عادت للخلف برعب من هيئته المخيفة. أغلق باب الغرفة عليهما غير عابئ بصريخ باقي العائلة بالخارج. كل ما يجول بعقله الآن تلك الضحكة الرنانة التي خرجت منها مع أخيه الأحمق. نيران قلبه زادت اشتعال وهو يتذكر هذا المشهد. سارة تلعب معه وهو يفهم ذلك جيداً، ولكنها تلعب بالطريقة الأكثر خطورة عليها. أبتلع ريقه وهو يشير إليها بالاقتراب. رفضت بحركة تمرد مردفة: _أرجع لورا يا أبيه.. _تعالي هنا بنفسك بدل ما أجيب أنا..
الحمقاء نست عقابها ووضعت كفيها حول خصرها مردفة بنفس الغيرة: _مش جاية تعالى أنت لو عايز.. أومأ وهو يرفع حاجبه لها ساخراً وبدأ برفع كمه إلى ساعيه مقترباً من محل وقوفها قائلاً: _وهو أنا عندي كام سارة، خليكي مكانك وهاجي لك بنفسي. صرخت بفزع على وقوعها أسيرة بين يديه القوية. رمشت بعينيها عدة مرات بمحاولة يائسة منها على استعطافه هامسة: _هو أنا عملت إيه بس طارق ده زي أخويا بالظبط وكنا بنضحك مع بعض عادي..
ضغط على خصرها بغل وهو يتذكر طلب شقيقه بالزواج منها قائلاً من بين أسنانه: _آهو طارق اللي زي أخوكي ده طالبك للجواز، اعمل فيكي إيه بقى.. _تقوله دي مراتي، شوف سهلة إزاي.. ماذا تقولي يا صغيرة؟ تطلب منه المستحيل وهي تعمل هذا جيداً. رجل متزوج ولديه فتى على مشارف المراهقة وهي فتاة في أوائل العشرينات. كيف يواجه العائلة بزواجه العرفي منها؟ ضرب الحائط خلفه بقوة مع شعوره بالعجز. حبه لها لعنة أصابته.
مع وقوع عينيه عليها أصبح مريضاً يرفض العلاج. نظر داخل عينيها مردفاً: _سارة أنتِ عارفة كويس إنه ماينفعش أقول إنك مراتي وخصوصاً دلوقتي.. ردت إليه النظرة بأخرى بها الكثير من العناد والتحدي: _ده أكتر وقت لازم الكل يعرف فيه إني مراتك.. سألها بشك: _ليه ؟! _لأني حامل.. أمام بوابة قصر علام العريق وقفت سيارة الأجرة خاصتها. تلك هي المرة الأولى التي ترى بها ثراء عائلتها الكريمة.
منذ وفاة والديها بحادث تعيش مع شقيقتها الكبرى مريم وزوجها علاء. مثلها مثل أي غريب تتابع أخبارهم عبر منصات التواصل الاجتماعي وتنبهر بهم فقط لا غير. تعيش بمنزل ثلاث غرف كضيفة عند زوج شقيقتها حتى تتزوج وهم يعيشون بهذا النعيم. اللعنة عليهم جميعاً… دق هاتفها ورأت اسم مريم عليه. فأخذت نفساً عميقاً قبل أن تضمه إلى أذنها مردفة بهدوء: _أنا وصلت خلاص يا مريم.. أبعدت الهاتف عنها قليلاً مع وصول صرخات الأخرى عليها، قبل أن تقول
كلمة إضافية صرخت مريم: _أنتِ مجنونة رايحة عندهم تعملي إيه؟ كام مرة أقولك أنتِ مالكيش حق هناك. بابا أخد ورثه منهم بعد موت أبوه وسافر الفيوم عشان يتجوز ماما. الخير ده كله بتاعهم هما بس وكتر ألف خيره محمود ابن عمك بيبعت مصاريف لينا كل شهر عايزة إيه تاني. _عايزة أعيش مش أكتر يا مريم، كفاية عليكي أنتِ وجوزك لحد كدة. أنا ليا أهل هما أولى بيا.. عضت مريم على شفتيها بغيظ وهي تلعن زوجها.
قالها أمس لسارة صريحة يريد أن يزوجها حتى يسقط حملها من فوق رأسه ويهتم بأبنائه فقط. مسحت على وجهها مردفة بنبرة حنونة: _سارة يا حبيبتي إنت عارفة علاء عبيط ومش بيفهم في الكلام. ارجعي ومحدش هيقدر يفرض عليكي حاجة أنتِ مش عايزاها.. أجابتها سارة بعدما أعطت للسائق أجرته وقالت بنبرة رقيقة: _ممكن تنزل ليا الشنط من العربية يا عمو عشان مش هقدر أشيل.. أومأ إليها قائلاً بابتسامة معجبة بجمالها: _أنتِ تؤمري يا ست البنات..
_شنط إيه أنتِ مش ناوية تسمعي كلامي وترجعي؟! _لأ يا مريم مش راجعة ولو على المصروف اللي أبيه محمود كان بيديه لجوزك كل أول شهر هبعته لك أنا الضعف سلام.. أغلقت الهاتف وأنهت تلك المهزلة من حياتها إلى الأبد. هذا القصر ستصبح هي سيدته خلال أيام قليلة وهذا وعدها لنفسها مهما كلفها الأمر. بخطوات واثقة اقتربت من الحارس مردفة: _لو سمحت أنا سارة علام ممكن أقابل تيتة ألفت وأبيه محمود.. تاه الحارس بهذا الجمال.
من يراها يذهب منه عقله بنفس الثانية. كتلة من الجمال تسر من ينظر إليها. ابتسمت من نظراته التي أعطت إليها شعور بالانتصار وحركت كفها أمام وجهه مردفة بنبرة ناعمة: _ها إنت معايا؟! اتسعت ابتسامته البلهاء مرحبا متمنياً أن يتحدث معها الباقي من عمره. أومأ إليها وعيونه تتطاير منها قلوب حمراء مردفاً: _طبعاً معاكي، ده كفاية عليا أصلاً البصة الحلوة دي… _طيب دخلني بقى..
هنا عاد إلى عقله هذه أصغر حفيدة بعائلة علام، ماذا تفعل يا أحمق لو وقعت عين محمود علام عليك ستكون نهايتك. ابتلع ريقه بخوف وأفسح لها الطريق. دلفت وتركته يأتي خلفها بالحقائب. ما هذا الجمال جنة الله على الأرض. مع كل خطوة تخطوها للداخل تزيد دقات قلبها. ها هي قريبة جداً من حلمها. كيف كانت تعيش السنوات الماضية وهذا النعيم لغيرها لا تعلم ولكنها أتت اليوم حتى تبدأ حياتها تبدأ عمرها الحقيقي بين جدران قصر علام..
فتحت الخادمة الباب ليحدث لها مثلما حدث للحارس. هذه الفتاة خلقت بسحر غريب وجمال أغرب. وضعت الخادمة كفها على ذراع الآخر مردفة بتعجب: _بسم الله الرحمن الرحيم إيه دي يا واد يا شوقي؟! أين شوقي فهو الآخر تائه بالملكوت يتأمل إبداع الخالق في جمال خلقه. أجابت هي ببراءة وهي تعلم تأثيرها على الجميع فما يحدث الآن يحدث كل يوم مع أي شخص يراها حتى لو رآها قبلها مائة مرة: _أنا سارة علام بنت أحمد علام الله يرحمه..
دقيقتين وكانت بين أحضان امرأة عجوز. تضغط على جسدها الناعم بين ذراعيها وتبكي. أخيراً تضم حفيدتها ابنة ولدها الذي فارق الحياة في سن صغير بعدما تخلى عنهم سنوات. أغلقت سارة عينيها بارتياح شديد هذا هو الأمان الذي تبحث عنه وها هي تتذوقه لأول مرة.. سالت الدموع من عيني ألفت قائلة: _أخيراً يا بنت الغالي ياما طلبت من أختك تجيبك أشوفك بس كانت بتقول إنك مش عايزة حد مننا.. ابتعدت عنها سارة قليلاً وقالت بنبرة مختنقة
من شعورها القوي بالبكاء: _أنا جاية النهاردة عشان أعيش معاك، ليا مكان بنكم والا ماليش يا تيتة؟! لمعة عين المرأة أعطت لها واجب مرضى يثبت أن لها مكان ومكان لم يصل إليه أحد قبلها ولن يصل إليه أحد بعدها. أومأت إليها ألفت بلهفة وسعادة: _بقى ده كلام ده بيتك يا بنتي وليكي فيه زي ما الكل له فيه.. تعالي في حضني شوية كمان عايزة أشبع منك..
بكل صدر رحب ألقت بنفسها داخل أحضان الأخرى من جديد فهي ترغب بهذا الشعور اللذيذ المطعم بالمحبة أكثر من ألفت. رفعت عينيها للحائط لترى صورة رجل ولكن ليس مجرد رجل. لو للفخامة عنوان سيكون هو.. من أول عينيه السوداء سواد الليل بليلة غاب بها القمر والنجوم، حتى وصلت لذقنه المتوسطة بلونها الأسود المميز مع أكثر من شعرة بيضاء هنا وهناك. شفتيه غليظة تعطي إليه رونقاً خاصاً يكتم أنفاس من حوله.
وجدت نفسها بلحظة هائمة وسألت نفسها سؤالاً واحداً هل هذا الرجل هو من أتت من أجله هنا؟! همست ألفت بترقب ومازالت عينيها متعلقة به: _مين ده يا تيتة اللي صورته على الحيطة.. أجابتها ألفت بابتسامة محبة لصاحب الصورة: _ده محمود ابن عمك وكبيرنا كلنا بعد موت جدك.. اللعنة هذا هو محمود؟! يبدو أن لعبتها من البداية بدأت تخرج عن السيطرة. ابتسمت بخفة ونطقت اسمه بتقطع متلذذة بكل حرف: _م ح م و د ” محمود علام”.. بعد ساعة..
بالطابق الأخير بقصر علام كان يقف هو أسفل الدش يأخذ حمامه الصباحي. أغلق الماء وبخطوات ثقيلة وضع جسده بحوض الاستحمام المزين بالورود البيضاء ورائحة الياسمين المنعشة. زفر بضيق وهو يشعر بالصداع مسيطراً على رأسه. سحب سيجارة من علبته الفاخرة ثم أخذ منها نفساً عميقاً وأخرجه بتمهل.. بعد عشر دقائق كان انتهى من ارتداء بدلته السوداء مع رشقة من عطره المميز. أتى صوتها الناعس من خلفه ليلف بجسده إليها مردفاً بقلق:
_كملي نومك يا عايدة لسة بدري.. نفت بحركة سريعة من رأسها مشيرة إليه بالاقتراب منها. نفذ أمرها على الفور جالساً أمامها على الفراش مردفاً: _إنتِ تعبانة أطلب لك الدكتور؟! بكف مرتجف أزالت جهاز النفس مع على وجهها ثم قالت له بابتسامة مشرقة رغم ملامحها الشاحبة: _جبت لك عروسة حلوة أوي يا محمود عبير كانت معايا في الكلية فاكرها.. ظل صامتاً دقيقة كاملة وهي تنظر إليه بترقب.
يحاول بقدر المستطاع التحلي بالهدوء وعدم الخروج عن السيطرة. عايدة حالتها الصحية تسوء يوماً بعد يوم ولهذا يجب عليه الصبر. رفع كفها ووضع عليه قبلة ناعمة ثم قال: _مش فاكر حد غيرك ولا عايز حد غيرك ممكن تركزي شوية في صحتك وطلعي الجنان ده من دماغك يا عايدة .. سقطت دموعها وقالت بتعب: _بس ده مش جنان إنت بقى لك أربع سنين عايش معايا كأني أختك، مفيش علاج نافع معايا أنا بموت وإنت مصمم تضيع عمرك، لازم تجيب أخ لمعتز يبقى سند له..
ماذا يقول لها وهي ابنة عمه التي تربت على يده منذ نعومة أظافرها من صغرها تعاني من القلب وزاد الأمر سوء بعد إنجاب معتز ومنذ أربع سنوات داهمها المرض اللعين ليكمل عليها وتستأصل رحمها. اقترب منها مقبلاً رأسها مردفاً: _ورايا شغل مهم ولازم أمشي حالا لما أرجع هبقي أشوف حل في جنانك ده ممكن.. ابتسمت وهي تشعر بحبه لها وتأثيره عليها. تلعب تلك اللعبة دائماً حتى تتأكد من تمسكه بها وبعدها تعود للنوم بارتياح.
محمود ملكية خاصة بها ولن تسمح لأي امرأة النظر إليه حتى لو كانت قليل من العظام.. تنهد بضيق مغلقاً باب الغرفة خلفه. وقبل أن يخطو بطريقه للسلم وجد باب غرفة الجيم الخاصة به شبه مفتوحة. عقد حاجبه بتعجب من تجرأ وفتحها والأكثر من صعد للدور الخاص به وبزوجته من حال الأصل؟! اقترب من الباب ووضع كفه حتى يفتحه أكثر وهنا كانت الصدمة الكبرى.
جنية بيضاء بجسد منحوت، مظبوط الأماكن التي تحتاج الوزن مثالية جداً وباقي جسدها ملفوف مثل قطعة الشوكولاتة. قصيرة القامة إلى حد ما بخصلات بنية فاتحة تصل إلى ما بعد خصرها. خصلات ناعمة مثل نعومة ملامح صاحبتها. كل ما يظهر منها مميز شفتيها بمفردها تحتاج لألف كتاب حتى يقدر على وصفها.. ساقته ساقه وهو يتأمل بها بدون أن يشعر حتى وصل إليها. اللعنة ما هذا حتى شهقتها ناعمة.
معالم الفزع كانت واضحة عليها وهنا سأل نفسه سؤالاً واحداً فقط، هل تلك اللوحة الفنية إنسية أم جنية كما توقع؟! قررت يده التمرد عليه وقطع الشك باليقين ومرت بخفة على ملامحها.. حقيقية!!! بالفعل هي حقيقة ملموسة بين يديه. سألها بنبرة خشنة: _أنتِ حقيقة؟! محمود علام أمامك يا سارة ويبدو أنه مثله مثل الباقي مبهور وجداً. فكرة إعجاب رجل مثله بها جعلتها تنتعش.
لم تستفيد بحياتها إلا بجمالها والآن فقط قررت استخدامه حتى تعيش ما فقدته بسنوات الحرمان الطويلة.. ابتسمت اليه ابتسامة تعلم قوتها جيدا همست برقة جعلته يرغب بالقرب أكثر: _إنت عايزني أبقى حقيقة والا خيال؟! ..هل هناك فرق؟! لا والله لا يفرق معه إذا كانت حقيقة أو حتى خيال كل ما يريده الآن فقط القرب. حرك رأسه بنفي هامسا: _مش فارق أنتِ مين.. أقتربت منه خطوة واحدة ورفعت نفسها قليلاً بمحاولة بائسة منها للوصول إليه.
ابتسم بخفة ووضع يده حول خصرها ليرفعها إليه. ردت إليه الابتسامة بأخرى أكثر حلاوة ثم همست: _أنا أيامك اللي جاية كلها يا محمود.. قالتها بلذة أطاحت به ما هذا الحلم اللذيذ الذي يعيش بداخله. لو انحنى قليلاً وأخذ قبلة هل سيحدث شيء؟! لا والله مادام مجرد حلم لابد أن يستمتع به. وهو غارق ببحر أفكاره ابتعدت عنه وخرجت من الغرفة وكأنها لم تكن موجودة. فاق على حاله من فقدانه شعور الدفء الذي تلذذ به للحظات. فتح عينيه بصدمة.
بالفعل ما عاشه مجرد خيال. مسح على خصلاته مردفاً بذهول: _يا نهار مش فايت إيه اللي حصل ده يا محمود، من قلة النسوان في حياتك بقى عندك تهيؤات؟! بعد خمس دقائق قدر على استجماع نفسه وبخطوات واثقة دلف لغرفة السفرة ليجد أفراد العائلة بانتظاره. ألقى نظرة عابرة على الجميع ليتأكد من حضور الكل ومثل العادة أول مقعد وقعت عينيه عليه مقعد شقيقه الأصغر طارق وجده يبتسم إليه ابتسامة بلهاء فعلم أنه وبكل أسف فعل كارثة.
اقترب من جدته وقبل رأسها وفعل بالمثل مع والدته السيدة حنان مردفاً: _صباح الخير يا جدتي صباح الخير يا ماما.. ألفت: _صباح كل حاجة حلوة يا قلب جدتك.. حنان: _تسلم من كل شر يا حبيبي.. نقل بصره على مقعد والده الفارغ مردفاً بجدية: _بابا هيكون هنا كمان شهر بالظبط يا ماما أنا كلمته امبارح وقال المشروع ماشي تمام بس محتاج شوية وقت كمان مش أكتر.. حركت حنان رأسها بسخرية مردفة:
_مش فارق يا حبيبي يشوف هو نفسه في إيه ويعمله، إنت وأخوك عندي بالدنيا وما فيها.. صمت محمود وهو يعلم معنى حديث والدته جيدا أما طارق غمز إليها بوقاحة قائلاً: _بالنهار أنا وأخويا وبالليل أخبط على باب الجناح محدش يرد.. ضرب محمود على الطاولة فابتلع طارق باقي جملته وعاد للنظر لطبقه مرة أخرى لعن نفسه وهو يسمع أوامر الآخر التي تعطي له إشارة واضحة ” يومك مش فايت النهاردة” : _خلص فطارك وتعالى ورايا على المكتب..
ثواني وانقلب كل شيء رأساً على عقب. وقعت الشوكة من يده وهو يراها تخطو لداخل غرفة السفرة بخطوات رشيقة وابتسامة رقيقة. ألقت عليه غمزة شقية وقالت: _ازيك يا أبيه أنا سارة..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!