بغرفة سارة.. كانت تحمل فاطمة بين يديها وتغني لها بصوت هامس حتى تساعدها على النوم. دلفت إليها حنان وعلى وجهها علامات التوتر. حركت رأسها بتساؤل لتقول حنان: _معلش يا سارة ممكن الموبايل بتاعك أعمل منه مكالمة، مش عارفة بتاعي راح فين... أبتسمت إليها سارة ثم أشارت لها على الطاولة المجاورة لها مردفة: _من غير ما تطلبي يا طنط، اتفضلي هناك أهو.. _أنتِ فتحتيه من الصبح؟! سؤال عجيب. ومع ذلك قالت سارة بمرح وهي تنظر لفاطمة بحسرة:
_وهي اللي عندها بنت قمورة ونكدية زي أبوها كدة هتعرف تمسك فون برضو؟! .. أكيد لأ... ضحكت حنان براحة ثم سحبت الهاتف وخرجت من الغرفة. أغلقت الباب خلفها ووضعت يدها على قلبها مردفة: _الحمد لله تمت المهمة زي ما محمود طلب بسلام..
ارتجف جسدها وهي تسمع صوته خلفها. منذ أن عاد وهي تفر هنا وهناك بعيداً عنه، وها هو الآن يقف خلفها وينطق اسمها. يا الله كم كانت تحبه وكم كانت تعشق حروف اسمها من بين شفتيه. زوجها الحبيب تحول بعد أشهر قليلة لرجل خائن. أصبح الحب رماداً ومشاعرها بلا معنى. مجرد امرأة راضية بالخيانة وتعيش على هامش حياة زوجها. امرأة معقدة بلا شخصية. عاد ندائه باسمها فأخذت نفساً عميقاً ودارت إليه مردفة: _خير يا طاهر؟!
تشتت من قوتها. دائماً يذهب مهما يذهب وعندما يعود يجدها مثلما تركها. لأول مرة تفر منه، لأول مرة ترفض لقائه. سألها بتعجب: _مش كفاية دلع لحد كدة؟! دلال؟! .. هل يرى ردها البسيط على أفعاله مجرد دلال؟! رفعت حاجبها بتعجب مردفة: _دلع؟! .. وأنا من امتى شوفتك عشان أدلع عليك؟
ما أنت طول عمرك من ست لست. كنت الأول بترمي حملك على عمي الله يرحمه، ولما مات شيلت محمود الليلة. بس بصراحة أنا مستغربة جدا، بقى لك أكتر من خمس شهور هنا. إيه مفيش واحدة جديدة دخلت مزاجك؟ والا العضمة كبرت؟! كان يقف أمامها مذهولاً وهو يراها بثوبها الجديد، فقال: _لما أنا طول عمري كدة زي ما بتقولي وأنتِ فضلتِ معايا سنين على الحال ده وكنتي راضية. إيه الجديد بقى اللي يخليكي كدة؟!
_الجديد اني قرفت. فقت من القرف اللي كنت عايشة فيه وراضية بيه. عيلة صغيرة في عمر سارة قالت لأ للظلم وأنا زي العبيطة فضلت فيه سنين لحد ما ضيعت ولادي من أيدي. محمود ضيع عمره على الفاضي والتاني طلع زيك من ست لست ومن بلد لبلد. تغيرت حنان تغيراً مخيفاً. سأله بقلق: _يعني إيه الكلام ده يا حنان.. تنهدت بتعب ثم قال بهدوء:
_احنا مش صغيرين عشان أقولك طلقني. يا طاهر أنت قدري وأنا راضية بيه، ده قدام الكل. لكن بيني وبينك أنا بنت عمك وأم أولادك وبس. غير كدة لأ. روح كمل طريقك اللي كله حرام في حرام بعيد عني.. اه نسيت أقولك البنت اللي أنت سألت تبقى مين تبقى أروى بنتك اللي رفضت تعترف بيها. كتر خيرك من كتر الستات والسنين نسيت شكلها..
ذهبت من أمامه بخطوات سريعة وهي لأول مرة تشعر بالراحة. تشعر بالفخر من حالها وهي أخيراً تمد يدها وتأخذ حقها لتبقى عزيزة النفس. رفعت هاتفها وقامت بالاتصال على محمود الذي كان ينتظر هذا الاتصال. رد عليها بلهفة: _ها يا ماما سارة شافت حاجة؟! _لأ يا حبيبي أطمن. الآنسة فاطمة واخدة وقت مامتها كله. دخلت أخدت منها الموبايل وهو معايا أهو.. سمعته يردد براحة: _الحمد لله الحمد لله... ابتسمت بحنان ثم قالت:
_لدرجة دي بتحبها وخايفة عليها؟! _أكتر من روحي. دي عوضي اللي فضلت سنين مستنية مكافأة ربنا ليا على صبري يا أمي.. _ربنا يباركلك فيها يا حبيبي، بس اني أخد الموبايل ده مش حل. ما أكيد هرجعه تاني وهي هتشوف الأخبار لو مش النهاردة هيبقى بكرا.. أخذ نفس عميق ثم قال: _عارف بس وقتها هيبقى المؤتمر الصحفي عدي وحقها رجع والناس هتبقى عارفة الحقيقة. هتشوف الاخبار الوحشة ومعها الحلوة يا ست الكل..
_فهمتك يا حبيبي، محمود أنا عملت حاجة في ساعة غضب وخايفة تزعل مني.. بقلق سألها: _في إيه يا ماما؟! _قولت لطاهر على أروى.. تنهد بهدوء: _مفيش مشكلة وهو كدة كدة كان هيعرف ومش هتفرق كتير يا ماما. يلا خدي بالك من سارة وطمطم لحد ما أرجع.. _في عنيا يا حبيبي.. بعد مرور ساعة.. كان يجلس محمود بغرفة الاجتماعات الخاصة به وأمامه عدد كبير من كاميرات التصوير. جلس بجواره معتز. فأشار محمود لمعتز بعينه حتى يبدأ الحديث. رسم معتز ابتسامة
جادة على معالم وجهه وقال:
_أهلا بيكم كلكم في شركة علام. أول حاجة أنا استأذنت من بابا أتكلم الأول لأن الموضوع ده بالنسبة ليا مهم زي ما هو مهم لبابا بالظبط. مدام سارة تبقى مرات بابا من أكتر من سنة وماما هي اللي طلبتها بنفسها وكانت الله يرحمها متقبلة ومبسوطة جداً خصوصاً إنها عارفة سارة كويس وعارفة إنها أكتر واحدة هتحافظ على بابا بعد موتها. ماما كانت تعبانة من 15 سنة وأكتر بس للأسف في الشهور الأخيرة الحالة بقت صعبة وسارة كانت طول الفترة دي جانبها لأنها مش بس مرات بابا لا هي كمان بنت عم ماما ومتربية على إيدها..
صمت بعد ما قال ما حفظه من محمود علام. أخذ محمود نفسه براحة شديدة ثم ابتسم لمعتز أمام أعين الجميع مردفاً: _وفقت معتز يبدأ الكلام لأني عارف إنه هيجيب حق أم أخته. اللي نزل الصبح ده كلام في عرضي وده غير مسموح بيه. أنا رجل أعمال مش ممثل ولا مغني عشان حياتي الشخصية يبقى سهل الكلام فيها بالشكل ده. سارة تبقى بنت عمي ومراتى وأم بنتي. كل واحد اتكلم في حقها حتى لو بينه وبين نفسه هيتحاسب...
كان حديثه تهديداً صريحاً وصل لكل من يسمع اللقاء عبر الشاشات. كان على وشك الانتهاء من المؤتمر إلا أن علي قرر استغلال الفرصة لصالحه وقال بابتسامة سعيدة: _وبالمناسبة السعيدة دي حابب أنا ومحمود نعلن عن خطوبتي من أروى طاهر علام أخت محمود الصغيرة.. كان إعلان ناري. تجمد محمود بعده لعدة لحظات قبل أن يبتسم بهدوء مردفاً: _شرفتونا يا شباب.. بعد نصف ساعة..
بمكتب أروى بمصنع سارة، كانت مصدومة بعد سماعها للحوار الصحفي الخاص بشقيقها والكارثة الكبرى التي فعلها علي. تعيد الفيديو مرة والثانية والعاشرة بمشاعر مختلطة. سعيدة باعترافه بها. سعيدة بكونه يريدها أمام الجميع. سقطت دمعة مرتجفة من عينيها ثم مرت أصابعها على وجهه عبر الهاتف هامسة: _أنت الوحيد اللي عايزني في حياتك يا علي. أنت بس اللي معترف بيا في الدنيا دي كلها..
دلف عليها بنفس اللحظات. رفعت عينيها وجدته أمامها يقف بأنفاس متقطعة وكأنه كان بداخل حرب. أزالت دمعتها سريعاً ثم قامت مكانها مقتربة منه بتعجب مردفة: _في إيه يا علي؟ هو أنت كنت بتجري؟! أغلق عليهما باب المكتب سريعاً ووقف خلفه مردفاً برعب: _محمود بيدور عليا.. اتسعت عينيها برعب ثم ابتعدت عنه عدة خطوات مردفة: _منك لله يا شيخ. ولما هو بيدور عليك جاي عندي ليه؟! .. سايب الدنيا كلها وجاي ليا أنا..
_جاي أتحامى فيكي. مش عندك عضلات وليكي في الشغل ده؟! اقتربت من باب المكتب وفتحته مردفة بخوف: _أمشي من هنا أقبل ما محمود يعرف مكانك. أنا لسة في عز شبابي وأنت مش عارف إيد محمود تقيلة إزاي.. نسي خوفه ونسي ما أتى من أجله وتذكر فقط جملتها الأخيرة فقال بغضب: _وأنتِ عرفتي إن إيده تقيلة منين؟ هو مد إيده عليكي قبل كدة.. رأى بعينيها نظرة حزن لذكرى كانت بشعة. أومأت برأسها ثم قالت: _لما صمم على الجواز من سيد ضربني بالقلم..
معه حق لو كان بمحله لكان فصل كل جزء منها بمكان بعيداً عن الآخر. ومع ذلك صرخ بغضب: _مهي عملتي مش من حقه يرفع إيده عليكي. ده أنا هقطع إيده اللي اترفت عليكي دي.. _هتقطع إيد مين يا زفت أنت؟! انتفض جسد أروى مع وصول صوت محمود إليها. ابتعد عن الباب برعب ووقفت بعيداً عن علي مردفة: _والله يا محمود هو اللي جه.. نظر إليها علي بضيق: _في ايه يا بت في لحظة بعتيني؟!
دلف محمود للداخل ثم سحب أروى للخارج وأغلق الباب عليه هو علي بالمفتاح من الداخل. ابتعد علي مردفاً بحذر: _أنت ناوي على إيه بالظبط؟! _ناوي أعلمك الأدب. بقى بتحطني قدام الأمر الواقع يا حيوان؟! أشار إليه علي بالقليل من الهدوء ثم قال: _مش بحطك قدام الأمر الواقع ولا حاجة. بس أروى هتبقى مراتي لو مش دلوقتي هيبقى بعدين. لازم الناس تعرف بوجودها يا محمود. هي هتفضل مش من العيلة الكريمة كتير؟!
صمت محمود وقليلاً وهو يعلم أن علي معه حق. أومأ إليه وقال: _والناس عرفتها. أنت حشرت نفسك في جوازة منها ليه؟ علي أروى مش ليك. ريح نفسك بقى.. قالها وخرج من الغرفة وجدها تقف بالخارج ومعها ضحى. فابتسم بسخرية ثم نظر إلى صديقه بمعنى "لو علمت بقصة ضحى وما فعلته بها ستكون نهايتك". توتر علي خصوصاً عندما قالت أروى بتعجب: _ضحى أنت بتعملي إيه هنا؟! ابتسمت ضحى بهدوء مردفة: _أنا بشتغل هنا. وأنتِ.. جذبها محمود بين أحضانه مردفاً:
_دي أروى أختي يا ضحى. أنتوا تعرفوا بعض منين؟! نظرت ضحى لعلي بذهول وهي تسأل نفسها كيف فعل بصديقه ما فعله. كيف مد يده على حرمة بيت صديقه؟! أشارت لاروي مردفة: _ده اللي هو إزاي طيب واللي حصل.. ضغط أروى على يدها تمنعها من الحديث. نظر إليها محمود بتعجب مردفاً: _هو إيه اللي حصل.. حركت رأسها وقالت: _أقصد يعني أنا وأروى أصحاب من فترة ومكنتش أعرف إنها أخت حضرتك..
كان علي يقف بعيداً بحالة من الذهول. علم الآن فقط أن عالمه سيسقط فوق رأسه بأي لحظة. ترك المكان وذهب وعقله يردد: _مهما حاولت تهرب يا علي هيفضل الماضي وراك.. بقصر علام أعلنت فاطمة هانم علام أخيراً وقت راحة والدتها ونامت. وضعت سارة قبلة رقيقة فوق جبينها ثم أخذت نفساً عميقاً مردفة: _زي أبوكي بالظبط. مزعجة ومغرورة وقمر ودمك خفيف. كله في وقت واحد. محمود علام رقم اتنين.. دلف للغرفة بنفس اللحظة وسمعها فأبتسم قائلاً:
_وماله محمود علام بقى يا ست بسبوسة.. صوته يريح قلبها. اشتاقت لتفاصيل كثيرة بينهما وأولها حضنه المريح جداً لها. بعينيه نظرات حنين جعلتها تشعر بما يشعر به. أقترب منها مردفاً: _عقابي هيخلص أمتي يا بسبوسة؟ وحشتيني؟ عقابه؟! .. نعم نعم تذكرت أفعاله. أخذت نفساً عميقاً قبل أن تشير إليه الابتعاد مردفة: _وهو فين العقاب ده يا محمود؟! .. ما أنا عايشة معاك أهو.. عايشة معه بجسد إنسان آلي خالي من الروح. أين روحها؟ أين دلالها؟!
. جذبها ليبتعد بها عن الصغيرة ثم أخذها لغرفة أخرى بداخل الجناح مردفاً: _عايشة ازاي؟! .. يا سارة حرام عليكي وحشتيني.. أشارت لنفسها ببعض الحزن ثم قالت بتعجب: _وحشتك وأنا عايشة معاك في أوضة واحدة؟ أمال الخمس شهور اللي فاتوا دول مروا عليك ازاي؟! اعترف مثل الطفل الصغير المنتظر كلمة سماح من والدته: _مهو أنا بصراحة كنت حاطط كاميرات في كل مكان في الشاليه وكنت بشوفك طول الوقت..
يا ليته صمت كان موقفه سيبقى أفضل بكثير. انتفضت بعيداً عنه بذهول. للحظة شعرت كم كانت لعبة بيده يحركها كما يشاء. كان يراها تعاني بدونه وهو يشاهد بمتعة. حاول الاقتراب منها فوضعت يدها حاجزاً بينهما مردفة: _خليك مكانك متقربش مني.. _حبيبتي أنا.. انفجرت به مردفة:
_أنا مش حبيبتك. لو كنت كدة كنت على الأقل هصعب عليك وأنا بموت لوحدي. يا سلام على جبروتك وقلبك. كنت بتتفرج عليا وشايف بعينك عايشة إزاي ومكمل في حبسي زي الكلبة عادي. أنت بشع يا محمود بشع.. حرك رأسه بنفي. كل ما قالته فوق طاقته. جذب يدها وقبلها عدة قبلات مردفاً بلهفة: _لأ يا قلبي لأ. كنت موجوع أكتر منك بس مكنش عندي حلول تانية..
أومأت إليه بصمت. تركته يضمها وهي تتذكر المقولة الشهيرة "العتاب من باب المحبة". عاتبته كثيراً والآن وبكل أسف انغلق أمامها باب المحبة. ابتعدت عنه وقالت: _مش مشكلة حصل خير. هروح أشوف فاطمة أحسن تصحى وأنا مش معاها تخاف.. هذا كثيراً عليه. هذا فوق طاقته. وضع يديه حول خصرها يمنعها من الحركة مردفاً: _يعني إيه الكلام ده؟ مش هتقولي حاجة تانية؟! نفت بحركة بسيطة من رأسها مردفة: _لأ معنديش كلام أقوله. عن إذنك..
_لأ استنى في حاجة لأزم تشوفيها الأول.. قال هذا بتوتر. نظرت إليه بتعجب دون كلمة. أخرج هاتفه ثم فتح لها على تطبيق الفيسبوك ووضعه بين يديها: _عايزك تشوفي الاخبار دي بس من غير زعل.. رأت ما أراد أن تراه. صورها وحديث الناس عنها. بين كلمات قاسية وكلمات أخرى ترفض التدخل بحياة الناس دون معرفة الحقيقة كاملة. رأت عنوان عريضة مكتوب عليه "شابة صغيرة تسرق رجل من زوجته مستغلة جمالها من أجل المال". ابتسمت وأعطت إليه الهاتف مردفة:
_في حاجة تانية والا أروح أشوف بنتي.. صرخ بها بغضب: _إيه السلبية دي؟ مالك فيكي إيه؟ مفيش رد فعل على الكلام ده.. _تؤ مفيش. ما دي فعلاً الحقيقة يا محمود. بنت حلوة عايزة فلوس وراجل معاه فلوس عايز ست. فين المشكلة في كلامهم؟! اتسعت عينيه بذهول مردفاً: _سارة أنتِ بتقولي إيه؟! _الحقيقة.. عن أي حقيقة تتحدث؟! .. كيف أصبحت بهذا الاستسلام؟! .. هل هذا صنع يده؟! .. نعم يا إبن علام هذا بالفعل صنع يدك. هذا ما كنت تريدها أن تتعلمه.
سألها بذهول: _حقيقة إيه يا حبيبتي؟ أنتِ روحي يا سارة روحي. إزاي تقولي كدة؟! باستسلام شديد قالت: _ماشي أنا روحك. صرخ بغضب. انتفضت على أثره: _في إيه؟! _مفيش غير اني عايزة أعيش مع بنتي من غير عقاب يا محمود. مش عايزة أعمل حاجة تزعلك ترجعني تعاقبني تاني وأنا مش عايزة أبعد عن فاطمة.. أنهت جملتها ثم أعطت ظهرها إليه بابتسامة لذيذة وعادت للفراش بجوار ابنتها هامسة: _هو أنت لسة شوفت مني حاجة؟ صبرك عليا.. بعد ساعتين..
بأحد المخازن الموجود بها علاء. دلف إليه محمود وجده مثلما تركه آخر مرة ملقياً على الأرض مقيداً. أخذ نفساً عميقاً قبل أن يشير لأحد رجاله مردفاً: _فكوه.. نفذ أمر ليقول محمود بقوة: _ساعده يقوم.. ساعده ليقف أمامه فظل محمود يتابعه بصمت حتى قال علاء: _أرحمني يا باشا وأنا والله العظيم هسيب البلد كلها وأهج.. اقترب منه محمود بخطوات واثقة ثم وقف أمامه ووضع يده على قميصه يعدل مردفاً ببرود:
_شطور يا علاء. أنا من زمان بقول عليك زي وعارف مصلحتك كويس. هتطلع من هنا تلم هدومك وتغور أنت ومراتك في ستين داهية. لو شوفتك بعد اللحظة دي صدفة هزعلك.. شعر علاء بعودة روحه له بعد رحلة من المعاناة. فأومأ لمحمود عدة مرات بسعادة: _امرك يا باشا. وبنت الكلب دي من هنا ورايح مش مراتي. أنا مش عايز أي حاجة تفكرني باللي شوفته أبداً.. ابتعد عنه محمود بلامبالاة وقال: _مش هتفرق. أنتوا الاتنين زبالة زي بعض ويمكن تكون أوسخ منك..
بعد نصف ساعة أخرى كان علاء يدق على باب منزله بكف مرتجفة. لحظة والثانية وكانت مريم تفتح إليه الباب. أول ما وقعت عينيها عليه ألقت بنفسها داخل أحضانه مردفة بذهول: _علاء حبيبي أخيراً رجعت. دورت عليك في كل حتة. حتى حوجت لنفسي لقليلة الأصل اللي اسمها سارة ورفضت تساعدني. بقت عاملة نفسها هانم الرخيصة اللي باعت نفسها بشوية فلوس.. صمتت عندما شعرت بجموده وعدم لمسه لها. عادت خطوة للخلف وحدقت به بتعجب مردفة:
_أنت مين اللي عمل فيك كدة يا حبيبي؟! ... جذبها من خصلاتها بجبروت وألقى بها على باب المنزل مردفاً: _أنتِ طالق طالق طالق. ومش عايزة أشوف وشك ولا وش اختك تاني يا عيلة فقر.. تألمت من وقعها وقبل أن ترفع رأسها سمعت طلاقها. تجمد جسدها ورفعت رأسها إليه مردفة: _علاء أنا بحبك. قولي عايزني أعمل إيه عشان تبقى معايا وأنا هعمل.. _عايزك تغوري من وشي..
قالها وأغلق باب المنزل بوجهها. تركها تذوق نيران الفراق للمرة الأولى. تركها تعاني بمفردها حتى يخلص نفسه ويفر عن محمود علام بعيداً.. بشركة محمود.. بمكتب سمية.. كانت تجلس وأمامها أحد الملفات الخاصة بالمشروع. وضعت القلم بين خصلاتها لتعطي لنفسها مساحة أكثر بالتفكير. شعرت للحظة بالعجز فوضعت يدها على وجهها مردفة: _وبعدين بقى يا سمية؟ ما تشغلي مخك شوية وكفاية غباء..
وصلت إليها ضحكة رجولية رنانة جعلتها ترفع رأسها. أحمر وجهها بخجل يدلف إليها للمرة الأولى أمام رجل. اقترب منها معتز بخطوات هادئة وقال: _عاملة خناقة مع الملف؟! حركت رأسها بالقليل من التوتر مردفة: _لأ. أنا بس بحب أتكلم وأنا بشتغل عشان أفضل مركزة.. ابتسم إليها ابتسامة جذابة ثم سند جسده على سطح المكتب وقام بمد يده ليزيل القلم عن خصلاتها فسقطت خصلة على وجهها مردفاً: _ويا ترا بقى خلصتي شغلك والا لسة؟! ... ما هذا؟!
.. كيف لها أن تشعر بتلك الدقات أمام شاب تراه للمرة الأولى. ابتعدت بالمقعد للخلف قليلاً ثم قالت: _لسة شوية.. _بس احنا في بريك الغدا. مينفعش تشتغلي. قومي معايا نتغدا سوا.. نفت بحركة بسيطة من رأسها مردفة: _لأ. اتفضل أنت يا أستاذ معتز وأنا لما أجوع هبقي أجيب أي حاجة. وهل إبن محمود علام شاب عادي؟! .. لا والله. فهو يحمل وسامة أبيه وقوة شخصيته مع الكثير من خبث والدته وهذا أعطى إليه مزيجاً مبهر. قام من محله مردفاً:
_مفيش عندنا الكلام ده. اتفضلي يا أستاذة قدامي ومن غير أي اعتذار عشان مش هقبل.. بعد أقل من عشر دقائق كانت تجلس على المقعد المقابل إليه بأحد المطاعم الفخمة. قدم لها المنيو مردفاً: _تحبي تأكلي إيه؟! _أي حاجة مش مشكلة.. ابتسم إليها ثم قال بمرح: _في الأول البنت تبقى مكسوفة وبعد كدة تأكلي إيد الراجل عادي.. حدقت به بذهول ثم ضحكت على أثر ضحكته مردفة: _تعرف إن دي أول مرة أخرج فيها مع حد معرفوش.. بغمزة واثقة قال:
_مهو أنا مش أي حد. أنا معتز علام. بس مش غريبة بنت صغيرة كدة تكون صاحبة شركة كبيرة زي شركة عمران؟! تنهدت بحزن وقالت: _دي شركة بابي الله يرحمه ومن سنين كنت شاغلة معاه من أولى ثانوي. لما اتوفى بقى لازم أشيل الشغل خصوصاً إني وحيدة.. وحيدة؟! .. هذا رائع. أخذ نفسه براحة ثم قال: _أنتِ عندك كام سنة؟! _20 _وأنا 18.. للحظة اهتزت من سماع سنه وقالت: _أنتِ أصغر مني.. _مش مهم. المهم اني حطيتك في دماغي... بعد أسبوع آخر..
بعد منتصف الليل دلف محمود للجناح ومثل العادة الأخيرة سارة تنام وبين أحضانها فاطمة أما هو يكفيه الأريكة. زفر بضيق ثم ألقى بجسده على الأريكة مردفاً بغيظ: _وبعدين بقى في العيشة القرف ده؟ أخطف البنت دي وأرميها على باب جامع يمكن يكون ليا مكان على السرير..
ظل عدة لحظات يفكر بالفكرة حتى قام من محله بهدوء ثم قام بحمل فاطمة من بين يدي سارة بحذر شديد وضمها إليه. بخطوات بطيئة خرج بها من الجناح ووقف أمام جناح والدته. حدق بها ثم ابتسم بحنان على حلاوة ملامحها هامساً: _حقك عليا يا قلب بابا. بس طول ما أنتِ في الأوضة مش هعرف أعمل حاجة. أمك بتستقوي بيكي.. دق على باب غرفة والدته وبعد عدة ثواني فتحت إليه حنان ومعالم النوم ظاهرة عليها. نظرت إليه بقلق ثم نظرت لفاطمة مردفة بلهفة:
_مالها يا محمود؟ البنت فيها إيه؟! قدمها إليها على طبق من ذهب ثم قال بابتسامة: _حفيدتك الغالية هتنام في حضنك النهاردة وبكرا كمان لأني مش هرجع إلا بعد يومين. خدي بالك منها يا ماما ماشي؟ يلا بالاذن أنا بقى.. تركها تحمل الصغيرة وذهب لسارة بخطوات سريعة. فتح عليها الباب بهدوء وحملها بين يديه بغطاء الفراش وخرج بها من قصر علام. وضعها بالمقعد الخلفي للسيارة وهمس بتعجب: _مالها دي؟ كل ده وهي نايمة؟!
مر عشر دقائق ووصل بها لفيلاتها. وضعها على الفراش ثم اقترب من باب الغرفة وأغلقه بكل ما أتت إليه من قوة. انتفضت من نومها برعب على اثر الصوت فوجدته يزيل عنه ملابسه بهمجية. اعتدلت ووقفت فوق الفراش مردفة: _هو في إيه بالظبط يا محمود؟! _في اني خلاص جبت آخري. شغل الدلع بتوع الأسبوعين اللي فاتوا انتهوا. من دلوقتي في معاملة جديدة.. اتسعت عينيها مردفة: _هتعمل إيه يعني؟! _هعاقبك لحد ما تتعلمي الأدب..
_ناوي تحبسني لوحدي سنة المرة دي.. _أنتِ اللي قولتي المدة بلسانك يا بسبوسة. بس المرة دي هنتحبس مع بعض..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!