الفصل 16 | من 20 فصل

رواية عيسى القائد الفصل السادس عشر 16 - بقلم اية محمد

المشاهدات
17
كلمة
5,638
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 80%
حجم الخط: 18

"هتتقبلي فيا إيه؟ إني كنت مدمن؟ ولا إني أمي رقاصة؟ ولا إني مش عارف مين أبويا لحد النهاردة؟! "عيسى قالي وأنا مفكرتش ثانية واحدة غير في موضوع الإدمان، لكن هو طمنّي وقالي إنه واثق فيكِ، وأنا كمان واثقة فيكِ." ابتعدت فردوس وجلست تتنهد بتعب، ثم لثوانٍ استوعبت حال الغرفة فصرخت بتقزز: "إيه دا؟ إيه المنظر دا؟ اتفضل امشِ يا منتصر عشان أنا ورايا هم ما يتلم هنا." وبرغم تعمدها لتغيير مجرى حديثهم، إلا أنه اقترب يسحبها له،

يقول بحدة: "أنا ممكن أضعف وأرجع في أي لحظة، أنا نفسي مش ضامن وممكن أذيكي، ممكن مقدرش أحبك العمر كله. أنا مقدرتش أحمي نسرين ومش هقدر أحميكي." أبعدت يده تقول بهدوء:

"أنا مش هخليك تضعف وهعرف أخليك تحبني، ونسرين ماتت عشان دا عمرها مش عشان أنت قصرت معاها. أنت حمايتي يا منتصر. أنا كمان على فكرة مريت بحاجات كتير، حاجات تخليني أخرج من الكتب الوردية اللي مليانة شموع باللون الوردي وأعيش في الواقع. أنا الواقع بتاعي مخليني مش شايفة غيرك أقدر أحس معاه بالأمان. دا مش حب لأني بقيت أشوف الحب ضعيف قصاد مشاعري ناحيتك." ابتعد يسألها باستنكار: "فين العقل دا من فردوس المجنونة؟

"عمري ما كنت مجنونة، أنا شيلت أمي وأختي وأنا صغيرة يا منتصر، المسؤولية خلتني عاقلة وأقوى من الظروف اللي اتحطيت فيها. بس في النهاية أنا عايزة السند والضهر اللي أتحامى فيه." عاد ليقترب منها مرة أخرى، ثم ضم وجهها بكفيه واقترب يطبع قبلة رقيقة هادئة وصادقة على جبهتها: "أنتِ هتكوني زوجة هايلة." وضعت يدها على جبهته تقول بضيق: "وأنت جوز نص كم." ضحك منتصر بشدة يدفعها بخفة:

"يا بنت الناس اتلمي شوية عيب بقى، دي قبلة بريئة لبنوتة هنعتبرها بريئة. المهم موضوع شغل البيت اللي أنتِ عايزة تعمليه دا مش عاجبني. أنا كدا كدا هشوف حد ينضف، هسمحلك بس بالأكل عشان طبيخك حلو." "يا جدع والله ما في ست هتدخل هنا غيري، يلا روح شوف شغلك، عاوزاك تبقى ملياردير لو رصيدك في البنك قل هخلعك." "مادية حقيرة صحيح." "امشِ يا جدع بقى خليني أخلص، عيسى هيخلص عليا لو اتأخرت. يلا امشِ." "حاضر. سلام."

تحرك منتصر للخارج وبقيت هي تساعده في الحصول على حياة أكثر راحة. هي ترى الأمر بعقل أكثر نضجاً وتفهماً، حتى هي اختارت خدمته بنفس راضية. كل شيء بداخلها يقودها تجاهه. منذ عُقد بينهما ذلك العقد المقدس، وهي تفكر في كل الطرق لاستمالته، حتى إن كانت ستجاهده لأجل حياة سعيدة جواره.

الأيام لا تتوقف والحياة تمضي. عيسى وزوجته زمرد، تلك الفتاة التي ظلت تأتيه بأحلامه لسنوات لتأخذ مكانتها بقلبه من قبل حتى أن يلتقي بها. وبعد أن وجدها وأخيراً جعلها زوجته وأخذها لبيته ليتقرب منها فتبتعد، حتى رأت بنفسها أن لا سلام سوى بجواره.

لم تكن ترغب به وهو أيضاً. لا يوجد حتى تجاذب بينهما. تشعر بقلة الحيلة والحزن، حتى باتت باهتة وضعيفة. أما عنه، فقد أنهك نفسه بعمله حتى تقل فترة جلوسه بالمنزل. يتركها مع أخته الوحيدة ويبقى في مشفاه بجوار الجثث يحدثها، لعل أحدهم تستفيق وتجيب تساؤله.

بعد مرور شهر كامل استقرت حياتهم من جديد. ابنتهـا وها هي تعيش باستقرار مع زوجها، وخالد يعمل في مستشفى خاصة براتب مُرضي. أما زوجها فأخيراً افتتح مكتبته الراقية، وتردد الزوار عليها ليأخذوا منها الكتب وغيرها من المستلزمات ليستريح فؤاد زوجها وقد وجد أخيراً مصدراً جديداً من المال، كافياً بالنسبة له ولزوجته. كل تفكيرها الآن هي تزويج ابنها الوحيد الذي أصبح عمره 35 وثلاثون عاماً ولم يعرف امرأة يوماً.

عاد منتصر لمنزله ليجده كالعادة نظيفاً ورائحته منعشة، بينما طاولته مليئة بطعام يكفيه وبالطبع رسائل فردوس التي باتت أكثر شاعرية هذه الأيام. هو لن يظلمها يوماً، ولكن في النهاية قلبه ليس ملكاً له، لا يزال يتذكر زوجته ويحبها. كثيراً. "عيسى أنت نايم؟! أجابها بصوت ناعس: "لا، بس هنام." "أنا كنت عايزة أقولك حاجة." "سامعك." "مامتك كانت بتقولي إنها عايزة تشوف أحفادها." "معلش ابقي قولي لها إن شاء الله وخلاص."

"لا مهو أنا كمان عايزة أشوف أحفادها." التفت عيسى ينظر لها باستنكار وتعجب وسألها بحيرة: "يعني إيه؟ "عايزة أقول لعيالي إني بحب أبوهم." ضحك عيسى يسألها بصدمة: "إيه؟ دا أغرب اعتراف شفته في حياتي! ابتسمت تقول بهدوء وصدق: "أنت أحسن حاجة حصلت في حياتي يا عيسى. أنا عارفة إني أخدت وقت طويل عشان أقول كدا بس أنا بجد بحبك." تحرك عيسى بحماس كبير يقول بجدية: "قومي غيري هدومك هننزل دلوقتي هوريكي حاجة في الشارع اللي ورانا."

سألته بتعجب: "حاجة إيه؟! "قومي بس يلا أنا هروح أجيب العربية وهستناكي تحت." تحرك عيسى للخارج بحماس وسعادة، وهي أيضاً تحركت سريعاً ترتدي ثيابها، ثم اتجهت للسيارة ليتحرك بها عيسى لدقائق قليلة، ثم توقف بها أمام أحد المحلات المغلقة. فسألته بتعجب: "إيه دا يا عيسى؟! أردف بحماس: "تعالي." فتح عيسى الأبواب وتحرك للداخل وهي خلفه، لتتضح لها الرؤية بالكامل عندما أضاء لها عيسى المكان، يقول بابتسامة:

"صيدلية الدكتورة زمرد. إيه رأيك؟! التفتت زمرد تنظر له بصدمة واتسعت ابتسامتها تضحك بدون تصديق: "دا! دا بجد؟ صيدلية بتاعتي أنا؟! قال عيسى بابتسامة: "هي لسة مخلصتش، أنا كنت بجهز كل حاجة عشان أعرف أقولك كلمة بحبك كدا تكون محترمة. بس أقسم بالله ولا تيجي حاجة جنب الكلام اللي أنتِ قولتيه. والله وأنا كمان نفسي أشوف عيالي بقى." ضحكت زمرد بخجل، فأقترب عيسى يضمها برفق يهمس بهدوء: "أنا بحبك يا زمرد."

ها هي بداية في صفحات جديدة من كتاب الحياة الخاص بهم. بداية حياة جديدة، توبة جديدة. أقسم عيسى بداخله أن لا يعود لذنوبه السابقة، فبعدما أعطاه الله كل تلك السعادة لن يغضبه هو عمداً. بل تقرب أكثر طالباً المغفرة، والتفت لزوجته ووالدته وإخوته يهتم بجميع من حوله ويهتم الجميع به. بعد مرور ستة أشهر. في شركة آل عيسى. "حنة جايلها عريس." رفع منتصر رأسه لعيسى يسأله باهتمام: "عارف موضوعها؟! هز رأسه نفيًا وأردف بحيرة:

"بفكر أكلمه كدا أقابله برا في كافيه ولا حاجة وأفهمه، وهو بقى حر." تنهد منتصر يقول بضيق: "عيسى إنت لازم تشوف حل جذري للموضوع دا. أكيد اللي اسمه كارم دا محتفظ بكل الأوراق بتاعة أبوه، بما فيهم ورقة الجواز دي." "أنا قلبت الدنيا على الورقة. في واحدة من الخدامين اللي في بيتهم قالت لي إن كارم ولّع في ورقة الجواز دي عشان خاطر ما يكونش لحنة أي نصيب في الورث وكمان عشان يريحوا قلب أمهم." "تفتكر مجدي كان معاه نسخة من الورقة؟

مهو مجدي مش غبي بردو وطبيعي يكون معاه نسخة عشان يضمن حقه." "لا مجدي مش معاه حاجة. لو معاه كان هيساومنا عليها من زمان." "الموضوع دا صعب أوي بجد ومتقفل من كل الاتجاهات للأسف." "أصلاً حنة قايلاها صريحة إنها مش عايزة لا تقابل عرسان ولا عايزة تتجوز خالص، بس أنا تحت تهديد فيفي إني مسمعش كلامها." ضحك منتصر بيأس على تصرفات زوجته المندفعة، فهي تفعل ما تريد دائماً، بطريقتها، بدون أي مقدمات، بدون تفكير بالعواقب.

سأله عيسى بسخرية: "إيه اللي يضحك دلوقتي؟! "لا بضحك على فردوس بس. أنا فاضلي في الحياة شوية طاقة بيخلصوا عليها." "بمناسبة فردوس بقى، إيه موضوع المصروف اللي أنت بتديها له دا؟ أنت تديها فلوس بتاع إيه أنت؟!

"مش مصروف ولا حاجة، هي كانت داخلة جمعية وبعدين دلوقتي عشان مبقاش في شغل فهي قالت لي إنها عايزة تسد الفلوس بتاعتها. فأنا بقيت أديها كل عشر أيام تقريباً تدفعها وبزود لها شوية لو نفسها في حاجة. مش بصرف عليها يعني. وبعدين يعني إيه بتاع إيه أنت دي؟ دي مراتي! "دي مراتك بس مش في بيتك. الأولى كانت تطلب مني أنا." "معلش تلاقيها اتكسفت." "أولاً دي فردوس يعني مبتتكسفش. ثانياً هتتكسف مني أنا وأنت لا ليه إن شاء الله؟

أنا أخوها وأنت يدوب واحد كاتب كتاب يعني." "آه والله أنا يدوب جوزها فعلاً. عيسى أنت عايز إيه دلوقتي؟! "متصرفش عليها يا حبيبي غير لما تبقى في بيتك. لسه قدامك سنة على ما تبقى تصرف براحتك." قال منتصر بتردد: "آه هو موضوع السنة دا مينفعش يبقى ست شهور؟! نظر له عيسى بتعجب تحول بخبث وهو يسأله: "البت فيفي وقعتك ولا إيه؟! أجابه منتصر بضحك:

"لا مش كدا. هي بس قالت لي أتكلم معاك وأقولك نخليها ست شهور كمان بدل سنة. هي متعرفش إني أنا اللي حطيت المدة دي ومش عايز أقولها عشان متفهمش إني كان عندي مشكلة في الموضوع كله أصلاً." "قولها إني رفضت." "ليه؟! "أنت جاهز لحياة جديدة وجواز ومسؤولية وبيت؟

أنا عن نفسي لسه شايفاك بتحارب في اللي فات. أنا عارف إنك بتحترم فردوس وبتعزها وإنها بقى ليها مكانة غالية في قلبك، بس لما هي تسألك عن مشاعرك ناحيتها وتقول لها كدا هي مش هتكون مبسوطة. فيفي بتفكر في إنها لما تكون معاك هيكون ليها مساحة أكبر إنها تقدر تخليك تحبها زي ما هي باين عليها أوي إنها بقت تحبك لدرجة كبيرة. يمكن أنت أصلاً جيت تقولي كدا عشان متجرحش حبها دا. وأنا مش عايزك تعمل حاجة أنت مش مقتنع بيها مية في المية، خصوصاً لو هيبقى فيه ضرر على أختي."

"هي بتعمل كل حاجة عشان تخليني مرتاح، مش عايزاني أحس إني اتجبرت على الجوازة وأنا للحق بكون مرتاح معاها. فردوس شخص سلس مش معقدة بالنسبالي وبحس إنها دايماً فهمني. دمها خفيف وبتضحك طول الوقت بس بردو مش تافهة. فاهمني؟! أومأ عيسى بابتسامة هادئة ثم أردف بتعقل: "ولكن بردو مردتش عليا. هل أنت اتخطبت ولا لا؟

وأنا طبعاً مش بطلب منك تنسي نسرين. أنا عايزك بس تصدق إنك ممكن تحب تاني عادي. وعامة أنا شايف إنك بتاخد خطوة بس متوافقش فيفي في النقطة دي بالذات. أنتم لسه محتاجين وقت." تمكن عيسى من إقناع منتصر وبالفعل أخبر فردوس بذلك بعد أن عاد من عمله في مكالمة هاتفية انتهت بمشاجرة بينهما أدت لمخاسر كبيرة.

"والله خسارة فيك صينية المكرونة البشاميل اللي أنا كنت ناوية أعملها لك بكرة. عندك المكرونة ابقى قرقشها بقى. ولعلمك مفيش جواز بعد سنة، بعد خمس سنين ابقى كلمني ويا عالم هرد عليك ولا لا." حاول كتم صوت ضحكاته وهو يسألها باستنكار: "وإشمعنى خمس سنين يعني؟! "عشان يا بيه أنا قررت إني أشتغل وأحقق ذاتي وكاريري." "كاريرك؟ دا هزار الكلام دا صح؟

"لا مبهزرش، أنا قررت إني أرجع تاني أفتح الكافيه. أصلاً عيسى كتبه باسمي وأنا لازم أدير أموالي بنفسي." "ما شاء الله بقيتي تقرري من دماغك ولا كأن ليكي راجل تسأليه؟! "لما أبقى في بيتك بقى ابقى أسألك." أردف منتصر بحدة: "لا مهو أنا مش خطيبك عشان تسمعيني الكلمتين دول، أنا جوزك ولازم لما تفكري في حاجة زي دي تيجي تتكلمي معايا، مش تيجي تقولي لي أنا قررت وأنت بقى رأيك في الزبالة ميهمنيش."

"بس أنا مقولتش كدا. طبعاً رأيك يهمني بس أنا مفكرتش إنك هتعترض وبالشكل دا. مش فاهمة يعني لو اتكلمت بهدوء هيحصل إيه؟ "اقفلي يا فردوس وموضوع الشغل دا تنسيه." أنهى المكالمة بضيق وهي كذلك. نظرت للهاتف بغضب وقبل أن تنفجر من غضبهـا، ثم تحركت لخارج المنزل حيث كانت بمفردها. كان قرارها هو التجول قليلاً حول المنزل لتفريغ غضبها منه، وبدون أن تنتبه كانت تقطع الطريق لتصطدمها أحد السيارات.

سقطت أرضاً متألمة لا تشعر بمن حولها، ثم استسلمت للظلام الذي داهمها وأخفى عنها النور. "إيه دي؟ "ورقة طلاق. طلاقنا." "لا ما أنا بعرف أقرأ يا زين؟ بس مش فاهم يعني إيه عايزة تطلقي؟! قالت بارتباك وهي تحاول تفادي النظر لعينيه مباشرة:

"أولاً يا سليم أنا ممتنة فعلاً للي أنت عملته معايا، أنت أنقذتني. مهما عملت عمري ما هقدر أوفيلك حقك. لكن أنا بقيت شايفة إن جوازنا دا خلاص ملوش داعي. أنا من الأول مش حاسة بأي مشاعر ناحيتك وكذلك مش حاسة منك بأي حاجة. يمكن لو أنا للحظة حسيت إنك انجذبت ليا أو في حتى مجرد إعجاب بيا كنت هتغاضى النظر عن مشاعري ومكنتش هقول الكلام دا. بس أنا بقيت حاسة إني بحرمك من إنك يكون ليك حياتك العاطفية أو الزوجية المستقلة. وعشان كدا أنا أخدت القرار دا ومستنية أسمع رأيك وهحترم قرارك."

"هتسمعي رأيي بعد ما كلمتي محامي أو مأذون وعملتي ورقة الطلاق ومضيتي عليها كمان؟ أنا كل ما بحاول آخد خطوة معاكي أنتي اللي بترفضي. قولتلك تعالي نسافر سوا. زين أنتِ حتى مبتقعديش معايا على سفرة الأكل! تجاذب إيه اللي هيحصل وأنا تقريباً بشوفك مرة في اليوم ساعة العشاء وبعدها تدخلي أوضتك وتقفلي على نفسك الباب!

مع إني يوم ما قولتلك نتجوز قولتلك هيكون جواز طبيعي من غير أي شروط عشان صحة العقد. ست شهور يا زين ولحد النهاردة كل ما بفكر أجيب لك حاجة بقف محتار مش عارف أصلاً أنتي بتحبي إيه من كتر تجنبك ليا. رفضت الأكل كذا مرة وقولت لك طالما هتقعدي معايا يبقى مش هاكل وكنت بتدخلي وتسيبيني أضرب دماغي في الحيط. حتى يوم ما باخد إجازة بتقعدي ساكتة ومبتتكلميش. أنتي حتى وقت الأزمة نفسها مكونتيش كدا. بعد ما كل حاجة اتحلت وخلاص أهلك بقوا حواليكي وأخوكي بقيتي كدا."

كانت عيناه ممتلئة بالدموع وهي تستمع لحديثه، كانت قاسية بالنسبة لها. الأيام والشهور وكلماته، وبرغم ذلك لم تتغير ملامح وجهها كثيراً، باهتة فقدت حيويتها. أردفت بهدوء: "وعشان كدا أنا شايفة إني أعفيك من كل دا أحسن وننفصل بهدوء." "واللي أنا شايفه مناسب إنك محتاجة دكتورة نفسية، زي ما أخوكي قال لك قبل كدا."

"وأنا مش هقدر أحكي لحد وأفتكر كل دا. فخلاص أنت مينفعش تعيش مع واحدة من غير روح. أنا حاولت يا سليم والله حاولت بس مش قادرة. لا قادرة أخرج من اللي أنا فيه ولا قادرة أكمل معاك حياة طبيعية."

"يا زين أنا عايزك تبقي كويسة، وأنا مش عايز حاجة منك يا ستي خلينا صحاب، بس كلميني وعرفيني عنك وعن حياتك واعرفي عني حاجة غير أي الأكل اللي أنا بحبه وخلاص. أنا مش هضغط عليكي وعد مني بس حاولي واسمعي كلامي وسبيني أحجز لك عند دكتورة كويسة." "طيب تعالي معايا." "مين قال لك إني هسيبك أصلاً؟ هكون معاكي في كل سيشن هتروحيها بس توعديني متقوليش الكلام دا تاني. أصل عيب يبقى قدامي بنت زي القمر كدا ومعجبش بيها دا أنا أبقى عبيط بقى."

ابتسمت له بهدوء لمجاملته، ثم اقتربت تأخذ الورقة وقامت بتمزيقها تهمس بهدوء: "أنا آسفة." اقترب سليم يجلس جوارها وسألها بهدوء: "إيه رأيك تقومي تغيري هدومك ننزل نتعشى برا." أومأت برأسها وأردفت بابتسامة خافتة: "وعايزة آيس كريم." "عنيا. يا سلام إحنا عندنا كام زين يعني! يلا قومي جهزي بسرعة عشان ميت من الجوع." "حاضر مش هتأخر عليك." "فردوس مجدي. كلموني من تليفونها هي فين؟!

سأل منتصر بقلق وهو بالكاد يلتقط أنفاسه. أخبرته موظفة الاستقبال، فركض يبحث عنها وبداخله العديد من التساؤلات. توقف على رنين هاتفه فأخرجه يجيب بتعب: "آه يا عيسى أنا وصلت بس لسه معرفش هي فين ولا عارف حصل لها إيه. بدور عليها أهو."

كان الأخير يقود سيارته بسرعة جنونية كادت تودي بحياته، لكنه لا يهتم الآن سوى بأخته. سوى بتلك الفتاة التي أطغت بمزاحها على كل الأسى الذي مروا به. بقلب مضطرب وعقل يمر بأسوأ التخيلات في تلك اللحظة. بالنهاية ما مر به ما زوجته الأولى لم يكن أمراً هيناً أبداً. لا يتخيل حتى أن يفقدها، وإن كان لم يصل بمشاعره معها لنصف ما احتفظ به بقلبه لزوجته الراحلة، ولكنه لا يستطيع إنكار ما يحمله بداخله من اهتمام تجاه تلك الفتاة.

حرك منتصر مقبض الغرفة المغلقة ودلف للداخل يبحث عنها باضطراب: "فردوس! رفعت فردوس عينيها لتجده أمامها فنادته بخوف: "منتصر. هو أنا هموت؟ اقترب يجلس بجوارها يردف بقلق: "إيه اللي حصل؟ أنتي كويسة؟ فين الدكاترة اللي هنا؟! "مش عارفة. أنا عملت أشعة من شوية وسابوني ومشوا، ورجلي بتوجعني أوي مش قادرة أقف عليها." وقف منتصر يقول بانفعال: "يعني إيه مشيوا وسابوكي؟!

"لا اقعد متسبنيش وتمشي. خليك معايا. أنا كنت خايفة أوي، كنت حاسة إني هموت خلاص والناس اتجمعت حوالي وجابوني هنا." جلس منتصر بجوارها يضمها، فالمرة الأولى قالت بتعب: "أوعى حضن مرة واحدة. أنا كدا اتأكدت إني بودع خلاص. واجهني بالحقيقة قالوا لك إيه برا؟ ضحك منتصر وابتعد ينظر لها بيأس، فتمسكت هي به لتضع رأسها على كتفه تسأله بتعب: "كنت خايف عليا؟ أجابها بهدوء:

"كنت مرعوب يا فردوس. الحمد لله إنك كويسة. هتطمن عليكي بس وبعدين هعلمك الأدب عشان تبقي تخرجي من غير ما تعرفيني تاني." "أنت هتشلني يا جدع أنت! أنت مش كنت متخانق معايا وقافل السكة في وشي هكلمك استأذنك كمان؟ دي مصيبة إيه دي؟! "بس اكتمي خالص مش عايز أسمع صوتك. خليني أكلم أخوكي أطمنه عليكي قبل ما يعمل حادثة هو كمان." وقبل أن يكمل حديثه اندفع عيسى لداخل الغرفة وخلفه خالد، حنة، والدته وزمرد. جلس عيسى بجوار فردوس

يضمها بقلق ينظر لها بتفحص: "حصلك حاجة؟!! أنتي كويسة؟! أومأت له فردوس بابتسامة، فأقتربت حنة تضمها وهي بالكاد تلتقط أنفاسها من كثرة البكاء: "إزاي تخرجي ومتقوليش لحد. كنا هنتجنن عليكي." تأوهت فردوس تقول بخبث: "الدكتور قالي الزعل وحش أوي أوي عليا. أنا بقول وافقي على العريس وتفرحي قلب أختك العيانة." دفعتها حنة بخفة في كتفها وابتعدت عنها تنظر لها بضيق تقول بتحذير:

"دي أخر مرة تخرجي من غير ما تكوني قايلة لحد فينا على مكانك. فاهمة ولا لأ؟! "بقولكم إيه ما تحطوا لي جهاز تتبع أحسن؟! دلف الطبيب وقد كان منقذاً لها من تأنيب الجميع لها. سأل بتعجب: "إيه يا جماعة العدد دا كله؟ الموضوع مش مستاهل يعني. في شرخ بسيط في رجليها هنعمل جبيرة متدوسش عليها لمدة أسبوعين وخلاص الموضوع بسيط إن شاء الله."

بعدما انتهى الطبيب من عمله أخذهـا عيسى بين يديه يحملها للخارج، ثم تحركت السيارات تجاه منزل عيسى من جديد. تحرك عيسى ليحملها من جديد، ولكنه وجد منتصر بالفعل اقترب ليساعدها. فأقتربت زمرد من زوجها تقول بهدوء: "سيبه هو يساعدها." تنهد عيسى بضيق: "طيب هركن أنا العربية. اطلعي أنتي وراهم." تحرك كلا في اتجاهه، وبقيت حنة تنظر في أثرهم بتعب وحزن وحيرة. ماذا لو فقدت أختها أيضاً اليوم؟ كان اختباراً قاسياً بالنسبة لها.

"متقلقيش. هي كويسة." يكفيها ما مرت به. لن تتحمل أن تقف الآن وتستمع لمواساته وتنظر له، فهي كل ما تريده هو أن تنسى ملامحه، أن لا تجمعها صدفة به. فهي تجاهد قلبها اللعين منذ ستة أشهر لنسيانه. "إن شاء الله. معلش بقى يا دكتور تعبناك معانا." "أنا معملتش حاجة. ألف سلامة عليها. ومبروك." سألته بتعجب: "مبروك على إيه؟! "هتتخطبي قريب؟! "لا. دا كان حد متقدم وأنا رفضت بس عيسى وفردوس مصممين إني أقابله. بس أنا عند قراري."

"هو العريس اللي مرفوض ولا المبدأ؟! "المبدأ." أومأ لها بدون أن يضيف حرفاً آخر وتحرك للداخل، فتحركت خلفه وهي تحاول منع نفسها من البكاء من جديد، فهي حنة هي حنة تواجه كل مشاكلها بالبكاء. لكن الحب من طرف واحد يستحق البكاء. في الأعلى كانت تحيط رقبته بيديها لتتشبث به وتنظر له بابتسامة تتأمل ملامحه عن قرب. فأقترب يهمس لها: "أنا عارف إني حلو بس مش كدا. الناس تقول إيه؟! "أنت قمر. ويقولوا اللي يقولوه محدش ليه عندي حاجة."

ضحك منتصر، ثم وضعها على فراشها، ثم أخذ وسادة يضعها خلف ظهرها وأخرى تحت قدمها المصابة، يقول بهدوء: "نامي كويس. بكرة هجيب لك فطار وأجي أفطر معاكي. أجيب لك إيه؟! "طعمية وفول وبطاطس ومسقعة وبابا غنوج. وماية سلطة عشان بحبها." "عشان تفتح نفسك أصلها مسدودة." "آه فعلاً عندك حق. أهو خليني أخس شوية." أقترب يمازحها: "لا متفقناش على كدا. أنا عايزك كدا زي ما أنتِ." "قصدك إني زي القمر صح؟ قول قول متتكسفش محدش معانا."

"طبعاً وأنا أقدر أقو..... "احم احم... خلصتوا فيلم عشق مليء بالدسم دا؟! ابتعد منتصر وتحرك قليلاً للخارج باتجاه باب الغرفة: "آه أنا خلاص اتطمنت عليها." تحرك منتصر بحرج مغادراً لمنزله، وتابع عيسى فردوس بحدة، فنظرت له بتعجب ترفع كتفيها في براءة مزيفة. "نامي وارتاحي. كلامنا الصبح." في الصباح التالي.

تفاجأ منتصر بأن الجميع اجتمع بشقة فردوس وحنة لتناول طعام الإفطار سوياً. لم يهتم وتحرك يبحث عنها ليجدها تجلس على الأريكة بجوار والدة خالد. فألقى التحية والتفت يسألها باهتمام: "عاملة إيه النهاردة؟ "الحمد لله، أحسن. حاسة إن كل الناس مهتمة بيا. أنا بقيت محور الكون بجد." ضحك منتصر ثم أعطاها حقيبة مليئة بالأطعمة السريعة المختلفة والمسليات. "جايب لك كل حاجة تقريباً. اتسلي بقى ومش عايز رجلك تلمس الأرض. فاهمة ولا لأ؟!

"حاضر. أنا أساساً مش قادرة أتحرك." في الداخل وقف عيسى جوار زوجته المنهمكة في تحضير الطعام يسألها بحيرة: "يعني بعد ما ظبط كل حاجة هلغي؟! "يا عيسى حنة بتشتغل وفردوس لازم حد معاها ومامتك متقدرش تلاحق على شغل الشقتين ومين هيهتم بفردوس؟ معلش هنبقى نسافر في وقت تاني. أنا أساساً كنت تعبانة مش قادرة." "مالك؟ "معرفش بس هروح أعمل تحليل أنيميا كدا." سألها بابتسامة: "مش يمكن تكوني حامل؟ امتلأت عيناها بالدموع والتفتت تقول بحزن:

"لا مش حامل. يا ريت بس مفيش حمل ولا حاجة." تحرك عيسى ليقف أمامها يسألها بهدوء: "أنتِ بتعيطي ليه دلوقتي؟ بقالنا قد إيه متجوزين إحنا عشان تعيطي على الموضوع دا؟ أنتي المفروض دكتورة وعارفة إن الخمس شهور دول ميُعتبروش تأخير أصلاً." "أنا عارفة ومش زعلانة ولا حاجة. أنا بس حاسة إني بفكر في مليون حاجة. الموضوع دا وبابا اللي بقاله شهرين مكلمنيش خالص!!

وأخر مرة رحنا طنطا قالي ابقي أكلمه قبل ما نروح. طيب هو مبيردش عليا أروحله إزاي؟ هو ما صدق خلص مني يعني! ليه هو أنا كنت بعمله إيه؟! "طيب مكلمتيش عمار ليه تسأليه؟ "سألته قالي إن عادي الوضع في البيت طبيعي. يعني بابا بيتجاهلني، مش عايز يعرف عني حاجة ولا يشوفني تاني!! اقترب عيسى يضمها برفق، فهو حقاً لا يملك من الكلمات ما يواسيها به، فهو لا يعرف حتى ما معنى كلمة أب.

بعدما هدأت قليلاً تركته لتكمل ما تفعله، فأبتعد عيسى يفكر في فعل شيء لإسعادها، وقف جوار النافذة منشغلاً بالأمر حتى قطع خالد تفكيره: "عيسى... أنا كنت عايز أتقدم لحنة." ويتبع.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...