دخلت المنزل بخطوات بطيئة. وجدته أمامها. حمدًا لله لم تتأخر كثيرًا. يوسف: يتفحصها بعينين ضيقتين. هايدي.. وشك عامل كده ليه؟ ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم مسكت رأسها بتعب وقالت بنظرات زائغة: إرهاق بس من المذاكرة والكلية وكده. اقترب منها، حاوطها بذراعيه بحنان. خلي بالك من صحتك.. خدتي العلاج بتاعك؟ استندت برأسها على صدره وشدت عليه، فهي بحاجة لاحتضانه أكثر من أي وقت مضى.
أحس يوسف بأنفاسها الحارة. ابتعد عنها قليلًا، وضع يده على جبينها يتحسسه. شكلك سخنة يا هايدي. فركت عينيها بكفها. آه، أنا حاسة إني داخلة على دور برد. هطلع آخد دش وأرتاح شوية. قبّل جبينها. طيب يا حبيبتي.. لو عاوزة حاجة اندهيلي. هايدي تتجه صوب الدرج بإرهاق يبدو بوضوح. أمسكت بسور الدرج وصعدت بتثاقل، حتى دلفت لغرفتها. ليلًا، بمنزل يوسف. قرعت سارة باب غرفة هايدي بخفة. تحركت هايدي بتثاقل من مكانها وتوجهت لتفتح.
هايدي: بتذمر. أيوه. سارة: تبتسم برقة. دودو، مجتيش تقعدي معايا، قلت أجي أقعد معاكي. هايدي: مازالت على الباب تسد عليها الدخول. لا معلش، أصل تعبانة شوية وعاوزة أنام. سارة: تضيق عينيها باهتمام. مالك يا حبيبتي؟ ثم مسحت بكفها على وجنتها بلين. هايدي: وهي تنزح يدها عن وجهها بانفعال. يوووه.. بقولك تعبانة وعاوزة أنام، إيه مبتفهميش؟ انتفضت سارة واتسعت حدقتاها من حديث هايدي. هتفت بحرج: أنا آسفة.
وهرولت لغرفتها بخطوات متعجلة. صفقت هايدي الباب بعنف، تلعن حالها، فهي بحالة لا يعلم بها سوى خالقها. أسبوع آخر يمر ببطء على الجميع دون جديد يذكر. أمير وسارة على حالهم، لا يلتقون إلا وهو يوصلها لمنزله. مضايقات يوسف لبنت عمه. هايدي ومشكلتها التي تتزداد تعقيدًا. بأحد المقاهي الليلية بمدينة القاهرة. يجلس جمال مع أحد أصدقائه السيئين مثله، يتبادلون سجائرهم.
جمال لصديقه رامي: يحدثه وهو ينفث دخان السيجارة من فمه. بنت الـ*** عاوزة تدبسني فيها هي واللي في بطنها. رامي: يتناول منه السيجارة. دي كارثة.. طب وهتعمل إيه يا شقيق؟ جمال: تجمعت ملامحه. ولا ليا فيه.. البت دي ما عدتش تلزمني. رامي: يضيق عينه بفضول. مش انت بتقول إنها من عيلة غنية؟ جمال: بلا مبالاة. والنبي لو بنت وزير الداخلية ما هتجوزها.. أنا خلاص خدت غرضي منها.. أتوزجها بقي ليه؟ رامي: طب هتعمل إيه؟
جمال: هيرنّي رنّ على الموبايل. أنا هقفل الموبايل وأروح أقعد في شرم شوية.. تكون اتصرفت بقى ونزلت اللي في بطنها. رامي: بنبرة قلق. طب افرض قالت لأهلها ولا أخوها؟ جمال: بتأكيد. مستحيل تعملها.. دي بتترعب من أخوها.. ده يقتلها. رامي: وهو يدوس السيجارة تحت قدمه. يبقى انت كده في الأمان يا زميلي. أكملوا أحاديثهم وهو يشعلون السيجارة تلو الأخرى. بالمقهى الموجود بكلية التجارة.
تجلس سارة مع أمير. يتحدثون سويًا بشأن علاقتهم ومستقبلهم معًا. أمير: بنفاد صبر. مينفعش اللي بيحصل ده.. اقسم بالله. سارة: بحزن. طب أنا بإيدي إيه أعمله؟ ما انت شايف الوضع. أمير: بإصرار. أنا لازم أتكلم مع ابن عمك. سارة: أحست بقبضة قلبها بذكر ابن عمها. هتكلمه في إيه؟ أمير: نستعجل بكتب الكتاب والفرح وتكملي تعليمك عندي. هتفت بفرحة ممزوجة بالقلق. بجد.. بس معرفش هما رأيهم إيه؟
تذكرت تهديدات يوسف وتحذيراته. فليضرب برأسه الحائط. وأخيرًا ستتخلص من قبضته! بمكتب يوسف. كان يجلس مع صديقه أحمد الدالي. حيث كان يجلس على الكرسي المتحرك يستند بذراعيه على ساعدي الكرسي وبالمقابل له يجلس رامي. يوسف: إيه يا عم انت.. وآخرتها معاك إيه؟ أحمد: إيه؟ عايز إيه؟ يوسف: هتفضل كده طول عمرك.. مش هتشتغل بقى؟ أحمد: يمزح. إيه.. جايب لي شغل؟ يوسف: أيوه.. أنا محتاجك معايا في الشركة.
أحمد: وهي الشركة ناقصها مهندسين يا يوسف.. يوسف: انت غير.. انت عارف أنا طول عمري محتاجك جنبي. أحمد: أومأ برأسه. خلاص على بركة الله.. شوف هنبدأ شغل مع بعض امتى. يوسف: بعجالة. دلوقتي. ونهض من مكانه واستدار ليجاور صديقه بعد أن نهض هو الآخر. تعالى أما أوريك مكتبي. وولجا للخارج سويًا. توقفت بسيارة الأجرة أمام البناية التي يقطن بها جمال. ذهبت إليه بعد محاولات عديدة من الاتصال به وعدم الرد عليها إما بالتجاهل أو بغلق الهاتف.
صعدت الدرج الداخلي للبناية ببطء تستند بكفها على الجدار الموازي للدرج. ملامح الإرهاق والتعب ترتسم على وجهها. وصلت لشقته. شرعت بقرع الجرس كثيرًا، دون رد. زفرت ضيقًا. جلست تستريح على الدرج قليلًا وعيناها مصوبتان نحو الباب. فقدت الأمل بأن تراه. ترجلت السلم بتثاقل وحزن وخرجت من البناية. كانت تسير على غير هدى، شاردة وحزينة. شعرت بغمامة سوداء برأسها ترنحت في مشيتها.
لم تنتبه للسيارة التي أمامها. ظهرت فجأة أمام السائق من العدم. ثوان قليلة. يانسه.. إيه يا أستاذ ياللي بتسوق انت مش تفتح؟ اختلطت الأصوات بالصراخ. كان آخر صوت يصرخ بـ "انتوا لسه هتتعاركوا مع الراجل؟ حد يتصل بالإسعاف بسرعة.. البت سايحة في دمها! بمكتب رضوان. كان يجلس على مكتبه يتحدث مع أخيه عمر على الهاتف. عمر البحيري: 28 سنة.. يدرس إدارة أعمال بكندا. تخرج من كلية التجارة. مرح.. معروف في العائلة بغيرته الدائمة من يوسف!
رضوان: وهو يمسك هاتفه على أذنه اليمنى بكفه. بس يااض يا واطي انت.. ده انت مبتكلمنيش غير كل شهر مرة. عمر: ... رضوان: لو كنا وحشناك كنت جيت. عمر: ... رضوان: كل مرة بتقول كده ومبتجيش.. دا إحنا نسينا شكلك. عمر: ... رضوان: طبعًا حلوين.. هيطلعوا وحشين لمين؟ رودي شبه أمها.. يوسف شبه خالو يوسف بالظبط. عمر: ... رضوان: بس يااض.. وأنا أطول إن ابني يبقى شبه يوسف.. طب يا رب يبقى نسخة منه. عمر: ...
رضوان: مضحكًا. عمرك ما هتتغير.. مفيش فايدة فيك.. يوسف ده الحتة الشمال. اقتطعه السكرتير الجديد لمكتبه باسم، وهو يستأذنه بالحديث. أشار رضوان لباسم بكفه، بمعنى ينتظر أن ينهي حديثه على الهاتف. القي على أخيه السلام وأغلق الهاتف، ثم وضعه على سطح المكتب مفتوحًا. باسم: يتنحنح. احم.. اللي اسمها يسرا من العلاقات العامة عايزة تقابل حضرتك. رضوان بعد أن زفر ضيقًا وافرك صدغيه بغيظ. خليها تدخل.. خلينا نخلص.
باسم وهو يستدير: حاضر يا فندم. رضوان في نفسه: البت دي مبتيأسش. لحظات وولجت يسرا، كالحية تغير جلدها بما يناسب حاجتها. من داخلها تحقد عليه وتكرهه ولكن ظاهريًا تدعي عكس ذلك. هتفت بنعومة. ممكن أقعد؟ تنهد سريعًا. اتفضلي. لم يعطها انتباهه، انتباهه كله مركز على ما أمامه من أوراق وملفات. رفع ببصره لها ثم أنزله بعجالة. ها.. عاوزة إيه؟ يسرا: عاوزة أتكلم معاك.. أنا وانت وبس.
كملت بفحيحها وهي تلتف إليه بأنوثتها. رآها تقترب انتفض من مطرحه واقفًا. استوقفها بإشارة من كفه. حسب خطتها لا مجال للرجوع. أمسكت يده بيدها، ضمتها بحنان مزيف. اقتربت منه بنظراتها الوله. تابعت بنبرة يكسوها الشوق. وحشتني. أصبح تحت سيطرتها بعد أن اقتربت من عنقه بهمساتها وقبلاتها الناعمة. تأكدت من غفوته ووقوعه بفخها.
أمسكت بهاتفه وقامت بالضغط عدة مرات دون أن تلفت انتباهه. أكملت بهمساتها الناعمة بعد أن ضغطت على زر الاتصال. يدها تتخلل خصيلاته الفحمية القصيرة. تعلم جيدًا نقطة ضعفه. بادلها بالهمسات أنه يريدها ويحبها و.. أحست بصحوته. أغلقت الهاتف سريعًا. دفعها بقوته عنها، ارتطمت بالجدار خلفها وهو يسبها بأقبح الألفاظ. اقترب منها وأمسك رسغها بقبضته القوية. احتد صوته كثيرًا وهو يرمقها بغضب يتطاير من عينيه.
لو شوفتك في وشي تاني همسح بيكي الأرض.. تحاشيني أحسن لك وكلي عيش! صرخ بها عاليًا. برااااه. انتفضت من حدة صراخه وركضت للخارج. وقفت تلتقط أنفاسها بالخارج. ثم ارتسمت على جانب فمها ابتسامة نصر. حدث ما كانت تريده تمامًا. إن لم تكن زوجته.. ستهد بيته على رأسه. أما هو بالداخل بعد أن أحس بالندم لاستسلامه لها. بالفعل لا يحبها ويحتقرها. ولكن لماذا هو حقير؟ لماذا؟ أخذ يضرب بقبضته الحائط عدة مرات بغضب، حتى تألم بشدة من وجعها.
يعتقد بأن الموضوع انتهى بإهانتها وطردها؟ ولكنه بدأ.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!