تحميل رواية «عطر سارة» PDF
بقلم شيماء سعيد
الفصل 30 — رواية عطر سارة الفصل الثلاثون 30 - بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
عادت للخلف برعب من هيئته المخيفة. أغلق باب الغرفة عليهما غير عابئ بصريخ باقي العائلة بالخارج. كل ما يجول بعقله الآن تلك الضحكة الرنانة التي خرجت منها مع أخيه الأحمق. نيران قلبه زادت اشتعال وهو يتذكر هذا المشهد. سارة تلعب معه وهو يفهم ذلك جيداً، ولكنها تلعب بالطريقة الأكثر خطورة عليها. أبتلع ريقه وهو يشير إليها بالاقتراب. رفضت بحركة تمرد مردفة: _ أرجع لورا يا أبيه.. _ تعالي هنا بنفسك بدل ما أجيب أنا.. الحمقاء نست عقابها ووضعت كفيها حول خصرها مردفة بنفس الغيرة: _ مش جاية تعالى أنت لو عايز.. أومأ و...
رواية عطر سارة الفصل الثلاثون 30 - بقلم شيماء سعيد
بغرفة سارة..
كانت تحمل فاطمة بين يديها وتغني لها بصوت هامس حتى تساعدها على النوم. دلفت إليها حنان وعلى وجهها علامات التوتر. حركت رأسها بتساؤل لتقول حنان:
_ معلش يا سارة ممكن الموبايل بتاعك أعمل منه مكالمة، مش عارفة بتاعي راح فين...
أبتسمت إليها سارة ثم أشارت لها على الطاولة المجاورة لها مردفة:
_ من غير ما تطلبي يا طنط، اتفضلي هناك أهو..
_ أنتِ فتحتيه من الصبح؟!..
سؤال عجيب. ومع ذلك قالت سارة بمرح وهي تنظر لفاطمة بحسرة:
_ وهي اللي عندها بنت قمورة ونكدية زي أبوها كدة هتعرف تمسك فون برضو؟!.. أكيد لأ...
ضحكت حنان براحة ثم سحبت الهاتف وخرجت من الغرفة. أغلقت الباب خلفها ووضعت يدها على قلبها مردفة:
_ الحمد لله تمت المهمة زي ما محمود طلب بسلام..
ارتجف جسدها وهي تسمع صوته خلفها. منذ أن عاد وهي تفر هنا وهناك بعيداً عنه، وها هو الآن يقف خلفها وينطق اسمها. يا الله كم كانت تحبه وكم كانت تعشق حروف اسمها من بين شفتيه. زوجها الحبيب تحول بعد أشهر قليلة لرجل خائن. أصبح الحب رماداً ومشاعرها بلا معنى. مجرد امرأة راضية بالخيانة وتعيش على هامش حياة زوجها. امرأة معقدة بلا شخصية. عاد ندائه باسمها فأخذت نفساً عميقاً ودارت إليه مردفة:
_ خير يا طاهر؟!.
تشتت من قوتها. دائماً يذهب مهما يذهب وعندما يعود يجدها مثلما تركها. لأول مرة تفر منه، لأول مرة ترفض لقائه. سألها بتعجب:
_ مش كفاية دلع لحد كدة؟!..
دلال؟!.. هل يرى ردها البسيط على أفعاله مجرد دلال؟!. رفعت حاجبها بتعجب مردفة:
_ دلع؟!.. وأنا من امتى شوفتك عشان أدلع عليك؟ ما أنت طول عمرك من ست لست. كنت الأول بترمي حملك على عمي الله يرحمه، ولما مات شيلت محمود الليلة. بس بصراحة أنا مستغربة جدا، بقى لك أكتر من خمس شهور هنا. إيه مفيش واحدة جديدة دخلت مزاجك؟ والا العضمة كبرت؟!..
كان يقف أمامها مذهولاً وهو يراها بثوبها الجديد، فقال:
_ لما أنا طول عمري كدة زي ما بتقولي وأنتِ فضلتِ معايا سنين على الحال ده وكنتي راضية. إيه الجديد بقى اللي يخليكي كدة؟!..
_ الجديد اني قرفت. فقت من القرف اللي كنت عايشة فيه وراضية بيه. عيلة صغيرة في عمر سارة قالت لأ للظلم وأنا زي العبيطة فضلت فيه سنين لحد ما ضيعت ولادي من أيدي. محمود ضيع عمره على الفاضي والتاني طلع زيك من ست لست ومن بلد لبلد.
تغيرت حنان تغيراً مخيفاً. سأله بقلق:
_ يعني إيه الكلام ده يا حنان..
تنهدت بتعب ثم قال بهدوء:
_ احنا مش صغيرين عشان أقولك طلقني. يا طاهر أنت قدري وأنا راضية بيه، ده قدام الكل. لكن بيني وبينك أنا بنت عمك وأم أولادك وبس. غير كدة لأ. روح كمل طريقك اللي كله حرام في حرام بعيد عني.. اه نسيت أقولك البنت اللي أنت سألت تبقى مين تبقى أروى بنتك اللي رفضت تعترف بيها. كتر خيرك من كتر الستات والسنين نسيت شكلها..
ذهبت من أمامه بخطوات سريعة وهي لأول مرة تشعر بالراحة. تشعر بالفخر من حالها وهي أخيراً تمد يدها وتأخذ حقها لتبقى عزيزة النفس. رفعت هاتفها وقامت بالاتصال على محمود الذي كان ينتظر هذا الاتصال. رد عليها بلهفة:
_ ها يا ماما سارة شافت حاجة؟!..
_ لأ يا حبيبي أطمن. الآنسة فاطمة واخدة وقت مامتها كله. دخلت أخدت منها الموبايل وهو معايا أهو..
سمعته يردد براحة:
_ الحمد لله الحمد لله...
ابتسمت بحنان ثم قالت:
_ لدرجة دي بتحبها وخايفة عليها؟!..
_ أكتر من روحي. دي عوضي اللي فضلت سنين مستنية مكافأة ربنا ليا على صبري يا أمي..
_ ربنا يباركلك فيها يا حبيبي، بس اني أخد الموبايل ده مش حل. ما أكيد هرجعه تاني وهي هتشوف الأخبار لو مش النهاردة هيبقى بكرا..
أخذ نفس عميق ثم قال:
_ عارف بس وقتها هيبقى المؤتمر الصحفي عدي وحقها رجع والناس هتبقى عارفة الحقيقة. هتشوف الاخبار الوحشة ومعها الحلوة يا ست الكل..
_ فهمتك يا حبيبي، محمود أنا عملت حاجة في ساعة غضب وخايفة تزعل مني..
بقلق سألها:
_ في إيه يا ماما؟!..
_ قولت لطاهر على أروى..
تنهد بهدوء:
_ مفيش مشكلة وهو كدة كدة كان هيعرف ومش هتفرق كتير يا ماما. يلا خدي بالك من سارة وطمطم لحد ما أرجع..
_ في عنيا يا حبيبي..
بعد مرور ساعة..
كان يجلس محمود بغرفة الاجتماعات الخاصة به وأمامه عدد كبير من كاميرات التصوير. جلس بجواره معتز. فأشار محمود لمعتز بعينه حتى يبدأ الحديث. رسم معتز ابتسامة جادة على معالم وجهه وقال:
_ أهلا بيكم كلكم في شركة علام. أول حاجة أنا استأذنت من بابا أتكلم الأول لأن الموضوع ده بالنسبة ليا مهم زي ما هو مهم لبابا بالظبط. مدام سارة تبقى مرات بابا من أكتر من سنة وماما هي اللي طلبتها بنفسها وكانت الله يرحمها متقبلة ومبسوطة جداً خصوصاً إنها عارفة سارة كويس وعارفة إنها أكتر واحدة هتحافظ على بابا بعد موتها. ماما كانت تعبانة من 15 سنة وأكتر بس للأسف في الشهور الأخيرة الحالة بقت صعبة وسارة كانت طول الفترة دي جانبها لأنها مش بس مرات بابا لا هي كمان بنت عم ماما ومتربية على إيدها..
صمت بعد ما قال ما حفظه من محمود علام. أخذ محمود نفسه براحة شديدة ثم ابتسم لمعتز أمام أعين الجميع مردفاً:
_ وفقت معتز يبدأ الكلام لأني عارف إنه هيجيب حق أم أخته. اللي نزل الصبح ده كلام في عرضي وده غير مسموح بيه. أنا رجل أعمال مش ممثل ولا مغني عشان حياتي الشخصية يبقى سهل الكلام فيها بالشكل ده. سارة تبقى بنت عمي ومراتى وأم بنتي. كل واحد اتكلم في حقها حتى لو بينه وبين نفسه هيتحاسب...
كان حديثه تهديداً صريحاً وصل لكل من يسمع اللقاء عبر الشاشات. كان على وشك الانتهاء من المؤتمر إلا أن علي قرر استغلال الفرصة لصالحه وقال بابتسامة سعيدة:
_ وبالمناسبة السعيدة دي حابب أنا ومحمود نعلن عن خطوبتي من أروى طاهر علام أخت محمود الصغيرة..
كان إعلان ناري. تجمد محمود بعده لعدة لحظات قبل أن يبتسم بهدوء مردفاً:
_ شرفتونا يا شباب..
بعد نصف ساعة..
بمكتب أروى بمصنع سارة، كانت مصدومة بعد سماعها للحوار الصحفي الخاص بشقيقها والكارثة الكبرى التي فعلها علي. تعيد الفيديو مرة والثانية والعاشرة بمشاعر مختلطة. سعيدة باعترافه بها. سعيدة بكونه يريدها أمام الجميع. سقطت دمعة مرتجفة من عينيها ثم مرت أصابعها على وجهه عبر الهاتف هامسة:
_ أنت الوحيد اللي عايزني في حياتك يا علي. أنت بس اللي معترف بيا في الدنيا دي كلها..
دلف عليها بنفس اللحظات. رفعت عينيها وجدته أمامها يقف بأنفاس متقطعة وكأنه كان بداخل حرب. أزالت دمعتها سريعاً ثم قامت مكانها مقتربة منه بتعجب مردفة:
_ في إيه يا علي؟ هو أنت كنت بتجري؟!..
أغلق عليهما باب المكتب سريعاً ووقف خلفه مردفاً برعب:
_ محمود بيدور عليا..
اتسعت عينيها برعب ثم ابتعدت عنه عدة خطوات مردفة:
_ منك لله يا شيخ. ولما هو بيدور عليك جاي عندي ليه؟!.. سايب الدنيا كلها وجاي ليا أنا..
_ جاي أتحامى فيكي. مش عندك عضلات وليكي في الشغل ده؟!..
اقتربت من باب المكتب وفتحته مردفة بخوف:
_ أمشي من هنا أقبل ما محمود يعرف مكانك. أنا لسة في عز شبابي وأنت مش عارف إيد محمود تقيلة إزاي..
نسي خوفه ونسي ما أتى من أجله وتذكر فقط جملتها الأخيرة فقال بغضب:
_ وأنتِ عرفتي إن إيده تقيلة منين؟ هو مد إيده عليكي قبل كدة..
رأى بعينيها نظرة حزن لذكرى كانت بشعة. أومأت برأسها ثم قالت:
_ لما صمم على الجواز من سيد ضربني بالقلم..
معه حق لو كان بمحله لكان فصل كل جزء منها بمكان بعيداً عن الآخر. ومع ذلك صرخ بغضب:
_ مهي عملتي مش من حقه يرفع إيده عليكي. ده أنا هقطع إيده اللي اترفت عليكي دي..
_ هتقطع إيد مين يا زفت أنت؟!..
انتفض جسد أروى مع وصول صوت محمود إليها. ابتعد عن الباب برعب ووقفت بعيداً عن علي مردفة:
_ والله يا محمود هو اللي جه..
نظر إليها علي بضيق:
_ في ايه يا بت في لحظة بعتيني؟!..
دلف محمود للداخل ثم سحب أروى للخارج وأغلق الباب عليه هو علي بالمفتاح من الداخل. ابتعد علي مردفاً بحذر:
_ أنت ناوي على إيه بالظبط؟!..
_ ناوي أعلمك الأدب. بقى بتحطني قدام الأمر الواقع يا حيوان؟!..
أشار إليه علي بالقليل من الهدوء ثم قال:
_ مش بحطك قدام الأمر الواقع ولا حاجة. بس أروى هتبقى مراتي لو مش دلوقتي هيبقى بعدين. لازم الناس تعرف بوجودها يا محمود. هي هتفضل مش من العيلة الكريمة كتير؟!..
صمت محمود وقليلاً وهو يعلم أن علي معه حق. أومأ إليه وقال:
_ والناس عرفتها. أنت حشرت نفسك في جوازة منها ليه؟ علي أروى مش ليك. ريح نفسك بقى..
قالها وخرج من الغرفة وجدها تقف بالخارج ومعها ضحى. فابتسم بسخرية ثم نظر إلى صديقه بمعنى "لو علمت بقصة ضحى وما فعلته بها ستكون نهايتك". توتر علي خصوصاً عندما قالت أروى بتعجب:
_ ضحى أنت بتعملي إيه هنا؟!..
ابتسمت ضحى بهدوء مردفة:
_ أنا بشتغل هنا. وأنتِ..
جذبها محمود بين أحضانه مردفاً:
_ دي أروى أختي يا ضحى. أنتوا تعرفوا بعض منين؟!..
نظرت ضحى لعلي بذهول وهي تسأل نفسها كيف فعل بصديقه ما فعله. كيف مد يده على حرمة بيت صديقه؟!.. أشارت لاروي مردفة:
_ ده اللي هو إزاي طيب واللي حصل..
ضغط أروى على يدها تمنعها من الحديث. نظر إليها محمود بتعجب مردفاً:
_ هو إيه اللي حصل..
حركت رأسها وقالت:
_ أقصد يعني أنا وأروى أصحاب من فترة ومكنتش أعرف إنها أخت حضرتك..
كان علي يقف بعيداً بحالة من الذهول. علم الآن فقط أن عالمه سيسقط فوق رأسه بأي لحظة. ترك المكان وذهب وعقله يردد:
_ مهما حاولت تهرب يا علي هيفضل الماضي وراك..
بقصر علام أعلنت فاطمة هانم علام أخيراً وقت راحة والدتها ونامت. وضعت سارة قبلة رقيقة فوق جبينها ثم أخذت نفساً عميقاً مردفة:
_ زي أبوكي بالظبط. مزعجة ومغرورة وقمر ودمك خفيف. كله في وقت واحد. محمود علام رقم اتنين..
دلف للغرفة بنفس اللحظة وسمعها فأبتسم قائلاً:
_ وماله محمود علام بقى يا ست بسبوسة..
صوته يريح قلبها. اشتاقت لتفاصيل كثيرة بينهما وأولها حضنه المريح جداً لها. بعينيه نظرات حنين جعلتها تشعر بما يشعر به. أقترب منها مردفاً:
_ عقابي هيخلص أمتي يا بسبوسة؟ وحشتيني؟..
عقابه؟!.. نعم نعم تذكرت أفعاله. أخذت نفساً عميقاً قبل أن تشير إليه الابتعاد مردفة:
_ وهو فين العقاب ده يا محمود؟!.. ما أنا عايشة معاك أهو..
عايشة معه بجسد إنسان آلي خالي من الروح. أين روحها؟ أين دلالها؟!. جذبها ليبتعد بها عن الصغيرة ثم أخذها لغرفة أخرى بداخل الجناح مردفاً:
_ عايشة ازاي؟!.. يا سارة حرام عليكي وحشتيني..
أشارت لنفسها ببعض الحزن ثم قالت بتعجب:
_ وحشتك وأنا عايشة معاك في أوضة واحدة؟ أمال الخمس شهور اللي فاتوا دول مروا عليك ازاي؟!..
اعترف مثل الطفل الصغير المنتظر كلمة سماح من والدته:
_ مهو أنا بصراحة كنت حاطط كاميرات في كل مكان في الشاليه وكنت بشوفك طول الوقت..
يا ليته صمت كان موقفه سيبقى أفضل بكثير. انتفضت بعيداً عنه بذهول. للحظة شعرت كم كانت لعبة بيده يحركها كما يشاء. كان يراها تعاني بدونه وهو يشاهد بمتعة. حاول الاقتراب منها فوضعت يدها حاجزاً بينهما مردفة:
_ خليك مكانك متقربش مني..
_ حبيبتي أنا..
انفجرت به مردفة:
_ أنا مش حبيبتك. لو كنت كدة كنت على الأقل هصعب عليك وأنا بموت لوحدي. يا سلام على جبروتك وقلبك. كنت بتتفرج عليا وشايف بعينك عايشة إزاي ومكمل في حبسي زي الكلبة عادي. أنت بشع يا محمود بشع..
حرك رأسه بنفي. كل ما قالته فوق طاقته. جذب يدها وقبلها عدة قبلات مردفاً بلهفة:
_ لأ يا قلبي لأ. كنت موجوع أكتر منك بس مكنش عندي حلول تانية..
أومأت إليه بصمت. تركته يضمها وهي تتذكر المقولة الشهيرة "العتاب من باب المحبة". عاتبته كثيراً والآن وبكل أسف انغلق أمامها باب المحبة. ابتعدت عنه وقالت:
_ مش مشكلة حصل خير. هروح أشوف فاطمة أحسن تصحى وأنا مش معاها تخاف..
هذا كثيراً عليه. هذا فوق طاقته. وضع يديه حول خصرها يمنعها من الحركة مردفاً:
_ يعني إيه الكلام ده؟ مش هتقولي حاجة تانية؟!.
نفت بحركة بسيطة من رأسها مردفة:
_ لأ معنديش كلام أقوله. عن إذنك..
_ لأ استنى في حاجة لأزم تشوفيها الأول..
قال هذا بتوتر. نظرت إليه بتعجب دون كلمة. أخرج هاتفه ثم فتح لها على تطبيق الفيسبوك ووضعه بين يديها:
_ عايزك تشوفي الاخبار دي بس من غير زعل..
رأت ما أراد أن تراه. صورها وحديث الناس عنها. بين كلمات قاسية وكلمات أخرى ترفض التدخل بحياة الناس دون معرفة الحقيقة كاملة. رأت عنوان عريضة مكتوب عليه "شابة صغيرة تسرق رجل من زوجته مستغلة جمالها من أجل المال". ابتسمت وأعطت إليه الهاتف مردفة:
_ في حاجة تانية والا أروح أشوف بنتي..
صرخ بها بغضب:
_ إيه السلبية دي؟ مالك فيكي إيه؟ مفيش رد فعل على الكلام ده..
_ تؤ مفيش. ما دي فعلاً الحقيقة يا محمود. بنت حلوة عايزة فلوس وراجل معاه فلوس عايز ست. فين المشكلة في كلامهم؟!..
اتسعت عينيه بذهول مردفاً:
_ سارة أنتِ بتقولي إيه؟!..
_ الحقيقة..
عن أي حقيقة تتحدث؟!.. كيف أصبحت بهذا الاستسلام؟!.. هل هذا صنع يده؟!.. نعم يا إبن علام هذا بالفعل صنع يدك. هذا ما كنت تريدها أن تتعلمه. سألها بذهول:
_ حقيقة إيه يا حبيبتي؟ أنتِ روحي يا سارة روحي. إزاي تقولي كدة؟!..
باستسلام شديد قالت:
_ ماشي أنا روحك.
صرخ بغضب. انتفضت على أثره:
_ في إيه؟!..
_ مفيش غير اني عايزة أعيش مع بنتي من غير عقاب يا محمود. مش عايزة أعمل حاجة تزعلك ترجعني تعاقبني تاني وأنا مش عايزة أبعد عن فاطمة..
أنهت جملتها ثم أعطت ظهرها إليه بابتسامة لذيذة وعادت للفراش بجوار ابنتها هامسة:
_ هو أنت لسة شوفت مني حاجة؟ صبرك عليا..
بعد ساعتين..
بأحد المخازن الموجود بها علاء. دلف إليه محمود وجده مثلما تركه آخر مرة ملقياً على الأرض مقيداً. أخذ نفساً عميقاً قبل أن يشير لأحد رجاله مردفاً:
_ فكوه..
نفذ أمر ليقول محمود بقوة:
_ ساعده يقوم..
ساعده ليقف أمامه فظل محمود يتابعه بصمت حتى قال علاء:
_ أرحمني يا باشا وأنا والله العظيم هسيب البلد كلها وأهج..
اقترب منه محمود بخطوات واثقة ثم وقف أمامه ووضع يده على قميصه يعدل مردفاً ببرود:
_ شطور يا علاء. أنا من زمان بقول عليك زي وعارف مصلحتك كويس. هتطلع من هنا تلم هدومك وتغور أنت ومراتك في ستين داهية. لو شوفتك بعد اللحظة دي صدفة هزعلك..
شعر علاء بعودة روحه له بعد رحلة من المعاناة. فأومأ لمحمود عدة مرات بسعادة:
_ امرك يا باشا. وبنت الكلب دي من هنا ورايح مش مراتي. أنا مش عايز أي حاجة تفكرني باللي شوفته أبداً..
ابتعد عنه محمود بلامبالاة وقال:
_ مش هتفرق. أنتوا الاتنين زبالة زي بعض ويمكن تكون أوسخ منك..
بعد نصف ساعة أخرى كان علاء يدق على باب منزله بكف مرتجفة. لحظة والثانية وكانت مريم تفتح إليه الباب. أول ما وقعت عينيها عليه ألقت بنفسها داخل أحضانه مردفة بذهول:
_ علاء حبيبي أخيراً رجعت. دورت عليك في كل حتة. حتى حوجت لنفسي لقليلة الأصل اللي اسمها سارة ورفضت تساعدني. بقت عاملة نفسها هانم الرخيصة اللي باعت نفسها بشوية فلوس..
صمتت عندما شعرت بجموده وعدم لمسه لها. عادت خطوة للخلف وحدقت به بتعجب مردفة:
_ أنت مين اللي عمل فيك كدة يا حبيبي؟!...
جذبها من خصلاتها بجبروت وألقى بها على باب المنزل مردفاً:
_ أنتِ طالق طالق طالق. ومش عايزة أشوف وشك ولا وش اختك تاني يا عيلة فقر..
تألمت من وقعها وقبل أن ترفع رأسها سمعت طلاقها. تجمد جسدها ورفعت رأسها إليه مردفة:
_ علاء أنا بحبك. قولي عايزني أعمل إيه عشان تبقى معايا وأنا هعمل..
_ عايزك تغوري من وشي..
قالها وأغلق باب المنزل بوجهها. تركها تذوق نيران الفراق للمرة الأولى. تركها تعاني بمفردها حتى يخلص نفسه ويفر عن محمود علام بعيداً..
بشركة محمود..
بمكتب سمية..
كانت تجلس وأمامها أحد الملفات الخاصة بالمشروع. وضعت القلم بين خصلاتها لتعطي لنفسها مساحة أكثر بالتفكير. شعرت للحظة بالعجز فوضعت يدها على وجهها مردفة:
_ وبعدين بقى يا سمية؟ ما تشغلي مخك شوية وكفاية غباء..
وصلت إليها ضحكة رجولية رنانة جعلتها ترفع رأسها. أحمر وجهها بخجل يدلف إليها للمرة الأولى أمام رجل. اقترب منها معتز بخطوات هادئة وقال:
_ عاملة خناقة مع الملف؟!..
حركت رأسها بالقليل من التوتر مردفة:
_ لأ. أنا بس بحب أتكلم وأنا بشتغل عشان أفضل مركزة..
ابتسم إليها ابتسامة جذابة ثم سند جسده على سطح المكتب وقام بمد يده ليزيل القلم عن خصلاتها فسقطت خصلة على وجهها مردفاً:
_ ويا ترا بقى خلصتي شغلك والا لسة؟!...
ما هذا؟!.. كيف لها أن تشعر بتلك الدقات أمام شاب تراه للمرة الأولى. ابتعدت بالمقعد للخلف قليلاً ثم قالت:
_ لسة شوية..
_ بس احنا في بريك الغدا. مينفعش تشتغلي. قومي معايا نتغدا سوا..
نفت بحركة بسيطة من رأسها مردفة:
_ لأ. اتفضل أنت يا أستاذ معتز وأنا لما أجوع هبقي أجيب أي حاجة.
وهل إبن محمود علام شاب عادي؟!.. لا والله. فهو يحمل وسامة أبيه وقوة شخصيته مع الكثير من خبث والدته وهذا أعطى إليه مزيجاً مبهر. قام من محله مردفاً:
_ مفيش عندنا الكلام ده. اتفضلي يا أستاذة قدامي ومن غير أي اعتذار عشان مش هقبل..
بعد أقل من عشر دقائق كانت تجلس على المقعد المقابل إليه بأحد المطاعم الفخمة. قدم لها المنيو مردفاً:
_ تحبي تأكلي إيه؟!..
_ أي حاجة مش مشكلة..
ابتسم إليها ثم قال بمرح:
_ في الأول البنت تبقى مكسوفة وبعد كدة تأكلي إيد الراجل عادي..
حدقت به بذهول ثم ضحكت على أثر ضحكته مردفة:
_ تعرف إن دي أول مرة أخرج فيها مع حد معرفوش..
بغمزة واثقة قال:
_ مهو أنا مش أي حد. أنا معتز علام. بس مش غريبة بنت صغيرة كدة تكون صاحبة شركة كبيرة زي شركة عمران؟!..
تنهدت بحزن وقالت:
_ دي شركة بابي الله يرحمه ومن سنين كنت شاغلة معاه من أولى ثانوي. لما اتوفى بقى لازم أشيل الشغل خصوصاً إني وحيدة..
وحيدة؟!.. هذا رائع. أخذ نفسه براحة ثم قال:
_ أنتِ عندك كام سنة؟!..
_ 20_
_ وأنا 18..
للحظة اهتزت من سماع سنه وقالت:
_ أنتِ أصغر مني..
_ مش مهم. المهم اني حطيتك في دماغي...
بعد أسبوع آخر..
بعد منتصف الليل دلف محمود للجناح ومثل العادة الأخيرة سارة تنام وبين أحضانها فاطمة أما هو يكفيه الأريكة. زفر بضيق ثم ألقى بجسده على الأريكة مردفاً بغيظ:
_ وبعدين بقى في العيشة القرف ده؟ أخطف البنت دي وأرميها على باب جامع يمكن يكون ليا مكان على السرير..
ظل عدة لحظات يفكر بالفكرة حتى قام من محله بهدوء ثم قام بحمل فاطمة من بين يدي سارة بحذر شديد وضمها إليه. بخطوات بطيئة خرج بها من الجناح ووقف أمام جناح والدته. حدق بها ثم ابتسم بحنان على حلاوة ملامحها هامساً:
_ حقك عليا يا قلب بابا. بس طول ما أنتِ في الأوضة مش هعرف أعمل حاجة. أمك بتستقوي بيكي..
دق على باب غرفة والدته وبعد عدة ثواني فتحت إليه حنان ومعالم النوم ظاهرة عليها. نظرت إليه بقلق ثم نظرت لفاطمة مردفة بلهفة:
_ مالها يا محمود؟ البنت فيها إيه؟!..
قدمها إليها على طبق من ذهب ثم قال بابتسامة:
_ حفيدتك الغالية هتنام في حضنك النهاردة وبكرا كمان لأني مش هرجع إلا بعد يومين. خدي بالك منها يا ماما ماشي؟ يلا بالاذن أنا بقى..
تركها تحمل الصغيرة وذهب لسارة بخطوات سريعة. فتح عليها الباب بهدوء وحملها بين يديه بغطاء الفراش وخرج بها من قصر علام. وضعها بالمقعد الخلفي للسيارة وهمس بتعجب:
_ مالها دي؟ كل ده وهي نايمة؟!..
مر عشر دقائق ووصل بها لفيلاتها. وضعها على الفراش ثم اقترب من باب الغرفة وأغلقه بكل ما أتت إليه من قوة. انتفضت من نومها برعب على اثر الصوت فوجدته يزيل عنه ملابسه بهمجية. اعتدلت ووقفت فوق الفراش مردفة:
_ هو في إيه بالظبط يا محمود؟!..
_ في اني خلاص جبت آخري. شغل الدلع بتوع الأسبوعين اللي فاتوا انتهوا. من دلوقتي في معاملة جديدة..
اتسعت عينيها مردفة:
_ هتعمل إيه يعني؟!..
_ هعاقبك لحد ما تتعلمي الأدب..
_ ناوي تحبسني لوحدي سنة المرة دي..
_ أنتِ اللي قولتي المدة بلسانك يا بسبوسة. بس المرة دي هنتحبس مع بعض..