"لا.. لا مش هدفنها دلوقتي، نسرين بتخاف من الضلمة. لما الصبح يطلع، خلاص الفجر قرب يأذن." استسلم عيسى وجلس بجواره في طرقات المشفى. وضع منتصر رأسه المتعبة على كتف عيسى، فربت عيسى على ظهره يقول بحزن: "كله مقدر ومكتوب." قال منتصر بخفوت: "أنا عارف مين اللي عمل كدا يا عيسى." نظر له عيسى، فابتلع منتصر غصته يقول بألم:
"من شهر ونص في شخص بيهددني، عاوزني أسلمه ورق شغل وملفات خاصة بتاعة الشركة وأنا طبعًا رفضت، بس كانوا بيهددوني أنا، بحياتي أنا مش بيها! شدد على قبضته وهو يتذكر تلك التهديدات، وصورتها وهي على الأرض لم تفارقه بعد. اشتدت حدة ملامحه وبرزت عروق يده، وقال بصوت حاد غاضب: "لكن وربي نهايته على إيدي، وقبل ما يبات جسمها في التربة هكون خلصت عليه."
أوقفه عيسى ثم أخرج هاتفه يضعه أمام عينيه. فأخذه منتصر وهو يرى ذلك الشخص بقفص يجلس ينظر أمامه بخوف، يضم قدمه إلى صدره حتى أن رجفته كانت واضحة للكاميرات. تحرك المصور ليرى منتصر قفصًا آخر يسبق ظهور ما به صوت زئير. علمه منتصر على الفور، يهمس بصوت متوعد: "تايجر! أخذ عيسى هاتفه مرة أخرى يقول بصوت مختنق: "أنا كنت عاوز أخليه وجبة عشاء لذيذة لتايجر، بس تايجر بيحب اللحمة نص سوا." قال منتصر بحدة:
"ومحدش غيري هيجهز العشاء لتايجر النهاردة، بس خليني.. أكرم نوسة الأول." جلس منتصر وقد لانت ملامحه الحادة وحل محلها الحزن الشديد والقهـر، وهو ينظر تجاه المشرحة. لا يصدق حتى أين يجلس هو! سيعود لدياره ولن يجدها، سيمرض ولن تداويه، فهي سكنه ومسكنه وحبه الأول الذي عشقه في الطفولة والصبا والشباب. خرج من المشرحة وتحرك تجاههم يقول بجدية: "مساء الخير، أنا دكتور سليم مغاوري. أولاً البقاء لله."
لم يجبه أحدهما، حيث نظر كلاهما للآخر بصدمة عند سماعهما للإسم. حسنًا، فالمدعو "سليم مغاوري" يعمل في تجارة المخدرات باسمه فقط دون أن يظهر وجهه، فقط اسمه الثنائي لا أكثر. أشار عيسى بعينه لمنتصر بالصمت، فعاد منتصر لسليم يقول بهدوء: "ونعم بالله." أكمل سليم حديثه برسمية: "قبل القتل كان في محاولة اعتداء، والواضح إن ده كان الهدف الأساسي للجاني. الضحية كانت متعلمة أي فن من فنون القتال أو الدفاع عن النفس؟ أومأ منتصر برأسه:
"أيوا، هي مكانتش ضعيفة، هي كانت رياضية وكانت بتلعب ملاكمة بس بعد الجواز وقفت، يعني بقالها سنة بالظبط." أكمل سليم بجدية:
"فشل الجاني في محاولة الاعتداء عليها خلاه يلجأ للقتل. لو كان الهجوم الهدف منه القتل في البداية كان الجاني هيستخدم سلاحه، لكنه استخدم سكينة من المطبخ عندك. وبرغم كدا السكينة مش عليها غير بصمات الضحية، لكن لقينا خصلات شعر بين ضوافرها وبنسبة 90% ده شعر الجاني، أو شعر حد من اللي قرب من الضحية بعد الوفاة." قال عيسى بجدية:
"منتصر وأنا بس اللي قربنا منها، بس أنا ملمستش إيديها خالص. ومنتصر لما وصل كانت اتوفت. ومراتي مقربتش منها خالص وكمان هي محجبة، فبنسبة 100% ده شعر القاتل." تنهد سليم يقول بحذر: "مطلوب مني آخد عينة من حضرتك والأستاذ منتصر وكمان المدام بتاعت حضرتك." اقترب منتصر من سليم يمسكه بغضب، يصرخ به بصوت غاضب: "قصدك إيه!! إني قتلت مراتي؟! دفعه سليم بضيق يحاول أن يحتوي الموقف ويتفهم ما يمر به منتصر، فقال بحده:
"أستاذ منتصر، أنا طبيب شرعي، مش ظابط. وأنا بنفذ اللي بيطلب مني علشان التحقيقات، وقاسم باشا أمر إن الجثة متخرجش قبل ما نثبت إن الـ DNA بتاعكم أنتم التلاتة مش متطابق مع العينة اللي أخدناها من الضحية." تأفف منتصر بضيق وهو يتراجع للخلف، يستند بظهره على الحائط. لا يستطيع التحمل، سيفقد عقله قبل نهاية اليوم بكل تأكيد. تحرك للداخل في الطريق المؤدي للمشرحة ليمنعه سليم: "مينفعش تدخل دلوقتي." صاح منتصر بانفعال:
"هو إيه اللي مينفعش!! عاوز أشوفها.. فين أم مدير المخـروبة دي؟! قال سليم بضيق: "لو عملنا التحاليل حضرتك هتقدر تشوفها، مش هتاخد وقت صدقني هنخلصها في أسرع وقت عشان نخرجلك الجثمان، بعد إنكم يا جماعة تفهموا الوضع.. دي جريمة قتل. نصيحة مني اعملوا التحاليل لأن لو البوليس وصل لحاجة جديدة هيفضلوا متحفظين على الجثة."
جثة، جثمان. لا يصدق منتصر أن تلك الكلمات تقال عن حبيبته، فانهار أرضًا يستند بظهره على الحائط، يدفن رأسه بين قدميه وبكى بتعب وانهيار وأسى، وحزن أسر قلبه وفتته. قال عيسى بهدوء: "هنعـمل اللي انتوا عاوزينه، أنا هروح أجيب زوجتي من البيت." أومأ له سليم، ولكن قبل رحيله قال بهدوء: "الأستاذ منتصر ممكن يستنى في مكتبي لحد ما حضرتك ترجع." "متشكر يا دكتور سليم." انحنى عيسى يجلس أمام منتصر الذي فقد أعصابه، فربت عيسى على ظهره بحزن:
"تعالى اقعد في المكتب.. يلا يا منتصر." وقف عيسى يمد يده لمنتصر، فتشبث منتصر به واستند عليه، يتحرك بتعب تجاه المكتب. تركه عيسى بالداخل ثم تحرك بسيارته سريعًا عائدًا لقصره. جلست والدته تبكي بحزن شديد، وبجوارها زمرد تواسيها وتحاول التخفيف عنها. اقترب منها عيسى وجلس بجوارها، فمالت تجـاهه ليأخذها بين يديه يربت عليها: "كل واحد له عمره يا ماما." قالت زينات بحزن:
"قلبي وجعني عليها أوي يا عيسى، دي كانت زي النسمة وعمرها ما أذت حد ولا وجعت حد بكلمة، ليه يحصل فيها كدا يا عيسى ليه؟! قال عيسى بحزن: "بسببي." تطلعت الاثنتان له بصدمة، ليكمل بغضب يحاول كتمه بداخله: "أنتي عارفة إن معتصم عارف عن شغلي كل حاجة، واللي عاوزين يشتروه عشان يوقعوني كتير. ومنتصر كان في حد بيهدده عشان يخرج أوراق مهمة من الشركة والشغل وهو رفض." اتجه بأنظاره تجاه زمرد يكمل حديثه:
"منتصر مش بس شغال عندي ودراعي اليمين، هو بيعتبرني أخوه ومستحيل يخوني، بس طبعًا متوقعتش إن الموضوع يوصل لموت مراته عشان شوية أوراق!! هما كانوا بينفذوا تهديدهم ليه ونسرين راحت ضحية." قال عيسى بآسي: "ماما أنا هدّفن نسرين في مدافن السيدات بتاعة عيلة والدك." أومأت زينـات برأسها موافقة وهي تحاول التحكم في شهقاتها وبكاؤها، لتسأله زمرد بحيرة: "فين أهلها؟ قالت زينـات بحسرة:
"هي ومنتصر كانوا في ملجأ واحد، ميعرفوش لا أب ولا أم.. ملهـاش حد، مكـانش ليهم غير بعض." قال عيسى بجدية: "زمرد محتاجينك في المستشفى، أنا وأنتي ومنتصر هنعمل تحليل مطابقة لعينة شعر لقوها في ضوافر نسرين. البوليس مش راضي يخرجها غير ما نعمل التحاليل. منتصر كان بيتخانق بسبب كدا بس أنا مش شايف قدامي غير إننا نخرجها بقي كفاية مرمطة."
التفتت تبحث عن خمارها ونقابها، وقد تركتهم منذ أتى بها من بضعة ساعات، من وقتها تجلس بجوار والدته تواسيها عندما علمت بالأمر. وضعت خمارها سريعًا وفوقه نقابها، ثم اتجهت تربت على زينـات بحزن: "بالله عليكي يا طنط كفاية عياط، صلي الفجر وادعيلها بالرحمة." وقفت زينـات تقول بجدية: "أنا هاجي معاكم، عاوزة أشوفها يا عيسى." هز عيسى رأسه رفضًا واقترب تجاهها يقول بحزن: "مش هتستحملي يا ماما وهتتعبي، خليكي هنا وصلي وادعيلها."
"لا يا عيسى هاجي، ملهـاش لا أم ولا أخت يقفوا على غُسلها، أمك مش ضعيفة وأنت عارف. دقيقة واحدة هغير هدومي، أوعي تمشي." أومأ لها بإستسلام، ثم جلس على الأريكة بتعب، ينظر للأعلى بشـرود. تدمرت حياة منتصر بلحظة واحدة، لفظت نسرين أنفاسها الأخيرة ورحلت عن عالمنا وأغمضت عيناها عن دنيانا، وهذه هي نهاية الرحلة مهما طالت.
ابتعد عن أخوته لسنوات لئلا يكونوا نقطة ضعف أو تهديد له، ولكن بلحظة ضعف تزوج منها ووضعها هي أمام المخاطر بأكملها. إن أحبها حقًا ما كان ليتزوجها، هو فقط أراد زائرة أحلامه وأراد منع ظلم عمه المماثل لأبيه. هي بريئة، بسيطة، عادية تحاول الاندماج في عالمه الباهت المزيف. لا يملك مشاعر الحب ليقدمها لها، هي نقية وهو كان يرى نفسه ملاكًا لرفضه أي فتاة تجبر عليه ويساعدها، ولكنـه كان يتغافل عن معصيته مع غيرهم من سمحوا له بما لا يحل له أبدًا.
اعتدل يلتقط أنفاسه ليجدهـا أتت أمامه بكوب من الماء البارد وشطيرة صغيرة على حاملة الطعام الصغيرة: "أنت على فطارك من امبارح ولسه بكرة اليوم طويل. أنا بصراحة معرفش حاجة لسه في المطبخ وإلا كنت عملتلك حاجة تانية." أمسك بيدها وربت عليها بهدوء، ثم أخذ الطعام يتناوله واحتسى كوب الماء البارد لعلـه يطفئ نيران قلبه. سحبت يدهـا بهدوء وابتعـدت تبحث عن هاتفها الذي تركته لتشحنه من فترة، أخذته مع وصول زينـات بذلك الرداء الأسود.
دلفـت زينـات لذلك المكتب ولم تشعر بنفسها إلا وهي تضم منتصر تربت عليه بحنان، وهو تشبث بها ازداد بكاؤه وكأنه انتظر من يشاركه الضعف والبكاء بدلًا من قوته الزائفة التي اصطنعها أمام عيسى. سحب عيسى والدته لتجلس على الكرسي المقابل لمنتصر. في النهاية هو ليس ابنها الحقيقي. قال منتصر بخفوت: "الدكتور خد مني العينة، روح له أنت ومراتك عشان نلحق ندفن قبل الضهر. مش هبهدلها الليل واليوم كله، كفاية عليها كدا."
تحرك عيسى للخارج يسحب زمرد خلفه، وبالفعل انتهى الأطباء من تلك الإجراءات خلال ساعات قليلة، وانتهى الغسل. فدلف منتصر يقترب منها بأعين مرهقة من كثرة البكاء، جثا على ركبتيه ليصبح وجهه أمام وجهها وقال بين دموعه: "هتوحشيني يا قلب منتصر، كنتي نعم الزوجة يا نوسة، راضي عنك وأتمنى مكونش ظلمتك في يوم. لو دا حصل سامحيني."
ابتعد عنها بصعوبة، وبدأت مراسم الدفن. كان يغلق ذلك القبر تاركًا روحه وأنفاسه بداخله. ابتعد الجميع، حتى أن عيسى أرسل زوجته ووالدته مع أحد حرّاسه الموثوقين وبقي خلفه. قال منتصر بتعب: "روح أنت يا عيسى أنا قاعد شوية." "هو أنا سألتك هتقعد شوية ولا كتير! أنا هفضل معاك مش هتحرك من غيرك." تحرك منتصر معه بعد مرور ساعة أخرى. أصر عيسى عليه أن يأخذه لقصره، ولكنـه رفض رفضًا قاطعًا، يقول بصوت مليء بالغضب والتوعد:
"خدني عنده.. خليني أبرد ناري يا عيسى." نظر عيسى أمامه بملامح جادة تخفي خلفها الكثير من الغضب والدهاء والمكر. تخطت سرعته الحد المسموح به، ولكنه يعلم بأن هذا الطريق خالي من السيارات. وأخيرًا توقف أمام مبنى قديم، تستطيع من الخارج سماع صوت زئير ذلك النمر الجائع. ابتسم عيسى بخبث وتحرك للداخل وخلفه منتصر. فتح لهـم الحراس الباب، فتحرك الاثنان بهيبة وحضور طاغي برغم يومهم المتعب وكل ما مروا به.
اقترب منتصر ينظر بتشفٍّ لذلك الذي تصبب عرقًا وهو ينظر بخوف يرى مصيره بين أسنان ذلك النمر الجائع، فقال بصوت مرتجف: "أنا.. والله ما قولتلـه يقتلها. هو اللي غبي.. خلينا نتفاوض يا منتصر! ، متنساش أنا نبيل الصيـرفي.. ورايا اللي أكبر من عيسى اللي أنت بتتحامى فيه." "صح، عندك حق خلينا نتفاوض."
كان عيسى يجلس بعيدًا يتابع المشهد أمامه ولا ينوي التدخل بأي شكل، حتى إن أثار نبيل استفزازه بكل الطرق. تحرك منتصر لداخل القفص وبدون أي مقدمات كور قبضته ولكم نبيل بقوة لدرجة أنه سمع صوت تكسر عظام فكه وارتطم جسد نبيل بالأرض بألم حاد في وجهه. ولم يكتفِ منه منتصر بل أنزل عليه وابلاً من الضربات المؤلمة وهو يراها أمامه، يراها غارقة في الدماء، يرى موتها القاسي.
خرج منتصر وأحضر زجاجة من الماء ثم أفرغها على رأس ذلك الفاقد لوعيه، فابتعد نبيل للخلف يقول بتعب: "كفاية، كفاية.. أمره يبعد يا عيسى." رفع عيسى نظراته تجاهه بكبرياء وغرور، فهو يعلم جيدًا بأن منتصر حتى في هذه اللحظة سيمتثل لأوامره، ولكنه قال بغضب: "أنا بحرم نفسي إني آخد حق واحدة كنت بعتبرها أختي عشان منتصر يطفي ناره ويكتفي منك. أنا اللي جايبك هنا يا نبيل مش منتصر. لتكون فاكر إني مكنتش عارف تهديداتك!
بس أنت بالنسبالي حشرة متسواش. أنا عارف من قبل ما البوليس يكتشف إن اللي أنت بعته مكانش ناوي على قتل، بس نصيبك الأسود هو اللي وقعك تحت إيد عيسى ومنتصر." نظر عيسى تجاه منتصر يأمره: "اخرج يا منتصر، خلي تايجر يرحب بضيفنا."
تحرك منتصر للخارج وأشار عيسى بعينه للحراس، فأقتربوا من ذلك القفص يحركوه فأصبح باب القفصين متقابلين وبمجرد فتحهما سيصبح قفصًا واحدًا. أشار عيسى لمنتصر أن يفعلها بنفسه، فتحرك منتصر يقف فوقهما يسحب البابين وقد علت صوت أنفاسه وهو يشاهد ما يحدث، فقد اقترب منه تايجر وعـلت صوت صرخات نبيل المرتعـبة وكاد يغشي عليه من خوفه حتى شعر بسهم يصيب ذلك الحيوان فترنح تايجر قليلاً ثم سقط. نظر نبيل تجاه مصدر ذلك السهم ليجده هو بنفسه:
"عيسى." نظر له عيسى بتقزز، ليهبط منتصر من أعلى القفصين ويمد يده يربت على تايجر: "متزعلش مني يا صاحبي، بس متنفـعكش اللحمة الفاسدة." نادى عيسى أحد حراسه أو يمكننا القول الحارس الخاص بتايجر وأشار له أن يأخذه للداخل: "و... سيبوه هنا البوليس قدامه دقيقتين بالظبط." تحرك عيسى وخلفه منتصر، وقبل خروجهم للسيارة التقوا بقاسم الذي قال بحده: "مكـانش في داعي للتصرفات دي يا عيسى بيه." ابتسم عيسى يقول بسخرية:
"يا رب بس يوصل عندكم للإعدام يا قاسم باشا، ولو دا محصلش يبقى هضطر أوسخ إيدي بدمه. القضية لسه متقفلتش، أنا عاوز الواد اللي عمل كدا بأوامر نبيل." أكمل حديثه بسخرية أكبر: "ولا إني أشك إنكم توصلوا قبلي يا حضرة الظابط." تحرك عيسى من أمامه وبالطبع خلفه منتصر، لينظر قاسم تجاهه بضيق واتجه للداخل ليفتح عينيه بصدمة: "ده الراجل بينازع!!! .........................................................
كانت تحك ذقنها الصناعية بضيق وتأفف. انتفضت على صوت فتح الباب وإغلاقه بقوة وغضب بادٍ على ملامحه. نظرت تجاهه بريب فهو متغيب منذ البارحة ويبدو أنه يواجه مشاكل بعمله. ولكنها لم تهتم وبدأت في تسخين الطعام الذي أعدته مسبقًا وبدأت في وضعه على الطاولة، فرأته يعود من جديد يجلس على السفرة يتنهد بتعب. فضولها لم يمنعها أبدًا من التدخل في شؤونه: "مالك يا دكتور؟ تأفف سليم يقول بضيق:
"الحالة كانت زي الزفت امبارح، بنت مكملتش خمسة وعشرين سنة جاية مذبوحة. جوزها كانت حالته صعبة أوي، أنا لولا بحب شغلي وشاطر فيه كان زماني في مستشفى الأمراض العقلية من اللي بشوفه." قالت زين بآسي: "ربنا يرحمها، اهي استريحت من الدنيا وقرفها." نظر تجاهه سليم بضيق: "أنت يا ابني بائس ليه كدا!! شغال هنا بقالك ييجي شهرين وعمري ما شوفتك مرة بتنزل تخرج ولا ليك أهل ولا صحاب بيكلموك! ارتبكت زين من تطرقه للمرة الأولى عن حياتها،
فقالت بتوتر: "أصل أنا شخص انطوائي مبحبش الناس ولا الزحمة ولا بحب الدوشة." كانت كل تلك الصفات عكس شخصيتها الحقيقية، فالملل يكاد يقتلها في هذا المنزل، ولكنها تخشى أن يجدها أحد من أهلهـا أو ضاحي وأهلـه. ولولا فقدانها لهاتفهـا لكانت تواصلت مع أخيها، ولكن سـُـرقت حقيبتها في محطة القطار بالقاهرة. قال سليم بملل: "عايز أحلق دقني بس المكنة بتاعتي باظت، مش معاك واحدة أظبط بيها نفسي دلوقتي على ما أبقى أشتري واحدة." حكت
رأسها بتردد تقول بحيرة: "لا أنا.. آه دي استخدام شخصي وأنا بصراحة مبحبش أشارك حاجتي." نظر سليم تجاهه بضيق وعاد ليكمل طعامه بملل، وارتكنت زين على طاولة المطبخ تأكل أظافرها بملل حتى انتهى، فأقتربت تنظف السفرة وتحرك هو يغسل يديه ثم عاد يلقي بجسده على الأريكة، وهي انسحبت كعادتها بعدما يعود من عمله وينتهي من الطعام تذهب للغرفة، ولكنـه أوقفها. "زين هاتلي التيشيرت الأبيض من الدولاب."
خلع قميصه وألقاه لها، فأخذته بارتباك وهي تنظر أرضًا، وبعدما ابتعدت عنه هربت دمعة منها تهمس ببكاء: "يا رب اغفر لي، يا رب اغفر لي." وقفت أمام خزانته تبحث عما يريد، أخذته فالتفتت لتصطدم بجسد كالحائط، يقف كالسد المنيع أمامها. رفعت عينيها له تنظر له بتعجب، بينما هو ابتسم يرفع يده يسحب عن رأسها ذلك الشال يقول بسخرية: "المسرحية طالت وبخت أوي فكرة...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!