الفصل 3 | من 40 فصل

رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الثالث 3 - بقلم امل نصر

المشاهدات
23
كلمة
5,231
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 8%
حجم الخط: 18

خارج كده ورايح فين ياحسين؟ التف بجسده على صاحبة الصوت مجفلًا، وعيناه اشتعلتا غضبًا من جرأتها في سؤاله، فقال بنزق: وانتي مالك انتي عشان تسأليني؟ خطت امامه وسط الصالة بمئزرها الحريري، والذي أظهر سيقانها أسفل المنامة التي غطتها بالمئزر، فقالت بنعومة مستفزة: يعني الحق عليا اني بسأل عشان اطمن ومقلقش عليك لو اتأخرت.. دا السيد الوالد موصيني اوي اني آخد بالي منك واراعي راحتك.

كبح جماح نفسه بصعوبة عن الرد عليها بما يليق بها، وهو الذي اشتهر دائمًا بحلمه وطيبته السمحة، لكن مع هذه المرأة المتبجحة والتي أخذت مكان والدته.. سيطير كل ما تعلمه ونشأ عليه هباءًا. قال مابين أسنانه: وانتي واخدة بالنصيحة قوي.. عشان كده خرجتي من أوضتك بسرعة توقفيني قبل ما اخرج من باب البيت وتسأليني.. طب راعي الأصول الأول والبسي حاجة عدلة بدل ما انتي واقفة كده قدامي بالروب والقميص. قالت بخجل مصطنع وهي تلملم أطراف المئزر:

يووه عليا دا أنا مخدتش بالي.. بس انت مش غريب ياحسين.. انت ابن جوزي.. ربنا يحفظه ويخليه. حاول السيطرة على حركة فكه وصدره يصعد وبهبط مع تنفسه بخشونة، وقال: بقولك ايه يا اسمك ايه انتي.. أنا مش قابل سؤالك ولا قابل حتى كلام معاكي.. وتاني مرة اياكي أشوفك لابسة كده بالمنظر ده قدامي.. سمعاني.. عن إذنك بقى.

استدار عنها يخرج بسرعة، صافقًا باب المنزل بقوة لدرجة اهتزت بها الجدران. تخصرت تنظر في أثره ضاحكة وهي تتمايل بخطواتها، حتى توقفت أمام مرآة معلقة في الحائط.. تنظر إلى صورتها الجميلة بتفاخر وهي تتلاعب بشعرها العسلي بفعل الأصباغ وملامح وجهها التي زادتها المساحيق جمالاً فوق جمالها.. يليق بها الثراء وهي تستحق بعد حياة مليئة بالعوز والشقاء والإهانة والاستغلال.. ولكن يبقى شيء واحد فقط ينقصها.. ينقصها هو.. هو فقط!!

.................................

حينما دلف إلى منزله، والذي بالصدفة وجد بابه مفتوحًا، كان محبطًا لسبب غير مفهوم له.. فمنذ أن رآها أمس بشرفتها وهي أخذت حيزًا غير هين من تفكيره طوال الليل في جمالها الخاطف.. وهي واقفة بشرفتها وشعرها يتطاير حولها.. مشهد يغري أعظم الرسامين لتسجيله، وياليته كان شاعرًا حتى ليصفه بالكلمات.. فيأتي الصباح لتصدمه بمعاملتها المتعجرفة والمتكبرة.. فأطاحت بالباقي من عقله طوال اليوم.. حتى أنه تمنى بشدة رؤيتها الآن بشرفتها وهو عائد للبناية أو حتى صدفة كالتي حدثت صباحًا.. فتأتي المفاجأة.. ليراها الآن بغرفة نومه!!

لم تصدق عيناه رؤيتها في البداية وهي جالسة على ركبتيها تتناول علبة دواء أسفل المقعد بمشهدٍ أغراه لحبس أنفاسه، حتى وقفت والتفتت إليه لتشهق مخضوضة. إيه شوفتي عفريت قدامك؟ قالها وعيناه تلاحق ملامح وجهها المذعورة من رؤيته بتسلية شديدة.. ظلت لبعض اللحظات فاغرة فاهها بصدمة وهي تحدق بعينيها عليه متلاحقة الأنفاس.. ثم ما لبثت أن تستعيد رشدها لتهتف عليه بقوة: إيه يا جدع انت؟ داخل زريبة.. مش تتنحنح الأول ولا تعمل أي حركة؟

قال ببساطة: واتنحنح وأعمل صوت أو حركة ليه؟ أنا داخل بيتنا اللي بالمناسبة لقيت بابه مفتوح. صاحت بعنف وقد فقدت السيطرة على أعصابها: آه.. ودا يخليك بقى تقف تبص على جارتك من غير خشا ولا حيا. ضيق عينيه بتفكير قائلًا: انت بتتكلمي عن إيه بالظبط؟

عن وقفتي في البلكونة امبارح لما شوفتك وتنحت ثواني أبصلك من غير قصد.. ولا دخولي دلوقتي أوضتي وأنا شايف بنت جميلة وزي القمر فيها.. وبرضوا اتسمرت من المفاجأة وما قدرتش أتكلم ولا طلع أي صوت.. بس يكون في علمك أنا في المرتين ملحقتش برضوا أبصلك كويس عشان تبقي عارفة. توسعت عيناها بذهول من جرأته وإجاباته غير المتوقعة، فقالت بعدم استيعاب: انت بتقول إيه؟ صمت قليلًا محدقًا بعينيها التي أثارت نظرتها رعشة بداخله،

فقال بابتسامة ساحرة: بصراحة مش عارف. فجأة انتابها شعور بالصدمة والإرهاق دون سبب واضح لها.. فهذا الرجل الخطير حتى في ابتسامته البسيطة.. هو قادر على زلزلة كيان أعظم النساء وأقواهم.. فما بال فاتن! قالت بتعب لإنهاء الجدال معه: طيب حضرتك ممكن توسعلي عشان أنا عايزة أروح بعلبة الدوا دي للست التعبانة جوا.. ممكن؟ أمي أنا تعبانة. قالها بجزع قبل يختفي من أمامها سريعًا بالذهاب إلى والدته كي يراها ويطمئن عليها. همست

فجر غير مصدقة ما يحدث: يانهار أسود.. دا إيه هو ده؟ يا عيني عليكي يا فاتن. .................................... وقفت بعلبة الدواء متسمرة وهي تراه جالسًا على طرف الفراش بجوار والدته يهتف عليها بخوف وكأنه طفلٌ صغير: إيه يا أمي مالك؟ أنا سايبك كويسة إيه اللي جرالك بس بعد ما مشيت؟ قالت زهيرة بصوت ضعيف ممررة كفها بحنان على وجهه:

يا حبيبي ماتقلقش عليا.. أنا بس نسيت آخد حباية الضغط النهاردة.. دلوقتي آخدها وأقوم وأبقى زي الفل. نهض سريعًا عن الفراش من جوارها قائلًا: لا يا أمي الكلام ده ماينفعش.. أنا هانزل حالًا أجيبلك دكتور يشوفك ويطمني عليكي. أوقفـته فجر ممتعضة حينما هتفت عليه والدته ترجوه الانتظار: أمي نزلت تجيب الدكتور.. فياريت يعني تستنى دقايق.. هي أكيد على وصول. قالت زهيرة برجاء:

والنبى ماله لازمة الدكتور.. أنا بس أشرب حباية الضغط ودلوقتي أبقى زي الفل.. هو انتي لقيتي علبة البرشام يابنتي؟ قالت الأخيرة مخاطبة فجر التي همت لترد ولكن أوقفها صوت والدتها الذي أتى قريبًا من داخل المنزل وقد جاءت ومعه الطبيب. .......................... ترجلت شروق من سيارة الأجرة أمام البناية التي تقطن فيها وهي تسرع بخطواتها، وفور أن اعتلت الدرج سمعت خلفها من يهتف عليها: يا آنسة.. ثواني حضرتك قبل ما تطلعي السلم.

استدارت على ناحية الصوت، فجحظت عيناها من المفاجأة وهي ترى هذا الوسيم الذي رأته بالأمس أمام سيارته في الحارة الضيقة وأعجبت به بشدة.. يتقدم نحوها الآن بخفة وأناقة غير عادية وكأنه خارج من إحدى مجلات الموضة الرجالي.. قال بابتسامة رائعة وهو يخلع نظارته السوداء التي كانت حاجبة عينيه الخضروان: السلام عليكم. وكأنها فقدت النطق.. ظلت تنظر إليه صامتة دون حراك. ازداد اتساع ابتسامته قائلًا بمكر:

إيه يا آنسة أنا بكلمك.. هو انتي مابتروديش ليه؟ بكف يدها كتمت ضحكتها الخجلة على وجهها الساخن وقد تحولت وجنتيها لقطعة حمراء ملتهبة.. فقالت بصعوبة: يانهار أبيض عالإحراج.. دا أنا كنت فاكراك أجنبي. قال بمرح: عشان كده كنتي بتعاكسي براحتك بقى.. على أساس إني مش هافهمك. أومأت برأسها وهي مازالت تكتم ضحكاتها وعيناها منخفضة أرضًا.. أعطته الفرصة ليتأملها جيدًا قبل أن تقول أخيرًا: لكن انت إيه اللي جابك هنا عند بيتنا؟

أو إياك تقول إنك جاي تشتكيني لبابا عشان عكستك؟ استجاب لمزاحها ضاحكًا وهو يحرك رأسه بالنفي قائلًا: لااا مش لدرجادي يعني.. هو أنا أطول واحدة حلوة تعاكسني. هزت رأسها ابتهاجًا بإطرائه وهي صامتة.. فتابع هو: في الحقيقة بقى أنا جاي لوالدتي وأخويا.. هما ساكنين هنا جديد.. تعرفي المعلم علاء ووالدته الحجة زهيرة؟ أجابت بحماس: معرفهمش إزاي بس؟ دول جيرانا والباب قصاد الباب. تبسم بارتياح يقول:

كويييس أوي ده.. ممكن بقى أطلع معاكي تعرفيني الشقة؟ ......................... خرج علاء مع الطبيب الذي قام بفحص والدته ليستفسر عن حالتها ويتلقى منه النصائح والإرشادات لعلاجها ومراعاتها.. فظلت معها سميرة التي دثرتها جيدًا وهي تتحدث معها بعفويتها: الف سلامة عليكي يا أم علاء.. ربنا مايرقدلك جتة تاني أبدًا. قالت زهيرة بامتنان: تسلميلي ياختي.. أنا مش عارفة بصراحة هاقدر أرد جميلك دا إزاي؟

انتي والمحروسة بنتك.. ربنا يحفظهالك يا رب. تبسمت سميرة بمودة قائلة: في إيه بس يا أم علاء؟ لو ماكنش الجيران يلحقوا بعض في وقت زي ده.. يبقى إيه لزمتهم بقى؟ دا المثل بيقول.. الجار قبل الدار.. بس انتي لازم تراعي لنفسك وبلاش الزعل ياختي.. اديكي شوفتي بنفسك الزعل بيعمل إيه.. ودا كلام الدكتور مش كلامي. تنهدت زهيرة قائلة بحزن: ودي نعملها إزاي بس؟ دا الزعل ورانا ورانا مهما حاولنا نهرب منه.

لا يا أم علاء.. أنا عارفة ومتأكدة إن الراجل اللي خرج من عندك هو السبب في زعلك.. هو دا يبقى جوزك ياختي؟ أصل بصراحة الشبه بينه وبين سي المحروس علاء ابنك كبير أوي يعني. قالت زهيرة بقلق وصوت خفيض: وطي صوتك والنبي ياختي.. أنا مش عايزة علاء يسمع. لا ما أنا سمعت خلاص ياماما وفهمت لوحدي السبب اللي خلاك تتعبي كده فجأة. أجفلت المرأتان على صيحته الغاضبة وهو يدلف إليهم بداخل الغرفة، وتابع بسؤال والدته:

هو قالك إيه بالظبط ياماما وخلاك تزعلي بالشكل ده؟ أجابت نافية: مقالش حاجة يابني تستاهل.. بلاش تعصب نفسك على الفاضي. لا قال. قالها بحدة عاصفة.. جعلت الدماء تهرب من وجه سميرة التي نهضت عن الفراش قائلة بارتباك: يادي النيلة السودة.. هو إيه اللي حاصل بالظبط؟ دا أنا شكلي عكيت الدنيا وأنا مش دارية؟ حدقت زهيرة إلى ابنها معاتبة وهي تومئ برأسها ناحية سميرة: عجبك كده؟ زفر علاء مطولًا وهو يمسح بكفه على صفحة وجهه.. فقال بلطف:

معلش ياخالتي سميرة.. أنا آسف لو كنت أحرجتك.. سامحيني. يووه يابني.. أسامحك على إيه بس؟ دا أنت زي ولادي.. أنا بس مش عايزة أبقى سبب في مشكلة بينك وبين الراجل ده اللي الظاهر كده يبقى والدك. أومأ برأسه واضعًا يديه الاثنتان على خصره ضاحكًا بسخرية مريرة قائلًا: مشاكل إيه اللي هاتبقى انتي السبب فيها بس يا خالتي؟ .. هو احنا كنا سايبين بيتنا وحالنا ومالنا وجايين هنا ليه طيب؟ فسحة يعني؟ دا انت شكلك طيبة أوي يا خالتي.

الله يحفظك يابني دا من زوقك. حاول علاء التماسك وكبت غضبه أمام السيدة سميرة طوال لحظاتها المتبقية معهم والتي لم تطل كثيرًا.. حينما همت للخروج.. وقام بإيصالها حتى الباب.. تفاجأ بأخيه حسين أمامه كما تفاجأت سميرة بوقوف ابنتها شروق معه!! ......................... ممسكًا بكف والدته يمطرها بالقبلات وهو يرجوها بندم: أنا آسف يا أمي سامحيني. بكف يدها وهي على شعر رأسه كانت تضمه إليها تبادله القبلات على وجنته:

مسمحاك يا حبيبي وقلبي راضي عنك دنيا وآخره. ضمها أكثر يتنعم بحنانها وهو يردف بحرارة: آه يا أمي.. وحشني حضنك أوي. ما كفاية بقى أحضان ياعم أنت واتعدل عشان أتكلم معاك. أجفل حسين من لهجته المتهكمة: الله يا علاء.. مش والدتي ووحشاني مضايقك في إيه أنا بقى؟ هتف عليه بمشاكسة: وافرض واحشاك.. هاتفضل بقى كده لازق في حضنها.. ماتنشف ياض. تبسمت زهيرة بمرح تخاطب حسين: أخوك بينكشك يا حبيبي.. دا باينه غيران!

بنظرة ذات مغزى حدق حسين نحو شقيقه مع ابتسامة ماكرة.. أثارت حنق علاء: فرحان أوي بكلامها أنت عشان جاي على هواك. أومأ برأسه موافقًا بابتسامة متشفية: أوي. ضحكت زهيرة بسعادة.. أطربت قلب علاء ولكنه تحول للجدية في سؤال شقيقه: أخبار الوالد إيه؟ والبت دي عاملة إيه معاك؟ ذهب العبث عن وجه حسين بمجرد ذكر الاثنان أمامه.. لا يريد إثارة الشك بقلب أخيه ووالدته لو أجابهم بصدق عن ما يقلقه من هذه المدعوة نيرمين. فقال بجمود:

أبوك ما بشوفهوش كتير والبت دي... أهي ماشية أمورها معايا.. طول ما هي بعيدة عني وفي حالها. بزاوية فمه تبسم بسخرية علاء قائلًا: هتفضل طول عمرك طيب يا حسين.. طيب وما بتعرفش تكذب! ................................ ( لدرجادي انتي بتحبيه يافاتن؟

أحبه.. يالهوي عليا دا أنا بموت فيه.. علاء دا راجل ولا كل الرجالة.. دا حاجة كده ولا في الخيال.. جمال وهيبة وشخصية قوية.. راجل حقيقي الست ممكن تتسند عليه.. والنبي دا أنا ساعات كتير بخاف لا أكون بحلم. يارب أتزوج واحد زيه. يارب يا حبيبتي.. وأنا أكره.. بس لا.. لا يمكن هتلاقي واحد زي علاء أبدًا. )

أغمضت فجر عينيها بألم ودموعٍ ساخنة تحرق مقلتيها.. مع تردد هذه الكلمات برأسها دون رحمة رغم مرور أكثر من ١٠ سنوات عليها.. هذا أول لقاء يحدث بينها وبينه عن قرب وترى هذا السحر الفطري لهذا الرجل والذي يجتذب به النساء ليقعن أسيرات عشقه كالعنكبوت حينما تجتذب الفريسة لتمتص رحيقها حتى لا يتبقى منها شيء صالح للحياة. طرق خفيف على باب غرفتها جعلها تستقيم بجلستها وهي تمسح دمعاتها سريعًا لتعود لواقعها هاتفة: ادخل. دَلفت شقيقتها

وهي تضحك بمرح قائلة: اسكتي يابت يا شروق.. النهاردة حصل معايا..... إيه ده؟ انتي معيطة؟ قالت نافية بارتباك: لا طبعًا.. إيه اللي يخليكي تقولي كده؟ قالت واثقة بوجه جاد ذهب عنه الهزل وهي تجلس بجوارها على الفراش: وشك الدبلان يا فجر وعيونك الحمرا.. في إيه يا بنتي ماتقولي على اللي مزعلك.. دا أنا أختك واقرب واحدة ليكي.. بعد المضروبة على قلبها سحر. لكزتها بقبضة يدها على ذراعها وهي تستجيب لمزاحها:

بس يابت.. ماتقوليش كده على سحر.. لا أزعل منك والنبي بجد. قالت شروق وهي تمط شفتيها: أيوه يا اختي ما أنا عارفة.. صحبية الهم بتاعتكم.. أموت وأعرف مين فيكم اللي ناحسة التانية معاها؟ اتنين حلوين وزي القمر.. يقعدوا ليه من غير جواز مش فاهمة أنا؟ فعرت فاهها مذهولة تقول: لا إله إلا الله.. نصيب يابنتي ماسمعتيش عن حاجة اسمها النصيب. نصيب إيه يافجر؟

دا انتوا العرسان دوبت باب البيت من الخبط عليكم.. ومافيش لا حاجة بتكمل معاكم.. دا إيه النحس دا اللي متبت فيكم؟ لم تتمالك نفسها أكثر من ذلك فضحكت من قلبها.. على منطق شقيقتها ومزاحها.. وبعد لحظات من الضحك والمرح سألتها شروق بجدية: مش هاتقوليلي بقى إيه اللي مخليكي معيطة؟ تنهدت بثقل وهي تجيبها: افتكرت فاتن ياشروق. نهضت من جوارها فورًا قائلة بضيق:

تاني فاتن يافجر.. ما خلاص يابنتي عيشي حياتك بقى وانسى اللي حصل وكان.. وكفاية بقى إنها كرهتك في صنف الرجالة كلهم. صمتت أمام شقيقتها غير قادرة على الرد.. فكيف تخبرها أن الماضي عاد وبقوة بمجاورة هذا البغيض؟ وهي التي لا تعلم من القصة سوى نهايتها! ..............................

خرج أدهم من غرفة مكتبه فرحًا بغير تصديق بما أخبرته به الفتاة الخادمة بحضور فلذة كبده الكبير إلى المنزل طالبًا رؤيته.. خلفه كانت نرمين التي كانت أكثر لهفة منه ولكنها كانت بصعوبة تحاول السيطرة على مشاعرها أمام زوجها.. تسارعت دقات قلبها تكاد أن تخرج من صدرها وهي تراه واقفًا وسط بهو المنزل الكبير.. مرتدياً سترة جلدية على سروال أسود.. جذاباً بدرجة مهلكة. علاء انت جيت يا ابني؟ التفت إلى ابيه بوجه جامد بعد أن ألقى

نظرة عليها بطرف عينه وقال: شيء طبيعي أن آتي بيتي.. ولا أنت عندك اعتراض يا والدي؟ تبسم أدهم وهو يقترب من ابنه مربتًا بكفه على أكتاف علاء العريضة: أبدًا يا حبيبي ما عندي أي مانع.. واقف ليه؟ تعالى معايا على الصالون جوا. أشار بكفه يوقف والده معترضًا: معلش يا أبويا أنا مش جاي أضاف.. أنا جاي في كلمتين ورد غطاهم. طب هاتقولهم واحنا واقفين؟ مش نقعد يا ابني ونتكلم براحتنا. هم ليرد على أباه ولكن استوقفته بقولها:

في إيه بس يا سي علاء؟ ماتسمع كلام والدك.. هو إحنا هانخطفك؟ صك على أسنانه قائلًا بحدة: متتدخليش انت بين الأهل وخليكي في حالك. صاحت بلؤم: كده برضو ياسي علاء؟ بس أنا اللي أستاهل فعلًا عندك حق.. أنا خارجة وسيبهالكم خالص عشان أريحكم.. عن إذنكم. نظر في أثرها أدهم وهي تعتليه الدرج قبل أن يلتفت ناظرًا لعلاء بلوم قائلًا: ليه كده بس يابني المعاملة الجافة دي معاها؟ هي كانت عملتلك إيه بس؟ دي غلبانة ويتيمة و.. قال علاء مقاطعًا

والده: ما خلاص يا والدي الله يرضى عنك.. الكلام دا قلته يجي مية مرة قبل كده.. خلينا في الكلمتين اللي أنا عايز أقولهم. كده على الواقف يا علاء؟ ماشي ياسيدي كنت عايزني في إيه؟ قال بتحذير: أمي يا حج أدهم يامصري. سأله أدهم بريبة: مالها أمك يا علاء؟ أمي تعبانة ومش حمل كلامك الصعب.. مشكلتك تحلها معايا أنا.. أمي طلبت الطلاق وخلاص دي مش نهاية الكون.. سيبها في حالها بقى وخليك في عروستك اليتيمة والمسكينة.

تنهد أدهم بعمق وغضبٍ مكبوت بعد أن تلاشت الفرحة من وجهه وحل محلها شيء آخر فقال: يعني هو دا اللي جايبك يا علاء.. مش إنك عقلت وعرفت إن أبوك ليه حق عليك زي أمك كمان؟ كبرت يا علاء ومابقاش حد يهمك ولا تعمله حساب.. بما فيهم أبوك اللي كانت غلطته الوحيدة جوازه على والدتك الست المصونة.. اللي ما صدقت تلاقي اللي يشجعها عشان تهجر جوزها وتسيبه بفضلك. اكتسى وجهه بغلاف البرود رغم النيران المشتعلة بداخله.. وهو يحاول الحفاظ على ثباته:

أنا مش هأرد عليك يا والدي ونلت في مواضيع انتهت.. أنا كنت جاي في كلمتين وقولتهم خلاص.. بعد إذنك يا حج بقى يا أدهم. .............................. خرج من منزل أبيه وكأن الشياطين تلاحقه إلى الحارة الشعبية التي نشأ وترعرع فيها.. كان يسير بوجه متجهم وغاضب لما آلت إليه الأمور بينه وبين أبيه وانقسام العائلة التي كانت مترابطة منذ نشأتها إلى أن جاءت هذه الشيطانة دون سابق إنذار وفرقت بينهم. علاء.. يا علاء.

التفت على صاحب الصوت الجالس حول إحدى الطاولات الصغيرة ملوحاً له بيده واليد الأخرى ممسكة بذراع الأرجيلة في المقهى القريب.. زفر بضيق قبل أن يذهب إلى صديق الطفولة.. سعد.. والذي كان أحد الأضلاع الثلاثة لمثلث الصداقة الذي جمعت بين الاثنان سعد وعلاء وابن الطبيب الشهير كرم الوالي.. عصام.. والذي انضم إليهم في الجامعة فوطد صداقته معهم لدرجة جعلته يرتاد حارتهم بشكل يومي حتى ظنه الناس من أهلها.. هذا قبل أن تنتهي صداقتهم معه بصورة مأساوية وبفضل امرأة أيضاً!!

إيه يا عم ماشي كده على طول ولا أكن ليك صحاب؟ سعد باشا.. معلش راحت عليا وماخدتش بالي. تعانق الاثنان بحضن أخوي قبل أن يجلس علاء على المقعد الآخر حول الطاولة. قال سعد بابتسامة ودودة: انت روحت فين يا عم وقولت وعدولي؟ فرك بكفيه على صفحة وجهه قبل أن يجيب صديقه: في أرض الله الواسعة ياسعد.. أنا لقيتلي شقة كويسة في عمارة قديمة عند الميدان أنا والست الوالدة.. وكلها كام يوم إن شاء الله أشتغل في محلي الجديد كمان.

يا ماشاء الله... ربنا يسعدك يا حبيبي.. بس يعني انت كده هاتسيب ابوك لوحده بعد العمر دا كله؟ ما بلاش ياصاحبي تنشيفة الدماغ دي.. دا مهما كان برضوا والدك. زفر مطولًا وهو ينظر إلى صديقه دون إجابة قبل أن يقطع صمته ويستأذن في الذهاب: معلش ياسعد أنا مصدع أوي وماليش نفس لأي كلام.. استأذن بقى متاخدنيش. نهض سعد معه قائلًا بعتاب: هو انت لحقت تقعد ياعلاء عشان تمشي بالسرعة دي؟

معلش.. هبقى أشوفك بعدين ونتكلم براحتنا.. ولا تجيني انت أحسن على عنواني الجديد. قال سعد مرحبًا: أجيلك أنا ياصاحبي ولا يهمك.. بس انت ابعتلي العنوان في رسالة حتى. ربت على كتفه بامتنان: طول عمرك ابن أصول وبتصون العشرة ياسعد.. ربنا ما يحرمني منك.. خلاص أسيبك أنا بقى وعلى تليفونات بعد كده. أومأ سعد برأسه موافقًا. طب سلام بقى.

قالها علاء قبل أن يذهب سريعًا من أمام صديقه الذي استدار برأسه ناحية منزل الحاج أدهم المصري فوجدها واقفة في شرفتها تتبع بعينيها علاء حتى خرج من الحارة واختفى.. التفتت بعد ذلك لتقع عيناها بسعد الذي تبسم بمغزى.. فارتدت هي سريعًا تعود للداخل! ..............................

حول مائدة الطعام كانت الأسرة جميعها مجتمعة لتناول وجبة العشاء.. الأب على رأس المائدة والأبناء والزوجة على جانبيها.. سميرة كانت تشرح ما حدث في يومها بشكل ممل مع زوجها الذي كان يستمع بإنصات حينما أتت السيرة عن الجيران الجدد: لدرجادي الشبه ما بينهم كبير؟ أجابت سميرة على سؤال زوجها: كبير أوي يا حج.. أمال أنا عرفته كده لوحدي إزاي؟

.. دا نفس الطول والعرض والهيبة كمان.. فرق بس في لون الشعر الأبيض وتجاعيد الوش عند الراجل الكبير.. بس الراجل الكبير ده شكله شديد وقاسي.. مش زي اسم النبي حارسه علاء.. دي كان واقف على دماغ والدته مرعوب عليها ولا أكنه عيل صغير. تمتم شاكر: تلاقيه بس ورث القلب الحنين من أمه. هتفت شروق بمرح:

هو ورث القلب وأخوه التاني خد من والدته الشبه الواضح مابينهم.. البشرة البيضة والعينين الخضرا.. حتى في الطول هو متوسط زي والدته.. ولا كأنهم قسموا شبه الولاد مابينهم عشان ماحدش فيهم يزعل. استجاب الجميع لدعابة شروق بالضحك.. عدا فجر التي كانت تسقط لقيماتها بصعوبة.. امتعاضاً من تكرار ذكر اسمه بينهم حتى على مائدة الطعام.. أجفلت على نداء أبيها: إيه يا فجر مابتضحكيش ليه معانا ولا بتتكلمي؟ مش عادتك يعني؟ قالت بفتور:

عادي يعني يا والدي.. أصلي سرحت شوية ومركزتش في اللي بتقولوه. قال أبوها بابتسامة عريضة: طيب مدام ركزتي معانا بقى أقولك أنا على خبر حلو يخصك. أجفل الجميع على جملة شاكر، فتساءلت هي بفضول: خبر إيه يا والدي؟ المهندس عادل ابن صاحبي عبد الصمد وكيل مدرسة السلام الثانوية.. شافك قبل كده معايا وأنا بوصلك المدرسة.. فطلب من والده إنه يفاتحني في موضوع جوازه منك. قالت سريعًا دون تفكير: قوله لأ يا والدي... أنا مش عايزة أتزوج.

مش عايزة تتجوزي ليه إن شاء الله؟ صاحت بها سميرة غاضبة وتابعت: هو انتي اللي على لسانك لأ وبس.. مش لما تشوفي الراجل الأول وبعدها تحكمي. هتفت ترد: شوفته ياماما قبل كده وسلم عليا كمان وأنا مع والدي.. هو أي نعم شكله كويس ومش بطال.. بس معجبنيش. قالت سميرة بتهكم: معجبكيش ليه ياعنيا؟ مدام بنفسك بتقولي عليه مش بطال.. ولا هو بتر وخلاص.. في كل مرة يجيلك عريس لازم تطلعي عنيـنا كده.. ماتدي نفسك فرصة واقعدي معاه. أنا شبعت أكل.

قالتها وهي تنهض وتذهب سريعًا من حديث والدتها التي لم تصمت في أثرها وهي تهتف بصوت مسموع رغم تحذير زوجها: آه هي قامت وسابتني أتفلق ياشاكر.. ولا أكن ليها أم وعايزة تفرح زي بقية الأمهات ببنتها.. أعمل إيه معاها بس ياناس.

صفقت باب غرفتها بقوة وهي تزفر براحة بعد أن ابتعدت هاربة من حديث والدتها.. الباكية على زواجها وتتلهف للفرح بابنتها الكبرى.. خرجت لشرفتها تتلمس الهواء البارد عله يخفف من اختناقها كلما أتت هذه السيرة.. وصل إلى أنفها رائحة التبغ المحترق.. فانتقلت عيناها فورًا على الشرفة المجاورة لتجده أمامها متكئاً بأريحية على سور الشرفة.. ينظر لها بابتسامة متسلية فقال: مساء الخير.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...