الفصل 19 | من 20 فصل

رواية عيسى القائد الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اية محمد

المشاهدات
17
كلمة
9,543
وقت القراءة
48 د
التقدم في الرواية 95%
حجم الخط: 18

أردف عيسى بتردد: " بس… بس خالد طالب إيديكي مني، خالد بيحبك." توسعت عيناها تسأله بصدمة: " أي!!! صمت عيسى لدقائق يتابع ملامحها المصدومة، ثم أردف بهدوء: " لكن في النهاية اللي أنتي عاوزاه أنا هعمله." تحرك عيسى للداخل وهي خلفه، تجلي في زاوية الغرفة شاردة في أمرها. بينما جلس عيسى ومنتصر على الأريكة القريبة للفراش يتابعن فردوس بملل. حتى بدأت في الحركة، فتحركوا ليقفوا جوارها. لتتمتم بضيق: " اتلم يا منتصر."

نظر عيسى لها بتعجب واقترب منها. بينما فتح منتصر عينيه بصدمة وهو يضع يديه على وجهه. " بطـل قلة الأدب." التفت عيسى ينظر لمنتصر بضيق، بينما صاح الآخر يدافع عن نفسه: " ورب الكعبة أنا معملتش حاجة." تحرك بحرج يحاول إفاقتها، فهو يعلم زوجته، ليست خجولة بأي شكل، والآن مع التخدير يمكنها التمادي لأقصى درجة. وضعت حنة يدها على وجهها تكتم ضحكاتها وقد احمر وجهها خجلاً. اتجه عيسى يجلس جوارها، فأستفزته ضحكاتها المكتومة ليصيح بضيق:

" اسكتي أنتي كمان بدل ما أولع فيها دلوقتي." دلف خالد للغرفة وتعجب لرؤيته لضحكات حنة، ولكنه ابتسم وشرد بها لثوانٍ. ليتجه عيسى يقف أمامها يردف بنبرة جافة: " ما هي ناقصاك أنت كمان." تعجب خالد يسأله بتيه: " أنا عملت إيه! أنا جاي أشوف الحالة." " طيب ركز مع الحالة يا دكتور، مع الحالة يا حبيبي، المشرحة مش ناقصة قتلة."

تحرك خالد متعجباً تجاه فردوس، بينما تابعته حنة بابتسامة هادئة وحيرة تملكتهـا وحزن بدأ يسري بداخلها عندما تذكرت أمر ذلك الشاب الذي تقدم لخطبتها أكثر من مرة، حتى وافقت بالنهاية رغمـا عن قلبها. ولكنها كانت تخشى الوحدة، فأختها ستتزوج بعـد بضعة أشهر وستبقى بمفردها لا صاحب لها. وهو أخبرها بأنه يصدق قصتها ولا مانع له وبدا لها مهذباً وأخلاقه عالية، فوافقت عليها تبدأ حياة جديدة وتنسى أمر خالد. ولكنها ببساطة بعد ما أخبرها به عيسى لن تستطيع فعل ذلك الآن.

وأخيراً عادت فردوس لوعيها، برغم أنها بدأت تهذي ببعض الكلمات، ولكن وضعها كان سيئاً عندما بدأت في التقيؤ. فأقتربت لها حنة لتهتم بها، ولكن الأمر لم يتوقف حتى بعد ثلاث ساعات. " هو اللي بيحصل دا طبيعي يعني؟! سألها منتصر، فأومأت حنة برأسها: " هتبقي كويسة دلوقتي." تحرك عيسى للخارج بقلق، فلم تأتيه أي معلومة عن وضع أخيه حتى الآن، واختفى خالد منذ ما يقارب الساعتين. التفت على صوت إغلاق الباب ليجدها حنة تردف بقلق:

" لو في مشكلة مع عمار أكيد دكتور خالد هيقولنا. متقلقش يا عيسى إن شاء الله خير." " أنا هروح أشوفه مش هستنى الاحتمالات، أنا غلطت لما مسافرناش برا." " طيب خلينا نروح نتطمن عليه أحسن." تحرك كلاهما لغرفة العناية ليجدا خالد بالداخل، فالتفت لهما. تنهد بتعب ثم ابتعد يترك مكانه لعيسى: " أهو يا دكتور عمار، عيسى هيطمنك بنفسه على فردوس." نظر عمار بتعب لعيسى، فأبتسم عيسى يردف بهدوء:

" متقلقش هي كويسة وفـاقت وقاعدين معاها على ما أنت تخرج من هنا، أنا جاي بس أتطمن عليك." ابتسم خالد يومئ له: " ومتقلقش عليه، عمار زي الفل وهيخرج خلاص من العناية كمان عشر دقايق، مفيش أي داعي للقلق." آتى الليل بعد يوم مرهق. استعادت فردوس وعيها بالكامل وجلس منتصر أمامها يطعمها. وتكورت حنة بجسدها على الأريكة تقرأ وردها من القرآن الكريم. وبالغرفة المجاورة جلس عيسى بجوار عمار يعطيه الهاتف ليحادث والدته. ***

وقفت جميلة أمام الباب تهندم ثيابها وخصالات شعرها، ثم قامت تطرق الباب بخفة. أتى سليم بعد دقيقة واحدة وعلى عينيه أثر النوم. " يقطعني يا دكتور مكنتش أعرف إنك نايم، بس لسه بدري يعني." " خير يا ست جميلة، محتاجة حاجة؟! " مفيش أصل كنت قاعدة لوحدي مش لاقية حاجة أعملها وقولت آجي أقعد معاكم شوية." " معلش والله بس المدام مش موجودة." طالعته بخبث وأردفت بأريحية:

" وأي يعني هقعد مع حضرتك شوية، أنا أصلي برتاح في الكلام معاك أكتر من المدام، متزعلشي يعني هي قفيلة شوية." تسمر سليم مكانه عندما تحركت للداخل وجلست على الأريكة ونظرت له بابتسامة وهي تداعب خصلات شعرهـا. تحرك تجاهها يجلس على مسافة منها يسألها بضيق: " ما تجيبي من الآخر كدا يا ست جميلة، أنتي عاوزة إيه؟! ضحكت بخفة ثم أردفت: " أنت شايف إيه؟! ضحك سليم بسخرية وأجابها بحدة:

" بصي أنا راجل محترم وبيحترم الست اللي معاه، بقولك قومي اتكلي على الله وملكيش دعوة بيا." أقتربت منه تحدثه بنبرة لعوبة: " وهي يعني البومة اللي أنت متجوزها دي تستاهل تعمل كدا عشانها." ابتعد يدفعها بعيداً عنه يكمل بنفس حدته: " أولاً مراتي مش بومة، وآه هي تستاهل، فأتفضلي برا." وبرغم ذلك عادت لتقتـرب منه من جديد، ليتفاجأ الاثنان بـ زين التي دلفت للتو ونظرت لهما بصدمة. ازدرد لعابه ينظر تجاهها بتوتر،

بينما جميلة أردفت بتلعثم: " طيب أنا هروح أجيب العلاج اللي أنت قلت عليه يا دكتور، مع السلامة." تحركت جميلة للخارج، فـ تابعتها زين بأعين حادة أثارت الرعب بداخل الأخرى. بينما وقف سليم يتابع رد فعلها وموقفها مما حدث بأعين متعجبة. تحركت تجـاه الغرفة، فتحرك خلفها وقد فقد عقله الآن من برودها، ولم يعد يتحمله. أمسك بذراعها يسحبها لتلتفت له فصرخ بها: " أنتي مفيش دم خالص!!! إيه مش شايفة اللي حصل؟! مش حاسة بأي حاجة! أنتي حجر!!

" المفروض أحس بإيه؟! " تحسي بإيه؟؟؟ ليه هو أنا مش جوزك! مش أنتي مراتي والمفروض لما تشوفي موقف زي دا يبقى فيه أي رد فعل!!! " أنا واثقة فيك أصلاً وعارفة إنها ست مش كويسة." " والمفروض أنا أتبسط بقى؟! " عاوزني أعمل إيه يا زين أروح أجيبها من شعرها يعني؟! " ومتجيبيهـاش ليه!!! صرخ بها غاضباً، فـ صرخت به هي الأخرى بقلة حيلة:

" عشان دي قد الجاموسة وأنا ماليش نفس أضربها، ولو كنت دخلت معاها في خناقة كانت هتبهدلني. هو آه أنا آه مش طايقاها ولا طايقة أي واحدة تقرب منك وتقريباً كدا بحبك، بس دا مش معناه أضحي بحياتي عشانك يعني!!! " وأنا كمان بحبك، وغوري بقى من وشي." جلس كلاهما على طرف الفراش يعطي ظهره للآخر يتنفس بغضب. حتى أدرك الاثنان ما تفوهـا به، فـ التفتا بنفس الوقت: " أنت قلت إيه؟! " أنتي قولتي إيه؟!

اتسعت ابتسامة سليم يتحرك تجاهها، ولكنها طالعته بغضب وتحركت لخارج الغرفة، فتحرك خلفها يمسك بيدها، فـ التفتت له تنظر أرضاً. " بصيلي." رفع عينيه ليجدها مليئة بالدموع، فسألها بتعجب: " بتعيطي ليه؟! " أنت ليه تحب واحدة بومة زي ما هي قالت!! أنا عملت إيه يخليك ترفضها أنا حتى كل الوقت بعيدة عنك." " زين أنا حتى لو مكنتش متجوزك فأنا مقبلش إني أعمل كدا أصلاً!

أنا عارف ربنا يا زين حتى لو أنا بغلط بس في حدود. وبعدين أنتي مش بومة يا حبيبتي، أنتي بتمرى بمشكلة وأنا معاكي لحد ما تبقي كويسة." مسحت عينيها وأنفهـا بأكمام ثوبهـا وسألته بصوت خافت: " أنت قلت حبيبتي صح؟! تابعهـا بتقزز ثم اتجه يأخذ منديلاً وأعطاه لها وأردف بضيق: " وشكلي هرجع في كلامي." ضحكت بين دموعها وجلست تقول بجدية:

" أنا عاوزة أكمل معاك يا سليم، بص أنا مش عاوزة نقعد في الشقة دي، عاوزة نبدأ من الأول تاني في شقة تانية، عاوزة أعمل أظبط كل حاجة فيها بطريقتي وأحس نفسي فيها." " بس دا هياخد وقت، لكن هعملك اللي أنتي عاوزاه. إيه رأيك نعمل فرح؟! " وعاوزة دبلة ومحبس." " دا أكيد."

ابتسمت له وهي بداخلها قد استعادت ولو بعض السكون لحياتها المليئة بالضجيج، وإن كانت تلك الحياة روتينية مملة تجلس بغرفتها لساعات طويلة ليأتي هو في نهاية اليوم يضفي عليها من طاقته وحيويته لتبتسم من جديد. كل ما تتمناه هي ألا تكون مصدراً لاستنزاف طاقته تلك وأن تتمكن من التعبير بصدق عن مشاعرها التي تحملها بداخلها تجاهه، والتي تعرفت عليها في الآونة الأخيرة، لتدرك بأنها طوال كل تلك الأشهر كانت تقع به تدريجياً ولكنها لم تشعر بحماسة الحب الأول ولوعته بسبب ما مرت به. لو التقت به في وقت آخر لكانت هامّت به عشقاً، ممتنة بداخلها إنها ومن أعماق قلبها استطاعت استكشاف ذلك الحب وقد حان وقته.

" طيب أنا بردو بقول نعمل فترة خطوبة كدا نتعرف على بعض." " نـ إيه!!! إحنا عايشين مع بعض بقالنا عشر شهور يا زين!!! استهدي بالله بلاش الأفكار الشيطانية دي بس." " إيه يا سليم، أنا محتاجة آخد التجربة من أولها، لأن دا هيفرق في نفسيتي. يعني مثلا تستأذن بابا عشان نخرج و تجيبلي ورد، أنت مثلا عمرك ما جبتلي ورد." " وموقفي إيه من أبوكي وأنا رايح أستأذن منه؟! معلشي يا بابا أنا بستأذنك بس آخد مراتي ونخرج شوية مع بعض!

" عادي يعني إيه المشكلة مش هبقى في بيته؟! " إنسي.. اللي في دماغك دا مش هيحصل والله، أنا مش هعرف أصلاً، أنا اتعودت أرجع ألاقيكي هنا، صوتك في البيت حواليا.. كل دا والله مقدرش أستغنى عنه، حتى لما أنتي قولتيلي نغير الشقة مش فارق بردو معايا المكان بس طالما أنتي معايا مفكرتش كتير، فمتجيش دلوقتي تقوليلي همشي!! " عارف أنا اتأخرت ليه عند ماما؟ " ليه؟!

" خالد هيبات في المستشفى وقالتلي أبات معاها، قالتلي أقعد لحد وقت متأخر وبعدين أكلمك أقولك إني هبات، وفعلاً كنت هعمل كدا بس مكنتش مرتاحة، كنت عاوزة أرجع وأشوفك.. أنا خايفة أوي يكون اللي بيحصل بينا دا مجرد تعود!

" معتقدش، بس عارفة الحب أصلاً أنواع، حتى لو دا حب تعود وعشرة فهو مش أقل مثلاً من الحب اللي من أول نظرة.. زين أنا لما قولتلك بحبك من كام شهر عشان خاطر أقنعك تفضلي هنا أنا فعلاً كنت حاسس بمشاعر ناحيتك، إيه اللي كان مخليني مستنيكي كل دا أصلاً؟ بس مكنتش عاوز أبينلك مشاعري دي عشان مشتتكيش أو ألغبطك." " على فكرة يا سليم أنت شبه أبطال الروايات أوي، أوقات بحس إننا مش حقيقيين، وإننا جزء من رواية أصلاً."

" ويمكن حد دلوقتي بيقرأ قصتنا ومستني النهاية. هي بالنسبالهم النهاية السعيدة بس بالنسبالي دي البداية يا زينة.. كلمة بحبك مش نهاية لا.. دي بدايتنا مع بعض." *** في الصباح التالي… أردفت فردوس بتعب: " بس أنا كنت عاوزة أشوف عمار قبل ما أخرج!! هو كويس صح؟! أومأ عيسى برأسه:

" أيوا كويس والله والعملية كانت ناجحة ومامته وعمك معاه أصلاً من بدري، منتصر راح يخرج العربية هو اللي هيوصلك، أنا وحنة هنفضل هنا وزمرد مستنياكي في البيت هي وماما." " ياه عمك الغلس دا شبه مجدي بجد، فيهم كرش من بعض بجد بكرههم، طب والله تلاقيه مدفعش ولا جنية في فلوس العملية." " كتر خيره إنه رباهم وكبرهم وعلمهم كويس، أبوكي معرفش يعمل كدا معايا أنا وأنتي، إحنا اللي اتحرمنا من الأب في حياتنا." ضمته فردوس تقول بابتسامة

وشعور تام بالأمان: " بس أنا دلوقتي مش حاسة إني اتحرمت من الأب، أنا بحس إني بنتك يا عيسى وأنت أبويا." قبل رأسها يردف بحنان: " صح أنتي بنتي.. ومظنش هحب ولادي أكتر منك." " ربنا يرزقك يا رب يا عيسى." ابتسم عيسى لها ثم ساعدها للجلوس على الكرسي المتحرك وتحرك بها للخارج حيث ينتظرهم منتصر، والذي اتجه يحملها ثم وضعها بسيارته بهدوء، ودع عيسى ثم انطلق بالسيارة.

عاد عيسى بنظره للمشفى بضيق، فهو يكره عمه ولا يريد البقاء معه، فقرر البقاء بمقهى قريب لبعض الوقت. جلس متعباً على إحدى الطاولات بالزاوية بعيداً عن الضوضاء، حتى آتاه صوت فتاة تستأذنه للجلوس: " أستاذ عيسى.. ممكن أقعـد؟! رفع عيسى رأسه ليجدها نفس الفتاة التي التقى بها قبل أيام في المطعم. أشار لها عيسى بالجلوس فأردفت بهدوء: " أنا شفت حضرتك في المستشفى، يعني مش براقب حضرتك ولا حاجة." " بتعملي إيه في المستشفى؟!

" بتابع الحمل، مهو المطعم اللي حضرتك خليتني أشتغل فيه بيديني تخفيض تبع المستشفى.. أنا اتجوزت من تلات شهور أنا ومحمود، هو بيشتغل في محل قدام المطعم، اتعرفت عليه لما اشتغلت." " مرجعتيش لأبوكي؟! " لا.." " أحسن ومتـرجعيش، ركزي في حياتك دلوقتي مع جوزك، ربنا يوفقكم و.. شكراً عشان مقولتيش حاجة قدام زمرد.. هي مراتي."

" هقول إيه، حضرتك أصلاً مأذيتنيش في حاجة بالعكس أنت ربنا بعتك ليا وحياتي بقت أحسن من بعد ما اشتغلت في مطعمك وقابلت محمود، وبرغم الظروف اتجوزنا وربنا هيكرمنا قريب، مكنتش متخيلة إن هخلص من عمايل أبويا، الحمد لله."

" لا.. أنا أذيتك، حتى لو يومها محصلش حاجة بس أنا.. أذنبت أكتر من مرة بنفس الطريقة ودلوقتي بتعاقب، بس صعبان عليا إن زمرد بتتعذب معايا. أنا والله ندمت واستغفرت وتبت.. بحب مراتي ومش شايف غيرها.. هي زي ما أنتي شفتي كدا منتقبة ومتدينة، هادية وبتنصح اللي حواليها بهدوء. الأول كنت بتضايق من نور الأوضة كل يوم ساعة الفجر وهي قايمة تتوضى وتصلي، بس دلوقتي بقي دا المنبه بتاعي.. أقوم وأتوضى وأنزل أصلي في المسجد ولما أرجع ألاقيها

قاعدة بتقرأ في المصحف، فأروح أقعد معاها ونفضل نتكلم لحد معاد الشغل. دايماً هي اللي بتديني كل حاجة حلوة، وكل اللي بتتمنـاه هو إنها تكون أم… عندي إحساس قوي إن ذنوبي دي هيكـون عقابي فيهـا بالشكـل دا وكل الزعل اللي هي بتمر بـه دا بسببي أنا."

" كل اللي هقوله إن النبي ﷺ قال: التوبة تجب ما قبلها، وقال عليه الصلاة والسلام: التائب من الذنب كمن لا ذنب له… فأنت تبت وعزمت على إنك مترجعش تاني للذنب وربنا غفور رحيم.. حتى لو هو ذنب كبير، إن الله يغفر الذنوب جميعاً، فخذ بالأسباب وتابعوا مع دكتور وربنا هيكرمكم ويجعلكم خلف صالح إن شاء الله." رفع عينيه للأعلى يرجو المغفرة، ثم تنهد بتعب وابتسم لها بخفوت: " شكراً يا… هو أنتي اسمك إيه صحيح؟!

" مروة، والعفو يا أستاذ عيسى أنا معملتش حاجة، ربنا يريح بالك، مبسوطة إنك اتغيرت للأحسن، أنا لازم أمشي دلوقتي وإن شاء الله يعني لو لينا لقاء تاني أتمنى تكون وقتها حققت اللي بتتمنـاه."

تحركت سريعاً فهي بالفعل تأخرت، تاركة خلفها عيسى الذي ظل ساكناً لدقيقة ثم ابتسم براحة. احتسى ما تبقى من قهوته ورحل هو الآخر عائداً للمشفى. لسوء حظه التقى بعمه على باب المشفى، فصافحه وتناولوا أطراف الحديث على عجل، وبالكاد هرب منه عيسى عائداً للأعلى. *** " تمام هنعيد التحليل دا تاني بعد أربعة وعشرين ساعة، وبقية التحاليل ضيفوها للملف كدا تمام خلاص." التفت خالد لعمار يسأله بجدية: " هو عيسى راح فين؟! " مش عارف."

دلف عيسى للغرفة بتلك اللحظة، فـ التفت له الاثنان، فأبتسم عيسى واقترب يجلس على الكرسي جوار عمار يربت على كتفه برفق: " إيه لسه حاسس بوجع؟! " لا دلوقتي كويس، حاسس إني عاوز أنام." أردف خالد بهدوء: " مهي المسكنات هي اللي هتخليك عاوز تنام، غمض عينيك وارتاح. أنا كدا كدا هاخد عيسى وهبعتلك الآنسة حنة تتابعك." أشار خالد لعيسى ليتحرك معه للخارج. وبينما الاثنان يتحركان ببطء تجاه غرفة المكتب الخاصة بخالد، أردف بجدية:

" ممكن عمار يحصله فشل تاني." التفت عيسى له ينظر له بصدمة مختلطة بالحزن لأجل أخيه يتساءل بيأس: " طيب مفيش حاجة نقدر نعملها؟! " فيه بس التكلفة عالية وكمان العلاج دا مش متوفر في مصر، لو كدا هنجيبه من بره." " تمام مفيش مشكلة.. قولي كدا متقوليش هيحصل فشل تاني يا ساتر عليك! " أيوا يا عيسى بس هو محتاج تلات كورسات من الأدوية دي والكورس الواحد ممكن يكلفك فوق الـ 2 مليون جنيه." تنهد عيسى وأردف بجدية:

" خالد قولي إيه المطلوب أعمله ملكش دعوة بالفلوس أنا معايا.. دا أخويا يا خالد هسيبه يموت!! " مقولتش حاجة بس أنت.. أنت كتبت القصر اللي حاطط فيه تحويشة عمرك باسم فردوس، أنت بنفسك كنت قايلى إن مش معاك سيولة غير في الشركة ومش هينفع تاخد منها." " معايا متقلقش… خير إن شاء الله المهم عمار."

" شايل مسئولية كل اللي حواليك يا عيسى، لسه فاكر أول مرة قابلتك في كافتيريا الجامعة.. كنت وقتها مستقل نفسي إني أكبر منك وباخد مصروف وأنت شايل مسئولية نفسك ووالدتك، عشان كدا مش مستغرب نجاحك وفخور بيك." ابتسم عيسى وابتعـد خطوة يضم ذراعيه أمام صدره يسأله بخبث: " أنت بتشكر فيا عشان أظبطلك الجوازة ها؟! ضحك خالد وأردف بتوتر: " لا اسكت هي إن شاء الله الجوازة تمشي.. إن شاء الله لما تكلم حنة توافق." حك عيسى رأسه يردف بحيرة:

" هو بصراحة يعني أنا كلمتها." برغم توتره سأله خالد بلهفة: " ها؟ وافقت!! أو قالتلك هتفكر؟! " لا.. بس سيبلي الموضوع شوية هحاول فيه." تبدلت ملامح خالد للجـدية يسأله ببعض الحدة: " لا فهمني رفضت ليه؟!

" هي رفضت يا خالد.. بص حنة وافقت على العريس اللي كان متقدملها، بس لما أنا قولتلها عنك حسيت إنها زعلت واتسرعت في موافقتها دي، أنا كنت مستني عمار بس يطلع وهتكلم معاها.. هي المشكلة بس في فردوس هي اللي بتضغط على حنة.. وحنة بتسمع كلامها لأنها بتحس بالذنب إن تقريباً فردوس هي اللي متولية مسئوليتهـا، مش موضوع ماديات بس بوجه عام لكن دا عشان شخصية فردوس أقوى من حنة بكتير." " بس كدا غلط، فردوس بتضغط عليها ليه!!

دا جواز يا عيسى." " فردوس مش عاوزة تسيب أختها للوحدة بعد ما تتجوز، بعد ما فردوس تمشي حنة هتفضل لوحدها، فهي بتضغط عليها عشان عاوزاها تاخد خطوة في حياتها، وهي مقتنعة بالعريس دا أصلاً من وقت ما حنة قالت عليه." صاح خالد بحدة: " يبقى هقنعها بيا وهقنع أختها، والعريس دا لو قرب منها هجيبه تحت مشرطي." تحرك خالد مبتعداً، ليتبسم عيسى بخبث ويعود لغرفة أخيه. *** بعد مرور عدة أيام…

استعادت فردوس عافيتها وكذلك عمار، والذي لا يملك أدنى فكرة عن تكلفة أدويته وقد تكفل بها عيسى بالكامل. انهمكت زمرد في الأيام الماضية بأعمال المنزل ورعاية فردوس، ثم قررت بنهاية اليوم الذهاب لصيدليتها، وقد تركت رعايتها لطبيبتين من نفس فئتها العمرية على أن تتابع هي من وقت لآخر. مضت بضعة ساعات وهي لا تزال ساكنة تنظر لشاشة الحاسب الآلي، حتى قطع شرودها صوت عيسى: " سرحانة فيا؟! انتبهت له زمرد وابتسمت تسأله بتعجب:

" راجع بدري النهارده… وحشتك ولا إيه؟! ابتسم عيسى وجلس أمامها وأمسك بيدها يطبع قبلة هادئة على باطنها: " بتوحشيني في كل لحظة أصلاً.. النهاردة معادنا عند الدكتورة أنتي ناسيه ولا إيه؟! اضطربت وسألته بحيرة: " هي نتيجة التحاليل طلعت؟! أومأ برأسه وأردف بهدوء: " آه من امبارح.. يلا نمشي! سألته بحدة: " ومقولتليش ليه!! التحاليل فيها حاجة صح؟!

" مش عارف يا زمرد مفتحتهاش أصلاً ومش هفهم فيها حاجة، بس عشان أنتي هتفهمي فأنا مقولتلكيش، هنعرف عند الدكتورة.. يلا." تحرك عيسى قبل أن يشتد الحديث بينهم، هي غاضبة وهو يعلم ذلك ولكنـه لن يتجادل معها الآن، هو فعل ما رآه صواباً. تحركت زمرد خلفه تنظر تجاهه بضيق، هو لا يعطيها حتى حق المشاركة بالقرارات الخاصة بهم. كان بإمكانه إخبارها عن رغبته بانتظار موعدها لتقرأ لها الطبيبة التحاليل! ولكن هيهات فهو عيسى القائد.

بـعد قليل… وضعت الطبيبة التقارير الخاصة بهم في الملف مرة أخرى وأعادتها لهم تردف بهدوء: " بصي يا مدام زمرد أنا هكتبلك على شوية أدوية هتاخديها بإنتظام لمدة شهرين وترجعيلي تاني." سألتها زمرد بحزن: " هي إيه المشكلة اللي عندي؟!

" مشكلة ليها علاقة ببطانة الرحم، بنسبة كبيرة يا زمرد أنتِ حصل معاكي حمل من أول زواجك لكن الحمل دا مثبتش في بدايته، من بعد الأسبوع الأول على طول يعني أول ما بتبدأ البويضة إنها توصل للرحم… فإحنا دلوقتي هناخد العلاج دا ونلتزم بكل التعليمات وترجعيلي بعد شهرين، وحالتك بسيطة متقلقيش." أومأت زمرد وفضلت الصمت، بينما أنهى عيسى الحديث بهدوء وابتسامة خافتة، وأمسك بيد زوجته ثم رحل بها.

على حالتها من الصمت جلست بجواره بالسيارة. التقطت نفسـاً عميقاً ثم أردفت بخفوت: " ممكن نقعد في أي كافيه على النيل! ابتسم عيسى يومئ برأسه يؤيد فكرتها تلك، ثم أردف يمازحها: " مع إن مفيش ولا مرة قررنا نخرج أنا وأنتي إلا ولقينا الدنيا اتقلبت." " والله يا عيسى نفسي نسيبها مقلوبة ونسافر أنا وأنت في أي مكان، أنت عارف أنا محسيتش خالص إني عروسة أصلاً."

" حقك عليا أنا، أنا عارف دا غلطي أنا يا زمرد بس والله هعوضك عن كل دا وقريب." جلست بارتياح وتنهدت تردف بمشاغبة: " هيييح لما نشوف.. بس المهم دلوقتي تخرجني وتغديني عشان جعانة أوي وتشربني عصير مانجا وبعدين تاخدني أشتري شوية حاجات على حسابك طبعاً وبعدين تجيبلي آيس كريم ونروح." " بس كدا دا إحنا عينيا للدكتورة." *** في المساء… " يا بنتي إرحميني وكلي بقى!!! ليكي علاج هتاخديه يا فيفي إخلصي."

" قولتلك عاملة ريجيم مش هاكل الأكل دا أنا." " ريجيم إيه يا بنتي اللي هتعمليه دلوقتي!! يا حبيبتي لازم تاكلي كويس، عدي بس أسبوع كمان ولا حاجة وابقي اعملي!! " حنة ريحيني وريحي نفسك، أنا مش هاكل.. امشي بقى سيبيني أرتاح، وبعدين أنا قولتلك ملكيش كلام معايا صح ولا لا!!! " ولما متكلمش معاكي أروح فين!!! أكلم الحيطان!! ، كل دا عشان عيسى قـالك على حوار خالد دا." " أيوا.. ماله خالد مش فاهمه؟!

" مالهوش يا فردوس وأنا مقولتش حاجة، لكن أنا سبق واتقدملي شخص وإديته كلمتي وخلاص مقتنعة بيه، وبعدين أحمد جه وقعد مع عيسى وأخوكي بنفسه قالك إنه كويس، وأنا خلاص هبلغ عيسى بموافقتي النهائية النهاردة بحيث نقرأ الفاتحة بقى ونعمل شبكة في نفس اليوم."

" هتندمي يا حنة، أنتي بتحبي خالد ومنكريش عشان أنا متأكدة زي ما أنا شايفاكي قدامي إنك بتحبيه من وقت ما كنتي معاه في الأقصر… ممكن بس تيجي تقعدي عشان أنا حاسة إني السبب في كل اللي بيحصل دا… حنة أنا كنت خايفة عليكي من مشاعرك دي وكنت أكتر حد مصمم على أحمد دا عشان خاطر تنسي وتكملي في حياتك ومتفضليش واقفة عليه، أنا خليتك تتسرعي صح!! أنا عارفة إني ضغط عليكي بس والله كنت كل اللي عاوزاه إنك تكوني مبسوطة."

ابتسمت حنة وأجابتها بهدوء: " أنا متسرعتش يا فيفي، أنا استنيته 7 شهور، معاه هنا في العمارة ومعاه وقدامه في المستشفى، مهو لو كان عاوزني كان يبقى من بدري… بس خلاص مفيش نصيب." " نعلقله إحنا بقى حبل المشنقة عشان أخد وقته! سألتها حنة بنفاذ صبر: " فيفي أنت لو جالك حد دلوقتي قالك إنه بيحبك وعاوز يتجوزك هتعملي إيه؟! " أنتي عبيطة بتقارني إيه بإيه!!

حبيبتي أنتي لسه مقرتيش فاتحة إنما أنتِ متزوجة و بعدين حتى لو همشي في المثل بتاعك دا.. أنا بعشق منتصر إنما أنتِ العكس بتحبي خالد مش أحمد." " وأحمد بيحبني وأنا مقتنعة بيه ف خلاص يا فيفي لو سمحتي اقفلي الموضوع، أنا مش هينفع أروح أقول للراجل لا خلاص الدكتور خالد أخيرا جاي دلوقتي يقول إنه عاوزني.. اسكتي ومتفتحيش الموضوع دا تاني وادعيلي ربنا يوفقني في حياتي الجاية دي وخلاص." " ربنا يعينك على المهلبية اللي في دماغك."

تجاهلتها حنة وأردفت بابتسامة: " بمناسبة المهلبية، إيه رأيك أقوم أعملك طبقين على ما تتغدي أنتِ بتحبيها." " مش قولتلك مش هاكل مرة!! أنا محتاجة أخس خمسة كيلو." طـالعتها حنة تشعر بالغضب منها، تحركت لخارج الغرفة تجاه التراث تأخذ هاتفها ثم أجرت اتصالاً هاتفياً ليأتيها الرد بعد دقيقة: " أيوا يا حنة، فردوس كويسة؟!

" أنتي تيجي تشوف حل مع مراتك دي، مش راضية تاكل قال إيه عاملة ريجيم.. أنا بقالي ساعة بتحايل عليها فلو سمحت تعـالا أنت أكلها لأني هلبس وأنزل عندي نباطشية." " خلاص يا حنة أنا جايلها دلوقتي روحي أنتِ شغلك أنا هقعد معاها." " تمام أنا هسيبلك المفتاح تحت مع طنط زينات." " طيب."

بدلت حنة ثيابها سريعاً ثم أخذت حقيبتها وعادت لغرفة فردوس مرة أخرى لتخبرها بذهابها، فودعتها فردوس بملل وأغمضت عينيها لتحاول النوم ولكنها لم تستطع فهي حقاً تشعر بالجوع. ولكن بعد منتصف الساعة شعرت بحركة مريبة بالخارج، فاعتدلت ترفع الغطاء عنها ثم تحركت للخارج تسحب منامتها القصيرة للأسفل، أخرجت رأسها من خلف الباب تدور بعينيها بحثاً عن مصدر الصوت. ظهر منتصر أمامها فجأة فـصرخت وتراجعت للخلف وكادت تسقط، ولكن امتدت يده تحيط بخصرها تمنعها من السقوط. كانت ستصرخ عليه لدرجة تجعله أصم، ولكن بدلاً من ذلك ابتسمت وهي تغرق بعينيه العسليتين اللتين تطالعها بشغف.

" خضتني! " سلامتك من الخضة." اعتدلت تبعد يديه تسأله بتعجب: " مقولتليش ليه إنك جاي! مش أنا لسه مكلماك من ساعتين؟! " لا مهو أنا مكنتش عامل حسابي إني جاي، بس سمعت طراطيش كلام كدا إنك مبتاكليش كويس فقولت أجيبلك حاجة بتحبيها يمكن تغيري رأيك." أشار للحقيبة التي أحضرها من المطعم المفضل لها، ولكنها تماسكت وحركت رأسها رفضاً: " لا أنا عاملة دايت، أنت مش شايف أنا تخنت إزاي!! ابتعد منتصر يطالعها، فشعرت بالخجل من مظهرها،

ولكنه أردف بابتسامة: " أنا مش شايف غير بنت زي القمر." ابتسمت بخجل: " طيب ممكن تخرج أغير هدومي وأجيلك." تعالت ضحكات منتصر يسألها بصدمة: " مين مكسوف!! فردوس!؟ مش معقول والله." " لا مش مكسوفة بس عيسى هيعلقني والله." أردف منتصر بضيق: " عيسى بقى خنيق والله، المهم غيري وتعالي هحط الأكل على السفرة." أجابته بحدة: " قولت مش هاكل يا منتصر." " مش هعيد كلامي تاني يا فردوس.. تعالي عشان تاكلي، دا مش وقت دايت وزفت!!

" لا أنا بقالي أسبوع مبتحركش وحنة وزمرد مبيعملوش حاجة غير إنهم بيأكلوني وأنا مش عاوزة أتخن أكتر من كدا.. ولا أنت هتستنى لما الناس تتريق عليا وأنا معاك! " يتريقوا عليكي وأنتي معايا!!! اللي يفكر يبصلك أصلاً مش هيلاقي عينيه دي تاني يا فيفي.. بصي تعالي أقعدي كدا بلاش نتخانق.. قوليلي إيه اللي مضايقك أنتي ومتفكريش في كلام الناس." جلست فردوس وهو بجوارها، فأردفت بصوت خافت:

" أنا أصلاً طول عمري مضايقة من موضوع وزني دا وجيت دلوقتي.. جيت دلوقتي اتجوزت واحد معندوش تلاتة جرام وزن زيادة وحتى مراتك كانت زي القمر."

" نسرين الله يرحمها كانت مريضة سكر أصلاً والعلاج بتاعها كان فيه أدوية بتعلي الحرق وغير كدا هي كانت بتبقى مضطرة تحافظ على أكلها وبتحرم نفسها بس عشان صحتها وعشان كمان دا كان مؤثر معاها في موضوع الحمل… بس أنتي دلوقتي لسه خارجة من عملية وجرحك حتى لسه ملمش كويس كمان فمينفعش تفكري في ريجيم… وفي فيفي أنا والله شايفك زي القمر ممكن ميفرقش معاكي رأي أي حد تاني!!!

ممكن تصبري لما تبقي أحسن وبعدين أنا بنفسي هاخدك لدكتورة تغذية وأحجزلك في أحسن جيم.. بس عشانك أنتي تبقي راضية عن نفسك مش أي حاجة تانية." " يا ويلي من حلاوة كلامه يا ناس!!! " يا ويلي أنا من حلاوتك يا قمر والله مش فاهم لما أنتي تقولي الكلام دا غيرك يقول إيه!! طب دا أنا يا بختي بيكي والله." " بس الله الرحمن الرحيم مين اللي بيقول الكلام الحلو دا كله!! منتصر أنت كويس؟!

طالعته منتصر بابتسامة وهو يحك عنقه يشعر بذلك الاضطراب بداخله، مرحباً بشعوره ذلك وهو يختبره معها، تلك الفتاة أثرته بكل الطرق بدون أي مجهود منها، فقط بكونها فردوس أُغرم بها. " أنا مغرم بيكي أقسم بالله! لمعت عيناها بل أنها بكت بصمت، ورغم ذلك ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها تجيبه بحب: " وأنا كمان.. أنت أحن راجل وأحن زوج وأنا مش عاوزة حاجة من الدنيا دي غيرك."

ترك يدها وضمهـا بحب، ولولا أنهما منتصر وفردوس لكان انتهى اليوم بعشاء رومانسي على ضوء الشموع، ودعته بحب، ولكن انتفض الاثنان على صوت صرخة أفزعتهم حقاً، وقد كان مصدرها عيسى الذي أتى للاطمئنان على أخته. أردف منتصر بخوف: " أقسم بالله مستعد أصلح غلطتي." " أنت بتعمل إيه هنا!!! في بيتي يا منتصر و مع مين مـع أختي يا صاحب عمري!!! ليه يا منتصر الضربة تيجي منك أنت!! أردفت فردوس بملل:

" إيه يا عيسى الأوفر دا هو يدوبك قالي مغرم يعني!! رفع عيسى قدمه يأخذ حذاءه يلقيه تجاهها، فأبعدت فردوس تختبئ خلف منتصر تستمع لصراخ أخيها: " وأنتِ كنتي عاوزة يقول إيه أكتر من كدا يا كلبة." كتم منتصر ضحكاته، لكن عيسى أكمل بضيق: " أنتم وضعكم دا مش عاجبني فعلاً." أردف منتصر بهدوء: " كل الحكاية إني كنت جايبالها أكل وبعدين قعدنا شوية وكنت بطمن عليها بس."

صمت عيسى وتحرك أمامهم ببطء ذهاباً وإياباً، والاثنان يطالعانه وكأنهما مذنبان، حتى نطق عيسى أخيراً: " فرحكم بعد شهرين.. موافقين!!! نظر الاثنان لبعضهما البعض بصدمة، ولكن سرعان ما ابتسم منتصر وأومأ برأسه: " أنا موافق." بينما فردوس هزت رأسها رفضاً: " مش قبل ما حنة تتخطب." جلس عيسى وسألها بحيرة: " أختك شكلها بتحب خالد واللي هي بتعمله من ورا ضهرك يا ست فيفي هو أكبر غلط.. وأنا مش عارف أقنعها." أردفت فردوس بندم:

" وبصراحة أنا حاولت أقنعها بردو مش عارفة." أردف منتصر: " طيب ما أحنا ممكن نفهم أحمد دا كل حاجة وهو هيبعد من نفسه." أجابه عيسى:

" لازم حنة تكون موافقة على أي حاجة هنعملها يا منتصر، إحنا ملناش الحق إننا نتصرف بالشكل دا من غير موافقتها… خالد اللي لازم يتلحلح شوية ويقنعها بيه ولو دا حصل أنا هفهم أحمد كل حاجة… ركزوا بقى أنتم في شقتكم والفرش وانتِ اكتبيلي قايمة كاملة بكل اللي محتاجاه عشان ننزل نجيب كله مرة واحدة وننجز… و آه فستانك هيبقي هديتي ليكي متفكريش فيه وانت يا عريس اعتبر شهر العسل اتحجز." ابتسم منتصر، ولكن عيسى اقترب منه يهمس له بتحذير:

" لو في يوم زعلتها هتبقى لعبت في عداد عمرك.. فاهم!! تحرك عيسى للخارج يطارده منتصر بصدمة، بينما فردوس أخذت حقيبة الطعام وجلست تتناول منها بنهم. *** بعد مرور عدة أيام… تحركت حنة بتعب للأعلى حيث شقتها لتجد ورقة صغيرة أمام الباب: " أنا على السطح لما تيجي من الشغل اطلعي صحيني! تأففت حنة فهي تريد النوم حقاً، ولكنها تحركت للأعلى تبحث عن أختها، تحاول أن تستوعب أنها ربما قضت ليلتها على سطح المبنى!!!

لكنها بالأعلى لم تجدها، لم تجد سوى بعض اللوحات المغطاة بقماش أبيض، ومن الغرفة الوحيدة ظهر خالد أمامها. لم تفهم ما يحدث حقاً، ولكنها استنتجت أن أختها ليست بالأعلى، فاستدارت لترحل، ولكنـه أوقفها. " حنة!! لحظة واحدة." التفتت مرة أخرى بتوتر وقد اثلجت أطرافها، وكانت خطواتها الصغيرة التي اتخذتها تجاهه صعبة للغاية، وبرغم ذلك سألته بثبات: " خير يا دكتور." " بص هو أنا كنت عاوز أقولك حاجة، بس أنا مش عارف إزاي فتصرفت."

تحرك سريعاً تجاه اللوحة الأولى، كان رسومات كرتونية بسيطة، بتلك اللوحة رأت فتاة تقف بمحطة القطار خلفه وهو ينظر لها. " أنا أصلاً كنت معجب بيكي من أول مرة شوفتك فيها." تحرك للوحة الثانية ليجدها صورتها عندما شعرت بالتوعك بالمشفى وكان هو جوارها. " وهنا حسيت قد إيه أنا مهتم بيكي! تحرك للوحة الثالثة وكانت عبارة عن فتاة تقف أمام جرس منزل صغير:

" وهنا كنت فرحان إنك جاية بيتي، حتى لو مكنتش فاهم ليه عيسى طلب مني كدا.. ولما كارم جه وعرفـت إنك كنتي متجوزة وفهمت قصة جوازك.. صدقتك ومشكتش في صدق حديثك في لحظة." باللوحة الرابعة كانت صورتها تقوم بإعداد الطعام في مطبخ يشبه نفس مطبخ شقة خاله: " وهنا كنت بفكر قد إيه هبقى محظوظ لو رجعت كل يوم لقيتك في بيتنا أنا ومطبخنا.. وتكوني حلالي يا حنة!! وقبل أن يرفع القماش عن اللوحة الخامسة أوقفته حنة بصوت خافت:

" لو سمحت يا دكتور خالد!! الكلام دا مفيش منه داعي، أنا في حكم المخطوبة دلوقتي! " وأنا مش قادر أقتنع ومش عاوز أصدق إن دا بيحصل!! حنة أنا والله كنت عاوز أتقدم من زمان بس خايف من رد فعلك وأنتي طول عمرك كنتي بتقولي إنك رافضة المبدأ.. كنت خايف من الرفض فوقفت على أرض محايدة." " لا.. أنت كنت ضامني يا دكتور، كنت ضامن إني هفضل موجودة، وفاكر إنك بالنسبالي أصلاً فرصة مقدرش أرفضها!!!! " لا!!! والله أبداً عمري ما فكرت كدا!

أنا اللي كنت خايف من الرفض، مكنتش عارف هتقبلي ولا لا! .. أنتي اللي بالنسبالي فرصة يا حنة وأول حب لشاب عمره 35 حياته كلها بين دراسة وشغل مكانش فيها مجال لأي مشاعر بس أنتي جيتي من أول نظرة غيرتي كل دا.. حتى لو هتفضلي رافضاني يا حنة خليكي عارفة كدا كويس، أنتي بالنسبالي كنتي حاجة عالية خايف مطولهاش مش العكس زي ما أنتي فاكرة!!! " دكتور خالد.. كل شئ قسمة ونصيب وأنا نصيبي جه وإن شاء الله ربنا هيرزقك باللي أحسن مني."

قاطعته حنة فأومأ خالد بيأس، وبتلك اللحظة تدخل جميع من بالغرفة، وللحقيقة جمعت تلك الغرفة الكثير من الأشخاص… عيسى وخلفه منتصر ومن ثم زمرد وفردوس ومن بعد زين وزوجها سليم، وقد رتبوا جميعهم للأمر لمساعدة خالد. أردفت فردوس بيأس: " طب فكري تاني يا حنة! أردف عيسى بهدوء: " اللي أنتي عاوزاه هو اللي هيحصل." اقتربت زمرد تمسك بيدها تردف بحنان: " بس يستاهل تديله فرصة." اقتربت زين تقف جوار أخيهـا: " يا ست والله بيحبك!

وقف عيسى أمامها يهمس لها: " خالد ميعرفش إنك بتحبيه، محدش فينا ليه الحق يقوله، بس صدقيني لو جوازتك من أحمد كملت هتبقي بتظلمي نفسك وبتظلمي أحمد." صمتت حنة تنظر للجميع. وقفت بعينيها على خالد، ذلك الذي أحبته بصمت كل تلك الأشهر. هي فتاة بسيطة ربما ستنسى حبهـا له وتمضي حياتها مع شخص آخر، ربما يسألها حفيدها يوماً هل أحبت بصدق يوماً!! وتتذكره وتبتسم بألم… ألا يكفيهـا ما أخذته من الألم بحياتها!!

والآن لن تأخذ ذلك الطريق بنفسها، ستختاره وتختار نفسهـا معه، ربما تأخر قليلاً، ربما هو أناني بشكل ما وهي قررت تلك المرة أن تسعى لسعادتها، تصغي لدقات قلبها التي تناديه. " هقول لأحمد إيه؟! " مش هتقولي حاجة… أنا اللي هقول، أنا أخوكي يا حنة." ابتسمت حنة تقول بامتنان:

" أنت أكتر من أخ يا عيسى، وعشان كدا قول للدكتور خالد لو عاوزني يبقى يتقدم رسمي ويجيب والده ووالدته وبعد كدا يبقى يحسب حسابه على ضوابط الخطوبة.. التسيب دا لا يمكن اسمح بيه." أعطته نظرة أخيرة وابتسمت بخجل قبل أن تستدير وترحل، تاركة إياه ينظر في أثرها بصدمة يتساءل: " يعني إيه!؟ ناجح ولا ساقط كدا؟! اقترب عيسى يكتم ضحكته: " هات والدك ووالدتك وتعالى بكرة الساعة 6." تحرك عيسى وخلفه زوجته ومنتصر وفردوس التي لحقت بهم، وتبقت

زين التي أردفت بتعجب: " أعتقد إنها كدا هتوافق خلاص يعني… مبروك يا خلودة، يا ريت تنجز بقى عشان أنت قربت تعجز." دفعهـا خالد بعيداً عنها بضيق، فأخذها سليم بين يديها، فسحبها خالد مجدداً وتحرك بها ينظر له بغيظ، ألا يكفيه أنه أخذهـا منه بحجته تلك أنها زوجته!!! *** بعد عدة أيام…

برغم خوفها من فكرة الزواج للمرة الثانية، وبرغم التجربة الأليمة التي مرت بها حنة، إلا أن الغرفة لم تسع أجنحتها وهي تنظر لخاتم الخطبة بيدها. وبإصرارها على ضوابط الخطوبة، أصر خالد على عقد قرانهما بعد شهرين، بيوم زفاف منتصر وفردوس…. ولكن قبل ذلك الزفاف كان عليهم جميعاً التجهز لزفاف زين وسليم، وقد أتى موعده سريعاً بعد أسبوع واحد لا أكثر. " مش هتلبسيه يا زمرد، إنسي." " يا عيسى أنا أصلاً مبجيبش لبس ضيق، أنا لبس بجد محترم."

" مش ضيق بس ملفـت يا هانم." " والله ما ملفـت دا هادي خالص، يا عيسى بالله عليك الفستان عاجبني أوي وحلو عليا." " لا لا… لا مش موافق… مش قادر أوافق والله نفسي أعملك اللي أنتي عاوزاه بس لا شوفي حاجة تانية." " أقولك حاجة أنا مش رايحة الفرح ومتكلمنيش بقى تاني." " أحسن بردو." " طب.. طب هلبس نقاب أسود هيقفل اللون شوية.. عشان خاطري بقى وافق عشان خاطري! " استغفر الله العظيم… خلاص يا زمرد البسي اللي أنتي عاوزاه."

" طيب البس جرافتة بيج بقى لون الفستان." حمل الكوب بجواره وكاد يرميها به، ولكنها صرخت تحمي وجهها خلف يديها: " يا مصيبتي عاوز يخلص عليا وأنا في عز شبابي!! ترك الكوب وتعالت ضحكاته، فنظرت له بضيق واقتربت تقف جواره تضع يدها بخصرها: " إيه يا أستاذ عيسى مزعلتنيش بالكوباية ليه!! افتحلي دماغي! سحبها عيسى تجاهه يهمس لها: " مقدرش يا قلب الأستاذ عيسى." في مساء يوم الزفاف…

ابتسم سليم وهو يتحرك لداخل غرفة الفندق ليأخذ عروسه. كان أنيقاً للغاية وازدادت وسامته بابتسامته الواسعة تلك. بداخل وقفت زين تنتظره بفستانها الأبيض الثقيل، ربما رأته زين مبالغاً به قليلاً، ولكن ما الضرر من المبالغة في فستان زفافها الذي سترتديه لمرة واحدة بالعمـر!!! بدت كالأميرات رغم كل شيء بحجاب أنيق، لكنها بدت مرتبكة حقاً، تشعر بأنها تسرعت بالأمر ولا مجال للعودة، لا مجال للهرب. اقتربت فردوس تسألها بتعجب:

" مالك يا زين؟!! إيه دا إيدك ساقعة كدا ليه؟! " مفيش.. خايفة بس شكلي يكون مش حلو." " لا طبعاً أنتي زي القمر مفكيش غلطة حقيقي." ابتسمت لها زين والتفتت على صوت طرقات سليم على الباب، فـ اتسعت ابتسامتها تردف بحماس: " سليم." تـناسـت زين توترها وتحركت تجاه الباب، فأمسكت بها فردوس تردف بحدة: " بت أقفي هنا واتقلي كدا."

ضحكت زين وأومأت لها، ووقفت بنهاية الغرفة، بينما اتجهت فردوس لتستقبله ممسكة بهاتفها لتقوم بتصويرهم. ابتسم سليم للكاميرا ثم اتجه بعينيه يبحث عن زوجته حتى رآها كالملاك الأبيض بنهاية الغرفة، فـ اتسعت ابتسامته وقام بالتصفير بمشاغبة، لتكتم زين ضحكتها تحاول الحفاظ على وقارها كعروس، ولكنها لم تتمالك نفسها عندما اقترب سليم يضمها ويرفعها عن الأرض. أنهت فردوس تسجيل الفيديو وتحركت للخارج، فـ اقترب سليم يهمس لزوجته:

" عمر صورتك دي ما هتروح من بالي وهتفضل أحلى حاجة شوفتها في حياتي." ابتسمت زين بخجل وهي تنظر له بحب. قامت الحياة بتعويضها عن كل الأيام المريرة بقطعتها الخاصة من السكر المحلّي. *** " سيبلي رف واحد يا مفترية أحط فيه هدومي!!! " ما أنا سبتلك يا منتصر والله أهو الحتة دي مش هتقضيك يعني!! " لا مش هتقضي أنا لبسي كله فورمال لازم يتعلق مش هينفع يتطبق كل فوق بعضه كدا." دلفـت زمرد للغرفة تحمل حقيبة ثياب أخرى تسألهم بحيرة:

" هنحط دي فين!!! نظر منتصر لفردوس بحنق وصاح بها: " إيه يا فيفي!!! هو الجهاز كله هدوم بس!! " والله إن كان عاجبك بقى لو مش عاجبك يبقى خلاص نأجل الفرح على ما نبقى نكبر الدولاب." أمسك منتصر بثيابه وألقاها أرضاً ثم أشار لزمرد: " تقدري تحطيهم هنا عادي مش مهم أنا." ضحكت فردوس واقتربت تحمل ثيابه تقول بحب: " يا حبيبي لا خلاص والله هحطهم لك متقلقش هتصرف أنا." ابتسم منتصر وربت على رأسها:

" خلاص ماشي أنا هروح أنا الشغل وهخلي البواب يشتري لكم غداء." " ماشي اعمل حساب حنة هي زمانها جاية." " حاضر." تحرك منتصر للخارج، فابتسمت فردوس تنظر في أثره، فاتجهت زمرد تربت على ذراعها: " يلا يا حبيبتي مش وقت تتنحي، وريني هتتصرفي إزاي في الحوسة دي، إخلصي فاضل أسبوع على الفرح والشقة تضرب تقلب! " شقة إيه اللي بتفكري فيها، فكري في فستان فرحي يا هانم اللي جوزك ورانيش شكله لحد دلوقتي ولا حتى عارفة شهر العسل هروح فين!

والله شكله هيسوحني ويوديني الموزمبيق! " أخوكي هيعملك أحسن حاجة متفكريش كتير، وأخلصي بقى أنا تعبت." " تعبتي إيه إحنا لسه بدأنا!! " فرهـدت من كتر اللف معاكي من الصبح، أنا عاوزاكي تتجوزي عشان أنا أستريح شوية." ضمتهـا فردوس تشكرها بامتنان: " ربنا يخليكي ليا يا زوزا."

مر ذلك الأسبوع المرهق بسرعة كبيرة، وآتى اللحظة التي انتظرتها فردوس وهي رؤية فستانها العزيز. وضعه عيسى بغرفتها ولم يخبـرها، وجلس بالخارج وبجـواره زمرد وحنة وزينات ينتظرنها بفارغ الصبر، فقد رفض عيسى أن يروا الفستان قبلها. عادت فردوس للمنزل وأخيراً تردف بتعب: " هدخل أغير هدومي وأجي نتغدى معلشي اتأخرت." دلفـت فردوس لغرفتهـا سـريعـاً ثم عادت لهم بعد قليل وهي بالكاد تلتقط أنفاسها تشير للداخل بأيدي مرتجفة:

" دا… دا إيه اللي جوا دا!! دا فستاني!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...