمهل ليضعها فوق خافقه ويقول بغيظ وغضب مغلفان بعشق حانٍ: "طبيب جلبي هيقفل عالجرح... لكن مهسامحكيش واصل. بتمسكيني من جلبي اللي عشقك يا رغد." ابتسمت بهدوء حينما أيقنت موافقته على حديثها حتى وإن كان ضد رغبته. قبلت صدره بعشق وقالت:

"إنت جلبي رغد وهنا دنيتها. ربنا يريح بالك كيف ما ريحت جلبي. يا طبيب جلبي ونبضه." وأخيرًا استطاع أبوها الدخول داخل المشفى، هو فقط، كما أمر ذلك المغلوب على قلبه. وقف أمامه وقال قبل أن يسمح له بالدخول إليها: "لجل عويناتها... هي بس." فهم الرجل الحكيم معنى الجملة جيدًا مما جعله يبتسم ويرد هو الآخر بمغزى: "ولجل عويناتها... وراجلها اللي ربنا عوضها بيه... يا دكتور."

وفقط، أفسح له المجال ليمر بعدما فهم كلاهما ما يقصده وينويه الآخر. وضعت رأسها على صدر أبيها تبكي بحزن. ضمها بحنو وقلب متألم على حال مدللته وأغلى أبنائه لديه. والعاشق يغلي من الغيرة، بل يضرب نفسه ويسبها على موافقته بحضور أبيها. قال عبد الحكيم: "بكفاياكي بكي يا بتي، كل حاجة هتتحل بامر الله." ابتعدت عنه وقالت: "صح يا بوي، ورحمة الغالية ما هتضحكش عليا." قبل أن يرد عليها، كان ذلك المجنون يقول بغيظ وهو يتجه إليها:

"ماهو جالك خلاص." أبعدها عن أبيها برفق شديد كي يمددها فوق الفراش وهو يكمل: "ريحي حالك بجي، القعدة غلط عليكي، جرحك هيشد عليكي أكده." نظرت له بغيظ لتقابل نظراته المشتعلة ولم تقو على الاعتراض. أما ذلك العجوز الذي يمتلك من الخبرة ما جعله يعلم ما يدور أمامه، ضحك برزانة ثم قال: "اسمعي حديث الدكتور يا بتي." نظر له بخبث وأكمل: "إني بردك كنت بعمل كده مع أمك الله يرحمها." قال عثمان بغيظ: "كنت بتعمل إيه بجي؟ كنت دكتور بردك؟

رد عليه بمغزى: "كل واحد طبيب حاله يا ولدي، وإني كنت بريح حالي من وجع الجلب ومبعدها عن الناس كلياتها." ابتسم عثمان باتساع ولمعت عيناه بهوس ثم قال: "صدق بالله إني توي حبيتك يا حاج، طلعت فهمان أكتر مني بشهادات والله." لم تفهم ما يعنيه ذلك الحديث، ولكن يكفي أنهما تقبلا بعضهما البعض.

بعد مرور ثلاثة أيام، قرر إخراجها من المشفى وإكمال علاجها داخل بيته تحت رعايته هو. وقد انفض التجمهر في نفس اليوم الذي سمح فيه لأبيها برؤيتها. أدلف بها إلى السرايا وهو يحملها بين يديه دون ذرة خجل أو اهتمام بمن حوله. الكل فرح بعودتها سالمة وتجمعوا داخل غرفتها بعدما وضعها فوق الفراش. قالت عفت بفرحة ودموع: "بركة إنك نورتي بيتك تاني يا بتي، ملجياش حاجة أقولها بعد اللي عملتيه." قالت عائشة بصدق ودموع:

"كلياتنا اتفجرنا عليكي يا خيتي، سوي لما أصبتي ولا من اللي عرفناه. كيف اتحملتي ده كله، يعلم ربي جهرتي عليكي كد إيه." نظرت لهم بدموع فرحة وقالت: "الحمد لله قدر ولطف، إني بجيت زينة دلوقتي." قالت نرجس: "تكوني طيبة وبخير يا رب، هعملك فرخة شامورت وحبة شوربة يرمو عضمك وأرجعلك طواليع." قال عثمان: "طيب متعوجيش عشان معاد العلاج كمان ساعة، على ما تغيري خُلجاتك وتتسبحي تكوني خلصتيه."

فهم الثلاثة ما يعنيه، وهو طلب مبطن بتركهم قليلاً حتى ينهي اهتمامه بها. أول من تحركت معها كانت عائشة وهي تقول: "تعالي أساعدك لجل ما نخلص بسرعة." أما عفت، انتظرت خروجهم ثم قالت: "تحبي أساعدها يا ولدي، إني كيف أمها." قال عثمان: "تسلميلي يا حاجة، ريحي حالك إني وياها متجلجيش، عشان كماني أغير عالجرح بالمرة." خرجت الأم، وبمجرد أن لف جسده ليتحرك تجاهها، وجدها تنظر له بغيظ. قطب بين حاجبيه وقال باستغراب: "هتطلعي على كده ليه؟

عملتلك حاجة إني؟ قالت رغد: "إنت مش لسه مغير عالجرح قبل ما نيجي؟ ليه بتقول للحاجة كده؟ رد عليها بغيرة حارقة: "كنك اجنيتي يا واكلة ناسك إنتي؟ رايدة الخلج تطلع على جسمك؟ يا مخبولة." ردت بغضب وجنون: "أنا اللي مخبلة؟ خلج مين يا دكتور؟ دي أمك وكييف أمي تمام." جلس قبالتها مكوبًا وجهها بقوة. نظر لها بعيون تغلي من نار الغيرة ثم قال بحسم: "أنا... هغير عليكي من خلجاتك...

سواعي يبقى هاين علي أقطعهم لجل ما في حاجة تلمسك غيري. يبقى تحمدي ربك إني مهملهم عليكي، وتلمي حالك وتجفلي خاشمك، سامعة يا بجرة إنتي." بعد أن امتصت صدمتها بما سمعت، لم تقو على كتم ضحكاتها الفرحة والمزهولة في آن واحد. تطلع لها بغيظ وغضب ولم يجد طريقة يفرغ فيها كل هذا غير ثغرها الضاحك بحلاوة. التهمها بجوع وغيظ في البداية، ثم تحولت إلى اشتياق وعشق واطمئنان. إنها ما زالت معه. فصلها بعد مدة وقال:

"حمد الله بسلامتك يا رغد دنيتي." جاء الليل سريعًا والكل خلد إلى النوم. إلا طبيبنا، فبعد أن أطعمها بيده وأعطاها جرعة الدواء، مدها فوق الفراش ثم فرد الغطاء عليها. قبل رأسها وقال: "البرشام هينيمك يجي تمن ساعات. هروح لعائشة، وكل شوي هطمن عليكي، وقبل ما النور يطلع هكون عندك." أكمل بخجل طفيف: "بجالي يجي أكتر من أسبوع مدخلتش عندها." ردت عليه بتعقل:

"متخافيش علي إني بجيت زينة. روحيلها يا عثمان، كتر خيرها والله، وإني هنام خلاص." كادت أن تتجه نحو فراشها، ولكنها وقفت باستغراب حينما وجدته يدخل الغرفة ويغلق الباب خلفها. نظرت له بقلق ثم قالت باهتمام: "خير يا واد عمي، البت فيها حاجة، محتاجة حاجة؟ اقترب منها بتمهل وعيون بها لمعة لأول مرة تراها. وقف قبالتها وقال بهدوء: "البت زينة، أنا جايلك إنتي يا بت عمي." سألته باهتمام: "محتاجة حاجة يعني؟ مفهماني إني؟ ضحك بهدوء ثم

لف ذراعه حول خصرها وقال: "واااه... كأنك اتعودتي على غيبتي يا عائشة، مريدانيش أبأت عندك ولا إيه؟ نظرت له بفرحة ولكنها قالت بحكمة: "يعلم ربي اليوم اللي بتغيب عن فرشتي بيجي حالي ما يعلم بيه غير ربي. ولكن البنية متصابة، ما ينفعش تهمليها لحالها." قبلها برفق وامتنان ثم قال بصدق: "كل يوم عن يوم بتكبري في نظري أكتر. إني كيف كنت غافل عن جلبك الطيب ده؟ جوليلي أوفيكي حقك كيف بس؟ رت على صدره وقالت:

"جايلك لحدت عندي دلوقتي تسوي الدنيا وما فيها يا واد عمي. يعلم ربي جلبي هيطير من الفرحة دلوقتي. ربنا يراضيك ويرضي عنك. روح يا عثمان خليك جارها لحد ما تطيب وبعدها ابجي تعالي براحتك." رغم رغبته في العودة إلى قلبه الذي تركه هناك، إلا أن ضميره لن يسمح له بالانصياع لتلك الرغبة. سيظل معها، يربت على قلبها الأبيض، يعوضها غيابه. هي تستحق ذلك. ضمها بحنان ثم قال: "إتوحشتك جوي يا عائشة، هقعد وياكي شوية، وبعدها هبقى أعود تاني."

أما بالجهة الأخرى، سالت دموعها بهدوء معاكس للنار التي تحرق قلبها. هي عاشقة وتموت قهراً من الغيرة. ولكن... صاحبة أطهر قلب قابلته يومًا تستحق منها أن تتحمل تلك النار. عائشة فعلت معها الكثير، وقدمت لها ما لم تتوقعه، بل كانت صاحبة الخطوة الأولى حينما اهتمت بها في مرضه. لن تسمح لحالها أن تصبح أنانية وجاحدة. يجب أن تتذكر دائمًا أنها هي من شاركتها زوجها. تنهدت بهم ثم قالت قبل أن تذهب في نوم عميق أثر مفعول الدواء:

"بكفاياني إن جابه معي، مبقاش طماعة يا بت العبايدي."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...