مر على وجودها بهذا المكان شبه المجهور خمسة أشهر. لم يزورها طوال تلك المدة إلا مرة واحدة شهرياً. وضعت يدها على بطنها المنتفخة ببكاء شديد، انتهت قدرتها على تحمل هذا الألم. حاولت التحرك حتى لو حركة خفيفة، حتى تصل لهاتفها الموضوع على الطاولة المجاورة للفراش. خرجت منها تنهيدة تكتم بها صرختها المتألمة. سحبت الهاتف سريعاً وقامت بالاتصال عليه ثلاث مرات، ففتح أخيراً الهاتف مردفاً بغضب:
_في إيه طالما مش برد أبقى قاعد مع العيلة بترني ليه؟ _مهو أنا كمان من العيلة دي وبنت عمك يا أبية، وإلا نسيت؟ تنفس محمود بغضب قبل أن يمسح على خصلاته مردفاً: _أكيد مش رانة عشان الكلام الفاضي ده، اخلصي. ارتفعت شهقاتها وهي تلعن نفسها على زواجها منه. ما هذا الحب الأعمى الذي جعل منها أداة للتسلية مع رجل متزوج ولديه فتى أصغر منها بعدة سنوات. لم تتحمل أكثر وهي ترى مائها يتساقط من بين ساقيها مردفة: _الحقني أرجوك أنا بولد.
_إيه؟ قالها بخوف شديد عليها، فأكملت هي حديثها: _أنا خايفة وأنا لوحدي يا محمود، أرجوك تعالى قبل ما ابني يحصل له حاجة. توقف به الزمن لعدة لحظات، وهو ينظر لزوجته التي تستعد لدخول غرفة العمليات، وبين حبيبته التي تبكي له برجاء حتى لا يتركها بمفردها، وبين هذه وتلك هو يقف عاجزاً. وصلت إليه صرخة سارة القوية أسقطت قلبه أرضاً، فقال بلهفة: _سارة إنتِ قوية وأنا جانبك، أتحملي نص ساعة وهتصرف.
ارتفعت شهقاتها أكثر وعضت على أسنانها من الوجع. قدرتها على التحمل انتهت، فأغلقت عينيها باستسلام كبير هامسة بنبرة بدأت تختفي شيئاً فشيئاً: _لو موتت هيبقى ذنبي في رقبتك، ولو قومت منها حسابنا مع بعض هيبقى طويل يا أبيه. تود أن يتحدث، أن يقول أي كلمة تبرر موقفه. أتى صوت والده الغاضب: _سيب الموبايل ده وشوف مراتك عايزة تكلمك قبل ما تدخل العمليات. أغلق الهاتف معها ورأسه تكاد تنفجر. نظر إلى والده مردفاً:
_بابا اتصل بالمستشفى بتاعتنا في اسكندرية وخليهم يروحوا الشاليه اللي هناك فوراً مع دكتورة نسا وتوليد. رفع والده حاجبه بتعجب مردفاً: _مين اللي في الشاليه يا محمود؟ _محمووود. صرخة قوية من عايدة جعلته يفقد المتبقي من أعصابه. سارة الآن وحيدة وقلبه معها، لو حدث لها شيء. لا لا يستحيل أن يحدث. قال لوالده بنبرة حادة قبل أن يدلف للأخرى: _سارة اللي موجودة في الشاليه واللي جوا بطنها ابني. عند سارة اسودت الدنيا بداخل عينيها.
رأت لعبتها منذ البداية تسير أمامها. هي من بدأت وتخيلت الحياة الوردية، وهي من قررت ربطه بطفل حتى تضمن وجوده معها إلى الأبد. سار عقلها للبداية وكأنها تحدث أمام عينيها الآن. فلاش باااااااك. _ازاي حضرتك يا أبيه؟ أنا سارة. ذهول. عدم استيعاب. رغبة قوية طلبت منه القيام من فوق مقعده والتقرب منها. يرغب بلمسها، يود التأكد من ما يراه. هل تلك الفتاة حقيقية أم جنية رائعة الجمال؟ أشارت إليها ألفت بسعادة قائلة:
_تعالي يا قلب تيتة أعرفك على مرات عمك وأولاد عمك. أومأت إليها بابتسامة أكثر من رائعة. براءة ملامحها بمفردها قادرة على وقع أكبر شنب أمامها يعترف بالحب. اقتربت من حنان وانحنت باحترام مقبلة يديها، لتقول الأخرى بمحبة لتلك الصغيرة: _تسلم تربيتك يا حبيبتي. _شكراً يا طنط. صفير عالٍ صدر من الأحمق الجالس بالمقعد المقابل لها. ألقى عليها نظرة وقحة ومد يده مردفاً:
_طارق ابن عمك حالياً وجوزك لاحقاً، مهو البنت أولى بيها ابن عمها، وإلا أنتِ رأيك إيه يا تيتة؟ _رأيي إنك تخرس. كان هذا صوت محمود الحاسم بعدما تمالك حاله. ابتلع طارق ريقه بتوتر ثم أومأ إليه عدة مرات قائلاً: _أمرك يا كبير، إنت تؤمر. حسناً، طارق أيضاً شاب مميز ومن عائلة علام العريقة، وبزواجها منه ستكون إحدى سيدات قصر علام. بدلال فطري ضحكت ويا ليتها لم تفعل. شعر محمود بحرارة غريبة عجيبة جعلته ينتفض من فوق المقعد مردفاً:
_ورايا على المكتب يا طارق. ذهب، أو ليكن صادقاً، فهو فر من تأثير وجودها العجيب الغريب عليه. أما طارق غمز إليها مردفاً بمرح: _يسلم لي أبو ضحكة جنان، هآخد علقتي من الكبير وراجع نتعرف على بعض أكثر. خرج ليكسو الضيق معالم وجهها. حتى لم يرحب بها أو يرد على حديثها معه. سلاحها الأقوى جمالها، وستكون كارثة إذا لم يتأثر به. نظرت لجدتها مردفة: _هو أبيه محمود متضايق من وجودي والا ايه يا تيتا؟
_لأ طبعاً يا حبيبتي، بس هو طبعه ناشف شوية وتعب عايدة مراته مخليه مش طايق نفسه، ادعي لها بالشفا يا سارة. فضولية منذ نعومة أظافرها، ومع كل يوم لها بالحياة يزيد فضولها. بللت طرف شفتيها مردفة: _هي عندها إيه؟ ظهرت معالم الحسرة على وجه ألفت، فعايدة كانت وردة تلك العائلة وحفيدتها المدللة. تحدثت حنان هي الأخرى بحزن: _الأول كان عندها القلب، ومن أربع سنين جه لها المرض الوحش، بقت زي الميتة يا حبيبتي بعد ما كانت روح البيت. نظرت
سارة لطبقها بشرود مردفة: _ربنا يشفيها. بمنزل علاء. دلف بيته بعد يوم عمل أكثر من مرهق، ليجد زوجته المصون تجلس أمام باب المنزل بانتظاره. زفر بضجر من ملامح وجهها التي لا تبشر بالخير. لا يعلم ماذا فعل بحياته حتى يتزوج تلك. حك رأسه مردفاً: _خير قالبة وشك كدة ليه؟ ده بدل ما تقولي لجوزك اللي طالع عينه طول النهار حمد لله على السلامة. قامت من مكانها بنظرات ساخرة. وقفت أمامه ويداها حول خصرها مردفة:
_شغل إيه ده يا عنيا، ده أنت عايش من فلوس محمود بيه، وحتى الشغل بتشتغل حتة واحد بيقدم قهوة شاي في الشركة عنده. جذبها من ذراعها بغضب صارخاً: _مالك يا بت؟ هي هبت منك على آخر النهار والا ايه؟ غوري حضري الغدا وقولي للمحروسة أختك إن العريس جاي بالليل خلينا نخلص من قرفها بقى. جذبت ذراعها منه بقوة ثم ضربته على صدره مردفة:
_أختي هجت راحت عند أهل أبوها، يعني العز اللي كنا عايشين فيه على حسها راح يا غبي، واحتمال يوم والا التاني محمود بيه يقولك مع السلامة، وكل ده ليه عشان مشيت من دماغك وعايز تجوزها لصبي رقاصة. صدم من حديث زوجته، ما هذه الكارثة التي حلت فوق رأسه. دجاجته التي كانت تبيض له بيضا ذهب فرت من العش؟ حرك رأسه برفض صارخاً: _إزاي يا غبية تسبيها تمشي؟
كنت هجوزها من غير ما حد منهم يعرف ويفضل مرتبها شغال، ده غير الواد سيد ده أنا واخد منه 50 ألف جنيه مهر وشرطت عليه بعد الجواز لينا 2000 جنية كل شهر. أطلقت ضحكة ساخرة وقالت: _مش بقولك إنك حمار، هي هربت يا عنيا من ورايا، لو كانت قدامي كنت هعمل المستحيل عشان تفضل، إن شاء الله أخلص عليها، بقى هي تعيش مع أهل ابوها في العز ده كله وأفضل أنا باقي عمري في فقر وهم. جذب علاء خصلاته بغل مردفاً:
_مش وقت نواح يا بقرة، لازم نروح نجيبها من بيت علام والليلة. عودة لقصر علام بغرفة محمود وعايدة. دلف إليها خادمتها المطيعة وتحمل صينية بها وجبة الإفطار. حاولت الجلوس إلا أنها لم تستطع. اقتربت منها سنية سريعاً وساعدتها على الاعتدال مردفة: _بلاش تتعبي نفسك يا ست هانم، قوليلي عايزة ايه وأنا تحت أمرك. أومأت عايدة رأسها بتعب ثم قالت: _في صوت تحت غريب عن القصر، دي خدامة جديدة. بعفوية ضربت سنية على صدرها مردفة:
_خدامة إيه بس يا ست هانم، دي القمر نزل ما السما وقعد في بيتنا. تعجبت من هذا الوصف وبدأ القلق يدلف لقلبها إلى حد كبير. قدمت سنية لها الشوكة، رفضتها بحركة سريعة وقالت: _مش عايزة أكل دلوقتي، قوليلي مين البنت اللي بتتكلمي عنها دي؟ ابتلعت الأخرى ريقها بتوتر من نظرات سيدتها النارية. لعنت لسانها، فهي تعلم طبعها جيداً وتعلم غيرتها العمياء على محمود. انتفضت بفزع على صرخة عايدة المنفعلة: _ما تنطقي، هو أنتِ خرسة؟ أومأت سريعاً
مرددة: _اهدي بس يا ست الناس عشان صحتك، إنت تعبانة، وبعدين دي الست سارة بنت أحمد بيه الله يرحمه، جات عشان هتعيش هنا. ماذا؟ هي رأت تلك الفتاة من قبل عندما كانت بالعاشرة من عمرها وتعلم جمالها جيداً. يستحيل أن تتركها مع زوجها تحت سقف واحد. حركت رأسها برفض هامسة: _يعني إيه الكلام الفارغ ده، مين قبل إنها تقعد هنا؟ هو محمود عرف؟ _أيوة شافها الصبح بس مقالش أي كلام، حتى لما سلمت عليه مردش عليها، شكله مش عايزها هنا.
حتى لما الأستاذ طارق قالها أنا أولى بيكي محمود بيه اتعصب وأخده المكتب. لا تعلم هل عليها الارتياح بعد هذا الحديث أم يزيد قلقها سوء. كل ما ترغب به الآن رحيل سارة مهما كانت درجة حب محمود لها، فهو رجل وليس أي رجل، ومع ذلك يعيش بلا نساء من أجله. أغلقت عينيها بتعب مردفة: _خدي الأكل واطلعي برة، عايزة أرتاح. _مينفعش لازم تأكلي عشان العلاج يا ست هانم. _قولتلك غوري من وشي مش عايزة حاجة، غوري. بالأسفل.
دلف سارة المطبخ بخطوات رشيقة. بنعومة ألقت التحية على الخادمات، وبابتسامة بلهاء استقبلن تحيتها. جلست على مقعد الطاولة ومدت كفها لتأخذ خيارة مردفة: _معرفتش آكل على السفرة، ممكن تحضروا ليا الفطار؟ أومأت إليها كبيرة الخدم وأشارت للبقية مردفة بهدوء: _اطلعوا نضفوا الأوضة وأنا هحضر الفطار للهانم. مرت خمس دقائق وهي تتابع ما تفعله تلك السيدة التي يبدو عليها الرقي والوقار. أخذت قطعة من الجبن وتذوقتها بتلذذ ثم سألتها بفضول:
_هي مرات أبيه محمود فين؟ وضعت باقي الطعام على الطاولة وأجابتها بهدوء: _فوق وممنوع أي حد يطلع إلا سنية ومحمود بيه، الله يخفف عنها بقى صحتها كل يوم بتنزل أكتر عن اللي قبله. _أمممم، طيب هو طارق مش بينزل الشغل مع أبيه محمود ليه؟ جلست المرأة على المقعد المقابل لسارة ثم قالت: _مهو مش شركته، محمود بيه هو صاحب كل ده حتى البيت، أما طارق بيه أخد ورثه وفتح بيه مصنع لنفسه وخسر فيه. ماذا؟ صاحب المال هو محمود!! ابتلعت
طعامها وسألتها بترقب: _وعمو كمان ملوش فلوس؟ _لأ وزع فلوسه على أولاده وكتب لكل واحد حقه وسابهم يكبروا شغلهم بنفسهم، محمود بيه زود الفلوس أضعاف وطارق بيه كله راح منه على الأرض بيقولوا زي عمه أحمد. هاااا يقطعني يا بنتي مخدتش بالي. رغم تألمها الحقيقي من الجملة إلا أنها وبكل أسف الحقيقة المرة. حركت رأسها مردفة:
_مفيش حاجة يا دادة عادي، دي الحقيقة، بابا كان شخص مش بيفرق معاه الفلوس وبسبب حبه الشديد لماما خسر كل حاجة، المهم دلوقتي عمو مسافر ليه لما هو مش بيشتغل؟ تحدثت المرأة بصوت منخفض: _أصله متجوز على الست حنان في السر بس البيت كله عارف حتى هي، بيعمل نفسه مسافر شغل ومحمود بيه بيغطي عليه ويقعد في البيت التاني. أمممم المال هو مال محمود وباقي أفراد العائلة مجرد ضيوف تحت سطوته.
يبدو أن القدر مصمم على وضعه بطريقها وهي أكثر من مرحبة. بعد منتصف الليل عاد محمود من عشاء العمل، مرهق لأقصى درجة، كل ما يريده الآن أن يرى الفراش ويلقي بجسده عليه. وضع ساقه ليخطو أول خطوة للدرج وعقله شارد "بسارة". لما هي جميلة هكذا ولما هو يفكر بها لتلك الدرجة؟ نفض تلك الأفكار من رأسه مردفاً: _طالما نفسك رايحة على الحريم كده يبقى شكلك محتاج تعط لك يومين. انتبه للضوء الخارج من غرفة مكتبه.
للحظة شعر ببوادر الحذر وأخرج سلاحه وبدأ يتقدم بخطوات مدروسة. فتح باب المكتب بطريقة هجومية وقبل أن تخرج الطلقة من محلها رآها. نعم. نعم. تلك هي الحقيقة. تنام على الأريكة الموضوعة بأحد أركان الغرفة. تضع ساقا على الأخرى ليظهر ساقها الأبيض اللامع. أبتلع لعابه بصعوبة من إثارة المظهر إليه. تمسك بين كفيها كتاب ويبدو عليها الاندماج الواضح لدرجة عدم شعورها بدخوله.
عفواً يا كبير عائلة علام، فهي مهتمة بكل ما يدور حولها إلا الكتاب. حركت ساقها بدلال وأخرجت من بين شفتيها تنهيدة عميقة تدل على متعتها بهذا الكتاب الأكثر من مميز. لا هذا كثير كثير جداً عليه. خرج صوته أخيراً ويا ليته لم يخرج. وصلت إليه بحته التي تدل على نجاح أول خطواتها بالاقتراب منه: _سارة بتعملي إيه هنا في وقت زي ده؟ انتفض جسدها بخفة. أعتدلت بجلستها ووضعت طرف فستانها على ساقها المكشوف مردفة بالقليل من التوتر:
_أبيه هو حضرتك هنا من أمتى وبتعمل إيه؟ أين هذا الأبيه الذي تتحدث معه؟ أغلق عينيه لعدة لحظات تمالك بهم أعصابه ثم قال بهدوء: _أنا اللي مفروض أسألك السؤال ده، ده مكتبي عادي أبقى موجود فيه في أي وقت، أنتِ بقى بتعملي إيه هنا؟ قامت من مكانها لتقف أمامه ثم نظرت للأرض بحزن قائلة: _كنت مستنية حضرتك لما تيجي، حابة أتكلم معاك شوية لو في عندك وقت لو مش حابب خلاص همشي. قلبه لها فقال بنبرة حنونة: _سامعك يا بسبوسة قولي عايزة إيه؟
_هو حضرتك مش حابب وجودي هنا يا أبيه؟ حدق بها وسألها بتعجب: _مين قالك الكلام الفارغ ده؟ _محدش قالي بس أنا عرفت من الخدم بالصدفة إن حضرتك بتيجي على الغدا والنهارده مجتش، ده غير لما سلمت عليك الصبح رفضت ترد عليا، قعدت أفكر مع نفسي شوية وعرفت إن حضرتك مش حابب وجودي معاكم. هنا تذكر ما حدث صباحاً بغرفة الرياضة. سألها بتردد: _سارة كنتي في أوضة الچيم الصبح. أومأت إليه بكل براءة فأكمل هو: _قولتي إيه وقتها؟ وضعت كفها على طرف
بذلته ثم همست بنبرة ناعمة: _أنا أيامك اللي جاية كلها يا محمود.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!