التوتر مع تشتت نظراته، بالإضافة إلى العرق الذي انتشر على جبهته وبعض مناطق بشرته، جميعهم أظهروا حجم صعوبة ما ينوي التفوه به. وهي جالسة أمامه بصمت في انتظار سماعه ومعرفة سبب صرفه لفجر وعصام وطلبه الجلوس معه بمفردها. "أنا مش عارف أبدا كلامي معاكي إزاي؟ بس بصراحة مكنتش أتوقع إنها حاجة صعبة قوي كده." قطبت مندهشة من كلماته فسألت: "هي إيه اللي صعبة بالضبط؟ تنفس بعمق قليلًا قبل أن يجيبها وهو ينظر إليها مباشرًا:
"الاعتراف بالغلط يا فاتن. أنا من ساعة ما عرفت من فجر امبارح إنك لسه عايشة وما متتيش، ودماغي بتعيد وتزيد في اللي حصل مني معاكي من عشر سنين." "اللي فات مات يا علاء وكل حاجة نصيب." قالت، فقاطعه هو ملوحًا بكفه: "معلش ارجوكي سيبيني أكمل. أنا عارف إننا مكنش لينا نصيب في بعض، لكن أنا بتكلم عن غلطي في حقك. من أول صداقتي بواحد ابن... ضيع مستقبلك بفتنة كبيرة عملها وصدقتها أنا بغبائي، لغاية إهانتي وطردي ليكي من المحل."
خرجت كلماته الأخيرة بخفوت وهي شاحت بعينيها قليلاً، تؤلمها الذكرى، قبل أن تعود إليه مقاطعة: "ممكن ما تجيبش السيرة دي تاني، لأن أنا بصراحة كيّفت نفسي عشان أقدر أعيش، إني أنساها وأشطبها نهائي من حياتي." أومأ برأسه موافقًا: "عندك حق. بس ده بالنسبالك عشان كنتِ انتِ الضحية، لكن بالنسبالي أنا لا يمكن هاقدر أنسى، إني كان ليا يد في ظلمك حتى لو مش بالقصد." صمت قليلاً ثم أردف:
"أنا بعتذرلك يا فاتن وبتمنى إنك تسامحيني عشان أقدر أعيش أنا كمان." ابتسمت قائلة: "إن كنت أنت غلطت في صداقتك بواحد زي سعد، فا أنا كمان غلطت في حق نفسي لما هربت من بيت والدي وحطيت نفسي موضع شبهة لما جبرت عصام يخليني في شقته. يمكن ساعتها بحكم سني كنت شايفة المبرر قوي عشان أهرب من جواز ابن عمي بجوازي منك، لكن ده ما ينفيش غلطي. عشان كده بقولك انسى."
أطرق برأسه متأثرًا بكلماتها التي ألقت على قلبه بعض الراحة، ثم رفع رأسه إليها قائلاً: "عندها حق فجر تحبك أوي كده. ده انتِ لو شوفتيها في بداية معرفتي بيها، مكنتش بتطيق تبص في خلقتي. ولما كنت أجي أكلمها كان وشها يحمر ويخضر من الغضب وتحسي كده إن نفسها تولع فيا." ضحكت من قلبها، فضحك هو أيضًا معها:
"المجنونة دي. هي طول عمرها كده حمقوية أوي في اللي يخصها وميهمهاش. بس انت باين عليك بتحبها أوي عشان ده ظهر من لمعة عينيك اللي طلت فجأة لما جبت سيرتها." لم يرد، ولكنه لم يقو على إخفاء ابتسامة أنارت وجهه لمجرد ذكر اسمها. أردفت هي بكلمات خرجت من قلبها: "ربنا يهنيكم ببعض يا علاء. انت تستاهلها وهي تستاهلك."
تنهدت بثقل وهي تستعيد كلماتها معه، والتي لم يمر عليها سوى دقائق، ولكنها كانت كفيلة بفتح جراح الماضي وذكريات نقشت في القلب مرارتها. هي تحمد الله أنه وقف معها بأن وهبها من يأخذ بيدها ويعطيها فرصة أخرى للحياة بكرامة، ولكنها لا تنكر خطأها الذي بسببه أعطى فرصة لهذا المجرم لفعل جريمته معها. "لحقتي تسرحي؟ أردف بها عصام وهو يعود لجلسته أمامها. التفتت إليه هي بابتسامتها المعهودة ترد:
"أنا لو مسرحتش وافتكرت اللي فات أبقى متخلفة ومعنديش إحساس. انت ترضاهالي دي؟ أطلق ضحكة مدوية نافيًا بتحريك رأسه: "لا ياستي بعد الشر عليكي من التخلف وعدم الإحساس. بس أنا شايفك يعني بتهزري أهو وعلاء كمان وشه اتعدل قبل ما يمشي. أسف يعني لو بتدخل. هو الحديث مابينكم كان عن إيه؟ "لا ياسيدي مافيش تدخل. أصل الموضوع مش مستاهل يعني، هو كان ضميره تاعبه من ناحيتي فكان عايز يعتذر وأنا رديت عليه باللي يريحه."
أردفت بها، فكان رده أن سألها قاطبًا بحيرة: "وهو إيه اللي ريحه بالظبط؟ "الحقيقة يا عصام. هي إن غلطه فيا والمشكلة كلها كانت نتيجة غلطتي الكبيرة لما هربت من والدي من غير ما أقدر العواقب. اللي مابينها كان ظلمك انت معايا." "بس انتِ ماظلمتنيش يا فاتن. انتِ واحدة كنتِ مغلوبة على أمرك وأنا بقى حاولت أساعدك بس الأمور جت بنتيجة عكسية." ردت مبتسمة بامتنان: "انت بتقول كده عشان قلبك طيب يا عصام." قال متفكرًا:
"مش حكاية قلب طيب. بس أنا مكدبش عليكِ يعني كل ما افتكر الموضوع ده وملابساته بستعجب قوي للي حصل رغم بشاعته. لكنه خلاني أشوف كل حاجة قدامي بمنظور مختلف. وعلى الرغم من مرور السنين دي كلها وسفري واختلاطي بناس أشكال وألوان وجوازي وطلاقي من مراتي، لكنه جعل صورتك دائمًا مطبوعة في خيالي وبتطاردني. رغم إن الأول وربنا العالم، مكنتش بشوفك غير حبيبة صاحبي." "قصدك إيه يا عصام بكلامك ده؟ سألت بحيرة، وكان رده حاسمًا:
"قصدي إنك تعرفيني كويس وأعرفك. واحنا كبار دلوقتي وفاهمين. تقبلي تتجوزيني يا فاتن؟ ................................... "أنا برضه قولت هالاقيكي هنا." التفتت برأسها على صوته، فبادلته نظرة حانقة قبل أن تعود بنظراتها إلى رؤية الميدان أمامها بمساحته الشاسعة، مستندة بكفيها على سور السطح الأسمنتي دون أن ترد ببنت شفاة. "الله دا انتي زعلانة بجد بقى؟ أردف بها قبل أن يحاصرها بذراعيه من الخلف يضرب ظهرها بصدره العريض.
ارتبكت مجفلة من فعلته، فخرج صوتها بتوتر: "إيه هو ده بقى؟ إحنا قاعدين عالسطح يا علاء مش في بيتكم." قرب وجهه من جانب رأسها يهمس: "طب وفيها إيه؟ واحد ومراته ياستي حد له حاجة عندنا؟ ردت من بين أسنانها: "آه مراته آه. معلش كنت ناسيه. أصلك مقدر قوي؟ صمت يستوعب كلماتها ويتفحص تشنجها، ثم ارتد للخلف قليلاً ليديرها إليه قائلاً: "لدراجادي انتِ زعلانة مني يا فجر؟ لمعت عيناها الذابلة أمامه تنذر بسقوط دمعاتها وهي تجاهد للتماسك،
فقالت بشفاه مرتعشة: "أنا قولت لعصام يبلغك إني متقبلة لأي قرار تاخده في علاقتي معاك. يعني ده لو عايز ترجع لفاتن. أصل أنا عارفة وفاكرة قد إيه كنت بتحبها زمان. فشئ طبيعي إنك تحن لها بعد ما اتأكدت من براءتها. أنا مش عايزة أقف في طريقك والحمد لله إننا لسه على البر ومحسوبة قدام الناس خطوبة مش جواز." "خلصتي كلامك؟ سأل رافعًا وجهها إليه لتقابل عيناه خاصتيها. تشجنت تنزع يده عنها:
"ارجوك يا علاء تسمعني كويس وتفهمني، أنا بتكلم جد. بلاش تتأثر بهيئتي ولا ضعفي قدامك. كل شيء عندي يهون إلا إني أتجوز راجل قلبه معلق بواحدة غيري. الموت أهون." حاوط وجهها بكفيه وخرج صوته بحدة: "ومين قال بس إن لسه قلبي متعلق بيها ولا بحبها." "انت! صرخت بها متابعة: "رد فعلك لما شوفتها وبعدها طلبت مني أنا وعصام نسيبكم لوحدكم." "كان لازم أعتذر لها، وأسمع منها إنها مسامحاني عشان أقدر أعيش حياتي أنا كمان."
أردف صارخًا، وأكمل يمسح بأبهاميه الدموع المتساقطة بغزارة على وجنتيها يردف بحرقة: "حياتي معاكي انتِ، عشان بحبك انتِ. فاتن حبها كان راسخ في قلبي كأنه شجرة مزروعة فيه، لكن حبك انت كان الإعصار اللي نزعها من جذورها. سامعة بقولك إيه؟ أنا لما شوفتها النهاردة ماشوفتش الحبيبة. لا.. أنا شوفتها واحدة عادية تنفع كأخت لمراتي اللي هي انتِ." ردت بنبرة باكية: "أيوه بس هي أحلوت أوي. ده عصام بنفسه قال عليها بطل." رد بابتسامة:
"وافرض هي بطل، فا انتِ عندي أحلى من ميت بطل." "صح كلامك ده ولا بتكدب عليا عشان تراضيني؟ سألت برجاء وصوتها خرج بارتجافة. رد هو مشدداً على كلماته: "والله يا شيخة مبكدبش عليكي. دي كانت قصة وانتهت نهاية مؤلمة عشان مكنش لينا نصيب في بعض. أنا نصيبي معاكِ انتِ. انتِ مراتي وحبيبتي وكل دنيتي. فهمتي بقى ولا أفهمك بطريقتي؟ أومأت برأسها. بعد أن هدر الأخيرة عليها مهدداً، ولكنها أُجفلت فجأة سائلة باستفسار:
"طريقتك إيه بالظبط اللي هاتفهمني بيها؟ قرب وجهه يميل إليها يردف بعبث خاطفاً قبلة رقيقة: "زي كده مثلًا." شهقت مجفلة تنزع كفيه عنها: "يانهار أسود بتعمل إيه؟ إحنا عالسطح يا علاء وورانا الميدان." "خلاص نبعد طيب مع إن محدش شايفنا من المسافة البعيدة دي أساسًا." أردف جملته وهو يسحبها بعيداً عن السور، ولكنها تشجنت أكثر: "هاازعل منك والله بجد أنا... قطعت جملتها مضطرة بعد أن عانقها بقوة حتى ارتفعت قدماها عن الأرض هامساً
بأذنها: "وأنا مايهونش عليا زعلك." شدد بذراعيه عليها أكثر وتجاوبت هي تلتمس منه الحنان والطمأنينة بعد ليالٍ طويلة أرقه القلق والخوف من فقدانه. ....................................
في المنطقة الخلفية المهجورة من المصنع القديم، دفعت بيدها الحرة الباب الصدأ وهي تتحاشى بأقدامها الدهس على القمامة المكدسة والحيوانات الميتة. دلفت وهي تحمل بيدها الأخرى لفة لبطانية وملائة سرير مع حقيبة نسائية معلقة على الكتف. تنهدت تلتقط أنفاسها قبل أن تكمل طريقها للداخل حتى وصلت إلى الركن الموصوف لها من قبل. فتبسمت تجفلها حينما رأتها جالسة أمامها تعطيها ظهرها: "بتعملي إيه يا أمينة؟ شهقت الأخرى منتفضة وهي
تلتف برأسها للخلف نحوها: "حرام عليكِ يا لبنى خضتيني." خطت إليها ضاحكة: "سلامتك من الخضة يا غالية. بتعملي إيه صح؟ "باكل يا أختي. تعالي بسم الله." لوحت بيدها إشارة نحو الطعام الملقى على فرشة من الجرائد. ألقت لبنى ما بيدها على الأرض لتجلس وتشاركها مردفة: "وماله يا حبيبتي ناكل. ده أنا حتى وحشني الأكل معاكي. بتاكلي إيه بقى؟ أجابت بفم ممتلئ بالطعام: "طعمية وفول طبعًا. هايكون إيه يعني؟
"يا أختي رضا على رأي أمي. ده حتى في ناس مش طايلاهم." أردفت بها لبنى قبل أن ترد أمينة وعيناها مرتكزة نحو لفة الغطاء والحقيبة: "انتِ جايبة بطانية وملاية سرير. ربنا ما يحرمني منك يا رب. ده أنا كنت هانشف من البرد امبارح." نكزتها بخفة قائلة: "هو أنا عملت حاجة عشان تشكريني انتِ كمان. ده ربنا العالم لو بإيدي لكنت أخدتك تبيتي معايا في شقتي بس أمي بقى أسيبها لمين؟
بعد ما سابها سعد لوحدها. وفي نفس الوقت مقدرش آخدك معايا عندها. حكم سعد بقى الله يسامحه شوه صورتك قدامها." أومأت برأسها متفهمة تبتلع الطعام الذي وقف كالحجارة بحلقها. وتابعت لبنى: "بس انتِ ما ينفعش تعيشي هنا يا أمينة. أينعم المصنع مستور عن الشارع والعيون، بس انتِ ماتضمنيش عيل شارب ولا بلطجي يدخلوا عليكي فجأة ولا يأذوكي."
"ده وضع مؤقت يا لبنى. هي ليلة ولا اتنين بالكتير أكون اتصرفت ولقيتلي أوضة إن شاء الله عالسطح أو في البدروم." قالت لبنى وهي تتأمل المكان حولها: "بس المكان اتغير خالص من وقت ما سيبناه. الله يرحم أيام الشقا فيه وهزارنا وضحكنا مع البنات. أنا وانتِ والمدعوقة نرمين قبل ما تتفرعن وتشوف نفسها." جارتها بشبه ابتسامة قبل أن تسألها برجاء:
"بقولك إيه يا لبنى. هو ينفع تباتي معايا الليلة دي بس تونسيني. حكم أنا ليلة امبارح كنت هأشيب من الخوف." .................................. عادت لمنزلهم وقد أشرق وجهها بعد جلستها الطويلة في العتاب ثم الصلح ثم كلمات الغزل والعشق التي أطربت أسماعها وطمأنت قلبها أخيرًا بعد ليالي الشك والعذاب. دلفت لغرفتها فوجدت شقيقتها تمشط شعرها أمام المرآة. "مساء الفل على أحلى شروق. عاملة إيه يا قمر؟ "مساء العنب."
رددت باندهاش وهي تتابعها تتمختر خطواتها بسعادة لداخل الغرفة وأكملت: "الغزالة رايقة يعني والوش اتعدل اهو بعد البوز اللي كان ممدود شبرين. إيه اللي حصل وخلاكي اتقلبتي كده من النقيض للنقيض؟ تبسمت باسترخاء وهي تتكئ بجذعها مستندة على قائم السرير: "خير والله يا شوشو كل الخير." "آه يعني إيه؟ ما فهمتش برضه؟ أردفت عليها بإلحاح فازداد اتساع ابتسامة الأخرى: "في إيه يا بت؟ هو انتِ هاتموتي لو معرفتيش؟
كان فيه سوء تفاهم بيني وبين علاء والحمد لله الأمور اتصلحت. استريحتِ بقى؟ أومأت برأسها ترد: "آآآه. يعني صالحك بقى وأكيد دلعك مادام مبسوطة كده. الله يسهله يعم. وأنا اللي متخانقة مع أخوه من دقايق بس." "ياساتر يارب. ليه يا شروق؟ سألت فجاوبتها الأخرى: "ابن اللذينة عشان بس فوت النهاردة مارحتلوش. عامل لي هوليلة وإني اتخليت عنه في شدته." "طب وبعدين هاتعملي إيه معاه؟ ده أكيد زعل بجد."
"سيبك منه أنا هاعرف أصالحه. هو كده كده خارج بكرة من المستشفى." نهضت من جوارها وأردفت: "هاقوم أنا أشوف خالتي زهيرة. وانتِ بقى شوفي صاحبتك دي ما بطلتش رن عليكي." شهقت متذكرة تتناول هاتفها: "يانهار أسود سحر. دي أكيد هاتعلقني؟ اتصلت، فأتأها الرد سريعًا من الجهة الأخرى: "أخيرًا افتكرتي ورنيتي عليا يا خاينة ياقليلة الأصل! .........................................
في المساء وحينما انتصف الليل كانت مستلقية بجوار صديقتها التي وافقت على البيات معها. بعدما افترشوا الأرض ببعض الكراتين الورقية القديمة لتخفف عنهم قسوة البرودة. تحتهم الملائة وفوقهم البطانية كغطاء. عيناها ناظرة في السقف وقد جافها النوم. عقلها الذي لا يهدأ ينتقل من موضوع لآخر فلا هي تجد الحل لمشاكلها ولا هي قادرة على استراق الراحة ولو قليلاً بالنوم. انتبهت فجأة لأصوات خفيفة كوقع أقدام متلصصة آتية من ناحية الباب الخلفي.
تذكرت على الفور كلمات لبنى عن تهجم بلطجي أو مدمن مخدرات عليهم. نهضت بدفاعية تبحث عن شيء لحمايتها هي ولبنى بعدما شدت عليها الغطاء جيدًا حتى رأسها. جالت بعينيها يمينًا ويساراً فلم تجد شيئاً فازداد الرعب بداخلها مع شعورها المتزايد بالخطر واقتراب وقع الأقدام. تحركت للناحية المعاكسة قبل أن يأتي إليها ويرىها تبحث عن عصا أو حتى حجر لتضرب أو تهدد به.
وفي الناحية الأخرى بعدما تخطى الباب الخلفي بصعوبة من ظلمة المكان وتكدسه بالقاذورات التي طرأت حديثاً بعد هجر المصنع وإفلاسه. مغطياً نصف وجهه حتى يستطيع التمكن من دخول المنطقة التي حرمت عليه بفضل أدهم ورجاله. ولكن لا يهم الآن. فهو سيترك لهم البلد نهائياً ولن يعود إلا وهو يمتلك من المال ما يمكنه من سحق الجميع. ولكن قبل كل هذا لابد له من إطفاء نيرانه المشتعلة بداخله. بعد أن أُهدرت كرامته وخسر معها الكثير بضربه وسط الشارع
وأمام الكبير والصغير فيه من أهل منطقته. يسير على أنامله ببطء شديد وكأنه يتحسس الخطى حتى لا تشعر به. وصل أخيراً ليجدها متكومة في ركن قريب تحت الغطاء الذي غطاها من رأسها حتى قدميها وبجوارها مصباح صغير على صندوق خشبي في الأرض لينير المكان. عديمة الإحساس نائمة بسكينة وكأنها بمنزلها وليست بمصنع مهجور تحيطه القاذورات من كل ناحية. ولكن جيد جداً فبفعلها هذا وفرت عليه الكثير. فتح بهدوء سترته ليخرج منها سكيناً كبيرة لمع نصلها
رغم الظلام وهو يتقدم نحوها بخطوات سريعة ليجثو فوقها بسرعة البرق ويغرزها بعدة أنحاء في جسدها بكل حقد. لم يتوقف سوى بعد أن رأى بقع الدماء انتشرت بكثافة على الغطاء. نهض متنهداً بعد أن هدأ غليله. هم ليرتد قليلاً ولكنه اصطدم بجسد صغير استدار فوجدها أمامه شهق مفزوعاً للخلف وهو ينقل أنظاره لها ونحو الجثة الهامدة في الأرض بزعر. عكسها هي التي كانت واقفة متسمرة بأعين جاحظة بصدمة ألجمتها لدقائق تستوعب ما تراه حقيقة أم خيال. حتى
تمكنت قدماها من التحرك أخيراً نحو صديقتها
ونطق لسانها بصرخة مدوية: "قتلت أختك ياسعد. قتلتها يا ظالم يابن الحرام." ...................................
في اليوم التالي خرج حسين من المشفى بواسطة شقيقه الذي أتى به لمنزله مع والدته بمباركة أبيه الذي رحب برعاية والدته له ولكي تكون له فرصة أيضاً. دثره علاء بعد أن وضعه بعناية على تخته بمساعدة شاكر داخل الغرفة التي جهزتها زهيرة له وبمساعدة شروق وسميرة أيضاً. كانت الغرفة ممتلئة بأفراد العائلتين للترحيب به. إلا أدهم الذي تأخر على غير العادة. زهيرة وهي جالسة بجواره وتربت على ذراعه بخفة:
"الف حمد لله على السلامة يا نور عيني. نورت بيتك ومطرحك." سميرة من الناحية الأخرى: "ده انت هنا يا بطل مع أكل زهيرة اللي يفتح النفس وشك هايورد وتبقى زي الفل." "أيوه ياواد يا حسين ده الست الوالدة عليها طبق ملوخية يرد الروح." أردف بها شاكر وتابعت عليها فجر: "ولا طبق المحشي كمان ده يجنن لوحده." قال حسين: "مابراحة شوية عليا يا جدعان فتحتوا نفسي. لاحظوا إنّي تعبان أساساً من أكل المستشفى ونفسي إنطلقت بقى." ردت زهيرة بلهفة:
"ده انت تؤمر يا نور عيني. من النهاردة هاعملك كل اللي نفسك فيه." "كله إيه يا أمي؟ براحة يا غالية ده جسمه لسه تعبان وما يتحملش." "قولوا يا علاء ده فاكرها فرصة." أردفت بها شروق فرد حسين من الناحية الأخرى: "مابلاش انتِ يا مؤدبة. وخليكي في حالك." رددت بغضب مصطنع فضحته ابتسامتها: "الله يسامحك مش هارد عليك." دلف إليهم فجأة أدهم بعد أن فتح له إبراهيم: "السلام عليكم يا جماعة. عامل إيه دلوقتي يا بني؟ أومأ له حسين وردد الجميع
عليه التحية فسأله شاكر: "مش بعادة يعني يا حج تتأخر كده؟ أجابه أدهم وهو يجلس على أقرب المقاعد بتعب: "اسكت يا شاكر يا أخويا على اللي حصل الليلة اللي فاتت ما يتحكي حتى في الروايات. الحارة كلها صحت في نص الليل امبارح على صوت صريخ من المصنع القديم. ولما دخلنا نشوف أنا والرجالة لقينا البت لبنى الغلبانة بنت نشوى هي المقتولة." "يانهار أسود معقول ودي مين اللي قتلها؟ سألت زهيرة وكان رده وهو يهز رأسه باستياء:
"طلع أخوها هو اللي قتلها واللي كانت بتصرخ هي صاحبتها. دي أمها يا عيني كانت عايزة تأكله بسنانها لولا الرجالة اللي حاشوها عنه وهو واقف زي اللوح بيبص بعنيه وبس. خدناه وودناه القسم وبرضه هو على حالته." ردد علاء: "لا حول ولا قوة إلا بالله. انتقام ربنا جاله بإيده." نطق الأخيرة بصوت خفيض لا يصل إلى البقية ولكن فهمه حسين والشقيقتان أيضاً. ..............................
في وقت لاحق وبعد أن انصرف الجميع ظلت هي وحدها معه في الغرفة بعد أن استأذنتها زهيرة في مرافقته قليلاً حتى تصنع له الطعام. كانت تتلاعب بهاتفها متجاهلة النظر إليه. "إيه يا أستاذة هاتفضلي متجاهلاني كده كتير؟ سأل وكان ردها بابتسامة: "مش إحنا متخانقين عايزاني أعملك إيه بقى؟ "وافرض متخانقين. ماتعرفيش تصالحيني؟ قال بحزم وردت هي بهدوء قبل أن تعود لهاتفها:
"لأ عشان أنا مغلطتش فيك. أنا قولتلك كنت تعبانة وانت مقدرتش أعملك إيه بقى؟ أديني قاعدة جمبك أهو وبراعيك زي أي واحدة بنت أصول." صك على فكيه غيظاً من تجاهلها ثم هتف بغضب: "ماشي يا بنت الأصول طب أنا عايز أشرب." نهضت تتناول الكوب الزجاجي بجواره على الكمود تقربه منه: "اتفضل امسك. الكوباية مليانة أهي." "قربّي بقى ترفعي راسي وتشربيني." شهقت مستنكرة: "أشربك ليه إن شاء الله؟ ودراعك حلو ويمسك كويس ده غير إن التاني نفسه اتحسن."
قال ببرود: "بس دماغي لسه تعبانة ومتربطة. يعني لازم آخد حرصي. ولا إنتِ عايزاني أنده والدتي وأقولها.. إن البت دي اللي ائتمنتيها على ابنك مش هاين عليها بوق ميه تشربه؟ هتفت ضاحكة ومتناسية غضبها: "وقولها كمان على الحركات القرعة اللي بتعملها عشان تعرف مين ابنها." "عادي أقول بس رد أمي هايكون إيه بقى ساعتها؟ ها تقول ده جوزك يامنيلة وكمان غلبان وعيان ولا نسيتي؟ "لأ مانستش." نفت ضاحكة فاردف هو بانتصار:
"حلو قوي. يلا بقى يا حلوة عشان تشربيني. بس بضمير والنبي وانتِ بتحضنيني. قصدي ااا وانتِ بترفعي راسي! ................................. بعدها بيومين. كانت فاتن تنزل درج بنايتها مع فجر التي أصرت على مرافقتها لحفل عقد قران صديقتها التي لا تعلمها وهي مازالت مترددة: "أنا مش عارفة بس إيه اللي خلاني أوافق وأروح معاكي. واحدة معرفهاش هاتقول عليا إيه بقى لما تشوفني؟ ردت فجر بسأم:
"يوه عليكي يا فاتن. ماقولتلك يابنتي الحفلة عالضيق عشان جات في السريع ومافيش حد هايعرفك هناك. ثم إن سحر دي عسل هاتحبيها أوي لما تشوفيها. ماهو انتي كمان لازم تخرجي وتشوفي الناس ماينفعش تفضلي كده في قوقعتك." كن وصلن لمدخل العمارة فقالت لها مستسلمة: "ماشي يا ست فجر. اديني هاخرج وأشوف الناس وإما أشوف بقى أكررها ولا أحرم ما أعملها تاني." ردت بثقة:
"لأ إن شاء الله هاتكرريها وتكرريها كتير كمان. بفستانك اللي يجنن ده وانت لوحدك تهبلي. وادي علاء كمان عشان يوصلنا وماتتعبيش في السواقة." بداخل سيارة علاء جلست هي وابنها في الخلف وفجر في الأمام بجواره. وقبل أن تتحرك السيارة تفاجأت بفتح الباب الخلفي واقتحام عصام الجلوس بجوارها وهو يضع الطفل على أقدامه: "مساء الخير عليكم. عاملين إيه بقى؟ ردد الاثنان في الأمام التحية مبتسمين وكأنهم على علم: "هو عصام كمان جاي معانا؟
سألت بحسن نية لتفاجأ بنظراتهم الغريبة لبعضهم فتابعت بريبة: "هو في إيه بالظبط؟ "بصراحة بقى إحنا قاصدين نعملك كمين." قال علاء وتابعت خلفه فجر باستعطاف: "بصراحة أنا معرفتش نيتهم غير في آخر لحظة. وماقدرتش أعترض." "تعترضي على إيه؟ وليه يعني الخطط دي؟ "عشان أنا من ساعة ما فاتحتك وانت مردتيش عليا ولا ربحتيني بإجابة على سؤالي." قال عصام فرددت بمراوغة: "أرد على إيه بس وجوزي ميت من ست شهور؟ "طب وإيه يعني ما انتِ لسه صغيرة؟
قال علاء وتابعت فجر: "ثم إن الحي أبقى من الميت." "يا فاتن وافقي بقى خلينا نربي العيال مع بعض." "إنت بتبسط الأمور أوي يا عصام وأنا بصراحة خايفة." رد عليها علاء: "خايفة من إيه بس يا فاتن؟ عصام ابن ناس وهايعرف يقدرك ولو محصلش أنا جنبك موجود أفتحلك دماغه تاني عادي يعني؟ ضحكت على مزحته معهم وظهر بعينيها التردد فاستغل عصام ليزيد الضغط برجاء:
"وبعدين بقى يا بنت الناس ريحي قلبي. اهو قالك هايفتحلك دماغي لو بس مقدرتيش عايزة إيه تاني؟ أكملت فجر: "وافقي بقى يا فاتن خليني أفرح بيكي زي ما فرحت بسحر." صمتت لحظات تنظر إليهم بتفكير وهم ينتظرون قرارها على أحر من الجمر ثم هزت برأسها موافقة جعلتهم يهللون بفرح وارتياح. "خلاص بقى يبقى نكتب الكتاب عشان ماترجعيش في كلامك." بمجرد فتح فمها لتعترض: "وغلاوة عبد الرحمن يا شيخة ماتعترضي. امشي بينا يا ابني بسرعة والنبي."
قال الأخيرة مخاطباً علاء الذي أدار محرك السيارة فوراً ملبياً طلبه. فهتفت فجر: "إيه ده؟ أنا عايزة أروح فرح صاحبتي." "يابنتي هاوديكي حاضر. بس خلينا نجبر بخاطر الغلبان ده الأول ومش ها أأخرك." ردد خلفه عصام وهو ينظر بمسكنة نحو فاتن التي لم تكبت ابتسامتها: "آه والنعمة غلبان. وأمي ميتة كمان ونفسي في حنان. شغل يا ابني الأغاني الله يرضى عنك. ولا أقولك أغني أنا وانتوا غنوا ورايا. إنهاردة فرحي يا جدعان. عايز كله يبقى تمام."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!