الفصل 5 | من 40 فصل

رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الخامس 5 - بقلم امل نصر

المشاهدات
23
كلمة
4,714
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 13%
حجم الخط: 18

صدحت أصوات الأغاني العالية بقوة تصم الآذان، وعُلقت عقود الإنارة ذات الأشكال والألوان المختلفة أعلى المبنى وجانبيه، لتنبئ الجميع بافتتاح محل المعلم علاء أدهم المصري للأدوات الصحية. يتلقى التهاني من أشخاص، بعضهم يعلمهم وآخرين لا يعلمهم. كان يرتدي حلة باللون الأزرق القاتم على جسده الرياضي الطويل، فزادته بهاءً وجمالًا. يوزع البسمات على الوجوه المباركة كما يوزع الزجاجات الغازية والمشروبات الأخرى.

ولكن تظل عيناه عالقتين بشرفتها التي هجرتها من أيام، عسى أن تطل برأسها عليه فتشاركه فرحته ولو بوجهها العابس الجامد. فيكفيه رؤيتها من بعيد، رغم اشتياقه المضني لرؤية عينيها التي علقت بذهنه وأصبحت تتخلل أحلامه منذ أن رآها بهذا القرب داخل منزله. لكم يتمنى رؤيتها الآن، لكم يشتاق. "معلم علاء." أجفل منتبهاً على صوت شقيقه الصغير وهو يقترب منه بضحكة صافية فاتحاً ذراعيه: "حبيب قلبي.. ألف مبروك." بادله علاء العناق بفرحة مشدداً

عليه بذراعيه: "الله يبارك يا غالي.. وحشتني يا ض." "وأنت أكتر والله." تابع وعيناه تدور يمينًا ويسارًا، داخل المحل وخارجه: "بس إيه يا عم الحلاوة دي يا عم؟ لحقت تعمل الحاجات دي كلها إمتى؟ "طبعًا ما أنت غايب عن زيارة والدتك بقالك أكتر من أسبوع.. هتعرف منين بقى؟ "يابني اضطريت أسافر الغردقة عشان مشكلة حصلت مع الوفد السياحي.. ما أنت عارف الشركة ومشاكلها." غمز بعينيه يقول بمشاكسة:

"أيوه ياباشا.. فكرتني بالسياح بقى والنسوان الحلوة." "طب وأنت تعرف عن أخوك كده برضوا يا ريس." "حبيبي أنت حسحس تربية أخوك بجد يا ض." لف عليه بذراعه يدفعه للأمام قائلاً: "تعالى بقى أفرجك على المحل من الداخل عشان تشوف أخوك وأفكاره الجامدة. ده أنت هاتنبهر." "مش ناوية بقى تقومي وتتفرجي؟ دي الدنيا هيلمان بره." رفعت عينيها عن شاشة التلفاز وهي جالسة على الأريكة الأثيرة، قائلة بسأم:

"مش قايمة ولا زفت.. يعني هاشوف الهنا.. أهي زيطة وخلاص." "زيطة وخلاص! اقتربت منها فدنت إليها برأسها تسألها: "فيه إيه يا بنتي؟ أنتِ مقفلة كده ليه؟ بقولك هيلمان ناس رايحة وجاية وأنوار ملعلطة في الميدان كله.. ده بابا قاعد هناك وسط الرجالة اللي بتهني وماما من العصر مع الست زهيرة بتساعدها وواقفة معاها في استقبال الستات اللي بتهنيها.. ولا إبراهيم ده كمان هو وأصحابه بيرقصوا مهرجانات ولا كأنهم في فرح بلدي."

زفرت حانقة قبل أن تعود ببصرها ناحية التلفاز مرة أخرى: "ربنا يفرح الكل يا ستي.. أنا مالي بقى؟ مطت شروق شفتيها وهي تتحرك للأبتعاد بخطواتها: "براحتك يا أختي.. على العموم أنا رايحة أتفرج من بلكونة أوضتك وبرضوا هارجع وأحكيلك.. عشان أغظك."

تنهدت بيأس من تلهف شقيقتها وأبويها لحضور الافتتاح العظيم ورؤيته، مع إصرار والدتها المستمر على رأسها بضرورة الذهاب للجارة أم المحروس لتهنئتها والعمل بالأصول. وكأنها تهتم.. فلتذهب الأصول إلى الجحيم. فهي أبدًا لن تعيد دخولها هذا البيت، كما حجبت نفسها عن النظر بالشرفة رغم صعوبة القرار عليها. ولكن يكفي ألا تلتقي بوجهه البغيض.

بين أجواء المرح ورقص الفتيان الصغار وانتقال بين الأفراد المهنئين، انشغل علاء قليلًا عما يدور بعقله ويحتل فكره. أما حسين فقد اتخذ موقعًا جيدًا بجانب المحل وهو ينظر في الأعلى لشروق التي احتلت شرفة شقيقتها وهي تتابع الحفل بابتسامة رائعة مثلها.

فجأة اعتدل بوقفته حينما وقعت عيناه على آخر شخص توقع حضوره في هذه المناسبة. بوجه قلق تابع أباه وهو يخرج من سيارته ويتقدم نحو أخيه، الذي سمرته المفاجأة هو الآخر فوقف جامدًا أمام أبيه الذي قطع السكون بينهم حينما جذبه من ذراعه يعانقه بحنان أبوي قلما يصدر من الحاج أدهم المصري. ومع ابنه المحبوب علاء الذي تدارك نفسه سريعًا فتبادل العناق مشددًا ذراعيه على أبيه بقوة واشتياق. "حسين باشا."

انتفض مجفلًا بلمسة لكف كبيرة على ذراعه. فتبسم مرحبًا بابن حارته وصديق أخيه الصدوق. صافحه بحرارة قائلًا: "أهلًا.. أزيك يا سعد.. ليك وحشة والله." "يا راجل.. هو أنا لو واحشك فعلًا ماتجيش بقى تعدي عليا ولو مرة واحدة حتى وتسأل." "مشاغل يا عمنا ما أنت عارف الشركة بقى والظروف اللي مرينا بيها في الأيام اللي فاتت." أومأ برأسه موافقًا: "عارف يا حسين عارف.. بس أهي الظروف ابتدت تتحسن زي ما أنا شايف أهو."

لوح برأسه ناحية أدهم وهو يتحدث بحميمية مع ولده علاء. فتبسم حسين وقال: "بصراحة أنا نفسي ما كنتش متوقع مجيئه هنا بنفسه عشان يبارك لعلاء.. بس ده الحاج أدهم المصري.. يعني ماحدش نهائي هايفهم دماغه." أومأ سعد برأسه مرة ثانية قبل أن يتحرك مستأذنًا: "طب عن إذنك بقى أروح أسلم أنا على الاتنين."

بعد أن تركه سعد وذهب بعيدًا عنه، رفع رأسه ناحية الشرفة مرة أخرى ليعود ببصره إليها، ولكن أصابته خيبة أمل حينما لم يجدها. ليفاجأ بصرخة من جهة قريبة لامرأة غريبة وهرولة من الرجال بصخب ناحيتها مع توقف مجموعة من السيارات وأصواتٍ تصيح باصطدام سيارة لطفل. وقبل أن يدرك ما حدث جيدًا تفاجأ بصرخة صادرة منها وهي خارجة من البناية التي تقطنها: "إبراهييييم."

بداخل غرفتها كانت مستلقية على فراشها تتحدث مع صديقتها المتذمرة والغاضبة في الهاتف. قالت أخيرًا بعد أن استمعت جيدًا لكلماتها الساخطة: "طيب ممكن بقى أفهم أنتِ إيه اللي مزعلك بالظبط؟ زن والدتك بالموافقة على عريس الهنا ولا زنها إنك تباركي لوالدة علاء بنفسك؟ جاءها الصوت الشاكي من الناحية الأخرى:

"الاتنين يا سحر.. عايزاني أوافق بالعريس وعايزاني أروح للست دي غصب عني.. قال إيه.. قال عشان الست زهيرة بتسأل عليها كل ما تشوفها وهاتموت وتشوفني." "طيب ما يمكن صح يابنتي.. الست حبتك ونفسها تشوفك.. تاخديها ليه بذنب ابنها؟ بلهجة محذرة قالت: "إنهي الكلام في الموضوع ده يا سحر.. أنا مش ناقصاكي."

"ماشي يا ستي ننهي الموضوع خالص كمان.. طب والعريس ابن صاحب والدك بقى.. ماتفكري في الراجل مدام مهندس ومحترم زي ما فهمت منك.. حتى عشان ترضي والدتك.. دي نفسها تفرح بيكي." وصلها الصوت المتهكم: "شوفوا مين اللي بيتكلم؟ طيب يا ستي سحر ماتفكري أنتِ كمان بدل ما أنتِ تاعبة والدتك طنط رجاء وفرحي الست بيكي بقى." "يابنتي افهمي.. أنا حاولت كتير لكن مافيش حاجة بتم.. مش عارفة بقى دا عيب فيا ولا غباء من الآخرين."

صدر صوت ضحكة صغيرة من فجر، فأكملت سحر بضحك هي الأخرى: "ههه اسكتي صح يا بنتي.. مش أنا امبارح كلمت مرات خالي عشان أبارك لها على أمل إني أخلص من زن والدتي.. يالهوي على اللي حصل.. خلتني أكلم العروسة بنتها كمان.. تصوري يا فجر البت صوتها عيالي ومسرسع زي المعزة بعيد عنك وعن السامعين.. بس إيه بقى حظوظ." "أيوه يا أختي حظو... انقطع صوت الهاتف فجأة، فقالت سحر بقلق: "سكتي ليه يا فجر؟ فيه حاجة عندك؟

لم تسمع ردًا منها، فقط سمعت صرخة قوية تصدر من مسافة ليست بعيدة: "أخويا أنا إبراهيم عمل حادثة؟

بصرخات ملتاعة خطت سميرة ومعها ابنتها فجر المتماسكة زورًا أمام والدتها بداخل رواق المستشفى يبحثن عن حجرة العمليات المختصة بقسم الحوادث كما دلتها الفتاة الممرضة. صرختها زادت عندما رأت زوجها الجالس على إحدى المقاعد يسبح بسبحته وبجواره أدهم المصري يربت على أرجله يعطيه الدعم. ومن الناحية الأخرى كان الأبناء علاء وحسين على رجليهم واقفين بجوار الحجرة ومعهم آخرون لا تعلمهم. وعلى جانب آخر.. وحدها كانت شروق جالسة على

إحدى المقاعد ترتجف باكية: "ابني جراله إيه يا شاكر؟ أخوكي جراله إيه يا شروق؟ حد يطمني على ابني يا ناس؟ نهض شاكر مجفلًا ليطمئن زوجته على ابنها، وقد سبقته شروق ترمي بأحضانها: "أنا خرجت أنده على إبراهيم زي ما قولتي يا ماما.. بس لقيته مرمي في الأرض وشه مغرق الدم والناس حواليه.. أنا خايفة عليه أوي يا ماما." زجرها من خلفها والدها بحدة: "بس يا بنت أخوكي كويس.. ما تفوليش عليه بكلامك ده؟ هتفت سميرة بتشكك:

"ولما هو كويس.. قاعد جوه في أوضة العمليات بيعمل إيه يا شاكر؟ ابني ماله يا شاكر؟ جاء صوته بالقرب منهم: "اطمني يا خالتي سميرة.. حالة إبراهيم مش بالصعوبة دي اللي في دماغك.. أنا شوفته بنفسي.. أكيد خير إن شاء الله." رفعت فجر عينيها عليه وهو يتحدث فتفاجأت بنظرة منه ناحيتها لم تفهمها، إن كانت شفقة أو حنان أو شيء آخر. صاحت عليهم سميرة وابنتها مازالت متشبثة بأحضانها:

"بس أنا لا يمكن هاسامحكم لو جرى لابني حاجة عشان سيبتوني ومشيتوا.. هو أنا مش والدته عشان أطمن عليه بنفسي." زفر شاكر بنفاذ صبر: "ده وقت كلام دلوقتي يا سميرة.. مش كتر خيره علاء شال الولد وحطه في عربيته وجرى بيه هو وصاحبه عشان يلحقوه.. على ما وصلنا إحنا في عربية والده واخوه حسين.. يعني كنتي عايزانا نسيب الولد سايح في دمه على ما نندهلك ونجيبك معانا." تركت جميع ما تفوه به وأتت على جملة واحدة تسأل بجزع:

"يعني الولد كان سايح في دمه يا شاكر؟ "يووووه.. ده أنت مافيش فايدة في الكلام وياكي.. أنا ما عنديش دماغ ليكي." قالها وهو يلوح بكفه قبل أن ينتقل للجلوس مرة أخرى بجوار الحاج أدهم. اقترب علاء من الثلاثة قائلًا بلطف يتناول كف المرأة يجذبها: "تعالي يا خالتي سميرة اقعدي هنا على الكرسي وريحي نفسك بدل ما تتعبي على الفاضي.. تعالي معاها يا فجر أنتِ وشروق."

أذعنت فجر لكلماته مضطرة وهي تدفع والدتها برفق للجلوس على مقاعد المشفى. جلست هي بجوارها مع شروق المتشبثة بوالدتها وكأنها طفلة صغيرة. رغم امتعاضها منه ومن توجيهه الكلمات لها.. ولكن ظل اسمها يتردد في ذهنها بصوته بشكل غريب. فهذه أول مرة يناديها باسمها دون "آبلة"!!! وهكذا قُضي الوقت المتبقي في الانتظار. شاكر والحاج أدهم المصري جالسان في جهة، وسميرة وبناتها جالسات في جهة أخرى. تحت أنظار

الشباب الثلاثة الواقفين: حسين الناظر لحبيبته يبثها الأمان من عينيه، وعلاء الذي لم يكن يتوقع ولو في أحلامه أن يراها الليلة بهذا القرب منه ويرى عينيها الجميلتين والمتلألأتين بحزن بعد أن تمنى من قلبه رؤيتهما.. برغم أن المناسبة غير سارة على الإطلاق. وسعد.. الذي كان يتنقل بنظراته بين شروق الصغيرة الجميلة الشبيهة بشكل كبير من فاتن التي كانت فعلاً فاتنة بحق ولكن غبية كما يذكر. وفجر التي كااانت قديمًا صغيرة بجسدٍ هش وضعيف وقد أصبحت الآن مثال المرأة المكتملة الأوصاف. لقد عرفها رغم تغيرها ومرور عدة سنوات على رؤيتها آخر مرة، ولكنه عرفها!!!

بعد مرور الوقت، كان إبراهيم الصغير ممددًا على تخت المشفى، محاطًا بالأربطة الطبية التي التفت على رأسه وقدمه اليسرى. والدته ووالديه خارج الغرفة مع الجميع بأمر الطبيب بعد أن اطمأنوا عليه قليلًا. سميرة كانت تفرك بكفيها قائلة بتوتر: "يا حبيبي يا ابني.. الولد وشه أصفر زي اللمونة يا شاكر." حرك شاكر رأسه بيأس من زوجته قائلًا بتعب: "تاني يا سميرة.. يعني مش تحمدي ربنا إنها جات على قد كده وربنا نجاه بدل الزن بتاعك ده." قال

من خلفه أدهم بصوته الرزين: "سيبها يا أستاذ شاكر.. هي بردوا أم وقلبها محروق من الخوف على ابنها." سميرة بعتب وهي ناظرة إلى زوجها: "قولوا يا أبو علاء خليه يبطل جمودية القلب دي عليا." رد زوجها بنظرة حانقة موجهة إليها أثارت ابتسامة أدهم النادرة لدرجة تعجب لها ولديه، وازدادت دهشتهم وهم يتابعون حديثه المنبسط مع الجار الجديد وزوجته: "الله يا جماعة.. هو انتوا بتبصوا لبعض كده ليه؟ أنا مش عايزة أكون السبب في خناقة ما بينكم."

تبسم الاثنان ببعض المرح استجابة لدعابته. فقال شاكر بامتنان: "تعبناكم معانا يا أبو علاء وقطعنا عليكم فرحة المحل الجديد." قال علاء والذي كان واقفًا بالقرب منهم مع أخيه حسين: "ما تقولش كده يا عم شاكر دا واجب علينا.. دي سلامة إبراهيم بالدنيا كلها." أومأ شاكر برأسه فارتسم الفخر جليًا على وجه أدهم كما ارتسمت سعادة غير مرئية على وجه سميرة التي انتقلت عيناها تلقائيًا ناحية ابنتها الجالسة على إحدى المقاعد:

"هي شروق أختك راحت فين يا فجر؟ تمتمت بصوت خفيض: "نزلت تجيب مية معدنية وشوية عصاير من كانتين المستشفى." أجفلها حسين بقوله منزعجًا: "كده نزلت لوحدها من غير ما تقول.. مش يمكن ماتعرفش مكان الكانتين ولا الكافتيريا حتى؟ هزت رأسها ولم تعلم بما تجيبه فتفاجأت بالحاج أدهم وهو يأمر ولده: "روح يا حسين وراها واطمن عليها دي المستشفى كبيرة وممكن تتوه فيها."

ذهب حسين سريعًا. أما علاء فقد قطب حاجبيه دهشة من سلسلة المواقف الغريبة لوالده هذه الليلة، قبل أن يتحرك آليًا ويجلس بجوارها على أحدى مقاعد المشفى متمتمًا بخبث: "آآآه.. ده أنا رجلي تعبتني أوي من الوقفة الليلة دي."

تشنجت هي بجلستها وقد شعرت بجسده الضخم قد احتل المسافة الفاصلة بينها وبينه، وقدميه الكبيرتان تكاد تلتصق بأقدامها الصغيرة. رائحته القوية سيطرت على حواسها فطغت على رائحة المشفى. تململت بعدم راحة تريد القفز من جواره، ولكنها تذكرت ابتسامته السخيفة لها. لابد أنها ستصبح ضحكة كبيرة الآن حينما يراها تهرب من جواره. زفرت داخلها استسلامًا وهي تهمس بصوت مكتوم وصل لمسامعه فابتسم بانتشاء: "استغفر الله العظيم يارب."

أمام بائع الكانتين وقفت بمشترياتها خلف رجل وامرأة سبقوها لدفع الحساب وهي تتابع جدال المرأة مع البائع في ثمن الأشياء بانتباه، حتى أُجفلت على صوتٍ غريب: "عاملة إيه دلوقتي يا آنسة شروق؟ شهقت منتفضة وهي ترى هذا الغريب يحادثها بهذا القرب لأول وهلة، قبل أن تستعيد ذاكرتها وتعلمه: "هو انت حضرتك تعرفني؟ قال بابتسامة: "طبعًا أعرفك.. هو أنت نسيتي ولا إيه؟ أنا صاحب علاء... "عارفة عارفة إنك صاحب جارنا علاء." قالتها بمقاطعة

وصوتها خارج بتوتر وتابعت: "وعارفة كمان إنك شيلت أخويا معاك وجبته على المستشفى قبل ما نوصل أنا ووالدي.. بس يعني إنت تعرفني منين عشان تندهني على طول كده باسمي؟ شعرت بتأنيب الضمير وهي ترى تأثير كلماتها الحادة على وجهه وشفتيه التي كانت تتحرك بارتباك. فعادت قائلة بلطف: "أنا آسفة يا أستاذ.. بس معلش بقى متآخذنيش أنا لسه متأثرة بحادثة أخويا ومش قادرة أميز أي كلمة خارجة مني." أومأ برأسه:

"عندك حق يا آنسة.. ويمكن أكون خضيتك بس أنا بجد قلقت عليكي." "قلقت عليا؟! "يا آنسة." أجفلت على صوت الفتى البائع لتجد أن الدور قد أتى عليها في دفع الحساب بعد انصراف من كانوا قبلها. قالت وهي تتحرك سريعًا: "طب عن إذنك بقى."

لم تنتظر إجابة فقد وجدتها فرصة للهرب من هذا الغريب ونظراته المسلطة عليها. فلا تعلم لما شعرت بعدم الراحة نحوه. حينما أنهت حسابها مع البائع خرجت فورًا تتجاهل النظر نحوه وهي تسرع بخطواتها للخروج من الكانتين. تنفست بارتياح وهي ترى حسين ينزل الدرج اللولبي للمشفى لتجده سريعًا قد أتى أمامها. فتوجه إليها قائلًا بانزعاج: "أنتِ إزاي تنزلي هنا لوحدك مش خايفة لتوهي في المستشفى الواسعة دي؟ قالت مبتسمة وقد أسعدها

ما رأته في عينيه نحوها: "أصل كنت عطشانة فسألت الممرضة ودلتني.. بس أنت نازل على السلم ليه مادام في أسانسير؟ قال بحزم محبب: "عطشانة تبقى تقولي واحنا الرجالة نتصرف بدل ما تخلينا.. تخلينا نقلق عليكي.. ده أنا ما قدرتش أستنى الأسانسير ونزلت جري أشوفك." تهللت أساريرها فرحًا من جملة قيلت لها مرتين هذه الليلة، ولكن من حسين وقعها على سمعها كان وكأنها أجمل كلمات العشق.

"إنتِ هاتفضلي متنحة كده وساكتة مش يالا بقى خلينا نلحق الجماعة فوق وادي الأسانسير اتفتح أهو." أوقفته بيدها قائلة: "لأ أنا عايزة اطلع على السلم مش بالأسانسير." حرك رأسه موافقًا بابتسامة رائعة يقول: "ماشي يا شروق.. مع إن النزول كان عليه فرهدة بس موافق برضوا.. هاتي اللي في إيدك دا بقى."

قال الأخير وهو يتناول منها المشتريات قبل أن يصعد معًا الدرج اللولبي بناءً على رغبته وكم أسعده طلبها هذا. غافلين عن زوج من الأعين ترصدهم وتابعتهم حتى اختفوا. بعد انتهاء الليلة العصيبة والاطمئنان على الطفل المصاب، كان لابد من العودة ليلاً إلى المنزل بعد إصرار مسؤلي المستشفى الخاصة بذهاب الجميع حتى أهل المريض. تطوع حسين بأن يقل أسرة الأستاذ شاكر وزوجته وابنتيه. أما الحاج أدهم فقد عاد مع ابنه علاء وصديقه سعد.

بداخل السيارة خاطب علاء أباه قائلًا: "متشكرين أوي يا حج على اللي عملته معانا النهاردة." "بتشكرني على إيه بالظبط؟ "يعني يا والدي على كل حاجة الصراحة.. من أول مجيتك الافتتاح الليلة لوقفتك مع الجيران.. ده دي لوحدها كبيرة قوي عندي.. خصوصًا إنهم ناس غريبة عنك ومتعرفهاش." قال أدهم بحزم: "مدام جيرانك يبقوا مش أغراب ولا حاجة.. ثانيًا بقى أنا سألت كويس عن الناس دي وعرفت إنهم ناس محترمين قوي."

نقل عينيه عن الطريق لينظر فجأة لأبيه قائلًا بجدية: "هو انت فعلًا سألت عنهم؟ قال بثقة: "طبعًا سألت عنهم؟ أمال يعني أسيب ناس تدخل لوالدتك وأنا مش عارف أصلهم إيه ولا فصلهم؟ عاد للطريق وهو يمُط شفتيه قائلًا: "والدتي!! قلتلي بقا." عند هذه النقطة غير دفة الحديث فجأة وهو يسأل صديقه الغارق في أفكاره وهو ناظر لخارج الطريق من النافذة: "سرحان في إيه يا سعد أنت كمان؟ أجفل من شروده قائلًا: "هااا.. إنت بتكلمني يا علاء؟

قال الحاج أدهم ساخرًا: "هه ياسعد دا أنت مش معانا خالص.. إيه اللي واخد يا ابن مدبولي؟ بشبه ابتسامة أومأ برأسه ولم يجيب وهو يعود لأفكاره مرة أخرى. عندما توقفت السيارة أمام المنزل الذي احتل بمساحته قطعة كبيرة من الحارة، وجدها في شرفتها تنظر إليهم بترقب قبل أن تتركها وتنزل سريعًا إليهم. ترجل أدهم من السيارة وهو يدعو ابنه للدخول: "مش هاتنزل تشرب الشاي حتى؟ قال بجمود: "معلش يا والدي خليها مرة تانية.. الدنيا ليلت."

"وافرض حتى الدنيا ليلت مش بيتك ده وبيت أبوك؟ تعالى ادخل أنت وصاحبك." خرج صوت سعد من الكرسي الخلفي: "خليها مرة تانية يا عم أدهم وأنا هاجيبه بنفسي ونقعد معاك." قبل أن يرد أدهم جاء صوتها المتلهف: "حمد الله على السلامة يا حج." سك علاء على فكه غيظًا من وقفتها على باب المنزل بزيّها المتكلف وعبائتها البيتية الخفيفة غير مقدرة لمكانة أبيه الرجل الوقور. فقال بغيظ:

"عن إذنك يا ولدي دوبك أوصل سعد على بيته ده زمانه والدته قلقانة عليه." "ماشي يا علاء.. تصبح على خير." قالها أدهم وهو يصفق باب السيارة بعنف، ليذهب إلى زوجته التي استقبلته بقلق مبالغ فيه: "كده برضوا يا أدهم تسيبني كده على أعصابي وأنا هاموت من القلق عليك.. هو إيه اللي أخرك الوقت ده كله؟ أغلق باب المنزل خلفه قائلًا بسأم: "بعدين يا نيرمين.. ها أقولك بعدين.. بس سيبني بس أريح شوية الأول."

مصمصت بشفتيها حانقة وهي ناظرة في أثره بعد أن تركها وسط البهو الكبير. وبداخل السيارة تكلم سعد أخيرًا بانتباه إلى صديقه: "أحسن حاجة عملتها يا علاء.. عشان أنا عايزك في موضوع ضروري." "موضوع إيه اللي ضروري يا سعد؟ إحنا دخلنا في نص الليل وأنا على آخري." قال برجاء: "معلش والنبي يا علاء اتحامل على نفسك نص ساعة بس واسمعني." تأثر علاء برجاء صديقه فقال: "ماشي يا سعد.. تحب نقعد فين بقى؟ أجاب سريعًا بلهفة:

"عند القهوة اللي ورانا بيتنا.. دي بتبقى فاتحة للصبح." بعد نصف ساعة وبعد أن سرد سعد ما يطلبه وانتظر رد صديقه الذي بهت وجهه لبعض الوقت قبل أن يقول أخيرًا: "انت متأكد من طلبك ده يا سعد؟ "وأنا يعني لو مش متأكد هاطلب منك يا علاء؟ كان يحاول جاهدًا انتقاء كلماته: "يا سعد افهمني.. البنت صغيرة أوي عليك.. ده غير كمان ظروف أخوها." قال سريعًا:

"إن كان على ظروف أخوها فالولد أكيد بكرة يتحسن.. وإن كان على سنها فدي مش مشكلة لو أنت اتدخلت بشطارتك معاهم.. أنا عرفت إنهم بيعزوك من معاملتهم ليك.. وحسب ما عرفت إنهم عيلة على قدها ومتوسطة الحال.. وأنا زي ما أنت عارف ظروفي مشيت كويس دلوقتي وبقيت أكسب كويس من ورشتي." "حبيبي أنا عارف كلامك ده بس.. أنا بس مش عارف أفاتحهم إزاي والله؟ قال برجاء مع إصرار شديد ارتسم على وجهه:

"بقولك إيه يا علاء.. أنا قصدتك وأنت صاحبي.. ارجوك بقى اقف معايا في الموضوع ده.. أنا من ساعة ما شفت البنت وأنا قلبي اتعلق بيها.. وبجد بقى لو أنت صاحبي بجد وحقيقي توقف معايا في موضوع جوازي من شروق؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...