صدر صرير مرعب من سيارة عثمان الذي أوقفها فجأة. هبط منها بطريقة تنم على أنه سيقتل كل من يقابله. لما لا، فقد أخذ سلاحه الناري الذي كان يضعه داخل سيارته قبل أن يتركها. كان المشهد كالتالي: في نفس وقت وصول عثمان، كان وهدان يسحب رغد للخارج. وفي نفس وقت دخوله، وبينما هم كي يلتحم في المعركة الدائرة أمامه، وجد وهدان يخرج من باب السرايا الداخلي ساحباً تلك المسكينة التي تحاول أن تمسك الباب لتمنع خروجها.
في لحظة، بمنتهى الحرفية، حينما فشلت رغد في أن تقاوم أخيها وقبل أن يخطو بها أكثر من خطوتين، كان عثمان شاهراً سلاحه نحوه ثم أطلق منه أول رصاصة مرت فوق رأس هذا الجبان الذي لم يهتم بمظهر أخته أمام الرجال. بمجرد أن دوى الصوت في الأرجاء، ثبت الجميع كل في موقعه. أما هذا الأسد الذي يدافع عن عرينه، كان يتقدم للأمام ويطلق رصاصة أخرى مرت بجانب وهدان. ثم الثالثة تحت قدمه حينما أصبح قريباً للغاية منه. أثناء تقدمه، كان
يقول بنبرة خرجت من الجحيم: فكر تخطي بها خطوة كمان. أكمل بعدما وصل أمامه واضعاً فوهة السلاح فوق جبينه وهو يكمل: سيبها. بينما يثبت السلاح فوق رأسه ويأمره بتركه، كان هو يسحبها بيده الأخرى. نفس وقت صياح عبد الحكيم: همل خيتك يا واكل ناسك. نزلو سلاحكو يا عبايد. انخفض الجميع أسلحتهم الذين أشعروها في وجه الخصم، خاصة عثمان مع انطلاق الرصاصة الثانية. رغد... هل أحدكم يستطيع تخيل ما تشعر به؟ لا، والله قد عجزت الحروف عن وصف.
فقد تخشب جسدها وشعرت أن الرؤية انعدمت أمامها. كل ما تراه دماء ستسيل ولم تروي أرضاً يملأها الغربان. أفاقها صوت أبيها الصارخ وقتها فقط أيقنت خطورة الموقف. وبينما كان حبيبها يسحبها من يد أخيها، كانت هي بمنتهى الشجاعة والارتعاش تقف بينهما. نظرات التوسل انطلقت منها تجاه هذا الغاضب. ذراع تحركت بصعوبة كي ترتفع وتمسك بيده المثبتة فوق جبين أخيها. صوت يملأه الحزن والرجاء: لجل خاطري... وفقط. نظر لها بجنون وقال بصياح:
لساتك هتدافعي عنه؟ أعلى صوته وهو يكمل: حرمة بيتي اللي اتعدوا عليها... مهتكفنيش جصادها حرج الكل. صرخت برعب: لاااااه... أحب على يدك بكفاية... لجل خاطري. عليها بغضب أشبه بالعتاب: خايفة عليهم... رايدة تروحي وياهم؟ هزت رأسها بهستيرية رافضة ما وصل إليه وهي تقول: لاااااه... أنت راجلي اللي اكرمني... ومهطلعش من دارك غير على جبريت. تطلعت حولها وهي تكمل: وهما أهلي وفوق راسي.
كادت أن تكمل حديثها المتعقل، إلا أنها لمحت هذا النذل يشهر سلاحه في الخفاء تجاه ظهر عثمان. لا تعلم من أين أتتها القوة كي تتشبث به وتلف جسده معها كي تتلقى الرصاصة بدلاً عنه وتفديه بروحها العاشقة. قبل أن يستوعب ما حدث، كانت هي تمسك بثيابه وهي تقول بوهن: أهلي يا عثمان. عثمان... عثمان يشعر أن الأرض تدور من حوله. لن يستطيع استيعاب ما حدث. لا يعلم كيف تمسك بها. بل هبط بجسده معها أرضاً، والصدمة الجمّت الجميع.
حتى النساء لم تجد صوتاً يخرج منها كي يصرخن حزناً وفزعاً على تلك المسجية داخل حضن حبيبها. وحبيبها ينظر لها بدموع حبيسة تأبى الهطول. ما استطاع نطقه بهمس حارق: بتفديهم بحياتك؟ ردت عليه بصعوبة ودمائها تسيل فوق يده الملتفة حولها: إني فديت روحي... ما كنتش هقدر أعيش بعديك. أتمنيتك جوزي في الدنيا... وهاستناك في الآخرة. لو أنت اللي اتقتلت... كنت هقتل حالي بعيدك... و أبقى اتحرمت منك بردك دنيا وآخرة. عشاني... أهلي... فقط.
كانت آخر ما تفوهت به قبل أن تغلق عيناها تزامناً مع ضمه لها وصياح بصوت رجلاً عاشقاً فقد الحياة لتوه: لاااااه... فوقي... متسبنيش... مهجربش يمه أهلك... فوقي يا رغد... فووووقي. بدأ الجميع يمتص الصدمة. اقترب منه عمه وأبيها المكلوم، يحاولون فحصها. وحينما رفض وتشبت بها، صرخت بها أمه كي تفيقه: فوقي يا دكتور... اكشفي عليها يا ولدي... عم تتنفس. حج مرتك يا دكتور. هنا تنبه عقله، تذكر مهنته.
نظر لها محاولاً رؤيتها من بين الغيمة التي حجبت عنه الرؤية. جس عرقها النابض بتفحص ويد مرتعشة. عاد قلبه ينبض من جديد بعدما شعر بنبضها هي ما زال موجوداً رغم ضعفه. لم ينتظر لحظة، عاد لحاله وتجبره، بل وقوته التي استخدمها في حملها. هرول بها إلى الخارج وهو يصرخ بهم: الحج مرتي... واتحملوا جحيم عثمان السوهاجي يا عبايد. كان حمزة في ذلك الوقت أمر ثلاثة رجال أن يلحقوا بذلك الحقير حينما يراه يهرب بعد ما فعله.
صعد السيارة خلف المقود بعدما صعد أخيه بزوجته في الخلف. تحرك سريعاً وهو يقول: سمير الكلب هو اللي عملها. الرجالة لحقته قبل ما يهرب. ضمها بقوة وهو يقول بهمس حارق وصل لأذن الأخير: اجفل عليه لحد ما أفجولوا... مفيش كلب مالعبايدة رجليه تخطي عتبة المستشفى... سامع. يعلم الله كيف تحكم في حاله كي يمارس مهنته كطبيب وهو يحاول إخراج تلك الرصاصة الغادرة. وما ساعده على ذلك حينما وصل بها إلى مشفاه الخاص وقام بفحصها.
اطمأن قلبه العاشق قليلاً حينما اكتشف أن الطلقة أصابتها كانت في كتفها. رفض أن يسعفها أحداً غيره. بل دلف هو معها إلى غرفة العمليات ورافقه اثنان من الممرضات كي يخرجا لها. ثم يقوم بتقطيب جرحها. ذلك الجرح الذي شعر به داخل قلبه ليس في جسدها هي. ولاول مرة منذ أن مارس مهنة الطب يده ترتعش أثناء إجراء عملية جراحية. لكن ذلك لم يكن ضعفه منه، بل رعشة قلبه الذي يعتصر ألماً أصابت جسده بالكامل ليس يده فقط.
أمام المستشفى، كان المشهد... حقاً مرعب. رجال العائلتين يقفان قبالة بعضهما البعض في حالة تأهب تام لنشوب معركة حامية. قوات الأمن التي وقفت في المنتصف في محاولة منها لمنع احتكاكهم ببعض. أبيها... ذلك الرجل الحكيم الحزين، الذي يقف مكتوف الأيدي. غاليتها بالداخل لا يعلم عنها شيئاً، ولا يستطيع أن يكون بجانبها. أما النساء، كان يخيم عليهم الحزن والبكاء وهن يجلسن منتظرين أن يطمئنوا عليها. عفت ببكاء: عيني عليكي يا بتي...
يا جهره قلبي عليك. نرجس بحزن: إني هتجن... عقلي هيفط مني... ليه كلت ديه؟ إيه اللي حصل لجل ما العبايد يعملوا أكده؟ عائشة ببكاء: محدش خابر شيء... الدنيا اتقلبت مرة واحدة... والبت ضحت بروحها يا نضري. تحية بغيظ: الدكتور هيلحقها متخافيش. عفت: إني لازم أعرف السبب. نظرت لابنتها وقالت: اتصلي بشادية. ردت عليهم ببكاء مرير: طمنيني يا حاجة... خيتي عملت إيه؟ ولدك مانع حتى أبوها يدخل المستشفى... ومحدش رايد يريحه بكلمة حتى. عفت:
شادية... تجدري تاجي عندينا دلوك... حديث التليفون مهينفعش. فهمت شادية ما تريد. ولأنها تثق في تلك السيدة الحكيمة ردت عليها بحسم: مسافة السكة هكون عندكوا. وبالفعل، بعد مرور أقل من نصف ساعة كانت تجلس وسط النساء في بهو سرايا السوهاجية. عفت: أنتي خابرة سبب كلت ديه... صح؟ جوليلي يا بتي... ريحي قلبي... إني هتجنن. نرجس: شكلها حكاية واعر جوي يا أم شادية. شادية: إني معرفش إذا كان اللي هقوله ينفع ولا لأ.
نظرت لعفت برجاء ثم أكملت: إني هقولكم على كل حاجة... لجل ما تعرفوا خيتي استحملت إيه... وعاشت كيف. بس اللي طالباه منكم... مفيش حد يفتح الحديت ديه واصل لما نشوف الرجالة هتعمل إيه. عائشة: اطمني... مفيش حرف هيطلع بره... حتى الرجالة اللي كانت عم تطحن في بعضها محدش منهم فاهم ولا عارف السبب. سحبت نفساً عميقاً، ثم قصت عليهم كل شيء. كل ما عانته أختها من يوم أن خرجت من بيت أبيها... إلى تلك اللحظة.
لكن بمنتهى الحكمة تغاضت عن ذكر ذلك العشق الذي أصبح يجري في وريد الثنائي ولا حتى ما فعلته كي يتم زواجها. زهول... صدمة تصحبها دموع غزيرة تهطل من عيون النساء كلما أسْهَبَت شادية في الحديث. لا عقل ولا منطق يجعلهم يصدقون كل هذا. وبعد أن انتهت قالت بحزن من بين دموعها: كلت ديه خيتي استحملته لجل ما الثأر يوقف. نظرت لعفت وأكملت برجاء: ورحمة الغاليين يا حاجة... بلاش تخلي كلت ديه يروح هدر. كلمي والدك... خليه يحكم عجلة...
بكفايانه لحد أكده. حد يتصل بيه... جلبي واكلني يا ناس... عايزة أطمن على خيتي... وهو مانع أي حد منا يدخل جوه. عفت بصدمة: كان جلبي حاسس إن فيه حاجة غلط... الله يرحمه ويسامحه... كان مبين للكل إنه عاشقها ومهنية. لكن عينها الحزينة اللي كلها هم... كانت بتكذب كلت ديه. ليه بس يا ولدي... بكت بحرقة وهي تكمل: ضيعت شبابك هدر... وظلمت لابنية. بعد أن انتهى من العملية بشق الأنفس، قام بنقلها إلى غرفة عادية نظراً لحالتها المستقرة.
لكنها كانت لا تزال تحت تأثير المخدر. بعد أن وضعها بتمهل وحرص فوق الفراش، مال عليها مقبلاً جبينها برفق جامح ثم قال: سامحيني... ما قدرش انفذ طلبك... هدفعهم تمن كل نقطة دم سالت منك... حرج قلوبهم كيف ما قلبي اتحرج واني فاكر إنك ضعتي مني. ما قدرش أصدق إنك تعملي أكده... ليه يا بت قلبي لييييه. بينما كان يجلس على أحد المقاعد منتظراً بلهفة إفاقتها بعد ذوال مفعول المخدر. سمع طرقاً فوق الباب.
فتحه سريعاً وجد حمزة ومعه أحد الضباط. تحرك خطوتين نحو الخارج ثم أغلق الباب بهدوء وقال: خير يا حضرة الظابط. الضابط: محتاجين نحقق مع المجني عليها... وناخد أقوال الشهود. نظر له ببرود ثم قال: مجني عليها مين... وشهود إيه اللي بتتحدث عنيهم؟ إني مفهمش حاجة. جز الضابط على أسنانه كي يكتم غيظه ثم قال: المجني عليها... زوجة حضرتك اللي أصيبت بطلق ناري يا دكتور. رد بلامبالاة ظاهرية: محصلش. نظر له بعدم فهم فاكمل بثقة:
مفيش حاجة من دي حصلت... مرتي وقعت فوق إزازة عورتها... وبس... جبت منين الحديث ديه. نظر لحمزة وأكمل: مش ديه اللي حصل يا خوي؟ حمزة بتأكيد: ومفيش غيره يا واد عمي. لم يتمالك حاله بعد أن رأى تلك التمثيلية الهزلية فقال بغضب: اللي بيحصل ده غلط يا دكتور. الناس تحت واقفين على تكه... كلمة واحدة وهتحصل مجزرة... ارجوك أنت إنسان متعلم ومثقف... يا ريت تكون أنت صوت العقل اللي ينقذ أرواح بريئة زي ما عملت قبل كده. رد عليه
بحسم دون أن يتأثر بما قيل: إني جلت اللي عندي... ملياش صالح بأي حاجة تاني. أكمل باستهزاء: واللي بلغك... تجدر تعمله محضر بلاغ كاذب وإزعاج سلطات. في أحد المخازن التابعة لعائلة السوهاجي، كان ذلك الحقير يتلقى ضرباً مبرحاً من رجال حمزة. كادت أحباله الصوتية أن تتقطع من فرط صراخه المتألم. يرافوه بل قال أحدهم بغل: "صرخ... عالي صوتك كيف الحريم. أما كنت عامل فيها سبع الرجال من اشوي...
كلت ديه مهيجيش حاجة جصاد اللي هيعملوه فيك الدكتور." تقدم يونس من أبيه وقال بغضب مكتوم: وبعدين يا بوي... هنفضل واقفين أكده ومخبرينش خيتي إيه اللي حصل فيها. أديني إشارة وأني أطربق المستشفى عالي فيها. نظر له أبيه بغضب ثم قال: و ماله... ولعها أكتر ماهي والعة... والغلبانة اللي ربنا أعلم بحالها دلوقتي هي اللي هتدفع التمن. يونس: يا بوي... إني رايد أطمن عليها... بجول أكده من غلبي... إني لحد دلوقتي مش قادر أصدق اللي حصل.
عبد الحكيم: ولا أمي يا ولدي. نظر له بثقة وهو يكمل: طمن جلبك يا ولدي... خيتك في أمان. يونس باستغراب: كيف ديه يا بوي؟ ابتسم الرجل الحكيم لهم وقال: لأنها مع اللي هيُهَد الدنيا لجل خاطرها يا ولدي... يكفيك شر راجل عاشق... لما حد يمس جلبه. هل هي من تحاول فتح عينيها... أم قلبه المتلهف هو من يهيء له ذلك؟ اقترب منها بتهمل... جلس على حافة فراشها... أخذ يملس على وجنتها بحنان وهو يقول برجاء عاشق أرهقه الانتظار:
فتحي يا رغد دنيتي... خلي قلبي يرجع يدج... الدنيا اسودت في وشي لجل ما أنا محروم من نور عيني. ارحمي قلبي وطمنيني عليكي. و صغيرته رحمته حينما همست باسمه قبل حتى أن تستعيد وعيها كاملاً. اقترب أكثر منها وقال بلهفة: جلبي و عجله و روحه. بدأت تفتح عينيها بوهن... أول ما قابلها وجهه المبتسم بفرحة لنجاتها وعودتها لها. أخذت بعض الوقت كي تستعيد وعيها... وجدت مشاهد سريعة تمر أمامها لما حدث. مما جعلها تفيق سريعاً بشكل كامل
وتقول بلهفة رغم وهنها: أنت زين... حصل إيه... طمني. لم يتمالك حاله وهو يميل عليها كي يرفعها بحرص ويدفنها داخل أحضانه. قبلات كثيرة فوق رأسها وهو يقول من بينها بنبرة باكية: "توك قلبي عاود مطرحه. هونت عليكي تعملي في أكده... هانت عليكي روحك." ابتعدت عنه بصعوبة... تطلعت له بزهول وقالت: أنت عم تبكي يا عثمان؟ قبض وجهها بحنو وقال: ربي يعلم كتمتها كيف... كان نفسي أصرخ... أبكي... أنوح... أبوس إيد الكل وأجولهم... هملولي حبيبتي.
يدي كانت بتترعش وأنا بمسح دمك... ليه تعملي في أكده... ليييييه. بكت في المقابل وهي تقول: أنت هتجدر تكمل من غيري... أما إني أضعف من أكده بكتير... أنا فديت روحي مش روحك... أنا عشجاك يا طبيب جلب. ينظر لها بعيون تصرخ عشقاً ثم اقترب منها وقال: ......
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!