الفصل 39 | من 40 فصل

رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم امل نصر

المشاهدات
20
كلمة
3,745
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 98%
حجم الخط: 18

دلفت لداخل الشقة تجر أقدامها جرًا وقد أهلكها التعب. متجهة على الفور نحو غرفتها، متجاهلة الرد على الفتاة التي فتحت لها وسألتها عن سبب تأخرها في العودة للمنزل، وهل كان بخطرها التلكؤ بالشوارع بعد رحلة طويلة من العدو. لوحت بكف يدها تلقي التحية على خالتها محاسن الجالسة مع فتياتها بوسط الصالة بملابسهم العارية، تومئ برأسها دون التفوه ببنت شفاة.

من وقت أن غادروا السيارة التي تركوها مضطرين هربًا من مطاردة علاء وبعض سيارات الشرطة، هي لا تصدق حتى الآن أنها قد تمكنت من النجاة من براثن الشرطة وأدهم، بعد أن أوقعهم علاء في الفخ. ولكن مهلًا، مازال الخطر مستمر مادامت هنا في نفس المدينة معهم. ارتمت على تختها وخلعت حذائها تدلك قدميها لبعض الوقت حتى تخفف عنهم الألم، ثم استلقت وهي تتناول هاتفها تتصل به. وكان رده سريعًا: "أيوه يا نيرمين.. انتِ وصلتي البيت ولا لسة؟

"أيوه وصلت أخيرًا.. بعد ما اتهلكت من الجري في الشوارع ياسعد.. وانت بقى وصلت ولا لسة؟ "أنا وصلت أوضتي عالسطح من يجي ساعة كدة.. المهم بقى حد حس ولا سألك انتِ اتاخرتي ليه؟ ردت بسأم: "والنبي ما تجيبليش سيرة حد ولا سبت.. أنا فيا اللي مكفيني.. اتصرف بسرعة ياسعد أنا عايزة أخرج من البلد دي وأروح أي مصيبة بعيد عن هنا.. بعد اللي حصل النهاردة ماينفعش نتأخر أكتر من كدة." "خلاص يابت." قال بمقاطعة ثم تابع:

"هما ليلتين بس أكون جهزت ورقي وورقك عشان نسافر ونخلص من الهم دا كله.. المهم بقى البت دي عاملة إيه عندك؟ بتخرج ولا لأ؟ زفرت متأففة: "يا عم واحنا مالنا بيها بس؟ خلينا في همنا." وصلها صوت أنفاسه الحادة وهو يتكلم من بين أسنانه:

"ماهو كله يبقى همنا يازفتة انتي.. ولا نسيتي أنها هي السبب في كل اللي حصل لما جرجرتك زي البهيمة على شقتي وخلت حسين يسجلك ويسجلها.. دا أنا الدم بيغلي في نفوخي وجسمي كله عشان ما عرفتش انتقم من حسين النهاردة.. وهاموت لو مشيت من غير ما أفش غليلي في حد منهم.. سبب النصايب دول." متكومة على نفسها على سريرها بداخل غرفتها التي أغلقتها عليها من وقت أن عادت لمنزلهم، رافضة الكلام مع أحد وحتى الطعام لم تعد لها شهية فيه.

هي فقط اكتفت بالإطمئنان على شقيقتها وبعد ذلك دلفت الغرفة تكتم أحزانها مع نفسها كالعادة. ولكن هذه المرة كان الألم قويًا يكاد أن يمزق أحشائها، ألم الفقدان. تشعر بقرب بفقدانه كلما تذكرت تعابير وجهه المنغلقة وهي تسرد عليه كل ما حدث معها الأيام الماضية بدايةً منذ اللقاء الذي دبرته عمتها مع فاتن، حتى ما حدث هذا اليوم في النادي ولقاءهم بعصام.

كان يستمع لها وهو واجمًا لا ينطق ببنت شفاه وهي تسرد، متعمقة النظر بملامح وجهه تريد أن تستشف ردة فعل واحدة تمكنها من معرفة ما يفكر به، ولكنه لم يريحها أبدًا. كما أنه لم يثور كما توقعت، حتى أسئلته كانت هادئة بشكل غريب حتى أنهى الجلسة بطلبه اللقاء بها كي يتأكد. لقد وضحت لها فاتن في العديد من المرات أنها تناست عشق المراهقة لما تبعه من ويلات ومآسي عانتها بسببه، ورحبت بزواجها هي من علاء.

ولكن هو ماذا سوف يكون رد فعله حين يراها؟ ترى سوف يحن ويرق قلبه لقصته القديمة معها؟ وماذا عن عشقه لها هي؟ هل كان سرابًا وسوف يتبخر في الهواء مع ظهور العشق الحقيقي؟ تشعر برأسها على وشك الانفجار وهي تدفنها بشكل متكرر في الوسادة، وتتجاهل الرد حتى على اتصالات سحر العديدة. فليس لديها قدرة على الاستماع ولا التفوه بالكلمات، فكيف ترد وعقلها معلق باللقاء المصيري غدًا بينها وبين فاتن وعلاء وعصام!

كانت في سبات نومها العميق حينما شعرت بلمسات بدأت خفيفة على أقدامها، كانت تتجاهلها مع ثقل رأسها ثم تطورت لمريبة حينما ارتفعت لباقي جسدها مما جعلها تعتدل بجسدها مفزوعة. فجحظت عيناها وهي ترى هذا الظل الضخم أمامها، كادت أن تصرخ ولكنها تفاجأت بارتمائه بجوارها على التخت يكمم فمها بيده الغليظة وهو يهمس: "أهدي الله يخرب بيتك.. انتِ هاتفضحنا يابت ولا إيه؟

ذامت من تحت كفه برعب، ولكنه أجفلها بإشعال ضوء المصباح المجاور لتختها، فظهرت ملامح وجهه بالكامل لها. هدأت حركتها بريبة وقد توسعت عيناها مزبهلة من المفاجأة. رفع كفه واللمعت أسنانه التي ظهرت من تحت ابتسامة بعرض وجهه: "مدام هديتي كدة.. يبقى افتكرتي حبيب قلبك القديم صح! قال بغمزة، وهي ابتعلت ريقها وعيناها تنتقل منه وإلى باب الغرفة: "إسماعيل! هو انت ايه اللي جابك هنا وفي أوضتي كمان؟

خلع قميصه فجأة واقترب يلف ذراعه عليها ليقربها منه وهو يهمس بإغواء: "الاسم طالع من بوقك زي العسل.. وحشتيني يانيرمين ووحشتني لياليكي الحلوة يابت." انتفضت وهي تحاول أن تنزع ذراعيه عنها وجسدها يرتجف بأكمله: "ابعد إيديك دي عني يا إسماعيل.. هو انت ايه اللي جابك هنا الله يخرب بيتك؟ شدد بذراعيه عليها أكثر وهو يردف بعينين تشتعل بالرغبة: "أبعد إيه بس؟

بقولك وحشتني لياليكي.. دا أنا مصدقتش نفسي لما عرفت من صحابي إنك رجعتي من تاني.. ربنا يخلينا خالتي محاسن يارب." ازداد نفورها منه ومن رائحة التبغ الفائحة من فمه وهو يجول بشفتاه على وجهها وعنقها دون استئذان. حاولت مجاراته كي تكسب بعض الوقت قبل أن تتمكن من الهروب منه، وقد فهمت مضمون كلماته فلا تستطيع الصراخ أو المقاومة مع رجل كانت تعرفه قديمًا وتعرف حجم إجرامه وفي بيت كهذا ومع امرأة مثل خالتها قبضت الثمن.

"طب خليني أفوق الأول ولا أقوم أغسل وشي." "لا انتي كدة حلوة أوي." أردف مابين قبلاته وهي تفكر في حجة أخرى، ولكنها انتبهت على صيحات وصرخات تأتي من خارج الغرفة، وقبل أن تستوعب تفاجأت باندفاع باب الغرفة بقوة ليدلف أمامها لداخل الغرفة رجلين عرفتهم جيدًا من هيئتهم، فلطمت على وجهها تهتف بجزع: "يانهار أسود بوليس... في اليوم التالي

وهي داخل زنزانة النساء كانت تبكي وتنوح بجوار خالتها وبقية الفتيات النزيلات ينظرن لها بحنق من صوتها العالي والمزعج في الندب. "منك لله يا خالتي منك لله.. ضيعتي مستقبلي ولبستنيني مصيبة وأنا اللي طول عمري عايشة ورافعة راسي.. منك لله يا خالتي منك لله." مصمصت محاسن تعوج شفتيها باستنكار: "ياختي ماتفضيها بقى.. عمالة تدعي عليا من امبارح.. دا اللي يسمعك كدة يقول انك شريفة بحقة." "حتها صارخة:

"أيوه شريفة ياختي.. ولولا عملتك انتِ السودة والداء الزفت اللي فيكي ماكنتش هاتحط في المصيبة دي ولا أقعد القعدة دي جمبكم." لوحت بيدها عليهم فتجاهلتها محاسن تشيح بوجهها عنها. تابعت بصرخة أكبر: "بس أنا اللي عايزة أفهموا منك دلوقتي بالظبط؟ إيه اللي دخل إسماعيل سبرتو عندي ودخل الرجالة مع النسوان في بقية الأدوار وأنا منبهة عليكي إن مافيش شغل في البيت؟

ما طمرش فيكي الفلوس اللي بديهالك عشان تنبطي وتسمعي كلامي.. دول هما يومين وكنت هاسيبك.. ماكنتيش قادرة تصبري؟ نفخت محاسن من أنفها بعمق ثم ضربت بكفيها وهي ترد بحدة: "لا ياختي كنت صابرة وساكتة.. بس أعمل إيه بقى؟ ليلة امبارح لقيت إسماعيل ورجالته دخلوا عليا فجأة وقالي عايز بنات للرجالة وانت كان جايلك مخصوص.. وقبل ما أفتح بقي لقيتوا رمى الفلوس في حجري ودخلك.. هاقدر أوقفه إزاي ده بقى قوليلي؟ وأنتِ عارفاه ولا نسيتي؟

فغرت فاهها تستوعب فحوى كلماتها ولكنها أجفلت على نداء رجل الأمن باسمها. وقبل أن تنهض تذكرت تسأل محاسن وعيناه تجوب جميع النساء حولها: "هي البت أمينة فين؟ هي مجاتش معانا ولا إيه؟ "أمينة ياختي كانت عند الدكتور امبارح بتفك تجبيرة دراعها." دفعها رجل الأمن بخشونة وقوة داخل غرفة الظابط حتى كادت أن تقع، غمغمت حانقة ببعض الكلمات النابية نحوه قبل أن ترفع رأسها للداخل فاصطدمت عيناه بعيناه ذات النظرة الصقيرة.

ارتدت للخلف بخوف لتتفاجأ بظابط الأمن وهو ينهض مغادرًا: "خد وقتك يا حج بس ياريت ماتتأخرش." أردف الظابط ليخرج على الفور، تبعته هي بعيناها وكأنها تترجاه لعدم الذهاب وتركها معه. حينما صفق الظابط الباب أجفلها الآخر بندائه: "إيه باعين خالتك؟ مكسوفة ماتبصي في وشي ولا إيه؟ التفتت إليه منتفضة وهي بجوار الباب، هتف عليها بأمر: "اتحركي يابت من جمب الباب وتعالي هنا."

انصاعت مضطرة تتحرك بأقدام مرتعشة حتى وصلت للمكتب أمامه، وهو يتفحصها مضيقًا عيناه. انتظرت أمامه للحظات مروا عليها كالدهر، مطرقة رأسها وهو يتلاعب بسبحته بهدوء مريب. فتحت فاهاها لتقطع الصمت ولكنها انتفضت مرتدة للخلف حينما وجدته ينهض عن مقعده: "والنبي يا أدهم أنا ما عملت حاجة والتهمة دي متلفقة لي ظلم." أردفت بها وهي تنتفض من الخوف أمامه لتتفاجأ به متبسمًا بزاوية فمه قائلًا: "إنه تهمة بالضبط يانيرمين؟

"خطف شروق ولا خيانتك واستغفالك ليا مع سعد ولا تهمة امبارح لما العساكر جرجروكي من حضن حبيبك القديم إسماعيل اسبرتو." فغرت فاهاها بصدمة وانفاسها تتلاحق بحدة لا تقوى على الدفاع عن نفسها أمامه والخوف شل تفكيرها. أمال برأسه نحوها وعيناه تطلق شررًا عليها: "ماكنتيش متوقعة صح؟ صمت قليلًا وأصبح يتنفس بخشونة من أنفه يحارب للسيطرة غضبه: "بقى أنا.. أدهم المصري اللي يتهزوا شنبات تيجي واحدة زيك وتعمل معايا كدة؟

تعرفي يابت لولا بس إني عامل حساب سمعة عيالي لكنت دفنتك حية مع الكل.... اللي اسمه سعد.. احمدي ربنا بقى إنك هنا أهو تكفري شوية عن ذنوبك." هم ليتحرك ولكنه استوقفته تتكلم بتلعثم: "هو انت.. عرفت إسماعيل منين؟ قال بسخرية: "تاريخك يامحترمة هو اللي دلني عليه.. ومن خلاله عرفت بحكاية خالتك اللي أول ما إسماعيل رمى في حجرها الفلوس.. كان هاين عليها هي نفسها تخدمه." "بس أنا مراتك وسمعتي من سمعتك." أردفت بتحدي فحرك رأسه هو بسأم:

"هو انتِ فاكراني أهبل يابت؟ انتِ مطلقة غيابي من ساعة ما مشيتي.. يعني ماتخصنيش بشيء دلوقت من قريب ولا من بعيد.. والمهم بقى قبل ما أنسى وأمشي." على حين غرة تفاجأت بصفعة قوية منه على وجنتها كادت أن تسقطها أرضًا لولا أنها تماسكت. "دي بقى عشان شروق مرات ابني ستك وتاج راسك." "أردف بها قبل أن يخرج ويتركها تشهق باكية ألم الخسارة لكل شيء."

في نفس مكان الأمس كان جالسًا عصام حول الطاولة الخشبية ولكن هذه المرة كان بجانبه علاء الذي كان يدخن بشراهة وفي الناحية الأخرى فجر وهي كالتائهة تنظر أمامها بشرود في انتظار القادم. قطع الصمت عصام: "إيه الحكاية يا جماعة؟ هو انتوا واكلين سد الحنك انهاردة ولا إيه؟ "فيه إيه عصام مالك بس؟ قالها علاء بسأم فرد الآخر: "يابني ما أنا عمال أرغي وماحدش معبرني خالص؟

لا انت ولا الست فجر.. اللي كانت بتجري ورا العيال امبارح وكأنها زيهم." رمقت علاء بنظرة ذات مغزى قبل أن تجيب: "معلش ياعصام.. ماهو امبارح كان شيء والنهاردة شيء تاني.. ويعالم بكرة هايبقى إيه؟ تجاهل علاء نبرتها المتهكمة ورد عصام وكأنه يريد طمأنتها: "إن شاء الله خير يافجر.. ربنا ما بيجيبش غير الخير." "السلام عليكم." ارتفعت رؤس الثلاثة فجأة نحوها بعد أن أتت بطفلها كالعادة.

ردد عصام وفجر التحية أما علاء فتصلب مكانه مسهمًا بها وكأنه لا يصدق وقوفها أمامه. "أتأكدت بقى إنها عايشة." قالتها فجر بنبرة على وشك البكاء وهي ترى نظراته المركزة عليها. وتابعت: "اقعدي يافاتن هو انتِ هاتفضلي واقفة ولا إيه؟ خلعت نظارتها فظهر كامل وجهها وهي تجلس أمامهم وسألته: "عامل إيه ياعلاء؟ أومأ برأسه نحو الصغير: "ما شاء الله.. ابنك ده؟ تدخل عصام بدعابة: "أمال يعني هايكون ابن الجيران مثلا؟

فيه إيه علاء انت مش شايف الشبه؟ أومأ بشبه ابتسامة قائلًا: "معلش ياعصام ممكن تقوم انت وفجر خمس دقايق بعيد عن هنا." تفاجأ الثلاثة بمطلبه وكان الرد سريعًا من فجر التي قامت منتفضة: "يالا بينا ياعصام.. خدوا راحتكم." قالت فلم تنتظر عصام فقد تحركت مسرعة ذاهبة ما أمامهم. أسرع عصام خلفها: "استني يافجر.. هو انتِ مركبة قطر في رجليكي؟ تتبعتهم فاتن بعيناها ثم التفتت إليه سائلة: "هو في إيه بالظبط؟ وانت مشيتهم ليه؟

تجاهل الرد وسألها: "انتِ عاملة إيه يافاتن؟ على طاولة أخرى بعيدة عنهم بمسافة كافية جلست مع عصام على مضض بعد أن كانت مصممة على المغادرة من النادي. تقضم على أطراف أظافرها وتهز بأقدامها تحت الطاولة دون أن تشعر بنفسها: "براحة يافجر على نفسك.. هو إيه اللي حصل بس عشان تتعصبي كدة؟ قال عصام وكان ردها بتشنج: "لهوا انت مش واخد بالك؟ دا قومنا من جمبهم من غير ما يراعي شعوري ولا شعورك حتى.. هو إحنا عيال صغيرين عشان يقومنا؟

ولا هو ناسي إني مراته؟ ولا يمكن عايز يحل نفسه مني؟ تمتم عصام باندهاش: "يانهار أسود.. إيه كل التحليلات دي يافجر؟ ماحصلش حاجة لسة يابنتي.. ثم إن اللقاء ده كان لازم يتم مهما بعدت المدة أو قصرت." أشاحت بوجهها حتى كي تخفي هذا الألم عنه: "عندك حق.. اللقاء كان لازم وضروي يتم وحمد لله إننا لسة في أولها عشان يقرر براحته." ضيق عينيه يسألها بحيرة: "قصدك إيه مش فاهم؟ نهضت فجأة مغادرة:

"قصدي إني عايزة أمشي دلوقتي حالًا.. لو افتكر يسأل عليا بعد ما يخلص جلسته معاها.. قولوا روحت وهي متقبلة منك أي قرار." ماشيهم ليوقفها ولكنها لم تعطيه فرصة بذهابها السريع. عاد يجلس مرة أخرى وهو يفكر بفحوى كلماتها بوجوم. بعد عدة دقائق أتى إليه علاء: "خلصت جلستك مع فاتن؟ أومأ برأسه بابتسامة راضية قبل أن يسأله: "هي فجر راحت فين؟ أجابه عصام: "فجر بصراحة مشيت ومرديتش تستنى.. وبتقولك خد قرارك براحتك وهي متقبلة منك أي شئ."

"بقى هي قالتلك كدة؟ قال باستنكار وهو يهز رأسه بيأس قبل أن يتحرك مغادرًا: "أنا رايح أشوف المجنونة دي.. وانت بقى خليك مع فاتن معلش." ارتسمت راحة على ملامح وجهه حاول أخفاءها وهو يردد: "ماشي تمام.. روح انت شوف خطيبتك وأنا هاضطر أقعد مع فاتن! على أرض صلبة في مكان يبدو كمصنع مهجور كانت جالسة في إحدى أركانه، ضامة ركبتيها إلى صدرها تبكي وتنوح حظها السئ الذي لم يفارقها منذ مولدها.

حينما أتت إلى الدنيا من أم لم ترغب بها فلا تعير العيب أو الحرام أو الأصول أدنى اهتمام. ولطالما قاسيت هي بسببها في عيشها من أعين الرجال الطامعة بها لمجرد معرفتهم بأن والدتها هي محاسن. عملت في عدة مهن حتى لا يصبح مصيرها مثلها فتمنت من قلبها أن تتزوج من رجل في الحلال فينتشلها من هذه البيئة الموبؤة فتعيش كبقية النساء ولكن حتى هذه كانت غالية عليها. فكان نصيبها الزواج من رجل مدمن على المخدرات والذي سُجن بسببها.

وعادت هي لوالدتها مرة أخرى. رفعت رأسها تكفكف دموعها وتحمد الخالق أنه نجاها من القبض عليها أمس حينما عادت متأخرة من عيادة الطبيب. ولكنها عادت للتشرد وهي لا تجد مكان يأويها. تنهدت قانطة وهي تنظر للهاتف الذي أوشك شحن بطاريته على النفاذ وهو يصدح باتصاله. فتحت على المكالمة تجيب بيأس: "أيوه ياسعد عايز إيه تاني؟ مش ناوي تحل عن دماغي بقى؟ وصلها صوته: "مالك بس يا أمينة؟

دي جزاتي يعني إني عايز أطمن عليكي بعد ما عرفت باللي حصل لوالدتك ونيرمين لما كبست عليهم الحكومة لليلة امبارح." "لا بصراحة قلبك طيب قوي.. فيك الخير." "الله يسامحك يا أمينة.. أنا مش هارد عليكي.. بس اسمحيلي أسألك بحكم العشرة.. عاملة إيه؟ وبتبيتي فين دلوقتي بعد ما أخوات جوزك كمان استولوا على بيتك؟ رفعت رأسها للسماء قائلة بدموع حارقة: "حتى دي عرفتها؟

قطعت الجملة وازداد نشيج بكائها فاستغلها فرصة ليلقي عليها الكلمات المواسية. "خلاص يا أمينة.. أهدي يابت الناس.. انت بس لو تقوليلي على مكانك كنت أساعدك." "في المصنع القديم." انتفض منتبهًا على جملتها: "إيه؟ بتقولي فين يا أمينة؟ أردفت صارخة: "بقولك في المصنع القديم.. اللي في آخر الشارع عندكم.. واللي كنا بنشتغل فيه زمان أنا والبنات قبل ما يفلس.. شوفت الدنيا بقى؟ أهي لما داقَت عليا ملقتش غيره."

"معلش يا أمينة ماتزعليش .. هادبرلك أنا حتة تاني تنامي فيها." أغلقت المكالمة وهي تتمنى بداخلها أن يفي بوعده معها. فقد احتمت هي بجدران المصنع لمعرفتها الأكيدة بمداخله ومخارجه ولكن البرودة نخرت عظامها ليلة أمس ولا تريد تكرار مأساتها. ولكن مهلًا.. هذا سعد! أنسيت هي من هو سعد؟ انتفضت فجأة تتناول هاتفها بدون تفكير لتضغط على أحد أرقامه سريعًا. فأجابها الطرف الآخر: "الو... أبوه يا أمينة ازيك."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...