"طلقني يا منتصر.." "بس أنا اخترتك انتي يا فردوس.. أنا مقتلتوش، هو اللي حاول يخلص عليا والله حتى شوفي.." مد ذراعه لها، فأنتبهت له. وضعت يدها برفق على ذراعه، وقد استعادت هدوءها بعد كلماته الأولى، وسألته باهتمام: "إيه اللي حصل؟ *** "طب اللي يهرب يلم نفسه لحد ما الدنيا تهدى حواليـه. مش أول ما تهرب تسن سنانك علينا من تاني، إيه يا نبيل نسيت تايجر ولا إيه؟!
التفت نبيل بصدمة عندما وجد منتصر خلفه. ولكنه لم يسأله كيف وصل لمكانه، عندما رأى حراسه مقيدون بواسطة حراس آخرين يعرفهم جيدًا، حراس القائد. "خوفت صح؟ كنت اتعدمت أهون على الأقل كنت رحمت نفسك مني، ولا أنت مبتحرمش؟! اقترب منتصر، تاركًا المقدمات والحديث الذي لا داعي له، وأخذ يكيل له الضربات المؤلمة الواحدة تلو الأخرى دون أي فواصل. لا يرى أمامه سوى صورة زوجته التي قُتلت غدرًا.
لم يبتعد إلا عندما رأى عيسى وخلفه قاسم وقوات الشرطة. فابتعد نبيل، يأخذ سلاح منتصر من بين ثيابه، صارخًا بجنون: "محدش يقرب مني وإلا هخلص عليكم.. محدش يقرب مني.." نظر له منتصر بسخرية، ومد يده لأحد الحراس فأعطاه سلاحه ليصوبه منتصر تجاه نبيل: "محدش هيقرب غيري، أنا كفاية عليك." صاح قاسم بتحذير: "لا يا منتصر.. سيبه، أنا هتصرف معاه." "أسيبه عشان يهرب تاني يا حضرة الظابط؟ هو مش ليه حكم إعدام.. خلاص أنا هنفذ."
"هتتعرض للمسائلة القانونية يا منتصر.. وأنت يا نبيل ارمي السلاح مش هتستفيد حاجة باللي بتعمله ده." أجابه نبيل بغضب: "ما أنا كدا كدا ميت، يبقى مش هموت لوحدي بقى."
يده الممسكة بالسلاح تجاهد لإطلاق الرصاص، وعقله كأنه توقف عن التفكير. ولثانيـة واحدة استمع لصوتها وكأنها تتحدث من داخله أو تقف بجواره، لا فاصل بينهما، تهمس باسمه فقط. لم تكن نسرين هذه المرة، بل كانت تلك الصغيرة التي أيقظت بداخله مشاعر لم يختبرها حتى في زواجه الأول. كأنه يراها ويرى نفسه من خلف القضبان وهي تكرر عليه نفس سؤالها الأخير له، تسأله إن كان لها ولو مكانًا صغيرًا بقلبه.
أخفض منتصر سلاحه وتراجع خطوة للخلف، ولكن هاجمه نبيل بطلقة نارية بالكاد أصابت ذراعه. فأمسك منتصر ذراعه بألم، وقبل أن يتخذ أحد ردة فعل، كانت رصاصة قاسم تستقر بصدر نبيل. يقول بضيق: "طلبها ونالها." نظر له عيسى بضيق واقترب يفحص ذراع منتصر، يقول بهدوء: "هنربطها بس دي شظية، مفيهاش حاجة." أومأ له منتصر بتعب. وقبل أن يتحرك، سأله عيسى: "سبته ليه؟
"عشان عندي اللي أخاف أتحبس وأسيبها. مش عايز حبها ليا يبقى سبب تعبها، حب فردوس ليا هو أحلى حاجة حصلت معايا، أنا اللي محتاجها مش هي." ابتسم عيسى بهدوء، ثم تحرك للخارج رفقة منتصر وعاد به للقصر. *** "أنت حلو أوي يا منتصر." ضحك منتصر واتسعت ابتسامته. ينظر لعينها التي لمعت بحبها له. اقترب منها يطبع قبلة رقيقة على جبهتها. فنظرت له بضيق: "مش هتتغير أبدا." تعالت ضحكاته واعتدل، يمسك ذراعه بألم، يقول بحسرة:
"أنا عاوز دكتور يشوفلي دراعي ده بجد." "دكتور خالد هنا، خليه ينضفلك الجرح قبل ما يلتهب." سكن جسد منتصر ونظر أمامه لدقيقة، ثم وجه عينيه لها يسألها باستنكار: "دكتور مين اللي هنا يا قلبي؟ ابتلعت ريقها تقول بتوتر: "دكتور خالد.. هو اللي جابنا هنا وأنا والله ما قولتلـوش، عيسى اللي قاله. وبعدين كان واقف هنا، مشوفتوش." أجابها بضيق: "مكنتش شايف غيرك."
"والله أنا ما عارفة أفرح ولا أزعل من الجملة. قوم يا منتصر ناديلهم، والله ما عارفة عيسى مفضيلنا الجو على إيه! "تعرفي إن أهم مميزات البنت إنها تكون تقيلة." "إحلف والله، أنا خمسة وسبعين كيلو كدا تقيلة صح! نظر لها منتصر بتقزز، ثم تحرك بعيدًا عنها، يقول بيأس: "مفيش فايدة.. فين دكتور خالد دا ييجي يعملي إيدي، خلوني أروح أنام."
أخرج منتصر هاتفه ليتصل بعيسى، فآتى بعد قليل وخلفه خالد. وبعد دقائق كان الجميع بالأسفل، وخالد يجلس جوار منتصر ينظف له جرح ذراعه. وفردوس تنظر له بآسى: "محتاجين مستشفى نتحط فيها إحنا الاتنين." أجابتها زينات بضحك: "على رأيك يا بنتي والله، بس يالا الحمد لله إنكم بخير." قال عيسى بهدوء:
"الساعة بقت سبعة، خلونا نرجع البيت. أنا تعبت، عاوز أنام شوية، وأعتقد كلنا تعبانين يا عيلة مفيهـاش غير مصايب وبس. أنا نفسي ناخد نفسنا يومين بس حتى." ضحك خالد واقترب يسير جواره للخارج، وبالخلف منتصر يساعد فردوس على السير، والبقية خلفهم. عائلة جذابة للمصائب حولها، لا يمر يوم دون قصة جديدة بينهم وبين الحياة الطبيعية سدًا يمنعهم من السلام والراحة. *** "يعني إيه يعني الكيلو بـ 40 جنيه؟
ليه هي الطماطم فاكرة نفسها مانجا ولا إيه! أما أنتوا شوية حرامية بصحيح! اقترب البائع منها، يصيح بغضب: "بقولك يا ست يا تشتري بالسعر اللي أنا حاطه يا تتكلي على الله، مش ناقصة مناهدة على الصبح." "لا هشتري و 25 عشرين، يا هفرّج عليك الخلق كلهم وأقولهم إنك بتزور في الميزان يا حرامي."
نظر البائع حوله بغضب خوفًا من أن يخسر زبائنه. اقترب سليم يقف جوارها بعد أن حصل على المشتريات التي أخبرته بإحضارها. فنظرت بداخل الحقيبة وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة، فسألها بتعجب: "إنتي كنتي بتجري ولا إيه؟ لم تجبه، بل التفتت للبائع تنظر للميزان بتركيز. ثم أخذت منه الخضار وأعطته المال وهي تحدجه بنظرات غاضبة. حتى سليم جوارها كان يتابعها بتعجب. "بقالك يومين بايت في المستشفى ليه؟
"شغل مهم والله، مش قولتلك اقعدي اليومين دول عند أهلك بدل ما تفضلي لوحدك؟ "لا كنت مشغولة في تنضيف الشقة. أول امبارح روحت في ميعادي عند الدكتورة وطولت شوية، وبعدين رجعت، مخرجتش غير لما أنت كلمتني إنك جاي. قولت بقى أقابلك تيجي معايا أجيب الخضار قبل ما تطلع." "طب قوليلى عاملة أكل إيه النهاردة؟ "لسه معملتش، هعملك مكرونة بالبشاميل." "الله أنا بحبها أوي." "ما أنا عارفة عشان كدا قولت هعملها لما ترجع."
غمزها سليم يسألها بمشاكسة: "ده حب دا ولا إيه؟ "تؤ، اهتمام." ابتسم يقول بهدوء: "وإيه يعني وهو الاهتمام إيه غير وسيلة للتعبير عن الحب.. ما علينا من المسميات يا زينة." "إيه حكاية زينة دي! اسمي زين وبس." "عاجبني زينة أكتر و عارف إنه بيوترك وأنا بحب أشوفك متوترة." دلفت لجواره بالمصعد ونظرت له بتوتر بالفعل، تدافع عن نفسها: "عالفكرة مبوتـرش ولا حاجة، بس مش فاهمة ليه ممكن تكون بتحب توتـرني! غلاسة وخلاص!؟ التفت
يخطو تجاهها يقول بثبات: "عشان ده معناه إن ليا تأثير عليكي، وأي راجل هيحب كدا. بحب أشوف في عينيكي إن قربي منك بيلخبطك.. إحساس حلو صدقيني." "كلام كتب وفلسفة فارغة والله." قالتها وهي تتجاهله، تخطو لخارج المصعد. ثم أخرجت مفتاح الشقة وتحركت للداخل تجاه المطبخ، وهو خلفها. فألتفتت تأخذ منه الأغراض وقالت بهدوء:
"ادخل غير هدومك ونام شوية على ما أحضرلك الغداء. و آه، عالفكرة ماما بكرة عازمانا على الغداء، متقوليش عندي شغل. هي عاوزاك تقعد مع خالد تقنعه يشيل موضوع حنة ده من دماغه." "أنا مش عارف ماما رافضة ليه بجد! "عشان هي في مقام أخت عيسى. وهي برغم كل اللي عيسى عمله خايفة. هي شايفة إن كل اللي حواليه بيتأذوا بسببه، حتى مرات منتصر صاحبه ماتت بسببه."
"آه مرات منتصر دي كانت عندي في المشرحة، أنا اللي مطلع التقرير بتاعها. كانت جريمة بشعة." "ربنا يرحمها ويغفر لها. بس أنا عاوزاك يا سليم تقعد مع ماما هي وتقنعها توافق. البنت كويسة ومحترمة ومتعلمة كويس ومثقفة وأنا بجد شايفاها مناسبة لخالد، ده طبعًا غير إني شايفة حب خالد ليها وزعلانة على زعله. حاول تقنع ماما يا سليم بالله عليك.. يعني في الأول والآخر.. لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا."
يبدو أن شمس الحياة بدأت في الإشراق من جديد بالنسبة لزين، فأصبحت أكثر اهتمامًا بذاتها ومن حولها، أكثر حيوية ونشاطًا. وهذا يعجبه، بل يجذبه تجاهها. اهتمامه بها أصبح رغبته الداخلية وليس مجرد واجبه كال وقت السابق. يحرص فقط على تأديته. "إن شاء الله الموضوع هيتم، هحاول أقنعها بكرة وخير بقي. يلا أنا هدخل دلوقتي أنام شوية."
ابتسمت وانشغلت بما حولها، تبدأ في تجهيز الطعام. حتى انتبهت على صوته يناديها، فتحركت للداخل لترى ما يريد. "نعم؟ "إنتي نقلتي حاجتك هنا؟ "آه، هو.. دي نصيحة الدكتورة، هتضايق؟ التفت ينظر لها بتعجب وأجابها سريعا: "لا طبعًا." ابتسمت بتوتر، وكادت ترحل، ولكنها توقفت على سؤاله المتعجب: "إنتي اشتريتي هدوم جديدة؟ "أيوا.. لبس بيت وكام طقم خروج." "جبتي فلوس منين؟ "أخدت من بابا." عبسـت ملامحه وسألها بحده: "يعني إيه أخدتي من بابا!
ليه مش قادر أصرف عليكي ولا عارف أجيبلك هدوم؟! ليه مطلبتيش مني؟ عمري ما كنت هرفض! "أنا.. بصراحة اتحرجت، أنا بأخد منك مصروف البيت ومتعودتش أنا اللي أطلب." تنهد سليم ينظر لها بانزعاج وأردف بحزم: "أنا محدش يصرف على بيتي ولا على مراتي يا زين حتى لو بابا.. حقك عليا أجيبلك كل اللي انتي عاوزاه ومفيش حاجة اسمها اتحرجت." "معاك حق، أنا آسفة." تنفـس ليعود لهدوئه، ثم اقترب يقف أمامها وأمسك بيدهـا، يقول بهدوء:
"لما تحتاجي أي حاجة تقوليلي وأنا هسيبلك زيادة على مصروف البيت بعد كدا."
رفعت عينيها له. كيف يمكن له التصرف معها بكل هذا الود، وكأنه لم يجبر على الزواج منها. بحثت بعينيه عن الندم على قراره فلم تجده. رأي ندم ذلك وهو يفعل كل ما بإستطاعته لمساعدتها على التخلص من ذلك الاكتئاب الذي شخصتها به الطبيبة. في البداية تركها لراحتها، تركها لعزلتها وصمتها الدائم وبكائها المستمر. بمجرد أن خطت هي خطوة واحدة لمحاولة إنقاذ زواجهم، كان هو بالمقابل يفعل أضعاف ما تفعله، وكأنها لم تنفر منه يومًا، لم تتجاهله بالأيام والليالي!
لم تسرق منه الحق بالزواج من فتاة يحبها. سحبت يدها وابتسمت بخفوت، تتحرك للخارج، تتركه ينظر في أثرها كالمعتاد. *** "روح اقعد جنب إخواتك يا عيسى وسيبني أشوف اللي ورايا." "يعني موحشتكيش؟ ولا كأني بقالي أسبوع مسافر." التفتت تنظر له بحب. لم تشتاقه!! بل فعلت حتى كادت تجن لغيابه. كانت تلك المرة الأولى التي يذهب بها عيسى في سفر طويل لأجل عمله وبقيت هي بدونه تنتظره بكل لحظة. غمزها عيسى يقول بخبث: "خلاص عينيكي قالت كل حاجة."
ابتسمت وعادت لتدفعه للخارج: "يلا روح اقعد مع إخواتك، بقالك كتير مشوفتهمش." تراجع بظهره، وبصعوبة تمكن من رفع عينيه عنهـا، فهو اشتاق لها حقًا. تحرك للخارج ليجلس مع إخوته الذين قرروا فجأة زيارته وزيارة أخته وابنة عمهم. بالخارج كان منتصر يجلس على الأريكة يأكل أظافره، يحاول السيطرة على غيرته. فهم بالنهاية إخوتهـا، ربما لأنه نادرًا ما يراها معهم. لم يعتد رؤيتها جوارهم، لم يعتد فقط.
نظر له عيسى بخبث واتجه يجلس جوار عمار، حيث جلست فردوس بين التوأمين. وبذلك ضمت الأريكة أربعتهـم، وأمامهم منتصر يرسم ابتسامة على وجهه. فقط ضحكاتها وسعادتها جوارهم هي ما منعته عن أخذها من بينهم. "أخبار الجيش إيه يا دفعة؟ أجابه عمر بضيق: "ادعيلي أخلص بقى على خير." "ربنا معاك، بتبقى فترة صعبة أنا عارف بس هانت خلاص." سألته فردوس بتعجب: "إيه ده أنت دخلت الجيش يا عيسى؟ إزاي وأنت مكنتش تعرف إن عندك إخوات؟
ضحك عيسى وأجابها بسخرية: "ما الحكومة عارفة، هيفيد معرفتي أنا في إيه بقى؟ ضحكت فردوس ونظرت لعمـار تقول بشفقة: "كلها سنة وشوية وعمار هو كمان يدخل الجيش." ابتسم عمار بهدوء، ثم التفت يهمس لعيسى: "عاوز أتكلم معاك شوية." أومأ له عيسى وتحرك وخلفه عمار تجاه التراث. وقف الاثنان لدقيقة ينظران للطريق بالأسفل. تنهد عمار وأردف: "أنا عندي فشل كلوي.." التفت عيسى ينظر له بصدمة. فأكمل عمار محافظًا على نفس وتيرته من الهدوء:
"الدكتور اقترح أغسل مرة وبعد كدا أكمل على أدوية، بس بعد كدا قالي لأ لازم أغسل مرتين في الأسبوع، لحد ما ألاقي متبرع لأن حتى الغسيل مش هيكمل معايا كتير." لم يستطع عيسى التفكير كثيرًا، فقد أصابه الحزن لأجل أخيه الذي بالكاد يبلغ ثلاثة وعشرين عامًا. "مش الإنسان ممكن يعيش بكـلية واحدة أصلًا؟! أجابه عمار بآسى وهو يحاول إخفاء دموعه: "أنا أصلا عايش بكـلية واحدة يا عيسى.." "يعني إيه؟!
إنت مولود بكـلية واحدة ولا أنت كنت تعبان بردو قبل كدا؟ "أنا اتولدت بكـلية واحدة كانت تعبانة بس كنت باخد علاج وكانت أموري تمام.. لحد من خمس سنين مبقاش في حل غير إن حد يتبرعلي.. وساعتها عمر اتبرعلي وكنت قولت خلاص الكابوس انتهى، مكنتش متوقع إن ده هيحصل تاني." صمت عيسى لثواني ثم أردف بحزم: "خلاص أنا هتبرعلك.. إنت تفضل هنا وتأجل الكلية السنة دي، هنروح أحسن مستشفى متقلقش وهنحل الموضوع."
"وبعدين يا عيسى.. هيـرجع يحصل فشل تاني وأدور على متبرع تالت؟ خلاص هو ده نصيبي وأنا راضي بيه. أنا مش بقولك عشان كده، أنا بس كنت عاوز أوصيك على عمر. عمر ذكي ومجتهد بس طايش مش واخد الحياة جد. أنا عاوزاه يبص لمصلحته ومحدش هيهتم إنه يكون أحسن غيرك." "اللي أنت بتفكر فيه ده على جثتي، مش هقف أتفرج عليك. بقولك إيه إنت معاك جواز سفر؟ هنسافر برا مصر في أقرب وقت.. جهز نفسك."
"أنا خايف.. أنا مقولتش لحد غيرك عشان مش عاوز أسمع مواساة من حد." اقترب عيسى منه يضمه بقوة للمرة الأولى وربت على ظهره يقول بحزم:
"وأنا مش هواسي عشان إنت هتبقى كويس. أخوك موجود وهيتصرف متخافش، إن شاء الله هتبقى كويس وهتكمل الكلية وهتتخرج وهفتحلك عيادة محدش يحلم بيها. سيبك من عمر ده صايع أنا عارف مش محتاج توصية ده محتاج يتربي أصلا. أنت فاكرني مش عارف إنه طايش وبتاع بنات، لأ أنا عارف بس مستني يخلص الجيش و هاخده الشركة أسحله في الشغل. متقلقش عليه." تحرك الاثنان بعد دقائق للداخل، وعيسى بداخله يخشى فقدان أخيه. أخرج هاتفه يرسل لخالد رسالة:
"لما تخلص شغل عدّي عليا، عاوزك ضروري." خرجت زمرد تقول بابتسامة: "يلا يا جماعة العشاء جاهز، فردوس تعالي ساعديني أقوم." "حاضر يا زوزو…" ساعدتها فردوس وجلسوا جميعًا حول طاولة الطعام ليجدوا أصناف الطعام المختلفة لتناسب جميع الأذواق. جلست فردوس تضع الطعام لمنتصر بحب، فاقترب يهمس لها: "حطيلى حاجة إنتي اللي طبخاها عشان وحشني أكلك."
ابتسمت له بحنان، فهي منذ إصابتها لم تذهب لمنزله ولم تعد له الطعام كما اعتادت. فبدأت تضع له مما حضّرت هي بنفسها ليتناوله بإستمتاع. *** "يا سليم افهمني، والله أنا مش وحشة والله حنة دي بنت زي الفل، بس ليه ابني ما ياخدش واحدة مسبقلهاش جواز؟! لأ، وحتى جواز عرفي مش متوثق." فاض الكيل. قضى سليم أكثر من ساعة جوارها يحاول إقناعها. نظرت زين لوالدتها بغضب وصرخت بضيق:
"ما تفكري في بنتك اللي هربت وكانت هتترمي في الشارع وربنا رزقها براجل واتجوزها وبيعاملها أحسن معاملة!! ماما لو كانت نور عايشة كان زمانها هي اللي محطوطة في موقف حنة ده." أردف سليم بحدة: "زين اهدى الكلام ميكونش كدا… بصي يا ماما خالد بيحبها، بلاش تكسري بخاطره، وافقي على الأقل عشان خاطر سعادته هو." تنهدت والدة خالد بتعب وحيرة، ثم أردفت وأخيرًا:
"خلاص، على خيره الله ربنا يوفقه ويسعده. أنا مش عاوزة حاجة أكتر من راحته.. خلاص يا سليم قوله إني موافقة." في تلك اللحظة، دلف خالد ليجد الجميع في صالة المنزل. فاتجه ليصافح سليم، ثم ضم أخته بحب يسألها بابتسامة هادئة: "عاملة إيه؟ "الحمد لله يا حبيبي." ذهب خالد بنظره تجاه والدته ينظر لها بعتاب، ورغم ذلك ابتسم بحزن وجلس صامتًا. اقترب سليم من زين يهمس لها: "عاملة إيه؟ نظرت له تقول بتعجب: "الحمد لله."
طالعها بضيق، ثم التفت يبتسم لخالد يغمزه يقول بمشاكسة: "أخبارك إيه يا عريس؟ "عريس إيه بقى ما خلاص." تنهدت والدته ثم أردفت بهدوء: "خلاص يا خالد، أنا موافقة على حنة. هي بردو بنت مؤدبة وهادية وتناسبك." اتسعت عيناه، طالعها بصدمة، ثم اتسعت ابتسامته وعلى صوت ضحكاته فرحًا يسألها بعدم تصديق: "بجد!! بجد موافقة أكلم عيسى تاني؟ دمعت عيناها لسعادته، واقتربت تضم وجهه بيديها: "ألف مبروك يا حبيبي."
ضمهـا خالد بحب وهو يشكرها بامتنان، وتعالت دقات قلبه. أخيرًا سيحصل عليها ويتقدم لخطبتها! غمزه سليم: "أنا اللي أقنعتهـا." "تسلم يا سليم، ربنا يسعدك في حياتك إنت وزين يا رب ويرزقكم بالذرية الصالحة." ابتسم سليم لسعادته تلك، ثم التفت لزين يغمزها بمشاكسة، فتحركت بتوتر تجاه الداخل، تردف بتذكر: "يلا… يلا عشان نتغدى." ***
في المساء، عاد عيسى لمنزله ممسكًا بيد زوجته بعد أن قضى بقية يومه معها. بعد أن بدل ثيابه، تحرك للخارج على صوت طرقات على باب شقته ليجده خالد. "إزيك يا خالد، اتفضل." "أنا.. عاوز معاد أجيب أهلي وأجي أتقدم لحنة." ابتسم عيسى بهدوء، برغم سعادته بذلك الأمر، وأردف: "هفـاتح حنة في الموضوع وأرد عليك… قولي بس التحاليل أخبارها إيه؟ "لحظة هتصل بالمعمل." "طيب تعال ادخل نقف في البلكونة، أنا لسه مقلتش لحد."
دلف الاثنان، وأخرج خالد هاتفه ليتصل بالمعمل، فآتاه الرد بعد قليل، ليرسل له المعمل النتائج على أحد وسائل التواصل. فأمسك خالد النتائج يقرأها ليردف بأسف: "لأ يا عيسى، إنت مش هينفع تتبرع." أخفض عيسى رأسه يقول بحزن: "أخويا بيموت يا خالد صح؟ عمار مش هيعيش فعلاً! التفت الاثنان على صرخة فردوس التي سألتهم بصدمة: "هو مين دا اللي بيموت!!
تحرك عيسى تجاهها يأخذ بيدها، وهي تطالعه بنفس صدمتها تلك. خرجت كل من زينات وزمرد، التي تفاجأت بوجود خالد، فعادت لترتدي حجابها ونقابها سريعًا. "إهدي يا فيفي، خدي نفسك بالراحة إهدي." ولكنها لم تفعل سوى البكاء بصوت مرتفع وبحسرة وحزن، حتى كاد قلبها يتمزق: "عمار مش هيعيش ليه؟ ماله عنده إيه؟ عالجه يا عيسى بالله عليك حتى لو هنسفره برا." "مش هسيبه والله." سألت زمرد وهي تبكي أيضًا: "هو ماله يا عيسى أنا مش فاهمة حاجة."
قال عيسى بآسى: "عمار كان عايش بكـلية واحدة.. وللأسف هو دلوقتي عنده فشل كلوي وبيغسل مرتين كل أسبوع، بس لازم حد يتبرعلـه." مسحت فردوس دموعها تقول بثبات: "أنا هتبرعله.. يلا نروح المستشفى دلوقتي وأنا هتبرعله." "لو متطابقة ومعاكي لو مفيش خطر عليكي وجوزك موافق هنضطر إنك تتبرعي له انتي لأن أنا عملت التحاليل ومنفعتش."
"طيب يلا نعمل التحاليل، إن شاء الله مفيش خطر ولا حاجة. أصلا عادي إن الإنسان يعيش بـكلية واحدة وأنا معنديش أي أمراض.. هينفع يا عيسى أنا معنديش مشكلة." "ومنـتصـر لازم تقـوليله! صرخت فردوس بغضب: "لو مش موافق يبقى يطلقني هو حر." كانت تكتم بكاءها بين يديها وهي تتذكر معاناة عمار المرة السابقة. مسحت دموعها وقالت بصوت مختنق: "أنا مش مطابقة.. ودلوقتي عيسى كمان مش مطابق وبابا وعمي عمرهم كبير، بس لو اضطرينا يبقي…."
قاطعها عيسى يقول بغضب: "أنا روحت لمجدي.. عاوز يخرج من السجن مقابل إنه مجرد يعمل التحاليل." همست زينات بحقد: "حقير." نظرت فردوس لخالد وتحدثت متجاهلة حديثهم: "فصيلة دمي A موجب، دكتور خالد نقدر نعمل التحاليل إمتي؟ "كويس نفس الفصيلة وباقي التحاليل دلوقتي لو عاوزين!! أردف عيسى بحزم: "جوزك يوافق الأول." نظرت له فردوس وأجابته بحدة: "تمام اتصل بيه دلوقتي." تنهد عيسى بتعب وأخرج هاتفه ثم تحرك للتراث. أجابه منتصر بعد دقيقة:
"إيه يا عيسى؟ "تعالالي البيت، أنا وفردوس عاوزينك في موضوع." "هي كويسة؟ "أيوا تعال بس ومتتأخرش." بعد أقل من نصف الساعة، دلف منتصر ينظر بحيرة لتجمعهم في ذلك الوقت، حتى وقعت عينيه على فردوس وعينيها التي انتفخت من كثرة البكاء، فتحرك تجاهها بريبة جالسًا جوارها: "في إيه؟! إيه اللي حصل يا فردوس؟! مالك؟ ازداد بكاؤها وهي تستند برأسها على صدره، فضمه يربت عليها ونظر لعيسى بحيرة يسأله بقلق: "في إيه يا عيسى؟!
أخبره عيسى بكل القصة وعن رغبة فردوس في التبرع لأخيهـا، وبانتهاء حديثه حل الصمت على الجميع وتوجهت أعينهم لمنتصر. تنفس بعمق وأخرجها من بين يديه ينظر لها يهمس لها: "أنا معاكي في اللي إنتي عاوزاه.. بس أوعديني مبقاش وحيد تاني." لا تستطيع قطع وعدًا له، برغم أنها تعلم أن نسبة نجاح عمليات كتلك ناجحة، لا خطر عليها، ولكنها لن تستطيع قطع ذلك الوعد. توسلته بعينيهـا، وقد استطاع قراءتهم ببساطة. فسقطت دموعه يضمها مرة أخرى لدقيقة،
ثم التفت لخالد: "اعمل اللازم يا خالد." أردف خالد بهدوء: "متقلقوش يا جماعة مفيش أي قلق على فردوس، خوفكم ده مفيش ليه داعي." خلال يومين، وبعد الانتهاء من كل الفحوصات اللازمة وتطابقت فردوس بالفعل مع عمار بنسبة كبيرة، جلس عيسى على الأريكة أمام فراش فردوس الذي جلست عليه قبل العملية بدقائق، تقول بملل: "هو فين منتصر؟! اتأخر كل ده ليه؟ "راح يخلص شوية ورق تبعك، اقعدي هروح أشوفه." تحرك عيسى للخارج ليجد عمار في وجهه،
فسأله عيسى بتعجب: "إنت مش في أوضتك ليه؟ بتعمل إيه هنا المفروض ترتاح." ابتلع عمار لعابه يسأل عيسى بتردد: "أنا مش أناني يا عيسى صح!! إني وافقت على إن فردوس تتبرعلي؟ "لأ طبعًا، فين الأنانية في إنك تختار تعيش!! إنت وأختك هتبقوا كويسين. الإخوات يا عمار بيضحوا بروحهم عشان بعض مش بس بجزء من جسمهم. أنا عارف إن مفيش حد كان معانا يفهمنا بس الحياة قدرت تعلمنا كويس كل دا. مأخدناش من قسوة وجحود مجدي وعرفنا نحب بعض."
"وأنا فعلاً بحبك أوي يا عيسى.. عاوز أدخل لفردوس شوية قبل العملية." ابتسم له عيسى يجيب بهدوء: "ماشي وأنا هروح أشوف منتصر فين." تحرك عمار لداخل الغرفة ليجدها تجلس على طرف الفراش تنظر حولها بملل، فأتجه يقف أمامها مبتسمًا، لتردف هي بحماس:
"عالفكرة أنا قولت لطنط زينـات تعملنا كل واحد فرخة لوحده ومحدش منهم هياكل معانا، خلينا نشوفلنا يومين دلع بقى، ومامتك كانت زعلانة إن عيسى منعهم يجوا معانا بس أنا قولتلها الأحسن إنها تعملك الأكل اللي إنت بتحبه." ضحك عمار واقترب يمسك بيدها، ثم وضع قبلة رقيقة على جبهتها، يردف بابتسامة: "شكرًا يا فيفي." ابتسمت له بحنان ورفعت يديها تضم وجهه تقول بحب:
"أفديك بعمري والله، إنت مش عارف إنتوا بالنسبالي إيه يا عمار، ربنا يقومك بالسلامة وجسمك يتقبل الكلية وتعيش شبابك يا حبيبي.. إن شاء الله هنبقى زي الفل يلا بقى متخليناش نقلبها دراما وروح أوضتك عشان لو في علاج هتاخده قبل العملية تاخده.. يلا متسيبش سريرك." أومأ لها برأسه، ثم تحرك للخارج ليأتي منتصر بعد دقائق يحمل أدوية من المفترض أن تأخذها بعد الجراحة. تحرك يضعها في أماكنها بالترتيب بحرص شديد، وهي تتابعه بتعجب:
"إنت اشتغلت مع التمريض هنا ولا إيه!! "ششش.. خليني أركز." "تركز إيه يا منتصر سيبك من الحاجات دي وتعالى أما أحضنك قبل ما أدخل العملية." التفت ينظر لها يقول بضيق: "اتلمي إنتي داخلة أوضة العمليات." "إنت يا ابني حد مديلك على دماغك ولا مكنتش حاضر وإحنا بنكتب الكتاب ولا إيه!! أنا مراتك على فكرة! "ششش اسكتي وتعالي اقعدي." نظرت له بضيق، ثم جلست وجلس هو بجوارها ممسكًا بيدها، ثم بدأ يتلو بعض الآيات القرآنية. لتطالعه هي
بابتسامة واسعة تهمس بحب: "أنا بحبك يا منتصر." دلفـت حنة في تلك اللحظة وهي تدفع عامود معلق به أحد المحاليل الطبية، ثم اتجهت تأخذ بيد أختها بصمت، فهي الوحيدة التي عارضتها ولا تزال ترفض الأمر. وضعت بها "الكالونا" الطبية وقامت بضبط سرعته، وأردفت بصوت مختنق: "يلا.. الدكتور مستنيكي."
تحركت فردوس خلفها، ثم التفتت تبتسم لمنتصر، الذي بادلها بابتسامة ليطمئنها. ثم جلس بمفرده بداخل الغرفة. لا يعرف إن كان عيسى بتزويجه له قد أنقذه من العودة لذلك الظلام، وقد كان ضائعًا به لأعوام من قبل، أم أن فردوس نفسها فتاة فريدة من نوعها استطاعت هي ضمه لجوارها ولعالمها ليصبح شغوفًا بها لذلك الحد. ***
بعد عدة ساعات، خرجت فردوس وأخيرًا، يدفع الممرضون سريرها المتنقل تجاه الغرفة من جديد. اتجه منتصر وحنة لها، يتحركان معها. كانت فاقدة تمامًا لوعيها. "هتفوق خلال ساعة، مفيش قلق عليها." ذهب الجميع من حولها، وتبقّى الاثنان ينظران لها. كان من المفترض أن تبقى حنة جوارها، ويعود منتصر لجوار عيسى ليكن بجواره تحسبًا لأي أمر طارئ، ولكن نظرات منتصر لفردوس جعلت حنة تتحرك باستسلام عائدة لعيسى.
اقترب منتصر من فردوس يمرر يده على وجهها، ودقات قلبه المتسارعة تضرب صدره بقوة، يهمس لها: "أأقول أحبك يا قمري! آه لو كان بإمكاني.. فأنا لا أملك في الدنيا إلا عينيكِ وأحزاني." *** "عمار هيطلع عناية لحد ما وضعه يستقر ونشوف رد فعل جسمه، بس خير إن شاء الله يا عيسى متقلقش." "عاوز أشوفه يا خالد." "صعب دلوقتي يا عيسى، اصبر ساعتين تلاته هخليك تشوفه." تحرك خالد للأعلى حيث غرف العناية. وبقيت حنة تقف على مسافة من عيسى،
فأردفت بهدوء: "خير إن شاء الله." تنهد عيسى بتعب وتحرك وهي بجواره تجاه غرفة فردوس، فأوقفـته حنة تردف بخفوت:
"فيفي طلبت مني أنفذ لها حاجة أول ما تصحى… لو تفتكر الشاب اللي كان متقدملي من شهر هو كلمني تاني، فأنا قررت أعرفـه ظروفي وهو معندوش مانع وأنا قولتلـه إني موافقة.. فيفي شالت همي كتير أوي برغم إن المفروض العكس. لأن أنا الكبيرة وهي حياتها دلوقتي بقت مستقرة مش عاوزة أكون سبب تاني لزعلها. وهو ده كان طلبها إني أوافق. بس محبتش أبلغها بموافقتي دي قبل ما أقولك." أردف عيسى بتردد: "بس… بس خالد طالب إيديكي مني، خالد بيحبك."
توسعت عيناهـا تسأله بصدمة: "إيه!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!