كان قاعد راجل هيبة ووقار على حافة الأرض. وجنبه حفيده باصص للأرض بأهدابه البيضاء والشيب شق طريقه في رأسه. اتكلم بصوت كله فخر وجدية. "شايف يا ولدي؟ عمر تراب أرضنا ما كان رخيص. بنقعد عليه يا غالي الثياب عشان تعطره بترابها وتزيده فخر." اتكلم الشاب بابتسامة وهو باصص للزرع. "عارف يا جدي." كمل الحاج ناصر. "أنا اتعلمت في بلاد بره زيك يا ولدي وبقيت مهندس زراعي. ولما جيت بعد ما خلصت تعليم،
أبوي قالي: اتجوز بت عمك من لحمك ودمك وتصونك في غيابك قبل وجودك يا ولدي." بص الجد لحفيده بتركيز وكمل. "كلمة واحدة بس قالها أبوي الله يرحمه. على الرغم إن بت عمي مش بتعرف تقرا ولا تكتب، قولت: موافق يا أبوي. مقدرتش أعارض ذيكم وأقول لأ بكل بجاحة يا ولدي." سكت الجد مرة واحدة. "وافقت ليه يا جدي؟ وليه متجوزتش واحدة متعلمة زيك؟ اتكلم الحاج ناصر الهواري بعصبية.
"أنا مقدرش أعارض أبوي يا ولدي. إحنا صعيدة ودي بت عمي، أنا أولى بها. وجوزتها، ويعلم الله إنها كانت نعمة الزوجة، وخلفت أبوك وعمك، لغاية لما أخذ الله أمانته. جدتك مزعلتنيش يوم، رحمة الله عليها." بص ليه الشاب بابتسامة. "شكلك كنت بتحبها يا جدي، باين من كلامك." بص ليه جده واتكلم.
"أنا كنت بعشقها يا ولدي، زي ما هي عشقتني. ولا عمره فرق التعليم كان حاجز بينا. كانت بتفهمني قبل ما أتكلم، وتحس بيا لو زعلان بقلبها قبل ما تشوف نظرة عيوني حتى. لغاية ما أبوك اتجوز وخلفك يا مصطفى أنت ومحمود تؤام، وعمل حادث بعدها بشهر. جدتك زعلت عليه قوي وماتت بعده بتلات شهور." بص جده في عيونه وكمل بحزن. "وأمك رفضت تجوز عمك لأنه كان متجوز ليه خمس شهور،
وقالت: أنا هربي أولادي على كده. وكبرتكم وتعلمتو بره البلد، وبقيتو رجالة كيف الحيطان، ودكاترة وليكم اسم في بلاد بره. مش صح يا مصطفى؟ عدل مصطفى من قعدته واتكلم بارتباك. "صح يا جدي." كمل الجد بعصبية. "وأنت لما طلبت تخطب زميلتك الأجنبية، أنا اعترضت يا ولدي؟ اتكلم مصطفى بنفس الارتباك. "لأ يا جدي، معترضتش." كمل الجد. "وأنت لما قولت انفصلت عنها، أنا كمان معترضتش يا ولدي." بص ليه جده بتركيز وكمل.
"وكمان لما طلبت من أخوك يجوز بت عمه فريدة، رفض وقال: لأ، أنا ليا اسمي ومركزي. بيتكبر على جده بعد ما علمه وخاله راجل وسط الناس بيعرف يتكلم. قولتله: بت عمك احميها. رفض." اتكلم مصطفى بحزن. "خلاص يا جدي، أنا هتجوزها، متقلقش." خبط الجد بعصايته على الأرض واتكلم بعصبية وبصوت عالي. "أنت بتجاملني عاد على حسابها الغلبانة، وبعد أكده ترجع لحبيبتك الأولى وهي تتعذب يا عين جدها؟ وكمل الجد كلامه بنفس الصوت.
"تحرم عليك انت واخوك محمود يا مصطفى، تحرم عليكم." انتفض الشاب. "ليه بس كده يا جدي؟ إحنا عملنا إيه عشان كل ده؟ كمل الجد. "محدش هيحلها غير زيد الهواري ولد بتي. رنلي على زيد يا مصطفى بسرعة يا ولدي." اتكلم الشاب بصوت عصبي. "ليه زيد يا جدي؟ أنا هتجوز بت عمي." بص ليه جده واتكلم بحسرة. "أنا عارف إنك انت واخوك مش بتطيقوه، عشان هو بيقول الحق ودائماً قاعد جنبي وبيسمع كلامي، عشان أنا ربيته على إيدي وتمر فيه بجد."
كمل الجد بلهفة. "رن عليه يا ولدي، رن واستعجله." طلع الشاب تليفونه ورن. رد الطرف التاني. "ازيك يا ود خالي، عاش من سمع صوتك." مسك الجد التليفون بسرعة. "ازيك يا زيد؟ أنا جدك يا ولدي." اتكلم زيد بلهفة. "ازيك يا جدي؟ كيف صحتك يا بركتنا كلها؟ اتكلم الحاج ناصر بصوت حزين. "جدك خلاص راحت عليه يا زيد، وقصدك في طلب يا ولدي." اتكلم زيد بنفس اللهفة. "أنت تأمر يا جدي، مش تطلب." اتكلم الحاج ناصر بصوت رزين هادي.
"وأنا عشمي فيك كبير يا زيد بعد ربنا. انت فين يا ولدي؟ تعاليلي، الكلام مش هينفع ولا يفيد على التليفون." اتكلم زيد بحيرة. "آسف يا جدي، مش هقدر أجي. أنا في مزرعة أسوان، في خيول جديدة بستلمها. يومين وأكون عندك." اتكلم الحاج ناصر. "متتأخرش يا ولدي، وترجع بالسلامة." وقفل الجد تليفونه ورجع بص لأرضه تاني، كأنه لقي حل لحيرته.
بعدها بيومين، كانت في عربية سودة كبيرة داخلة النجع. والناس كانت بتوسع لأصحابها لأنهم عرفينه كويس، لغاية ما وصلت بيت على الطراز الصعيدي التقليدي. وقفت قدامه العربية ونزل شاب طويل جسمه عريض، بشرته قمحية، ليه دقن محددة. لبس جلابية صعيدي وحاطط على كتفيه عباية سودة وماشي بهيبة. دخل من البوابة وسأل الغفير. "فين جدي؟ بص ليه الغفير. "أهلاً يا زيد بيه، نورت البلد. الحاج ناصر مستنيك في المندرة من بدري." بص زيد بنظرات حادة.
"تسلم، أنا رايح عنده." ودخل على جده. "السلام عليكم يا جدي." رد الحاج ناصر. "وعليكم السلام يا ولدي، أخيراً ظهرت." وراح ناحيته جده وحضنه. "كيف صحتك يا جدي؟ طلع الجد من حضنه. "الحمد لله يا ولدي." اتكلم زيد بحنين. "غصب عني يا جدي، اتأخرت عليك. الشغل في المزرعة كتير الأيام دي." حط الحاج ناصر إيده على كتفه. "الله يقويك يا ولدي." كان الحوار بين الجد وحفيده كله غموض، لغاية أما خلص الحاج ناصر كلامه.
"اتـجوزها يا ولدي وابقى طلقها بعدين، البت يتيمة وأنا خايف عليها بعد ما أموت." اتكلم زيد بلهفة. "بعد الشر عليك يا جدي." اتكلم الحاج ناصر. "فكر براحتك يا زيد، أنا مش هجبرك يا ولدي." اندفع الباب ودخل مصطفى بغضب. "أنا هتجوزها يا جدي، ليه مدخل الناس الغريبة بينا؟ هي بت عمي، أنا مش هو." قام زيد واتكلم بغضب وبص لجده. "تتوقعو زيد هيوافق ولا هيرفض بعد الإهانة اللي اتعرض ليها؟ وأي السر بين الجد وحفيده؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!