الفصل 2 | من 40 فصل

رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الثاني 2 - بقلم امل نصر

المشاهدات
22
كلمة
4,004
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 5%
حجم الخط: 18

على طاولة صغيرة بوسط المنزل أعدتها زهيرة مائدة للإفطار. وضعت عليها بعض الأصناف الخفيفة من الطعام، بالإضافة لبراد من الشاي الساخن. كانت تهتف على ابنها: -ياللا بقى ياعلاء كفاية نوم يابني؟ خرج لها من غرفته يجفف شعر رأسه بمنشفة صغيرة قائلاً: -ياست الكل أنا خرجت اهو والنعمة.. كفاية بقى تندهي عليا هاتصحي العمارة كلها معانا. قالت ضاحكة: -ما أنا كنت فاكراك لسه نايم ياحبيبي.. ماكنتش أعرف بقى إنك صحيت وخدت شاور كمان.

اقترب منها يقبل أعلى رأسها قبل أن يجلس على المائدة قائلاً: -ولا يهمك ياحبيبتي.. صباح الفل عليكي. -صباح الفل والورد كمان على أحلى علاء. قالتها وهي تجلس هي الأخرى تشاركه، وتابعت تسأله: -صحيت بدري لوحدك يعني؟ ما ارتحتش في مكانك الجديد ولا إيه؟ وضع لقمة كبيرة من الجبن قائلاً بمكر:

-بصراحة بقى يا أمي أنا فعلاً مقدرتش أنام في الأوضة الجديدة دي، أصلها مقفلة كده وعلى شارع خلفي بجد ما استريحتش فيها.. عكس أوضتك انتي بقى بتطل على الميدان والمناظر الحلوة. قطبت قائلة بدهشة: -ما هو ده كان رأيك انت يابني.. لما قولت إنك عايز الهدوء.. بعيد عن دوشة الناس والعربيات. أومأ برأسه قائلاً بارتباك:

-هو فعلاً كان ده رأيي في الأول ياست الكل.. بس بصراحة امبارح وأنا في أوضتك حسيت براحة نفسية كده.. خلتني أتمنى إنها تبقى أوضتي. قالت بحنان: -يا حبيب قلبي مدام عاجباك أوي كده يبقى نبدل بقى وخذها انت وأنا ياسيدي آخد أوضتك. تبسم بانتعاش وهو يتناول كف يدها ويقبلها: -تسلميلي ياست الحبايب انتي دايماً كده مريحاني في أي حاجة أطلبها. نهض عن مقعده فجأة يقول: -أسيبك أنا بقى وأقوم ألبس عشان يدوبك أحصل مشواري مع السمسار.

لاحقته بنظراتها قائلة: -ربنا يريح قلبك ياحبيبي ويفتحها في وشك دايماً. أوقفته فجأة قبل أن يفتح باب حجرتها وهي تسأله بلهفة وتردد: -هو أخوك حسين ما اتصلش بيك ياعلاء؟ التف إليها قائلاً بابتسامة مطمئنة: -ولو ما اتصلش يا أمي برضه هايجي ويطمن عليكي.. حسين طيب وأنا عارفه كويس. قالت بحزن: -حتى بعد ما قولتلوا يا جبان؟ ازداد اتساع ابتسامته: -اطمني يا أمي.. هو بس اللي أخره عنك خوفه من زعل الوالد، لكن خليكي متأكدة إنه هايجي. ***

كانت فجر تلملم أغراضها على عجالة في الحقيبة الصغيرة لها كي تلحق دوام عملها في المدرسة، حينما دلفت إليها شقيقتها شروق سائلة بتعجب: -إيه دا؟ انتي لسه ما روحتيش الشغل يافجر؟ دي الساعة قربت على 8. قالت باستياء: -والنبي سيبيني في حالي ياشروق.. طول الليل ما عرفتش أنام امبارح لحد ما صليت الفجر وبعدها بقى عوضت وراحت عليا نومة لدرجة إني ما حسيتش بصوت المنبه. سألتها بمشاكسة:

-ويا ترى إيه اللي آخد عقلك بقى لدرجة إنه طيّر النوم من عيونك يا أبلة فجر؟ لوت شفتيها بحنق وهي ترتدي سترتها الجلدية قبل أن تخطو للخروج تقول: -مش هارد على واحدة تافهة زيك. ضحكت شروق تتناول قلم الحمرة لتلوين شفتيها وهي ناظرة في انعكاس شقيقتها في المرآة التي كانت خارجة من الحجرة، فقالت بمرح: -والنبي مسيرك هتقعي يافجر. عادت إليها فجأة قائلة بتحذير ومزاح: -خفي شوية على صباع الروج يا ماما دا مال يتامى. ***

فتحت باب الشقة لتخرج، فاصطدمت عيناها به مباشرةً أمامها وهو خارج أيضاً من شقتهم. تنحنح في البداية وهو يلقي عليها التحية: -صباح الخير. تجهم وجهها ونظرت إليه نظرة تحدي وازدراء. توقع أن ترد إليه تحية الجار الجديد، لكنها مرت من أمامه تتخطاه لتنزل الدرج وكأنها لا تراه! عقد حاجبيه وفغر فمه دهشةً من جرأتها. ظل لبعض اللحظات ينظر في أثرها مصدوماً من فعلتها. همس ذاهلاً بصوت خفيض: -يابت ال...

دي مجنونة دي ولا إيه عشان تعمل كده مع المعلم علاء وما تعبروش؟ هز رأسه يبتلع الإهانة وهو ينزل خلفها يتميز غيظاً منها ومن عجرفتها عليه دون سبب واضح، أو قد يكون السبب هو غضبها أمس حينما أجفلت عليه وهو ينظر إليها من شرفته مستغلاً غفلتها. ولكن، ماذا يفعل؟

فقد سرقته اللحظة أمس وهو ينظر إليها كالمسحور ولم يعِ بالزمان ولا المكان ولا الأصول والأعراف. تنفس بغضب وهو يقسم بداخله إنها لو كانت رجلاً لرد بتهشيم وجهها. وجهها الذي يشبه القمر، لا يدري لماذا يشعر كأنه رآها سابقاً؟ أما هي، فقد أحست بنشوة غريبة في إحراجه. كانت تشعر مع سماع خطواته خلفها وكأن نظراته تنفذان عبر ظهرها وصوت أنفاسه الهادرة يصل إليها بوضوح، وهي تتصنع البرود والغطرسة أمامه. ***

وفي مكان آخر، بداخل المحل الضخم والمخصص لبيع الأدوات الصحية.. كان المعلم أدهم المصري مستنداً بمرفقيه على ركبتيه وهو يتلاعب بسبحة يده في جلسته على الكرسي. وقد تركزت عيناه على مدخل المحل دون كلل بأمل كاذب في انتظاره.

رغم علمه الكبير بتشدد ولده حينما يقرر. لقد ورث علاء معظم جينات أبيه شكلياً وداخلياً أيضاً، خصوصاً صرامته القاطعة في اتخاذ القرارات مهما كانت صعبة أو مصيرية. لطالما افتخر به وأحبه أكثر من حسين، الذي ورث عن والدته الطيبة الزائدة كما ورث لون عينيها أيضاً وبشرتها البيضاء.

اعتدل يضرب بكف يده على فخذه وهو يزفر بضيق، يتساءل في حل لهذه المعضلة الشائكة. لقد تزوج وانتهى الأمر. لكنه أيضاً يريد زوجته الحبيبة وأولاده في كنفه، فماذا يفعل؟ وأين هو الحل؟ خرج من شروده على صوت هاتفه برقم زوجته الثانية نرمين، التي بمجرد أن فتح المكالمة قالت بتذمر: -الوو.. كده برضه يا أدهم تسيبني نايمة وتخرج من غير ما تصحيني حتى؟ قال بصوت خفيض حازم وعيناه تدور في المحل حتى لا يلفت إليه نظر العمال أو حتى الزبائن:

-وطّي صوتك يانرمين مش ناقصين فضايح. وصله صوتها بميوعة: -طب ولو وطيت صوتي يعني؟ هاتسيب المحل وتيجي تشوفني وتراضيني وانت عارف كويس إني لسه عروسة جديدة وده حقي؟ تحمحم بارتباك قبل أن يتدارك نفسه فقال بصرامة: -بقولك إيه أنا ورايا مشوار ومش فاضيلك دلوقتي.. استني لما أرجع البيت نبقى نتعاتب براحتنا. -مشوار إيه؟ نهض فجأة وقد حزم أمره: -بعدين بقى أقولك لما أشوفك، سلام. ***

في المدرسة وبداخل أحد الفصول، بعد أن انصرفت الفتيات لحضور حصة الألعاب في الفناء الواسع.. كانت فجر جالسة على أحد المقاعد في الفصل الفارغ، وسحر الجالسة بجوارها على نفس المقعد تسألها بجدية: -انتي متأكدة إنه هو نفسه؟ أجابتها بثقة: -ده أنا لو اتوه عن الدنيا كلها لا يمكن أتوه عنه. -مش يمكن حد يشبهله؟ بشبه ابتسامة قالت: -يشبه في الشكل والاسم كمان؟ فيه إيه ياسحر؟ أشحال إن ما كنت حاكيالك بكل اللي حصل؟

رفرفت برموشها تستوعب جيداً قبل أن تقول: -بصراحة صدفة غريبة جداً؟ يعني صاحبنا ده ساب البلد كلها وضاقت عليه عشان ما يلاقيش غير عمارتكم ويسكن فيها؟ تنهدت بسأم قائلة: -ياستي حسب ما سمعت من أمي إنه اختار عمارتنا عشان بتطل على ميدان ومنطقة عمومي مناسبة يفتح فيها محل أدوات صحية زي والده.. وبنفس الوقت يبقى قريب من والدته ويراعيها. -يا سلام!! قالتها سحر بتهكم وتابعت: -لدرجة دي هو بيحب والدته يعني؟

غريبة فعلاً واحد بالأخلاق دي ويتصرف كده. تبسمت بمرارة: -أمال لو شفتي أمي وهي بتوصف في جماله وشبابه، ولا إعجاب والدي بيه عشان نصر والدته ومخلصوش قهرتها، ولا نظرة الستات ليه في شارعنا ولا كأنهم شافوا رجال قبل كده. سالت دمعتها بخط رفيع على وجنتها وهي تتابع: -عايش حياته يافجر وربنا ما انتقمش منه زي ما كنت بتمنى وأدعي عليه. اقتربت تربت بكف يدها على ظهر صديقتها قائلة:

-هدي نفسك شوية يافجر مش كل الأمور بتمشي زي ما إحنا عايزين.. ربنا له تدبير مختلف عننا في تخليص الحقوق. هتفت بانفعال: -يعني امتى بس ياسحر العدل يتحقق والمذنب ياخد عقابه؟ لحد إمتى هايفضل الضعيف بس هو اللي يدفع التمن والقوي يعيش ويتمتع و...... استغفر الله العظيم. أومأت سحر متفهمة ثورة صديقتها وحزنها وهي تناولها منديل ورقي لتجفف دمعتها قبل أن تسألها مجفلة: -إلا صحيح يافجر هو عرفك؟ هزت أكتافها وهي تمط بشفتيها تقول:

-بصراحة مش عارفة. *** -ها يا معلم علاء إيه رأيك؟ طاف بعينيه على المساحة الشاسعة والفارغة والحوائط المطلية حديثاً، فأومأ ببعض الرضا. -كويس يا عم حودة المحل، بس السعر اللي انت عارضه غالي قوي. قال الرجل متشدقاً:

-وأنا إيه ذنبي بس يا معلم علاء.. ده صاحب المحل هو اللي محدد السعر ده عشان زي ما انت شايف كده المنطقة عمومي والبشر فيها زي النمل، يعني لقطة. وعلى العموم لو مش عاجبك المحل في غيره في الناحية التانية من الميدان برضه.. أهم حاجة راحتك.

بنظرة متفحصة لداخل المحل وخارجه، شعر ببعض الرضا وهو يرى شرفة الشقة الجديدة أمامه.. حتى يتسنى له رؤية والدته عن قرب وهو يتابع أعماله.. مع بعض التسلية لرؤية شرفة الشقة المجاورة أمامه مباشرةً. ترى ماذا سيكون رد فعل صاحبتها المتعجرفة حينما تراه أمامها الآن لو خرجت بالصدفة؟ عاد من شروده على صوت السمسار وهو يقاطع أفكاره: -ها يا معلم علاء إيه رأيك بقى ورسيت على أنه محل؟ بابتسامة عريضة قال:

-خير يا باشا.. بلغ صاحب المحل ده بالموافقة عشان نخلص النهاردة ياريت.. وعمولتك هاتخدها مني مقدماً. هلل الرجل فرحاً: -على بركة الله.. أنا هاتصل بالراجل دلوقتي عشان نجهز العقود مدام انت فلوسك جاهزة وربنا يجعلها فاتحة خير عليك. ***

كانت زهيرة منهمكة في ترتيب ملابسها داخل الخزانة بعد أن تبادلت الغرفة مع علاء ابنها.. حينما سمعت صوت جرس المنزل. تركت ما بيدها وذهبت بخطواتها البطيئة وهي تتحامل على الألم المزمن لعظامها وظهرها. فتحت الباب فتسمرت مذهولة حينما وجدته أمامها. قال بصوته الرخيم: -إيه يا زهيرة انتي هاتسيبني واقف كده على الباب؟ مش ناوية تقوليلي اتفضل؟ تراجعت للخلف مستاءة من لهجته المتهكمة وهي تدعوه للدخول: -اتفضل يا حج البيت بيتك.

خطى لداخل المنزل وعيناه تطوف على كل تفصيلة في أرجائه: -هه ياماشاء الله.. شقة واسعة على الطراز القديم لكن شكلها يفرح وتفتح النفس.. انتي لحقتي كمان توضبيها ولا... قال الأخيرة بنظرة ذات مغزى عليها وهو يجلس على أقرب مقعد ويتابع: -ولا شكله كده جابلك ناس تساعدك؟ حكم أنا عارف إنه بيخاف على صحتك. زفرت حانقة تردد خلفه: -أكيد طبعاً بيخاف عليا وجابلي ناس تساعدني يا معلم وهي فيها حاجة دي؟

-لا ما فيهاش حاجة يازهيرة إن ابنك يخاف عليكي ويجيبلك ناس تساعدك.. بس ياريت بقى تفتكري انتي كمان إني أنا والده وليا حق عليه زيك. تنهدت بنزق وهي تجلس على الأريكة أمامه وقالت: -بقولك إيه حج ماتجيب من الآخر وقولي عن سبب الزيارة الكريمة دي؟ قال بجدية: -عايز ابني يا زهيرة يرجع لحضني من تاني يسندني ويقف جمبي.. ده طول عمره دراعي اليمين اللي بعتمد عليه. فتحت فاهها تنوي الرد ولكنه سبقها يتابع:

-عارفك هاتقولي إنك مش ممانعة.. لكن أنا هاجيب من الآخر زي ما قولتي.. ابنك لا يمكن هايصفى لي طول ما انتي زعلانة ومنشفة راسك يا زهيرة.. الجواز كان هايحصل هايحصل سواء كانت بت صغيرة ولا واحدة كبيرة عنها. أنا بقالي سنين متحمل تعبك وعمري ما اشتكيت.. ما ينفعش انتي تيجي على نفسك بقى دلوقتي وتتقبلي الضرة؟ البيت واسع و.... قاطعته بحدة قائلة:

-لأ ماينفعش يا أدهم.. حتى لو كان البيت يساع ألف.. برضه مش قابلة الضرة.. انت بتعايرني وتقول إنك اتحملت تعبي لكن من جواك عارف كويس إني رغم تعبي ده ياما اتحملت على ألمي عشان أرضيك.. فبلاش النغمة دي والنبي.. انت راجل والبت زغللت عيونك واتجوزتها على أم ولادك.. انت حر.. وأنا كمان حرة إني ما أقِلش على نفسي بالضرة. ظل لعدة لحظات ينظر إليها صامتاً بوجه صارم وغير مقروء قبل أن ينهض قائلاً بقسوة غير مبالٍ

بتأثير كلماته على المرأة: -ماشي يازهيرة خليكي كده على عندِك وانتِ فرحانة بابنك اللي ضمتيه لحزبك. تحرك خطوتين قبل أن يتابع: -بكرة بقى لما يتجوز المحروس ويشوف حياته مع واحدة تنسيه الدنيا وما فيها.. مش هتلاقي غير بيت جوزك بس اللي مفتوح يا زهيرة.. لكن أنا ساعتها هعمل بأصلي وأخلي مراتي اللي هي ضرتك تشيلك في عينيها.. عن إذنك بقى يا أم الرجال.

خرج على الفور دون أن يلتفت إلى المرأة التي شحب وجهها وتسمرت في جلستها بعد أن أصابتها كلماته في مقتل عن أكبر مخاوفها بأن تعود إليه خاضعة مستسلمة له ولزوجته. ***

عادت سميرة من الخارج محملة بأكياس الخضر والفاكهة التي ابتاعتها من السوق في جولتها الصباحية اليومية. كانت على وشك فتح باب شقتها حينما رأت الرجل المهيب بحلته الأنيقة وهو خارج من شقة جارتها الجديدة متجهم الوجه وكأن على رأسه الطير. قطبت سميرة دهشةً من عبوس الرجل لدرجة تركه باب الشقة مفتوحاً. انتابها الفضول والريبة أيضاً لمعرفة كنية الرجل وصفته. فتحركت تلقائياً ناحية الشقة المجاورة تاركة أكياسها أرضاً. طرقت

بخفة على الباب المفتوح: -يا أم علاء... يا مدام زهيرة.. يا أم علاء. حينما لم تسمع رداً دفعت الباب بتوجس وهي تهتف بصوت أعلى: -يا مدام زهير.... يا نهار أسود. دلت مندفعة لداخل المنزل حينما رأت المرأة أمامها جالسة ورأسها متدلية على كتفها وكأنها غائبة عن الوعي. اقتربت بلهفة تربت على وجنتيها وهي تهتف بلوعة: -يا مدام زهيرة.. يا ست أم علاء. رفعت رأسها الثقيلة بصعوبة وهي تجيب المرأة بضعف هامسة:

-أيوه أيوه أنا هنا متخافيش يا أختي. بلعت سميرة ريقها قائلة ببعض الارتياح: -الحمد لله يا أختي إنك بخير.. هو انتي إيه اللي تاعبك؟ قالت بصعوبة: -معلش والنبي هاتقل عليكي.. ممكن تسنديني أدخل أوضتي أريح فيها على سريري. -انتي تأمري يا أختي.. ألف بعد الشر عليكي. قالتها وهي تلف ذراعيها حول المرأة تساعدها بالنهوض. *** تعجبت فجر من مشهد أكياس الخضر والفاكهة وهي ملقاة بإهمال أسفل باب الشقة المغلق. أزاحت الأكياس قليلاً

لتفتح بمفتاحها وهي تتمتم: -هي ماما راحت فين وسابت الأكياس مرمية كده؟ هزت رأسها لاستنتاجها الأكيد بانشغال والدتها بالحديث مع إحدى الجارات. فتناولت الأكياس وهي تدلف لداخل المنزل وفور دخولها بهم المطبخ.. تفاجأت بصوت والدتها وهي تصيح: -يا ولاد.. هو مين فيكم اللي رجع ودخل الأكياس؟ خرجت إليها مجفلة تقول: -أنا اللي دخلتهم يا ماما ما تقلقيش... -طب كويس تعالي. على حين غرة جذبتها من كفها تسحبها للخارج. هتفت فجر بجزع:

-انتي ساحباني وموديني فين ياماما؟ -يا بنتي هاخليكي تقعدي جمب جارتنا أم علاء تاخدي بالك منها على مانزلت أنا أجيب لها دكتور من العمارة اللي ورانا. جذبت كفها صائحة بحدة وهي توقفها: -أم مين؟ أنا مش متحركة من مكاني ولا داخلة شقة الناس الغريبة دي نهائي. نهرتها سميرة قائلة بعنف: -فيه إيه يابت؟ هو ده وقت قنعرة برضه؟ الولية شكلها ما يطمنش وأخاف أسيبها لوحدها يجرالها حاجة على ما أجيب لها الدكتور. تخصرت تسأل بازدراء:

-والمحروس ابنها بقى.. سايبها كده تعبانة وراح على فين؟ -هو لو ابنها موجود ولا أعرف حتى نمرته.. كنت احتاجتلك يا منيلة.. اتحركي يابت اخلصي خلينا نلحق الولية. اتحركي. انصاعت مضطرة لوالدتها وهي تسحبها بعنف تدخلها منزل أعدائها. ***

تركتها سميرة مع المرأة المريضة وهي مستلقية على فراشها بداخل غرفة نومها بعد أن عرفتها عليها سريعاً. تململت فجر بعدم راحة وهي واقفة بوسط الغرفة مكتفة ذراعيها تحسب الوقت في انتظار عودة والدتها بالطبيب، والتي لم يمر على خروجها سوى دقائق قليلة. هامسة لنفسها: -الله يسامحك يا ماما على دي الورطة.

حدقت بعينيها على المرأة الغائبة عن الوعي والتي لم يترك الزمن آثاره عليها رغم تقدم عمرها ومرضها. ما زالت محتفظة بجمالها وهي تبدو مليحة القسمات رغم شحوبها. شعرت نحوها ببعض الإعجاب والتعاطف. نهرته سريعاً حينما تذكرت ابنها وما فعله قديماً مع فاتن، فتصلب فكها للذكرى وارتعشت شفتيها تتنهد بحرقة رغم مرور عدة سنوات على ما حدث. أجفلت على صوت المرأة وهي تزوم وتحرك رأسها: -اممم... علاء. ضغطت على أعصابها وهي تقترب من فراش المرأة:

-أنا أنا مش علاء يا خالتي.. أنا فجر بنت جارتك سميرة. فتحت المرأة أجفانها فظهرت عيناها شديدة الخضرة أثارت إعجاب فجر بشدة. قالت بصوت ضعيف وهي تستفيق: -أيوه صحيح يا بنتي أنا افتكرتك.. هي والدتك راحت فين؟ -والدتي راحت تجيب دكتور عشان يشوفك. قالت بحرج: -يادي الكسوف تلاقيها خافت وقلقت عليا.. بس أنا الغلطانة عشان نسيت أخد حباية الضغط النهاردة.. هاتعبك يا بنتي ممكن تجيبلي البرشام بتاعي من الأوضة التانية.

دنت فجر منها تقول بامتعاض: -إزاي يعني؟ هو أنا هاعرفه منين؟ -هاتلاقيه في أول أوضة على الشمال.. يمكن بس اتنطر مني في الأرض ولا على السرير وأنا برتب الأوضة. زفرت بضيق وهي تدلف لداخل الحجرة التي طل من شرفتها وجه هذا البغيض.. المدعو علاء. مشطت بعينيها على أنحاء الغرفة الأنيقة ذات الأثاث الحديث. كل شيء مرتب فيها ولا يوجد له فيها أثر من ثياب ولا حتى عطر يخصه؟

رمشت بعينيها تذكر نفسها لما جاءت من أجله. أخذت تدور وتبحث عن علب الدواء حتى رأته أسفل المقعد المنجد. فدنت على ركبتيها تتناوله وتتحقق منه جيداً قبل أن تنهض به لتعود إلى المرأة. ولكنها بمجرد أن استدارت شهقت مفزوعة حينما رأته أمامها بطوله الذي حجب الرؤية ووجهه الوسيم بخطورة فقال بتسلية: -إيه شوفتي عفريت قدامك!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...