وقفت أم مروان قصاد أبويا وقالت بجدية رهيبة: –لاء أنا مش هروح على بيتي يا أبو محمد، أنا هاخد هند ونروح المستشفى علشان نبقى مع أم محمد ومنسيبهاش لواحدها، يلا يا هند… أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. قالتها وهي بتبص ناحيتي بنظرات حادة وأنا حاسة إن الصداع رجع يفرتك دماغي وعيني من تاني. قمت من مكاني لكن أبويا قالها: –خليها هنا يا حاجة وأنا اللي هروح لأمها، أخوها جوه عيان ومش واعي للدنيا. ردت أم مروان وقالت:
–أمها لو مشافتهاش قصادها هتفكر إن جرالها حاجة من اللي شافته، والست مش متحملة تبقى مشغولة بالواد ولا البت، استهدى بالله والبت هترجعلك تاني. سحبتني من إيدي ومشيت من جنب أبويا وهي عمالة تردد: –وجعلنا من بين إيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا فأغشيناهم فهم لا يبصرون. هي بتردد وأنا دموعي نازلة لوحدها. طلعت من جنب أبويا من غير حتى ما يلف يبص جنبه. أول ما طلعت من باب الشقة وقفتني قدامها وحطيت إيديها على رأسي وقالتلي:
–خلاص مش هقرأ تاني دلوقتي علشان متتعبيش، بس اصبري اطلع أجيبلك عباية من عندي وأجيب فلوس علشان يمكن نحتاج مصاريف. وفعلاً في لمح البصر كانت أم مروان، برغم سنها اللي تخطى الخمسين ووزنها الزايد إلا إنها كانت طلعت بيتها في الدور الرابع ونزلت بالعباية والفلوس وكمان غيرت هدومها. وقالتلي: –يلا بينا يا هند، بس يا حبيبتي عايزاكي تكوني هادية كده وجواكي ثقة في الله، علشان اللي جاي مش سهل.
مكنتش بتكلم ولا قادرة، تعبانة وموجوعة وجسمي كأن حد بيغرس فيه إبر. مشيت معاها وأنا ساكتة وهي مسكت إيدي، مجرد ما عملت كده حسيت إن ألم الشوك اللي في جسمي ده بيهدا شوية. أه الألم مختفاش، لكن هدا شوية. هي كانت عمالة تردد حاجة وأنا مش سامعة ولا فاهمة، لكن كل اللي حصل إننا ما روحناش المستشفى، إحنا روحنا لإلهام… روحنا بيت عمتي. –إحنا جينا هنا ليه؟ أم مروان:
–علشان هنا طرف الخيط يابنتي، لو مش هي اللي الأذى من وراها، يبقى هي اللي هتعرف تدينا خيط التعامل مع الملعونة دي. مسألتش وطلعت معاها. وأول ما اتفتح باب الشقة وشافتني عمتي قصادها قالت: –لا تأذينا ولا نأذيكي. دخلت بيا أم مروان وهي بتخبط على كتف عمتي وبتقول: –حسيتي بريحها يا إلهام، عندك علم يعني؟ دخلت عمتي ورانا بعد ما قفلت الباب وكانت أم مروان بتتعامل وكأنها صاحبة بيت. قعدت وقعدتني جنبها. وجت عمتي قعدت قصادنا وهي بتقول:
–في إيه يا أم مروان؟ خطوة عزيزة الأول. أم مروان: –يعز مقدارك يا إلهام، قوليلي من غير ما نلف وندور، انتي ورا اللي بيحصل في بيت عيلة مرات أخوكي؟ بصت عمتي ليا بتركيز وبصت لأم مروان: –في إيه؟ فهميني انتي قصدك إيه؟ أم مروان: –البيت هناك فيه ريح أبَالسة يا إلهام، ومش أي أبَالسة دي الملعونة اللي مش بتحضر غير بالطلب وتقديم القرابين، انتي اللي ورا تحضيرها يا إلهام؟ انتي اللي فضحتي البت بسمة؟
انتي اللي طفشتي ياسر وأخوه وخربتي بيوتهم، انتي اللي ورا انتحار ابن أخوكي….. قاطعتها عمتي بصدمة: –ابن أخويا مين ده اللي انتحر؟ أخوكي يا هند جراله حاجة؟ أم مروان ردت بجدية: –خالد يا إلهام، الواد رمى نفسه من البلكونة، والتاني راقد في الفرشة مش بيتحرك ولا حاسس ولا داري باللي حواليه، أما دي بقى فمأذية لأنها ممسوسة بالريح مش مجرد تسليط. عمتي بخوف:
–معملتش حاجة يا أم مروان، انتي عارفاني أنا مبسعى لجر الشر، لكن اللي بيتطلب مني بعمله. أم مروان: –يعني انتي ورا حضورها؟ عمتي حطيت عينيها في الأرض: –أيوه. –طلبها منك قريب ولا غريب يا إلهام؟ قبل عمتي ما ترد كنت أنا حسيت إن فيه سكاكين بتقطع في معدتي، ترجيع سواد وكتل غريبة فيها حشرات صغيرة بتتحرك لكن مش عارفة هي عبارة عن إيه. صرخت أم مروان وعمتي جريت عليا وهي بتقول: –مش ذنبي، مش أنا اللي كنت عايزة..
أم مروان حطيت إيديها على بطني وايد تانية على دماغي وابتديت تقول: –احفظها يا حفيظ، لجّم الشر عنها، احميها من شر الخناس، عينها على الصبر ونور بصيرتها. كانت بتقول كل ده وأنا روحي بتطلع تقريبًا. عمتي بتعيط قدامي ومش عارفة تعملي حاجة وبتبص للي بيحصل بذهول. لحد ما تكرار دعوات أم مروان ورا بعض ابتديت أهدأ، لكن الأرض كلها حواليّا سواد وحشرات غريبة. أول ما ابتديت أتنفس ودموعي نازلة عمتي قالت:
–زي ما طلبت حضورها هصرفها، هصرفها حتى لو كان اللي هيروح فيها ابن أمي وأبويا. أم مروان بصدمة وحزن: –كنت حاسة، بس متخيلتش إنه يتحمل يشوف ولاده في اللي هما فيه ده ويقف يتفرج. عمتي: –حذرته.. حذرته وقولتله، وهو الطمع والحقد عاميينه. أم مروان وهي بتساعدني أقف علشان تدخل بيا الحمام وعمتي معاها:
–مش كفايا تحذيرك، انتي بمطاوعتك له دمرتي عالم مالهاش دخل بالشر اللي جواكم، ناس مالهاش أي دعوة بالسكك المعوجة بتاعتكم، الواد انتحر ولو مات هيبقى مات خسران دنيته ودينه، والتانية اللي اتفضحت سُمعتها واتكسرت نفسها ونفس أهلها، واللي اتطلقت من تحت راس اللي جرى، واللي واللي واللي…. جالك قلب تأذيهم؟ عمتي وهي بتغسلي وشي على الحوض: –أبوهم جاله قلب يأذيهم، هخاف عليهم أنا أكتر منه؟ أم مروان:
–آه يا إلهام، لو طرحت الشجرة بلحة بايظة مش لازم كل البلح يبوظ، نقطع البايظ من وسط الشجرة علشان نحافظ على الباقي، وأخوكي بايظ من جواه ومن برا، يبقى تمنعيه حتى لو هتخسريه، مش تضيعي ببُوظانه كل اللي اتدمروا بسببه دول. خدوني وطلعوا بيا وقعدوني في أوضة عمتي وقعدوا قصاد بعض على السرير جنبي من الناحيتين. وقالت إلهام:
–أم مروان، انتي ست بتاعت ربنا وعارفة وفاهمة في الحاجات دي أكتر مني بكتير، وعارفة إن دول مش بيستخدموا غير اللي جواهم شر وسواد، أنا عارفة إني غلطانة، لكن هي لو خدت هند طريق ليها…. يبقى هند جواها نفس اللي جوة أبوها. أم مروان:
–شوفي يا إلهام، هتجيبي أخوكي هنا، وهبعت أجيب الشيخ كارم… واللّي حضرت دي لازم تنصرف، تنصرف بعد ما كل اللي جرى من وراها يتصلح… وأولهم سُمعة وشرف البت الغلبانة… ماهي ناااعووودي نجسة واللي حصل ده هي اللي وراه وأنا دلوقتي متأكدة من كده مش شاكة بس. عمتي بخوف: –ممكن يأذوني يا أم مروان لو أذيتها، انتي عارفة إنّي بشتغل معاهم من سنين لا أذيتهم ولا أذوني، أنا أخاف ياختي نهايتي تكون على إيديهم. أم مروان:
–صرفتيها ولا لاء هتكون نهايتك على إيديهم، انتي فاكرة دخولك للعالم بتاعهم ولعبك معاهم ده هيخلص على خير، دول شياطين مش ملايكة يا إلهام… اسمعي اللي قولت عليه.. كفايا إننا مش عارفين العيل اللي في المستشفى ده لسه عايش ولا روحه طلعت للي خالقها؟ إلهام: –طيب بصي، خلينا الأول نروح نطمن على خالد، وبعدين نطلع على البيت عند مجدي، هو مش هيرضى يجيلي لو حس بحاجة، وبعدين هي محاوطة هناك ولازم نصرفها من هناك.
كل ده كنت أنا ساكتة ومش بتكلم، بسمعهم وبس. دموعي نازلة وأنا عارفة إن عمتي عندها حق، أنا جوايا سواد زي أبويا، أنا بكره كل الناس وبكره نفسي كمان ودي النتيجة. بصيت أم مروان ليا وقالتلي وكأنها فهمت اللي جوايا وحسيت بيه:
–إحنا مش ملايكة يابنتي، إحنا بشر، وزي ما فينا خير… فينا شر برضو، بس يمكن ربنا بيدينا فرصة علشان نقدر نرجعله ونخلص من الشر اللي جوانا، ويابخت اللي يعرف يستغل الفرصة ويعرف ينصف الخير اللي جواه عن الشر والغضب والحقد والغيرة… هديتي نروح نطمن على أخوكي. هزيت رأسي بضعف وألم وقولتلها: –أيوه. عمتي: –هلبس عبايتي وننزل، هطلعلك حاجة من عندي تلبسيها يا هند بدل هدومك دي.
فعلاً أنا هدومي محتاجة كلها تتغير، وعمتي غيرتلي هدومي ولميت كل القرف اللي كان برة ده واستحميت بسرعة ونزلنا. روحنا على المستشفى كان فيه جيران كتير مع أمي، وخالي ومرات خالي كمان وإيمان كانوا معاها، وداليا كمان اللي كانت برة اتصلوا بيها على الموبايل وراحتلهم على هناك. حتى أعمامي لما سمعوا الخبر كانوا في المستشفى، لكن أبويا…. لاء.
أمي أول ما شافتني وأنا عيني فجأة حاوطها السواد، ووشي بقى أصفر وأتحولت 360 درجة عن ما كانت شايفاني من ساعتين تلاتة مثلا. جريت عليا وهي بتقولي: –انتي فيكي إيه انتي كمان؟ مالك؟ أخوكي فيه حاجة؟ ردت أم مروان: –مفيش الفجعة بس مستحملتهاش على أخوها، محمد في البيت على حاله متقلقيش، طمنينا على خالد بس. أمي بعياط: –نزيف في المخ يا حاجة، نزيف وبيحاولوا يوقفوه، ادعيله.
كانت إلهام واقفة بعيد مكسوفة من نفسها، حاسة إن الكل عارف باللي هي عملته، لكن محدش كان عرف غيري أنا وأم مروان. ابتديت أم مروان تقول لكل اللي واقفين: –اقروا آية الكرسي، رددوها كتير، رددوها خلي الدكتور يطلع لنا ببركة ربنا يطمنا عليه. كلهم فعلاً عملوا اللي هي قالته. مشيت ناحية مرات خالي وهي بتقرأ الآية وأول ما خلصت قراءتها أول مرة اتكلمت معاها أم مروان: –البت بسمة عاملة إيه؟ مرات خالي عيونها لمعت بالدموع
وحطيت رأسها في الأرض: –مكسورة يا حاجة، مكسورة ومذلولة، وكلنا اتكسر ضهرنا من بعد اللي جرى. أم مروان بتطبطب على مرات خالي وبصيت لخالي اللي واقف جنبها قلقان: –بنتك اتأذيت واتظلمت، ربك هيظهر الحق، وابقى قولوا أم مروان قالت. استغرب خالي الكلام وبص لأم مروان اللي ابتسمت وسابتهم وجت وقفت جنب أمي وابتديت تقرأ آية الكرسي. حاولت لكن لقيت نفسي لا قادرة ولا فاكرة وكأن عقلي ولساني مربوطين.
استمرينا على الحال ده ساعة تقريبًا لحد ما طلع الدكتور من الأوضة وكلنا تقريبًا جرينا عليه وقالنا أول ما اتجمعنا حواليه بجدية:
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!