تحميل رواية ابن الصعيدي بقلم نور الشامي pdf
بقلم نور الشامي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ترددت هذه الجملة في ذهنها كصدى بعيد، كأنها تخرج من شاشة قديمة يعمها الغبار. كانت قد سمعتها في أحد الأفلام المصرية يومًا ما، ولم تكن تدري أنها ستراها يومًا مرآة لحقيقتها. تمددت على سرير المستشفى بفستان زفافها الأبيض، الباهت تحت أضواء النيون الباردة. وجهها شاحب يتأمل السقف كأنها تبحث فيه عن علامة، عن إجابة، عن رحمة. كانت الغرفة مليئة بالناس، رجالًا ونساء، وكان الجميع في حالة من التوتر والغضب، وأصواتهم تتعالى. الجميع يتبادل النظرات المشحونة بالألم والغضب. فجأة، قطع صمت الغرفة صوت جدها، الذي اعتاد أ...
رواية ابن الصعيدي الفصل الأول 1 - بقلم نور الشامي
ترددت هذه الجملة في ذهنها كصدى بعيد، كأنها تخرج من شاشة قديمة يعمها الغبار. كانت قد سمعتها في أحد الأفلام المصرية يومًا ما، ولم تكن تدري أنها ستراها يومًا مرآة لحقيقتها.
تمددت على سرير المستشفى بفستان زفافها الأبيض، الباهت تحت أضواء النيون الباردة. وجهها شاحب يتأمل السقف كأنها تبحث فيه عن علامة، عن إجابة، عن رحمة. كانت الغرفة مليئة بالناس، رجالًا ونساء، وكان الجميع في حالة من التوتر والغضب، وأصواتهم تتعالى. الجميع يتبادل النظرات المشحونة بالألم والغضب.
فجأة، قطع صمت الغرفة صوت جدها، الذي اعتاد أن يكون صاحب القرار في العائلة. وهتف بصوت مرتفع:
"ابعتوا هاتوا صخر والمأذون.. دلوقتِ حالاً."
جمدت قدر في مكانها ولم تصدق ما سمعته، إذ أن صخر هو ابن عمها الذي لم تره منذ سنوات عديدة. ولكن تلك السنين الطويلة لم تنسها ملامحه، ولم تبعده عن تفكيرها أبدًا.
ركزت قدر على هذه الكلمة وكأنها رنت في أذنيها كقنبلة انفجرت في داخلها. كانت تلك أول مرة تسمع فيها اسم صخر منذ أن كانا صغارًا.
حتى قاطع شرودها صوت الجد مرة أخرى، قائلاً بقوة:
"هتتجوزي صخر.. وكفاية علينا فضايح أكده، يا هتتجوزيه يا قسمًا بالله العظيم هقتلها. مش على آخر الزمن بنت زي دي تجيب لعيلة الصعيدي العار والفضايح."
في تلك اللحظة، قامت إحدى السيدات في الغرفة واقتربت منه مرددة بتوسل:
"بلاش صخر بالله عليك يا حج.. أبوس يدك بلاش صخر. ده لو عرف الحصل الدنيا هيخرب الدنيا كله."
نظر الجد إليها بغضب وردد:
"تختاري.. يا تتجوزي صخر يا تتقتلي.. ويلا.. كلنا هنخرج ونسيبها تفكر مع نفسها. يا الجواز يا الموت."
خرج الجميع من الغرفة وأُغلق الباب خلفهم كأنهم أغلقوا عليها العالم بأسره. وخيم الصمت الثقيل على المكان، وتسللت برودة الوحدة إلى جسدها. فنظرت إلى ذراعها، إلى الإبرة المغروسة فيها، ثم نزعتها بعنف. فاندفعت قطرة دم صغيرة، لكنها لم تكترث. الألم الحقيقي لم يكن في ذراعها، بل في قلبها الذي ينزف. وتأرجحت على قدميها، ودموعها تسيل بلا هوادة، وصدرها يعلو ويهبط كأنها تغرق. لحظة واحدة فقط كانت كفيلة بقلب كل شيء رأسًا على عقب.
وانفتح الباب فجأة، ودخلت يمنى ابنة خالتها، ووجهها مشوه بالقلق. وما إن وقعت عيناها على قدر حتى اندفعت نحوها بسرعة، واحتضنتها بقوة مرددة:
"قدر.. يا حبيبتي اهدي.. أنا جيت أهو أنا معاكي متخافيش مش هسيبك والله.. بس اهدي بالله عليكي.. إيه الحالة اللي إنتي فيها دي عاد."
اقتربت قدر منها وانهارت في حضنها مرددة:
"راح فين سابني أكده؟! سابني في نص السكة؟! إزاي يعمل أكده يا يمنى أنا كنت مستنية اللحظة دي من سنين… كنت فاكرة إننا هنكمل سوا، هنواجه الدنيا مع بعض… بس هو هرب… سابني لوحدي أتحط في الوحل.. ولا في دماغه إيه اللي هيحصلي."
"متجوليش أكده يا قدر… يمكن حوصله حاجة… يمكن اتأخر بس.. او يمكن مثلاً فيه أي حاجة.. هو أكيد مش هيعمل أكده."
"اتأخر؟ اتأخر إيه دا فرحه.. هو عارف قد إيه اليوم ده مهم بالنسبالي! ده وعدني وقال إنه مش هيسيبني أبداً… أهو سابني وسايبني دلوقتي للناس دي يقطعوني بأيديهم."
تنهدت يمنى وساعدتها لتجلس على طرف الفرش مرددة:
"ما هو أكيد فيه حاجة… يمكن أهله مثلاً حد منهم حوصله حاجة او يمكن حد هدده… بس مينفعش نرميه كده من غير ما نعرف إيه اللي حوصله.. أصلاً أهلك بيدوروا عليه لو لقوه هيقتلوه من غير ما يفهموا إيه اللي حصل حتي."
"هما بيقولوا هتجوز صخر… صخر يا يمنى! اللي مشوفتهوش من سنين! اللي أنا أصلاً كنت بخاف منه وإحنا صغيرين… أنا مبحبوش… وعايزيني في نص ساعة أوافق وأبصم وأتجوز."
"مش هيحصل طالما أنا معاكي مش هيحصل… هنتكلم مع جدك.. هقوله إنك تعبانة، مش جاهزة، إنك محتاجة وقت.. أي حاجة."
انهارت قدر من جديد ودفنت وجهها في صدرها مرددة:
"هو مش هيسمع، هو قالها صريحة… يا الجواز يا الموت. وأنا… أنا مينفعش أتجوز غيره يا يمنى. أنا… مش سليمة… لو عرفوا… لو عرف صخر… لو عرف أي حد، هيقتلوني. والله هيقتلوني."
وبعد دقائق ثقيلة، بدت وكأنها ساعات، وكل من بالخارج كانوا ينتظرون قرارها. الجميع التزموا الصمت احترامًا لهيبة الجد، إلا العيون كانت تتحرك بقلق بين الباب المغلق وساعتها التي لا ترحم.
وفتح الباب فجأة، ودخل الجد يتقدم من معه بخطى صارمة، عيناه تلمعان بالغضب والقرار القاطع. وخلفه رجال العائلة والنساء المتوترات. لكن الصدمة ضربت الجميع دفعة واحدة، وهم يرون الغرفة فارغة والسرير خالي والغطاء مقلوب وزجاجة المحلول معلقة بلا جدوى وآثار قطرات دم جافة على الملاءة.
فصرخت إحدى النساء بذهول:
"راحت فين؟! كانت هنا من شوية! كانت موجودة هنا."
انتفض الجد وصاح بصوت أجش كالرعد:
"مش ممكن… دي مجنونة! هربت؟! هربت من الجواز.. قسمًا بالله ما هرحمها."
ألقى الجد كلماته وضرب بعصاه الأرض ثم التفت للحرس الواقفين على الباب ووجهه مشتعلًا بالغضب مرددًا:
"دوروا عليها في المستشفى كلها… في كل مكان. ولو لقيتوها… يا تجيبوها حالًا… يا تريحوني منها وتقتلوها. مفيش بنت في العيلة دي تنزل راسنا وتفلت أكده… فاهمين؟!"
تحرك الرجال كالعاصفة وعم الفزع المكان، وانهارت امرأة في الخلف وهي تهمس:
"ربنا يستر عليكي يا قدر… يا ترى رحتي فين.. هي ذنبها إيه بس إن عريسها هرب.. ذنبها إيه… ربنا يسترها معاكي يا قدر."
ألقيت السيدة كلماتها بخوف.
وفي مكان آخر، كانت تركض قدر في الشارع بكل قوتها تفاديًا للنظرات المتسائلة والهمسات التي تلاحقها في كل مكان. وفستان الزفاف الأبيض كان يعيق حركتها لكنها لم تكترث. كانت قدمها تتعثر على الأرصفة المبللة والناس في الشوارع يرمقونها بنظرات مشككة، لكن لا أحد يجرؤ على الاقتراب منها. كانت هي الوحيدة التي ترى كل شيء كسراب، وكل شخص كظل في تلك اللحظة. تسابق خطواتها الزمن وهي تتنفس بصعوبة.
وفجأة، عبر الصوت القوي الذي كسر سكون المكان. كانت أصوات رجال حرس جدها تتعالى وقد التفوا حولها وأحاطوا بها من كل جانب. واردف أحدهم بنبرة حادة:
"يا ست هانم … تعالي معانا علشان عندنا أوامر… يا نجيبك… يا نقتلك واحنا مش عايزين نعمل أكده.. تعالي معانا."
سحبت قدر نفسها للخلف وحاولت الهرب بكل ما أوتيت من قوة، لكنها وجدت نفسها محاصرة وقلبها ينبض بسرعة، ويديها ترتجفان من شدة الخوف كأن الموت يقترب منها كظل لا يرحم.
وقبل أن يصوب أحدهم سلاحه نحوها، دوت مكابح سيارة حادة وتوقفت بسرعة بالقرب منها، وخرج منها عدة رجال يرتدون ملابس أنيقة بينهم شاب ذو ملامح صارمة ونظارات سوداء. رفعها بهدوء عن عينيه.
فنظر الجميع نحو السيارة، ثم نحو الشاب الذي تقدم بخطوات ثابتة، يحيط به هالة من القوة والهيبة. وتراجعت خطوات رجال الجد على الفور، ولم يعد أحد منهم يجرؤ على التحرك.
فوقفت قدر في مكانها، قلبها يكاد يتوقف من الصدمة. كانت عيناها معلقتين على هذا الوجه الذي تعرفه جيدًا… الوجه الذي كان منذ سنوات في ذاكرتها، والآن أصبح أمامها كحلم قد تحول إلى واقع.
فهمست بصوت ضعيف وفزع:
"صخر؟!"
رواية ابن الصعيدي الفصل الثاني 2 - بقلم نور الشامي
توقفت السيارة أمام بيت كبير. فتح صخر الباب بعنف وهتف بحدة:
"انزلي يلا.. كفايه اكده انزلي بدل ما بالله ما انزلك بالعافيه."
كانت قدر ما تزال تحت تأثير الصدمة ويداها ترتجفان. لم تستطع الحركة. لم يمنحها وقتا للتفكير، فمد يده إليها وجذبها من ذراعها بقوة. هبط بها من السيارة كأنها دمية لا حول لها ولا قوة. حاولت قدر التملص والصراخ، لكنه لم يعطها فرصة وجرّها خلفه وسط ذهول المارة. هدير صوته يسبق خطاه مرددًا:
"كفاية بهدلة بجا لحد اكده… الجوازة دي لازم توحصل النهارده غصب عن الكل يا جسما بالله العظيم هدفنك في ارضك ولا يهمني."
ألقى صخر كلماته واندفع بها إلى داخل البيت. فتح الباب الكبير بقوة حتى ارتطم بالجدار. التفتت العيون إليهما وكانت الوجوه مشدوهة والهمسات ترتفع. لكن صخر لم يلتفت لأحد ودخل ومعه قدر. سحبها إلى منتصف المجلس. نظر الجد، الذي كان على وشك أن يضربها بعصاه، وانتفض واقفًا وصاح:
"كنتي فين يا بت انتي… كنتي فين؟ بتهربي… بجا دي اخرتها عريسك يهرب يوم الفرح وانتي عايزه تعملي زيه… بتعربي ليه يا بت انتي.. اي ال حوصل بينكم علشان كل دا يوحصل والله لأربيكي."
ألقى الجد كلماته ورفع يده ليصفعها، لكن يد صخر امتدت بثبات وأمسكت يد الجد قبل أن تصل إلى وجهها مرددًا بضيق:
"لع يا جدي… من دلوجتي… أنا المسؤول عنها… ومحدش هيقرب منها طول ما أنا واجف.. دي هتبجي مرتي وانا مسمحش ان حد يمد ايده عليها حتي لو انت يا حجي."
سكن الجد لوهلة ثم نظر في عينيه كأنه يختبره. وبعد لحظة، أردف بصوت غليظ:
"طيب… وريني بجا هتعمل اي عاد."
أشار صخر للمأذون الجالس في الركن بهدوء تام. ثم دفع قدر لتجلس أمامه دون أن يترك يدها وهتف بلهجة صارمة لا تحتمل:
"يلا يا شيخ… اكتب الكتاب خلينا نخلص بجا."
رفعت قدر رأسها ببطء والدموع ما زالت في عينيها. صوتها خرج كهمس مبحوح:
"لع… مش عايزة… ابوس يدك سيبني.. انا مش عايزة اتجوز.. سيبوني في حالي."
أنهت قدر كلماتها، لكن لم يلتفت صخر إليها وكأن صوتها لا يعنيه. فقط شدد قبضته على يدها أكثر وردد:
"أنا جولت اكتب يا مولانا.. يلا."
---
في مكان آخر في ليل هاد يلف سماء القاهرة. الضوء الخافت من الأباجورة ينعكس على جدران الغرفة الواسعة. وسرير فوضوي وسط الشقة. كان "كريم" مستلقيًا نصف عارٍ وصدره مكشوف. السيجارة مشتعلة بين أصابعه. بينما كانت فتاة ترتدي قميصه تضحك بجواره وشعرها مبعثر وعيونها تلمع بخبث. حتى استلقت على صدره مرددة بنبرة ساخرة:
"بتهرب تاني؟ مش هتبطل العادة دي؟ دي كانت ليلتك يا كريم فرحك.. ازاي تعمل كده يا ابني."
ضحك كريم ضحكة قصيرة، ساخرة وغمز لها مرددًا باستهزاء:
"فرحي؟ أنا كنت في جنازتي يا روحي… الحمد لله إني نجيت من الفرح دا.. أنا أصلا مش بتاع جواز ويوم ما اتجوز اروح اتجوز من الصعيد لا طبعًا."
هزت الفتاة رأسها بعدم تصديق مردفة:
"دول صعايدة يا كريم.. لو أهلها عرفوا إنك هربت دول ممكن يدفنوك حي. انت مش مستوعب ال عملته."
نفث كريم دخان سيجارته لأعلى وصوته جاء واثقًا وهتف:
"محدش فيهم يقدر يعملي حاجة… ولا حتي جدها ال نافش ريشه دا. أنا عارفهم كويس. صيت من غير فعل. وبعدين أنا مستحيل أتجوز واحدة حصل بيني وبينها ال حصل دا.. حتى لو كانت بالعافية خلاص مينفعش أبص في وشها.. البنت ال بتتجرّأ تتقرب من راجل قبل الجواز متستاهلش تبقى مراتي."
نظرت إليه الفتاة بدهشة مصحوبة بابتسامة ساخرة:
"يعني أنت مش بس بتكسر القلوب… كمان بتدفنها. وبعدين هو احنا هنضحك علي بعض يا كريم. أنا وانت عارفين كويس اي ال حصل بينكم بالظبط. فبلاش تعمل فيها البريء."
ابتسم كريم بسخرية ومال عليها وقبّل جبينها بخفة مرددًا:
"أنا بس بخلي ال حوليا يعرفوا حدودهم. هي كانت شايفه نفسها عليا وأنا اتصرفت وخلاص. خلينا نقفل الموضوع دا ومركز في المهمة."
أنهى كريم كلماته ثم سحب الغطاء على جسدهما وانطفأ الضوء.
---
وبعد فترة، في بيت الصعيدي، داخل غرفة صخر ليلاً. ساد الصمت الغرفة إلا من صوت بكاء قدر المكتوم. كانت تجلس على طرف السرير تضم ركبتيها إلى صدرها وقد التصقت عيناها بالأرضية الخشبية كأنها تستجدي منها مهربًا. وفجأة، ارتفع صوت صخر كالصاعقة مرددًا بغضب:
"كفاية بجا… كفاية نكد.. هو اي انتي مش بتتعبي من العياط."
استدارت قدر إليه ببطء وارتجفت من نبرته الغاضبة. لكنه لم يتوقف بل تقدم نحوها وهو يلوح بذراعه وهتف:
"انتي لسه بتعيطي؟ بتعيطي على واحد هرب وسابك؟ على كلب؟! دا ميستاهلش حتى تفتكري اسمه. رايحه تختاري كلب وجايه دلوجتي تعيطي ليه.. أنا مش عايز عياط.. كفايه بجا صدعتيني.. انتي جاعده تعيطي علي تفاهه وأنا حياتي باظت بسببك… انتي عارفة أنا سيبت إي علشانك؟ سيبت شغلي، وط حياتي وشركتي ومصنعي وكل اللي ليا هناك… وجيت أتجوزك علشان تصرفاتك السخيفة وقراراتك الغلط! علشان غلطة انتي عملتيها… غلطة اسمها “كريم” ال معرفش جبتيه من اي صندوج زباله. ويوم ما أنزل الصعيد أنزل علشان واحدة زيك؟ واحدة ضعيفة… بس اصلا بكرهك طول عمري."
رفعت قدر رأسها أخيرا وعيناها دامعتان. صوتها خرج هامسًا لكنه مشبع بالخوف:
"أنا مش ضعيفة … بس أنا بخاف منك… بخاف من طريجتك، من عصبيتك. سيبني في حالي انا مش عايزاك.. مش عايزة اتجوزك.. أنا عايزة أروح أدور علي كريم… يمكن كان ليه سبب."
وقف صخر فجأة وكأنها صفعت كبرياءه، وصاح بحدة:
"أوعي… أوعي تجيبي اسمه تاني… الكلب دا مش عايز اسمه يتجال تاني علي لسانك بدل جسما بالله العظيم هجطلعلك لسانك من مكانه. وعلي فكره أنا هلاجيه… وهجتله… بإيدي بأيدي دي. وبعدها هطلجك وارجع لحياتي تاني ولأمي واصحابي. أنا مش هسمح ان حياتي تدمر بسبب واحده تافهه زيك. ياريت جدي كان جتلك وخلصنا منك."
ألقى صخر كلماته وذهب صافعًا الباب خلفه.
---
وفي يوم جديد، وعلى شاطئ الإسكندرية الممتد. نسائم البحر تداعب وجوه العابرين. إلا أن الغضب كان له رأي آخر في قلب ميّار ابنة خالة صخر. التي كانت واقفة بجانب خالتها أم صخر في شرفة منزل واسع يطل على البحر. عيناها تغليان بالدموع والغضب وهي تمسح وجهها بعنف تهتف بصوت مرتعش:
"يعني اتجوز اكده بكل بساطة؟ وأنا آخر من يعلم؟! دا هو ازاي يعمل اكده من غير ما حتى يرجعلي؟"
مددت خالته يدها تمسك بكفها برفق محاولة تهدئتها مردفة:
"يا بنتي دي ظروف طارئة… الموضوع مش سهل ولا بسيط صدجيني. صخر مجبور و…"
قاطعتها ميار بانفعال شديد:
"مجبور؟! دا حتى لو مجبور كان جالي. وبعدين من امتي وصخر الصعيدي بيتجبر علي حاجه يا خالتي.. دا واعدني واعدني يا خالتي! وأنا صدقته."
تنهدت تهاني أم صخر بحزن ومسحت على كتفها مرددة:
"أنا عارفة إنه غلط… بس هو اتصرف حسب الموقف… وأهو لما يرجع هنقعد ونفهم كل حاجة سوا. وبعدين متنسيش ان دول أهل ابوه يا ميار والمفروض يعمل واجبه ليهم يا بنتي."
شهقت ميار بقهر ودموعها تنهال على خديها وهي تصرخ:
"لع مش هستنى يرجع. أنا رايحةاله الصعيد… رايحة وأعرف منه بنفسي كل حاجة ومش هسكت.. مش هسكت يا خالتي كفايه بجا اكدها."
اقتربت تهاني منها أكثر تحاول تهدئتها مجددا. ولكن فجأة توقفت ميار عن البكاء، وحدقت في خالتها بعينين مشتعلتين وصوتها خرج مزلزلاً وهي تصرخ:
"يا خالتي إنتي ناسيه إني مرته."
---
وفي المساء، عند يمني التي دخلت الي الغرفة لتطمئن على قدر. ولكنها انصدمت عندما وجدتها ملقاة على الأرض مغشيا عليها. فصرخت بفزع وهرعت إليها محاوله إيقاظها. وبعد لحظات دخل الطبيب مسرعا وبدأ في فحصها. بينما كان الجد يراقب بقلق مرددا:
"ها يا حكيم… طمني بالله عليك. البنت كويسه.. اي ال حوصلها فجأه اكده."
ابتسم الطبيب وانتهي من الفحص مرددا:
"متخافش اكده يا حج خليل. الف مبروك هي حامل."
---
وفي مكان مظلم يشبه المخازن القديمة. كان الجو خانقا وحجم المكان ضيقا. أضاءته خافتة فقط من ضوء شاحب ينبعث من نوافذ صغيرة مغلقة. وكان كريم جالسا على الأرض مربوطا بإحكام على أحد الأعمدة الحديدية. وجهه مغطى بالكدمات والجروح التي تنزف بلون داكن. كان يرتجف من الألم، إلا أنه لم يتوقف عن محاولة التنفس بصعوبة. وصخر يقف امامه يتفحصه بعيون تمتلئ بالغضب ممسكًا بسلاحه بيد ثابتة وكأنما الهواء نفسه قد توقف أمامه وهتف بغضب:
"لسه متخلقش ال يضحك على حد من عيلة الصعيدي ويفضل عايش."
أنهى صخر كلماته ورفع سلاحه نحو كريم الذي بدأ في توجيه نظراته الضعيفة نحو السلاح. وقبل أن يترك له أي فرصة للتنفس أو حتى للتفكير، أطلق صخر عدت طلقات في جسده.
رواية ابن الصعيدي الفصل الثالث 3 - بقلم نور الشامي
لم يكن الليل قد انقضى بعد والسكون يخيم على الدار إلا من صوت الجد الغاضب يتردد في أرجائها كالرعد.
وقفت قدر في منتصف الساحه ترتجف ودموعها تنساب على وجنتيها دون توقف، بينما الجد ينهال عليها بعصاه الثقيلة كأنها عدو لا حفيدة.
حتى اردف بصوت غليظ يتقطع غيظا:
"انتي جايبه لينا العار برجليكي… وهتدفعي التمن دلوجتي… بجا دي اخرتها.. حامل. حامل. واكيد من الكلب دا ال اسمه كريم صوح.. بجا كل دا يطلع منك.. كل دا منك انتي.. حته بنت متسواش اي حاجه تعمل فينا احنا كلنا اكده.. عيله الصعيدي ال عمر ما حد جاب سيرتها بغلط وال دايما راسها مرفوعه تيجي بنت زيك تعمل فينا كلنا اكده.. تجيبلنا العار.. جيبتلنا العار وبجيتي حامل والله لـ هجتلك."
اندفعت زينات عمتها ابنة الجد تقف حائلًا بينه وبينها بذراعيها المرتجفتين مردده:
"يا ابووي … كفاية دي بنت غلبانة، متعرفش حاجة.. بص خلينا نجعد ونشوف اي ال حوصل.. مش يمكن يكون ال حوصل دا كله غلط من الحكيم.. احنا اي عرفنا.. خلينا نسمعها بالله عليك."
زفر الجد بقسوة ودفع زينات جانبا فارتطمت بالحائط، لكنها عادت تقف من جديد والدمعة في عينها وهتفت بتوسل:
"حرام عليك يا ابوي… دي حفيدتك… لحمك ودمك.. بالله عليك سيبها.. ابوس يدك."
كانت زينات تحاول الدفاع عن قدر باي طريقه لكن الجد لم يكن يرى إلا العار ولم يسمع إلا صوت الكرامة الجريحة داخله.
حتى مدّ يده إلى الدرج الخشبي وأخرج مسدسا عتيقا و قبض عليه كأنه طوق نجاة من الخزي وصاح بصوت مكتوم بالغضب:
"ال تهون على نفسها… تهون علينا… العار مش بتستر.. ال تجيبلنا العار بندوس عليها برجلينا من غير رحمه."
شهقت قدر و صرخت زينات بأعلى صوتها:
"يا ابوي لع بالله عليك… لع."
نظر الجد اليهم بغضب وارتفعت يده وبرودة السلاح تلمع في عينيه وكل من في الدار تجمد في مكانه.
ولكن قبل أن يضغط على الزناد اندفع ظل من العتمة كأن الليل نفسه تحرك.
وظهر صقر الذي لم يره أحد وهو يدخل زقفز أمام قدر دون تردد.
حتى دوى صوت الطلقة وصرخة قدر شقت سكون الليل مردده:
"صقر."
ارتطم جسد صقر بالأرض والدم يسيل من ذراعه بينما سقط المسدس من يد الجد بفزع.
وارتفعت الهمهمات في الدار وتجمع الجميع حول صقر الذي ما زال الدم يتسرب من ذراعه.
ارتعب الكل عليه حتى الجد نفسه اتسعت عيناه على غير عادته بصدمه وخوف.
وكانت عينا قدر التي أرعبها احتمال أن يكون قد أُصيب بسببها.
حتى اقتربت منه وهي تنحني بجسده المرتجف مردده:
"صخر… بالله عليك ما تسكت… كلمنا يا صخر.. انت كويس.. حوصلك اي… اتكلم يلا جول اي حاجه."
نظر صخر اليها بتعب لكنه تحامل على نفسه وببطء شديد جلس أولًا ثم وقف كأنه يحمل الدنيا على كتفيه.
رفع رأسه نحو الجد واردف بثبات رغم الألم:
"ال في بطنها دا… ابني أنا يا جدي."
ساد الصمت فجأة وتجمد الكل حتى زينات التي وضعت يديها على فمها وتراجعت قدر خطوة كأن الأرض تميد بها.
ونظرت له بذهول وهي تهمس:
"انت… بتجول اي عاد…"
رفع صخر عينه ليقابل عينها وردد بهدوء:
"اه… أنا ال خطفت كريم… علشان كنت عارف إنه مش راجل ولا هيتجوزها… ووافجت اتجوزها علطول… عشان بحبها من زمان وعلشان ال حوصل بين."
لم يتحمل الجد ما سمعه فاندفع نحوه ورفع يده وصفعه على وجهه صفعة دوّت في المكان كله وهتف بصوت مبحوح من الصدمة:
"كداب…. انت كداااب يا صخر ! مستحيل تعمل اكده! البنت دي هي ال غلطت! هي ال دنست اسمنا… وإنت… بدل ما توجفها عند حدها تيجي تحامي عنها؟!"
لم يرد صخر فقط انخفض رأسه ويده لا تزال على الجرح ينزف.
أما الجد فكان يكاد يشتعل وهتف:
"انا هجتلها… دلوجتي حالا! جيبولنا الحكيم… جيبولي الدكتور يطلعلي بصمة صوابعها اللى على جسدك يمكن تفوق وتعرف إن مفيش حاجه هتخبي العار دا.. يلا بسرعه هاتوا الحكيم علشان يعالج الجرح ويخرج الرصاصه."
القي الجد كلماته ثم التفت نحو صخر بعينين تشتعلان قهرا.
وردد بقسوة:
"مهما حاولت تحميها… هتفضل غلطانه … وانا هغسل عاري منها… وانت… انت يا صخر… ال هتجتلها بإيدك… بنفسك يا ولدي."
أنهي الجد كلماته ثم استدار وانصرف بخطوات ثقيلة، والشرر يتطاير من عينيه، تاركا خلفه صمتا أثقل من الرصاص.
وبعد فتره جلس صخر على طرف الفراش عاري الصدر، والضمادات البيضاء تلتف حول ذراعه التي نزفت كثيرًا.
كان الحكيم قد انتهى من ربط الجرح، لكن النزيف لم يكن كله من الجسد، بل من القلب أيضا.
ونظر إليه الجميع بقلق بينما انصرفوا جميعا.
وهمست العمه بدعاء ثقيل:
"ربنا يستر عليكم ويهدي النفوس…"
نظرت قدر بتوتر ثم اقتربت منه بخطوات حذرة وعيناها لا تزالان متورمتين من البكاء وشفتيها ترتجفان من الخوف والندم.
حتي همست بصوت مبحوح:
"انت كويس؟ الجرح… عامل إزاي دلوجتي؟"
ما إن اقتربت حتى مد يده الجريحة وسحبها من معصمها بقوة حتى كادت تسقط فوقه.
وثبت عينيه في عينيها واردف بغضب:
"ليه؟ ليه عملتي اكده.. انتي اي شيطانه.. جايبه البجاحه دي كلها منين عاد."
شهقت قدر وحاولت أن تتهرب بعينيها لكنها لم تستطع، كأن نظراته مسامير غرست في روحها فانهارت ورددت ببكاء:
"غصب عني… مش عارفة حصل ازاي… والله ما كنت عايزة كل دا يوحصل… جسما بالله انت مش فاهم اي ال حوصل بالظبط."
صمت صخر للحظة ثم رفع يده فجأة وصفعها بقوة على وجهها حتى دوى الصوت في الغرفة.
وجحظت عيناها من الصدمة، وارتدت خطوة للوراء، فتابع هو بصراخ:
"انا بكرهك… بكرهك يا قدر… أنا ضربت كريم بالنار… فاهمة؟ ضربته بالرصاص وجتلته.. دلوجتي مين هيبجي ابن ال في بطنك ان شاء الله… مين هيبجي ابنه."
تجمدت ملامح قدر وارتجف جسدها كأنها سمعت شيئا غير قابل للتصديق وتمتمت بشفاه مرتجفة:
"حوصله اي هو… هو مات؟"
انتفض صخر من مكانه وصرخ بغضب:
"لسه بتسألي عليه؟ بعد ال عمله فيكي؟ بعد ما سابك جدام الناس كلها وفضحك؟! لسه بتسألي عليه…. أنا زهقت منك… ومن دموعك…و من ضعفك… كل مره انا ال لازم اتحمل مصايبك وبلاويكي… يا شيخه ياريتك تموتي واخلص منك بجا."
سقطت الكلمات على قلبها كالسكاكين فتمتمت بحزن وانكسار:
"أنا… أنا هنزل الطفل…"
رفع صخر يده بحركة لا إرادية، لكن الدم تساقط من بين أصابعه فجأة.
فشهقت قدر واقتربت منه بسرعة، وهي تمسك بذراعه المرتجفة مردده:
"دم… الجرح بينزف تاني… استنى… خليك جاعد… أنا هجيب حاجة أوجف بيها النزيف."
لم يرد فقط ظل واقفا.. ينظر لها بعينين فارغتين كأنها لم تعد قادرة على الوصول إليه.
بينما هي تتشبث بيده وتحاول تضميد جرحه والدموع تنهمر على وجنتيها.
وفي صباح يوم جديد تسللت أشعة الشمس بخجل عبر ستائر الغرفة، لتنساب فوق ملامح ليلي المرهقة.
وقفت أمام المرآة، تعبث بأطراف شعرها بشرود، وعيناها لا تعكسان سوى قلق دفين لم تستطع إخفاءه، كأنها تنتظر شيئا… أو تخشى حدوثه.
حتى اقترب منها “آدم” بخطوات هادئة دون أن تنطق وأحاطها من الخلف بذراعيه وأسند ذقنه على كتفها.
ولم تقاومه بل أغمضت عينيها كأن لمسته تبث فيها دفئا غاب عنها طويلًا وهمست بنبرة ناعمة:
"واحشتني جوي علي فكرها."
اقترب أدم أكثر، وقبل عنقها بخفة:
"وانتي كمان واحشتيني جوي علي فكرها."
ستدارت ليلي إليه ببطء ونظرت في عينيه.
ولـ اقترب منها، ولمسة شفاهه على شفتيها كانت كأنها محاولة لاسترجاع لحظة لحظاته معها.
وظلا على حالهما لثواني حتى قطعت ليلي تلك اللحظة الهشة بصوت خافت تردد كالصدى:
"صخر اهنيه.. في الصعيد."
تجمدت يده على خصرها وابتعد عنها فجأة.
لم يتكلم، فقط نظر بعيدا، كأنها أيقظت ألما دفينا في صدره.
فرددت ليلي بحذر:
"ليه اكده؟ والله بيحبك، بيحبك جوي يا ادم."
رد ادم بصوت مليء بالخذلان:
"هو خانني… مش أنا دا كان أخويا… أقرب واحد لجلبي… بس بعد كل. دا غدر بيا وخان."
اقتربت منه بخطوة ورددت:
"بس حاول… كتير حاول يكلمك و يصالحك ويشرحلك… إنت ال مكنتش راضي تسامحه ولا حتي بتسمعه."
نظر اليها ادم كأن النار اشتعلت في عينيه وهتف:
"ومش هسامحه بعد ال عمله؟ وبعد ما كسر ضهري لع مش ممكن.. مستحيل ارجع اسامحه تاني."
ولم تمر لحظة حتى وضع يده على صدره فجأة يتألم، ووجهه شحب وأنفاسه ثقلت.
فـ اقتربت ليلي منه بفزع تمسك بذراعه مردده:
"آدم؟! فيك إي؟! مالك؟"
وقبل أن يرد انفتح الباب بعنف ودخلت أمه وعيناها مليئتان بالقلق:
"إلحقني يا ابني… الحارس تحت بيجول إن صخر…انزل.. انزل بسرعه شوف في اي."
القت الام كلماتها وذهبت.
وبعد فتره وقف آدم أمام البوابة الكبيرة وإلى جواره كانت ليلى.
فـ اقترب منهم أحد الحراس وبادره آدم:
"صخر عامل إي دلوجتي؟"
خفض الحارس نظره وردد بصوت خافت:
"الإصابة وحشة… وفي مشاكل كتير جوي يا بيه … والست الكبيرة والمدام جايين النهارده هيوصلوا الصعيد قبل المغرب ولو وصلوا هتبجي مصيبه كبيره."
تنهد آدم بضيق وظل صامتا لـ لحظة، ثم تمتم بنبرة حاسمة:
"خلاص… أنا هتصرف."
و قبل أن يكمل كلمته دوى صوت طلقة نارية في المكان و تجمد الجميع في أماكنهم.
ثم سقطت ليلى على الأرض والدماء تتسرب من جنبها.
فـ ركض آدم نحوها مذهولا وصرخته اخترقت السكون:
"ليلى."
وبعد فتره عند صخر كان يقف بغضب ينظر الي الجميع مرددا:
"يعني راحت فين… راحت فين عاد وازاي تخرج من غير ما حد يحس ولا يشوفها.. ما تتكلموا واجفين تتفرجوا عليا ليه عاد."
نظروا الحرس الي بعضهم بتوتر حتى ردد احدهم:
"البيه الكبير هو ال خدها يا بيه وكمان جالنا خبر من المستشفي ان كريم لسه عايش واختفي من المستشفي."
نظر صخر اليه بصدمه وركض بسرعه.
وبعد فتره في قلب الصحراء حيث لا يكاد يرى المرء شيئا سوى الرمال التي تتناثر بلا نهاية…
وقف الجد خليل بوجهه الصارم وقوامه المرتكز على عصاه يحرسه حارس ضخم يقف بجانبه بثبات.
أما قدر، فكانت مربوطة بإحكام وعيونها مليئة بالخوف والتوسل.
وأمامها حفرة عميقة، كبيرة جدًا وكأنها ابتلعت الظلام كله.
فتمتمت بخوف:
"بالله عليك يا جدي ارحمني.. ابوس يدك.. طيب انا همشي واريحكم مني خالص بس بلاش تعمل فيا اكده بالله عليك."
ألقت قدر كلماتها بخوف وكان الجد خليل يقف صامدا أمامها و ملامحه لا تشير إلى أي نوع من الشفقة بل على العكس كان الغضب يتصاعد في عينيه مع كل كلمة تقولها.
فـ نظر إليها نظرة قاسية قبل أن يجيبها بغضب:
"انتي جيبتلنا العار يا قدر العار ال مستحيل نجدر نغسله مفيش حد هيمحيه إلا بموتك. ده جزاء ال عملتيه."
تمتمت قدر وهي ترتجف بخوف:
"جسما بالله العظيم ما ليا ذنب والله.. طيب اسمعني.. بالله عليك يا جدي والله ما عملت حاجه زي ما انت فاكر.. جسما بالله."
لكن الجد لم يكن مستعدا للرحمة.
نظر إلى الحفرة التي أمامه ثم استدار نحو الحارس، الذي كان يراقب المشهد بصمت وردد:
"أنتي لازم تموتي… ده مصيرك، ومفيش رحمه."
ألقى الجد كلامه ثم أشار بيده للحارس الذي دفعها الي الحفره.
فصرخت قدر وبدأ بتغطية الحفرة بالتراب بينما كانت قدر تهمس وصوتها يتلاشى لكن لم يكن هناك أحد يسمع.
والحارس واصل عمله وصوت التراب وهو يغطي الحفرة يملأ المكان.
وبخطوات ثقيلة ابتعد الجد عن الحفرة، تاركا وراءه صوت الرياح الذي يهمس بآلام قدر وأحلامها التي ضاعت.
رواية ابن الصعيدي الفصل الرابع 4 - بقلم نور الشامي
وصل صخر إلى المكان الذي دله عليه قلبه. لم يتوقف حتى لمح الحفرة المفتوحة وتجمد للحظة ثم ركض بجنون ورائها ملقاة داخلها فاقدة للوعي.
فردد بصراخ:
"قدر!"
ألقى صخر كلماته هو يقفز داخل الحفرة يحتضنها ويخرجها. جلس على الأرض وضمها إليه بقلب منهار، يربت على وجهها محاولا إفاقتها بانهيار:
"اصحي يا قدر… بالله عليكي كلميني… يلا قومي قدر… قومي."
تحركت جفونها ببطء ثم فتحت عينيها بصعوبة وهمست:
"صخر.. جدي… هو الـ دفني اهنيه.. دفني وانا عايشه.. جدو دفني والله وحط التراب علي."
نظر إليها صخر بدهشة وردد:
"بس الحفرة كانت مفتوحة… دفنك ازاي؟ الحفرة كانت مفتوحة.. مين فتحها؟ ولو حد فتحها ليه مخرجكيش منها؟"
هزت صخر رأسها بضعف ورددت ببكاء:
"معرفش… فوقت لاقيت نفسي اهنيه … مش فاكرة حاجة.. بالله عليك خرجني ابوس يدك…. أنا مغلطتش مع كريم… والله ما غلطت… هو الـ اغتصبني… عمل أكده غصب عني جسماً بالله يا صخر.. طلعني ابوس يدك.. طلعني من اهنيه."
تجمد صخر وحدق في عينيها بصدمة ولم ينطق. فقط احتضنها من جديد ثم حملها بين ذراعيه مرددا:
"هطلعك متخافيش.. اهدي ويلا."
ألقى صخر كلماته وحملها وذهب.
***
وفي مكان آخر، وفي أروقة المستشفى، كان آدم يسير ذهابا وإيابا كمن فقد رشده. عيناه معلقتان بباب غرفة العمليات. وكلما سمع صوت أقدام هرع ناحية الباب لكن دون جدوى.
حتى اقتربت منه والدته بخطى مرتجفة ووضعت يدها على كتفه وهمست:
"اهدّي يا ابني… كل شيء بإيد ربنا.. هتبقى كويسة والله.. أنا مش عارفة أي الـ حصل ومين يتجرأ يعمل أكده.. لا حول ولا قوة إلا بالله… اهدّي يا آدم."
هز آدم رأسه بعنف ورد بعينين دامعتين:
"دي كانت بتكلمني عادي. والله كانت واقفة عادي وبنتكلم مع الحارس…. أهل صخر! هما السبب… أكيد هما… هما الـ عملوا أكده فيها يا ماما هما السبب."
تنهدت نوال بضيق ورددت:
"لأ متقولش أكده… صخر مش أكده ولا أهله.. انت ناسي إن عمته كانت متجوزة أخوي الله يرحمه وهما بيحبوهم والله عيب نظلم الناس من غير دليل يا آدم يا ابني.. حرام عليك."
صرخ آدم بغضب مرددا:
"جسمًا بالله لو ليلى جرالها حاجة… والله ما هرحم حد مهما كان. ميت وهقتل الكل.. مفيش حد ممكن يعمل أكده غيرهم يا ماما.. هما الـ عايزين يقهروني ويكسروا قلبي."
كادت الأم ترد لكن باب العمليات فتح فجأة وخرج الطبيب منهك الملامح. فركض آدم ناحيته وأمسك بذراعه مرددا:
"يا حكيم … طمني عليها؟! حالتها إيه هي كويسة صح؟"
خفض الطبيب عينيه وتنهد بأسى:
"أنا آسف… عملنا كل الـ نقدر عليه… النزيف كان جامد . ومقدرناش ننقذها."
نظر آدم بذهول كأنما سقط الكون فوق رأسه وجثا على ركبتيه، ثم صرخ بقوة:
"ليلى… لأ… ليلى عايشة."
اندفع آدم للداخل وهو يدفع الممرضين بعيدا حتى اقترب من الجسد المسجى على السرير. أمسك بيدها الباردة، وصرخ بانهيار:
"قومي.. قومي يا ليلى! متموتيش… بالله عليكي متسبينيش أكده… ليلى."
بدأ آدم يهز جسدها بضعف، وقلبه يتمزق، حتى خارت قواه فجأة وسقط مغشيا عليه إلى جوارها.
***
وبعد فترة، عند صخر كان يقف أمام العائلة وقدر تختبأ خلفه مردداً:
"دي مرتي أنا … محدش هيلمسها تاني… أنا بحذر الكل.. انتوا تقتلوها بتاع إيه؟ لأ ومش بس أكده… بتدفنها حية يا جدي.. للدرجادي مفيش قلب؟"
تراجع البعض وتقدم الجد بخطاه المتوترة، يضرب بعصاه الأرض بقوة، وأردف بصوته الخشن:
"الـ جابها اهنيه تاني بعد الـ حصل، يبطّي ميعرفش الأخلاق ولا الشرف والنخوة… هو دا الـ أنا جايبك مخصوص علشانه.. علشان تدافع عنها جليل التربية عديمة الشرف."
رفع صخر رأسه ونظر إليه دون خوف وهتف:
"أنا جبت مرتي بيتي وجسماً بالله الـ هيقرب منها تاني لهقتله مهما كان مين عاد.. جدي أنا بحبك وبحترمك بلاش تعمل فينا أكده."
بدت الصدمة على الوجوه وتقدم الجد أكثر وهو يصرخ:
"انت بتتحداني يا صخر… بتجولي أنا الكلام دا.. عايز تقتلني؟"
ردّ صخر بصوت ثابت ونبراته تتحداه مرددا:
"أنا بتحدى الظلم الـ بتعمله مش بتحدّاك انت يا جدي… بتحدى الـ بيدوس على الضعيف باسم الرجولة.. وقدر من النهارده تحت جناحي أنا.. ومحدش ليه كلمة عليها غيري.. أنا المسؤول عنها.. أنا بس الـ جوزها."
كانت قدر تقف خلفه تمسك بطرف قميصه وتنظُر أرضاً بصمت، لكن جسدها المرتعش فضح خوفها. وفجأة توقف الزمن للحظة حين سمع صوت سيارة تقف أمام الدار والتفت الجميع، لترى امرأة تنزل بخطى مسرعة ترفع طرف عباءتها، وقد علت وجهها ابتسامة ممزوجة بالشوق. وما إن وقع بصرها على صخر حتى ركضت إليه ورددت بلهفة وهي تحتضنه:
"واحشتني يا صخر… واحشتني جوي.. ازيكم يا جماعة عاملين إيه عاد.. مش عارفة انتوا فاكريني ولا لأ.. بس أنا أبقى ميار بنت خالة صخر ومرته."
ساد الصمت الدهشة جمدت ملامح الجميع عدا الجد الذي ظلّ ساكناً، كأنما كان يعلم. فسحبت قدر يدها من يد صخر ببطء، والدم انسحب من وجهها. وقفت أم صخر على مقربة تنظر إليه بشيء من العتاب حتى هتفت:
"هتيجي معانا إمتى؟ احنا جايين علشان نشوف آخرتها وإيه الـ حصل."
هز صخر رأسه وتحدث بصوت خافت وهو ينظر ناحية قدر:
"مش وقته الكلام ده يا حاجة… انتوا أكيد تعبانين من السفر.. تعالوا ارتاحوا."
ألقى صخر كلماته لكن قدر لم تنتظر وركضت نحو السلالم تسبق دموعها وتدفع الباب خلفها وتغلقه. حتى صعد صخر خلفها. وما إن دخل إلى الغرفة قاطعته وهي تبكي بحرقة:
"متجولش حاجة.. أنا والله مطلعتش أكده عشان مثلاً زعلت أو حاجة من دي.. طبيعي تحب وتتجوز.. دي حياتك وميار مراتك… هي أصلاً كانت بتحبك وانتوا صغيرين.. أنا بس اتوترت فجأة ومش عارفة أي الـ ممكن يحصل دلوقتي.. انت هتسيبني صح.. بالله عليك يا صخر.. بلاش تسيبني الأيام دي بس. أنا هنزل الـ في بطني وأمشي أشوفلي أي مكان بعيد بس متسبنيش دلوقتي."
ولم تنهِ قدر كلماتها حتى اقترب منها صخر واحتضنها فجأة مردداً:
"اهدّي… اهدّي وبطلي عياط.. أنا مش هسيبك.. مين قال إن هسيبك؟ وأنا والله ما أعرف إنكم مش عارفين عن جوازي عشان جدي عارف وحضر كل حاجة.. أنا أو كنا نعرف كنت هقولك قبل ما نكتب الكتاب عشان أنا مش بحب أخدع حد.. أنا مش هسيبك اهدّي ومتنزليش حاجة.. دا ابنك حرام تنزليه."
انهارت قدر بين ذراعيه وهي تبكي بحرقة مرددة:
"والله غصب عني… جسماً بالله غصب عني يا صخر… أنا كنت بكرهه… بكرهه من ساعة ما عمل فيا أكده… بس كنت مضطرة… مضطرة أتجوزه… وأتحايل عليه يفضل معايا… عشان ميسبنيش… كنت لوحدي… خايفة ومكسورة… ومكنش ينفع أقول لحد … بس طلع غدار وواطي."
شدها صخر إلى صدره أكثر وكأنما يريد أن يمحو كل ذلك الألم من روحها ثم همس في أذنها بصوت متهدج:
"كفاية بجا… كفاية… أنا أهيه دلوقتي، ومش هسيبك… وكل الـ فات مش ذنبك.. خلاص أنا معاكي والله ما هسمح لحد يعمل فيكي حاجة تانية وال اسمه كريم دا اعتبريه كلب وراح.. اوعي تفكري فيه تاني."
انكمشت قدر أكثر بين ذراعيه وكأنها وجدت أخيرًا ملاذها وراحت تبكي بصمت طويل يخرج كل ما خبأته في قلبها لسنوات.
***
وفي المساء، في غرفة ميار كان صخر واقفًا بجانب الشباك عاري الصدر، وعيناه مثبتتان على الظلام الذي يملأ الأفق. كان يحدق في الفراغ حتى اقتربت منه ميار بخفة وهي ترتدي قميص نوم بسيط وشعرها المتناثر أضاف إلى ملامحها هالة من التوتر والاشتياق. توقفت بالقرب منه، وعندما لاحظها، التفت إليها. فمدت يديها وأحاطته بذراعيها برقة واردفت:
"واحشتني جوي… أكده أهون عليك كل الفترة دي تسيبني لوحدي؟"
لم يبعد صخر يديها بل ظل هادئًا، وهو يحاول السيطرة على نفسه. همس بصوت عميق:
"وأنتي كمان. واحشتيني جوي .. كنت بحس بوجودك دايما معايا وكنت مفتقدك جوي معايا يا ميار حمد لله على سلامتك."
ابتسمت ميار واقتربت منه وأخذت نفسًا عميقًا ولامست وجهه مرددة:
"بجد… اومال مكنتش بترد عليا ليه.. أنا افتكرتك نسيتني والله."
هز صخر رأسه بلطف لكنه تجنب النظر إليها بشكل كامل. رد بصوت منخفض:
"أنا آسف.. بس والله أهيه المشاكل كتيرة جوي وأنا مكنتش فاضي .. معلش متزعليش مني."
ميار بضيق:
"صخر هو انت فيه حاجة بينك وبين قدر.. أنا بتحبها يعني ولا إيه عاد.. بالله عليك فهمني."
تنهد صخر بضيق وردد بحده:
"متخافيش يا ميار. قدر بنت عمي وبس وكان لازم أتجوزها عشان الـ حصل.. أنا مفيش بيني وبينها أي حاجة."
ابتسمت ميار برقة ثم اقتربت منه وتبادلوا القبلات. ولكن فجأة دون سابق إنذار، سمعوا صوت صراخ مدوٍ من الخارج، تلاه صوت طلقات نارية متتابعة. فجذب صخر ميار إليه بسرعة، وحاول أن يحميها من أي خطر قد يحيط بهما. كان قلبه لا يزال في حالة من الاضطراب.
نزل صخر بسرعة من الغرفة بعد أن سمع الصوت المدوي والطلقات النارية المتتابعة وقلبه في حالة من الاضطراب وعيناه تتابعان كل حركة حوله في الظلام. اقترب من مصدر الصوت وفجأة توقفت خطواته عندما رأى آدم يقف هناك وعيونه مليئة بالغضب والألم. فصدم صخر عندما رأى آدم هكذا وركض نحوه بسرعة وسأله:
"إنت كويس؟ إيه الـ حصل.. إيه الحالة الـ انت فيها دي عاد.. مالك في إيه وليه بتعمل أكده؟"
نظر آدم إليه بغضب وصرخ بانهيار:
"بجد والله.. انت مش عارف في إيه. . أنت خاين.. انت قتلت ليلى… مراتي ماتت بسببك.. انت الـ قتلتها.. قتلت ليلى وخدتها مني."
تجمد صخر في مكانه، وكأن قلبه توقف عن الخفقان للحظة، ثم همس بصوت خافت:
"إيه؟ ليلى ماتت؟"
رد آدم بصوت متألم:
"آه ماتت… ماتت وانت الـ قتلتها.. ومتعملش فيها البريء بجا عشان أنا متأكد.. انت قتلت مراتي."
حاول صخر استيعاب ما يقوله آدم، ثم صرخ في وجهه محاولاً تهدئة الوضع:
"انت مجنون! مش ممكن أكون عملت أكده! أنا والله ما عملت حاجة.. جسماً بالله ما عملت حاجة.. أنا أغلى من أخوي… مستحيل أعمل فيك أكده."
لكن آدم لم يصدق وصرخ في وجهه:
"– أنت مش كداب وخاين…. بطل كدب.. كفاية أنا عملتلك إيه.. دا أنا لآخر لحظة كنت بحاول أشوف أخبارك وأسأل عنك.. ليه أكده… ليه قتلت مراتي ليه."
شعر صخر بالعجز والصدمة فاقترب من آدم وحاول أن يثبت له براءته وردد بصوت منخفض، وهو ينظر في عينيه:
"لو مش مصدقني… اقتلني. لو كنت أنا السبب فعلاً زي ما بتقول اقتلني دلوقتي يلا وأنا مش همنعك ولا هخلي حد يمنعك."
ألقى صخر كلماته ثم اقترب منه أكثر وعانقه بحزم في محاولة للتهدئة، لكن فجأة، وبدون أي تحذير أطلق آدم عدة رصاصات في صخر وهو لا يزال بين ذراعيه.
***
يتبع…
رواية ابن الصعيدي الفصل الخامس 5 - بقلم نور الشامي
انطلقت الرصاصة قرب قدم صخر وارتجف الجميع. صمت الهواء لوهلة وكأن الزمن توقف.
ثم تعالى صوت آدم، غاضباً ثائراً، وهتف:
"قسماً بالله العظيم لو اكتشفت إن في واحد فيكم ليه يد في موت ليلى… هجتلكم كلكم واحد ورا التاني… ومش هيهمني حد… والله هجتلكم."
أنهى آدم كلامه واندفع نحو سيارته، فتح الباب بعنف ثم أغلقه بقوة. انطلقت السيارة كالسهم، مثيرة خلفها دوامات من الغبار.
ركض صخر خلفه وصاح بلهفة:
"آدم! استنى… اسمعني بس."
ألقى صخر كلماته واستقل سيارته وذهب بسرعة.
في مكان آخر، كان الدم يسيل من ذراع كريم. التصق قميصه بجرحه، لكنه ظل واقفاً يتحدى الألم بعينين يشتعلان غضباً. أمامه وقفت رجوة بثوب أسود فضفاض وعينين لا تعرف الرحمة، تسند ذراعيها على خاصرتها وتنظر إليه باحتقار واضح.
رددت بحده:
"ده مكنش اتفاجئنا يا كريم. إنت اتسرعت. هو أنا ما جلتلك تستنى؟ إيه اللي خلاك تعمل أكده؟"
زفر كريم بعنف وصوته خرج مبحوحاً من شدة الألم:
"هو ضربني… كان هيجتلني يا رجوة. إنتي كان لازم تجوليلي وتعرفيني إن كل دا هيحصل… وبعدين جواز إيه عاد؟ أنا إيه اللي هيحليني أتحوز واحدة غلطت معاها؟ أنا مش عايزها أصلاً. وإنتي اللي دخلتيني في كل دا. مليش صالح أنا بجا… أنا مش مجبور أسمع الكلام وأربط حياتي كلها معاه."
تنهدت رجوة بغضب ورددت:
"كان لازم تبعد نهائي زي ما جلتلك. دلوجتي خليت صخر يشك أكتر وهيدور عليك تامي وتالت. وأنا كل اللي يهمني دلوجتي إن صخر وآدم ميتجمعوش مع بعض لو اتفاجئوا… هتبجي مصيبة علينا كلنا. أنا ما صدجت بعدتهم كول السنين دي. مش لعد دا كله بسبب عيل زيك؟ عيل زيك هيبزظلي كل خططي. أنا ليا تار ولازم أخده بطريجه، حتي لو وصلت إني أقتل نفسي عشان التار دا يتاخد."
تقدم كريم خطوة منها والغضب يتفجر في صوته:
"وأنا كمان ليا تار… ليا دم عند العيلة دي! عند صخر اللي حط السلاح في راسي، وكان هيريح نفسه مني في لحظة واحدة أكده… وأنا مش هسكت مش هعديه."
نظرت إليه رجوة بضيق ثم ردت ببرود:
"هساعدك بس لو غلطت تاني مليش علاقة وهسيبه يخلص عليك بإيده… صخر أصلاً مش هيسيبك، خصوصاً لو قدر جالتله كل حاجة واعترفتله بال عملته فيها."
تجمد كريم وعيناه تتسعان بصدمة مردفاً:
"جالتله؟ أكيد لأ يعني… هي إزاي هتجوله حاجة زي ديه؟"
هزت رجوة رأسها بقوة وهتفت:
"أكيد جالتله إن اللي حصل بينكم كان غصب عنها… وإنك غدرت بيها. صخر عمره ما هيسيب حد أذى مرته. بس أنا هجولك توصلها إزاي وأخليها كمان تيجيلك لحد عندك… بس اسمع الكلام وكفاية تهور بجا عشان أنا مش هسيب حالي وأجعد أفكر فيك وفي حواراتك. الحكاية مش ناقصاك أصلاً. هتعمل اللي هجولك عليه بالحرف… يا والله العظيم أنا اللي هجتلك."
ألقت رجوة كلامها ثم استدارت وتركت المكان، بينما ظل كريم واقفاً وحده، يئن من الألم، وشرر الغدر يشتعل في قلبه.
وفي صباحٍ جديد، كانت أشعة الشمس تتسلل إلى غرفة صخر، ناشرة ضوءاً خافتاً فوق وجوه أنهكها السهر والتفكير. جلست قدر على طرف الفراش تراقب ملامحه بصمت، تستجمع شجاعتها لتسأله عما يشغلها منذ الأمس.
مردفة:
"هو آدم… عامل إيه دلوجتي؟ اتكلمت معاه؟"
زفر صخر ببطء ومرر يده فوق جبينه المتعب، ثم أجاب بنبرة منخفضة:
"لأ… متكلمتش معاه لسه… بس كلمت الحجة، كانت خايفة عليه جوي وجالتلي إن أعصابه بايظة ومش بيرد على حد… بس هحاول أتكلم معاه تاني."
صمتت قدر قليلاً ثم اقتربت منه أكثر، تنظر إليه بعينين مشوشتين:
"هو في إيه بينكم؟… إنتو كنتوا أكتر من إخوات يا صخر… إيه اللي حصل يخليكم تبجوا أكده؟"
سكت صخر وحدّق في الأرض لثوانٍ، ثم رفع عينيه إليها وقال:
"مش مهم دلوجتي… اللي حصل حصل بجا. هلينا في المهم. كريم… لسه عايش؟"
اتسعت عيناها من الذهول وتجمدت ملامحها قبل أن تتفجر دموعها فجأة، مرددة:
"عـــايش؟! إزاي… هو هيجي صح؟ أنا متأكدة إنه مش هيسيبني… لو عرف إني حامل هتبجي مصيبة. هعمل إيه دلوجتي؟ هيجول لكل الناس اللي حصل. وجدي هيجتلني… هو أصلاً هيجتلني من غير حاجة."
مد صخر يده بهدوء ومسح دموعها بأنامله، وهو يهمس:
"متخافيش… خدي بالك من نفسك ومتخرجيش لوحدك أبدًا… أنا مش هسيبه يقربلك. بس انتي كمان خليكي قوية. واصلاً الحج لازم يعرف كل اللي حصل عشان هو مش هيسيبلك. هيجتلك وأنا متأكد… لازم نعرفه كل اللي حصل وإن كل دا غصب عنك ولا انتي عايزة يبجي شكلك جدام الناس إنك بنت مش كويسة وإنك اتنازلتي عن شرفك وجيبتي للعيلة العار… لازم الكل يعرف اللي حصل بالظبط."
نظرت قدر إليه بعينين ممتلئتين بالندم ورددت:
"أنا آسفة… آسفة على كل حاجة حصلت واسفة إني خبيت وإني سكت… بس كنت خايفة والله.. سامحني باللع عليك.. أنا دمرتلك حياتك كلها."
صمت صخر لكن عيناه كانتا تنطقان بالكثير. فرفعت قدر يدها لتلمس يده ورأت الجرح الغائر في كتفه، حتى لامست الجرح برفق وهي تمرر أصابعها عليه بلطف، وكأنها تحاول أن تزيح عنه الألم. ثم نظرت إليه واقتربت أكثر، واحتضنته دون كلمة.
وفي اللحظة التي خيل لهما أن العالم اختفى، انفتح باب الغرفة بعنف. وقف الزمن لثانية حين ظهرت ميار عند العتبة. كانت واقفة في صمت وثوبها المنزلي يتمايل وعيناها مليئتان بالغضب والصدمة.
مرددة:
"أنا جيت في وقت مش مناسب… ولا إيه؟"
ابتعدت قدر بتوتر وهي تحاول الهروب من نظراتها. فاقتربت ميار من صخر وهتفت بدموع:
"أنا كنت جاية أقولك إن جدك عايزك… بعد إذنك."
ألقت ميار كلماتها وذهبت. فلحقها صخر بخطوات سريعة وفتح باب الغرفة ثم أغلقه خلفه بهدوء مضطرب. اقترب منها ومد يده يمسك بيدها المرتجفة، مردداً بصوت خافت:
"استني بس… اسمعيني. أنا مكنتش أقصد ال شوفتيه. الموضوع مش زي ما باين والله."
نظرت إليه ميار بدموعٍ متجمعة في عينيها وهمست بدموع:
"جولي الصراحة يا صخر… أنا تعبت… جولي إنك بتحبها… إنك مش قادر تعيش من غيرها… وإنك مكمل معايا بس عشان أنا بنت خالتك ومليش حد… أنا عارفة من زمان… بس كنت ساكتة… كنت بحاول أضحك وأصبر عشانك… عشانك بس.. أنا عارفة إنك مش بتحبني أصلاً."
اقترب صخر منها أكثر ورفع يده يلامس وجهها برقة ويمسح دموعها بإبهامه وهمس بحزن:
"بلاش تجولي أكده يا ميار… إنتي متعرفيش إنتي غالية عندي قد إيه والله…. والله لو تعرفي مكنتيش جولتي الكلام ده أبداً…"
هزت ميار رأسها بيأس، ودموعها تزداد انهماراً ورددت:
"أنا بحبك… بحبك بجنون… ومستعدة أعمل أي حاجة عشانك… حتى لو بتحب قدر… حتى لو جلبك مش معايا… أنا ممكن أنسحب… أبعد بس أشوفك مبسوط. ده كل اللي يهمني يا صخر والله هو سعادتك."
وبسلم يتحمل صخر أكثر من ذلك، فاحتضنها بقوة وكأنه يخشى أن تضيع منه، وهمس فوق رأسها:
"متجوليش أكده… بالله عليكي متجوليش كده… أنا مجدرش أعيش من غيرك يا ميار… إنتي روحي، ومهما حصل… مفيش حاجة هتبعدني عنك.. إنتي هتفضلي مرتي لآخر نفس في عمري.. طلعي بجا الكلام دا من دماغك خالص وبلاش تفكري فيها."
احتضنته ميار أكثر وكأنها تتشبث بالحياة، وقد انكسر كل ما كانت تخفيه من كبرياء وصبر.
وفي المساء، اجتمع الجميع في القاعة الواسعة، يجلسون أمام الجد الذي اتكأ على عصاه الخشبية، يحيط به صمت ثقيل كالغبار. صخر وقف بجانبه، بينما جلست قدر في ركن بعيد، تتجنب نظرات الجميع. وداخل صدرها قلق لا تهدأ له أنفاس.
رفع الجد صوته الجهوري قاطعاً الصمت:
"أنا قررت من دلوجتي… كل الورث والأرض والفلوس هتبجي باسم صخر… هو بس اللي ليه عندي. واللي مش عاجبه يشرب من البحر."
انكمش وجه العمة ثم انتفضت واقفة تصرخ بعينين تقدحان شرراً:
"ورثك؟! وصخر؟! طيب وورث قدر يا أبوي؟ دي حفيدتك ليها حق زيها زي صخر."
التفت الجد إليها ببطء وردد بحده:
"قدر؟ مين قدر دي؟ أنا معرفهاش… وجريب أوي هنعمل عزاها."
سرت رجفة في جسد قدر وابتلع المكان كل الأصوات دفعة واحدة. ثم بدأت تهم بالوقوف، وخطواتها مضطربة تحاول الوصول إلى غرفتها قبل أن تنهار دموعها أمامهم. لكن يداً قوية أمسكت بمعصمها، كان صخر. الذي حدّق في جده بعينين مشتعلتين واردف بصوت غليظ:
"لو في دماغك لسه تأذيها، يبجى أنا اللي هاخدها وأمشي من أهنه يا جدي."
ولم ينهِ صخر كلامه حتى صاحت أمه وقد نهضت من مكانها غاضبة:
"تاخد مين يا صخر؟! مين جالك إني أصلاً موافقة عليها؟! دي بنت سلمت نفسها لواحد مايتأمنش وعايزها تبجي مرتي…. لأ أنا مش موافقة ودي مش مننا ولا لينا."
ضرب صخر بقبضته على الطاولة، فاهتزت الأكواب وصرخ بغضب:
"هي مسلمتش نفسها لحد… كريم هو اللي عمل كده غصب عنها بالعافية يا حاجة، بالعافية… كفاية بجا… كفاية اتهامات على الفاضي. الكلب دا هرب من الفرح بعد اللي عمله عشان عارف إنه مكنش حد هيصدجها."
ساد صمت مهول وكأن الهواء اختفى من القاعة. ونظرات الذهول اتجهت إلى قدر التي كانت ترتجف في مكانها. حتى ميار فتحت فمها دون أن تنبس بكلمة. أما الجد ظل صامتاً يراقب بعينين جامدتين، حتى ردد أخيراً بنبرة جافة:
"لو مكنتش موافقة، مكنش قدر يعمل اللي عمله… أنا فاكر أكده إنك هتطلعها بريئة."
لم تحتمل قدر أكثر، وأفلتت يدها من صخر وركضت نحو السلم والدموع تتساقط على وجهها وهي تصعد إلى غرفتها. حتى جاءها اتصال هاتفي فأجابت بصدمة:
"نعم.. إنت فين… أنا جايه.. نص ساعة وهكون عندك. أوعى تروح في أي مكان."
ألقت قدر كلماتها بغضب. وبعد فترة قد تجاوز الوقت منتصف الليل، والهدوء الثقيل يخيّم على المكان شبه الصحراوي، وقفت قدر وحدها وسط العراء والريح تعبث بطرف فستانها، بينما كانت عيناها تراقبان الطريق الخالي في قلق. لم تكن متأكدة مما تفعله.
وفي لحظة خاطفة، قطع الصمت صوت مألوف. كان صوت خطوات سريعة تقترب مرددة:
"إنتي إيه اللي جابك أهنه؟"
استدارت قدر بسرعة، لتجد ميار تقف خلفها، وأنفاسها متلاحقة وعيناها مليئتين بالغضب والقلق.
"إنتي عرفتي أنا فين إزاي؟"
سألت قدر وهي تتراجع خطوة إلى الوراء. فرددت ميار بغضبها:
"عرفت منك.. مشيت وراكي… جيتي لوحدك عشان تشوفي كريم؟ صوخ! مش صخر جالك متخرجيش لوحدك؟ إزاي تيجي أهنه… ليه معرفنيش صخر؟"
رفعت ميار صوتها بغضب، بينما كانت عيناها تجولان المكان بحثاً عن أي خطر محتمل. لكن قبل أن تتفوه إحداهن بكلمة أخرى، لاح في الأفق نور قوي لعربة مسرعة.
فشهقت ميار، ثم صرخت:
"قدررر!! ابعدي!"
اندفعت ميار بجسدها نحو قدر ودفعتها بعيداً بكل ما أوتيت من قوة. وفي اللحظة التالية، ارتطم جسد ميار بمقدمة العربة المسرعة وسقطت أرضاً والدماء تنزف منها بغزارة، تغمر الرمال تحتها بلون الألم.
فوقفت قدر مذهولة تحدق بجسد ميار المسجى أمامها، والهواء من حولها صار أثقل من أن يُتنفس. وفجأة.
رواية ابن الصعيدي الفصل السادس 6 - بقلم نور الشامي
يركض في ممرات المستشفى كالمجنون وخلفه أفراد العائلة لا يدرون ما يقولونه أو ما يفعلونه.
كل شيء من حولهم كان بطيئًا باهتًا.
لم يتوقف صخر عن الركض حتى انتبه لقدر الجالسة على الأرض ظهرها للحائط البارد ووجهها مبلل بالدموع وبين يديها رأسها كأنها تحاول أن تحتمي من العالم كله.
فتوقف أمامها وصوته خرج مرتجفًا من بين أنفاسه المتقطعة مرددًا:
"قدر إنتي كويسة؟ إيه اللي حصل وفين ميار؟"
رفعت قدر عينيها ببطء نحوه ونظرة واحدة فقط كانت كفيلة بأن تزرع الرعب في قلبه فرددت قدر:
"جوه… بيحضرواها للعمليات… حالتها خطيرة يا صخر. جوي أنا آسفة.. أنا آسفة."
لم ينطق صخر ولم يرد، فقط تحرك كأن شيئًا أكبر من عقله يقوده.
دفع الباب بجسده وتوجه نحو الطبيب الواقف أمام الغرفة المغلقة مرددًا:
"إيه اللي حصل؟ حالتها عاملة إزاي بالله عليك.. طمني هي كويسة صحيح.. قول أي حاجة يا حكيم متسكتش كده."
أجابه الطبيب بنبرة هادئة لكنها حادة:
"في نزيف داخلي… لازم تدخل العمليات تاني فورًا وحالتها مش مستقرة. أنا مقدرش أقول أي حاجة دلوقتي.. ادعيلها ربنا معاها."
شعر صخر وكأن الأرض تميد من تحته لكنه قاوم الانهيار واقترب من الفراش الذي كانت ميار عليه ممددة لا تقوى حتى على فتح عينيها ووجهها شاحب وأنفاسها خافتة كأنها تهمس بالحياة.
فانحنى فوقها ووضع كفه على خدها برفق وهمس بصوت منخفض وهو يحاول أن يحبس دموعه:
"ميار… أنا جيت يا ميار… سامعاني.. أنا موجود جنبك أهه متخافيش."
ارتعشت جفناها وفتحت عينيها ببطء ونظرت له كأنها عادت للحياة من أجله فقط ثم همست بصوت واهن:
"الحمد لله… الحمد لله إنك جيت… أنا كنت خايفة قوي أموت من غير ما أشوفك كنت… فاكراك مش هتلحقني… الحمد لله إنك وصلت."
شدد صخر على يدها برفق وقبّل جبينها وهتف:
"بعد الشر عليكي متقوليش كده.. انتي هتبقي كويسة والله أنا متأكد.. هو انتي مش وعدتيني إنك هتفضلي معايا.. لازم توفي بوعدك يا ميار.. بالله عليكي متسبينيش.. أبوس إيدك والله ما أقدر أعيش من غيرك. انتي متعرفيش انتي بالنسبالي إيه."
شعرت ميار بكفه يحتضن يدها فابتسمت بتعب وهي تنظر إلى وجهه كأنها تحفظ ملامحه في قلبها قبل أن تغيب وهمست بصوتها الهش:
"أنا… عمري ما حبيت غيرك يا صخر… طول عمري من أول مرة فتحت عيوني فيها وأنا عيني مشافتش غيرك… بس أنا عارفة… عارفة إنك بتحب قدر… علشان كده أنقذتها.. مهانش عليا البنت اللي بتحبها تموت."
نزلت كلماتها عليه كالسكاكين فشهق بهدوء وازدادت قبضته على يدها وردد بنبرة مرتعشة:
"متطوليش كده بالله عليكي… انتي متعرفيش انتي بالنسبالي إيه.. سنين وأنا بحاول أنسى بس معرفتش أعيش من غيرك ولا هعرف… متقوليش إنك محبتيش غيري كأنك بتودعيني… أنا عارف إنك بتحبيني.. والله انتي أغلى حاجة عندي.. انتي مرتي وبنت خالتي ورفيقة حياتي كلها."
ابتسمت ميار من جديد لكن دمعة هربت من عينها وسقطت على وجنتها مردفة:
"أنا… أنا حاولت كتير أخليك تحبني زي ما أنا بحبك… بس واضح إن قلبي لوحده مكانش كفاية… طول السنين دي معرفتش اخليك تحبني يا صخر.. معرفتش أكسب قلبك يا ابن خالتي."
اقترب صخر أكثر وهوى بجبهته على يدها يقبلها وهمس من بين دموعه:
"ميار بالله عليكي… متتكلميش كده… ده أنا لو جالك حاجة أنا اللي هموت… مش هقدر أعيش في دنيا انتي مش فيها… والله ما أقدر يا ميار… بالله عليكي كفاية.. متسبنيش وأنا والله مستعد أسيب الدنيا كلها عشانك.. بس خليكي جنبي."
وفي تلك اللحظة فتح الباب فجأة ودخل طاقم الأطباء يدفعون السرير المتحرك.
فنهض صخر مجبرًا ينظر إليها بلهفة كأنما ينتزع من قلبه شيء لا يُعوض وتعلقت بها نظراته.
فابتسمت بضعف وهمست:
"أوعي تنساني يا صخر… لو حصلي حاجة بلاش تنساني… بالله عليك."
هتف صخر بدموع:
"هتخرجي من العمليات وهتبقي كويسة وهترجعيلي… أنا مستنيكي ومش هسيبك، فاهمة؟ متسبينيش انتي كمان… علشان خاطري."
وبينما كانوا يدفعونها ببطء نحو غرفة العمليات توقف الطبيب للحظة بجانب صخر ونظر إليه ثم أردف بهدوء:
"صخر.. يمكن متكونش عارف علشان أعتقد إنك كمان متعرفش بس مراتك… حامل."
ألقى الطبيب كلماته ثم استدار ودخل الغرفة مغلقًا الباب خلفه تاركًا صخر واقفًا كأن الزمن توقف به… يتنفس بصعوبة.
وبعد فترة كانت رجوة تجوب الغرفة كأن الأرض تضيق بها تتنقل بين الجدران بعصبية وملامحها تحمل كل ألوان الغضب وعيناها تقدحان شرًا.
وفجأة رفعت كوبًا زجاجيًا وألقت به على الأرض فانكسر إلى شظايا متناثرة لتصرخ من أعماقها:
"إنت غبي…. غبي يا كريم… أنا قولتلك من زمان صخر بيحب قدر آه بس ميار أغلى عنده من قدر دي بالنسباله كل حاجة.. الحب مش هو الأساس… اللي بين صخر وميار أكبر مليون مرة من الحب.. بس طبعًا أنا بفهم مين عاد.. بفهم واحد غبي متهور مش نافع في أي حاجة.. لو حصلها حاجة صخر مش هيسكت هيتحول لوحش وهيخرب الدنيا وإحنا أول ناس هيدور علينا! كل حاجة بنخطط لها هتضيع بسبب تهورك انت إيه كنت مصيبة عليا هو أنا جايباك تساعدني ولا تضيعني وأنا كمان.. آدم أكيد مش هيسيب صاحبه خصوصًا إنه بقى شاكك إن صخر معملش حاجة.. هيرجعوا تاني."
كان كريم يقف عند الحائط يضغط على قبضتيه بشدة ووجهه يتقلب بين التوتر واللامبالاة ثم هتف ساخرًا:
"ما يرجعوا يا ستي انتي محسساني إنهم متجوزين دول أصحاب… يعني إيه اللي هيحصل يعني؟"
توقفت رجوة فجأة ونظرت له بحدة حتى خيل له أن عينيها ستقتلهما وحدهما ثم اقتربت منه حتى صارت على بعد خطوة ورددت:
"اللي هيحصل إنهم هيوصلولي… وهيقولولك وهتضيع كل حاجة… كل حاجة وحق بنت اللي ماتت بسببهم هيروح؟! بنتي اللي جابوها وقتلوها بكل دم بارد هيروح بسببك وآدم بيهد الدنيا دلوقتي… وبيسأل عن اللي قتل مرته وده معناه إنه مش مصدق إن صخر له يد لو بدأ يشك إحنا هنروح في داهية."
ضرب كريم الحائط بيده وصوته خرج مبحوحًا من صدره:
"أنا مش هسكت! مش بعد كل ده… واللي في بطن قدر؟ لازم يموت.. أنا مش عايز أي حاجة تربطني بيها.. بقولك إيه أنا ساعدتك كتير وانتي لازم تساعديني في كل حاجة يا والله العظيم ما هسكت."
شهقت رجوة وتراجعت خطوة للخلف ثم صرخت بأعلى صوتها:
"غبي… غبي وهتودينا كلنا في ستين داهية! لو صخر عرف أو حس مش هيعديها! ده ممكن يقتلنا بإيده! ميار لو ماتت… هو مش هيسيب حد، وخصوصًا إنت وانت لسه جاي تقول الطفل والزفت على دماغك.. انت إيه مش بتفكر نهائي كده."
ألقت رجوة كلماتها ثم جلست فجأة على الأريكة تضع يدها على رأسها وهي تهمس بنبرة مكسورة:
"ربنا يستر من اللي جاي… واللي هيحصلنا بسبب غباءك."
وفي صباح يوم جديد كان الشارع لا يزال هادئًا وضوء الشمس بالكاد بدأ ينسدل على الأرصفة والهواء يحمل نسمات باردة تعبق برائحة الليل المنصرف.
حيث كانت يمنى تسير بخطى سريعة، تمسك بهاتفها المحمول وتتحدث بحماس:
"أنا جاية أهو يا قدر… ثواني وهكون عندك… لسه نازلة من البيت حالًا…"
لم تنهي يمنى كلماتها حتى انخفض صوتها فجأة وعيناها اتسعتا بدهشة حين لمحت سيارة متوقفة عند ناصية الطريق وبداخلها شخص ممدد على المقعد وكأنه نائم.
فاقتربت بحذر وارتجفت يدها حين تعرفت على ملامحه مرددة:
"ده… ده آدم! آدم صاحب صخر… ولا أنا بتخيل ولا إيه عاد."
زفرت يمنى في دهشة واقتربت أكثر وبدأت تطرق على زجاج السيارة بقوة:
"آدم بيه … يا بشمهندس فوووق.. انت كويس؟! افتحلي الباب بالله عليك."
تحرك آدم قليلًا وبصعوبة فتح الباب ووجهه شاحب وعينيه مثقلتان بالتعب كأنهما لم تذوقا النوم لليالي طويلة وصوته خرج ضعيفا مرددا:
"يمنى… روحيني… أنا تعبان قوي ومش قادر أتحرك.. رزحيني بالله عليك."
نظرت يمنى إليه بقلق ثم صرخت حين لمحت الدم الجاف على يده فهتفت:
"إيدك! آدم إنت مجروح… حصل إيه؟! كنت فين؟ يا لهوي هعمل إيه دلوقتي أنا بس."
ابتلع آدم ريقه بصعوبة وأخفض عينيه للحظة ثم ردد بصوت مبحوح:
"متسأليش كتير.. بس خذيني من هنا … مش قادر أتحرك."
ركضت يمنى بسرعة نحو الباب الآخر وفتحت السيارة وساعدته على النزول وجلست هي على مقعد القيادة وهو بجانبها وانطلقت بسرعة بالسيارة.
وبعد عدة ساعات في المستشفى كان يقف صخر أمام غرفة العناية المركزة وظهره مستند إلى الجدار ويداه تقبضان على حافة الميتر بقوة كأنّه يستمد من برودته بعض الصبر وعيناه تائهتان تحملان مزيجًا من الرعب والغضب، وأنفاسه تضطرب مع كل لحظة تمر دون خبر من الداخل.
حتى اقتربت قدر بخطى مترددة وقلبها يعلو ويهبط بين الخوف والندم.
لم تحتمل رؤيته بهذا الحال فمدت يدها لتواسيه لعل لمستها تخفف من وجعه لكنه ما إن شعر بملمسها حتى أبعد يدها بعنف وصرخ في وجهها بنبرة موجوعة:
"ابعدي عني.. ابعدي إنتي السبب… أنا حذرتك.. حذرتك مليون مرة متروحيش لأي مكان من غير ما تقوليلي بس لأ طبعًا… لازم تروحي ولازم لكريم كمان هو كان واحشك؟ لسه بتحبيه يا قدر ولا إيه علشان تعصي كلام جوزك وتجري عليه أعملك إيه أكتر من كده… أعمل إيه معاكي."
شهقت قدر وقد تجمدت الكلمات على شفتيها ثم تمتمت من بين دموعها:
"والله العظيم… كنت رايحة أحل كل حاجة… كنت عايزة أخلص على المشاكل دي من جذورها.. حاسمًا بالله ده كان كل اللي في دماغي والله العظيم."
وقاطعها صخر بانفجار جديد من الغضب وعروقه تكاد تنفجر من شدة الانفعال:
"إنتي مبتعرفيش تعملي حاجة غير إنك تجيبيلي المصايب.. مش كفاية كل اللي حصل قبل كده من وراكي.. إيه متعبتيش… ولو ميار جرى لها حاجة… هقتلك والله لأقتلك… مرتي جوه بتصارع الموت… بسببك انتي.. بسبب واحدة مستهترة زيك."
سقطت الكلمات عليهما كسسكين بارد والصمت الذي تلاها كان أثقل من أي صراخ.
وقبل أن تتحدث.. دوى صوت جهاز القلب في الغرفة، معلنًا خللًا خطيرًا.
فركض الأطباء سريعًا نحو الغرفة يتزاحمون وهم يصرخون:
"افتحوا السكة.. بسرعة يلا."
ألقى الأطباء كلماته بينما وقف صخر في مكانه كأن الزمن تجمد وعيناه لا تفارقان الباب المغلق.
أما قدر .. فشعرت بجسدها يرتجف ويدها تبحث عن أي شيء تستند إليه.
مرت الدقائق كأنها دهر حتى فتح الباب أخيرًا وخرج الطبيب بوجه شاحب.
فأقترب منه صخر وردد بلهفة:
"إيه يا حكيم.. هي كويسة.. ميار كويسة صحيح."
نظر الطبيب إليه بحزن وردد:
"البقاء لله."
نظرت قدر بفزع ولم تنطق بحرف والدموع انهمرت من عيونها.
أما صخر فقد سقط جالسًا على الأرض يحدق في الفراغ، كأن العالم كله اختفى.
رواية ابن الصعيدي الفصل السابع 7 - بقلم نور الشامي
يجلس صخر على طرف السرير في غرفته… متكئًا برأسه إلى الأسفل كأن الحزن قد انحنى بثقله على كتفيه. ملابسه لا تزال تحمل رائحة المستشفى. الهدوء الذي خيم على البيت زاد من اختناقه.
دخل خليل بخطوات هادئة واقترب منه ووضع يده على كتفه مرددًا:
"ربنا يرحمها يا صخر… كانت طيبة وربنا بيحب الطيبين… مينفعش أكده يا ابني أنا حفيدي قوي. انت المسؤول عن العيله دي كلها بعدي.. انت كبير الصعيد كلها بعدي يا ابني لازم تبجي أقوى من أكده."
لم يرد صخر ولم يبدِ أي حركة… ظل صامتًا كأن الكلمات لا تجد طريقها إليه.
فتحت الباب بهدوء ودخلت قدر بخطوات مترددة… كانت ملامحها شاحبة وعيناها محمرتان من البكاء. تقدمت نحوه بخوف.
وما إن همت بالكلام حتى دوى صوت أم صخر في الغرفة مرددة بغضب:
"انتي جاية اهنيه تعملي إي عاد؟ مش كفاية ال حوصل بسببك.. عايزه اي تاني؟ جتلتي بنت اختي ال كانت بعتبرها زي بنتي بالظبط.. انتي فاكره اني هسمحلك تكملي معاه.. جسما بالله ما هيحصل."
تجمدت قدر في مكانها ورددت بارتباك:
"أنا… أنا مكنتش أعرف ان كل دا هيحصل والله العظيم ما كنت أعرف حاجة… أنا عارفه اني السبب في ال حصلها بس غصب عني.. بالله عليكم سامحوني."
نظر الجميع إليها بغضب. اقتربت والدة صخر منها أكثر بعصبية:
"لأ مش غصب عنك.. كل حاجة بمزاجك.. مفيش أي حاجة غصب عنك.. بس أنا الغلطانة اني سمحت ان كل دا يحصل."
نظر خليل إليها بغضب ثم أمسك قدر من يدها بقوة وردد:
"برا يا بنت! مش عايز أشوف وشك هنا تاني! برا.. يلا."
أنهى خليل كلماته وسحبها خارج الغرفة وهي تبكي. صوت الباب وهو يُغلق كان أشبه بصفعة على وجهها.
في مكان آخر كان آدم يقف قرب النافذة ويسند ذراعه على الحافة المعدنية الباردة وعيناه معلقتان بالفراغ في الخارج، كأن شيئًا ما هناك يشده بعيدًا عن هذا العالم. لم يكن يرى الشارع ولا البيوت ولا حتى أشعة الشمس المتسللة بين الغيوم. كان غارقًا في دوامة صامتة لا يسمع فيها سوى صوته الداخلي.
انفتح الباب بعنف ودخلت يمنى بخطوات سريعة. كانت تتنفس بصعوبة وتحاول كتم ثورتها لكن ملامحها المشتدة وعيناها الممتلئتان باللوم فضحاها. وقفت خلفه للحظات كأنها تنتظر منه أن يلتفت… أن ينطق، أن يعتذر. لكنه ظل جامدًا، متبلدًا، وكأنها لا وجود لها.
حتى صرخت هي بغضب:
"أنا ساعدتك علشان عندي إنسانية… علشان ضميري ميرضاش أشوف حد محتاج مساعدة وأسكت…. بس إنت معندكش إنسانية أصلاً ولا ضمير.. انت معندكش أي إحساس جسما بالل."
استدار آدم إليها ببطء، وعيناه مثقلتان بالتعب لكنه لم يتكلم.
رددت يمنى مرة أخرى:
"صاحبك… ال كان بيوقف في ضهرك ويدافع عنك، دلوقتي منهار ومتبهدل وبدل ما تبجي جنبه، سايبه لوحده يغرق في حزنه كإنه مش موجود أصلًا في الكوكب دا.. انت ازاي أكده."
تنهد آدم بضيق ثم أردف ببرود:
"هو دلوقتي بيعيش نفس ال أنا عشته… نفس الألم ال كسرني."
يمنى بصراخ:
"بس هو معملكش حاجة… صخر عمره ما أذاك ولا حاول يخرب حياتك.. مراتك ماتت لوحدها محدش لمسها… وصخر ملوش ذنب في ال حصل."
ألقت يمنى كلماتها ثم اقتربت منه خطوة وارتجف صوتها وهي تكمل:
"هو كان جنبك وجت ما الكل سابك… كان بيحاول يخرجك من ال إنت فيه، وإنت دلوقتي أول واحد بتخذله.. حرام عليك انت الوحيد ال تقدر تخرج صخر من ال هو فيه ده."
صرخ آدم بغضب وهتف:
"انتي مش فاهمة أي حاجة.. بس فالحة تتكلمي وخلاص. وبعدين هو علشان ساعدتيني مرة هتفكري نفسك ولي أمري ولا إيه؟"
تنهدت يمنى بضيق ورددت بعصبية:
"لأ أنا فاهمة كويس…. فاهمة إني كنت غلطانة لما افتكرت إنك بني آدم… بس الحقيقة إنك مجرد شخص أناني غرقان في وجعك وناسي الدنيا كلها حتى صاحبك، ال لسه قلبه بينزف ميستحقش منك حتى كلمة. والله أنا ندمانة اني شفت واحد زيك ياريتني كنت سيبتك تموت وجتها."
ألقت يمنى كلماتها ثم استدارت فجأة، وبخطوات سريعة وغاضبة خرجت من الغرفة وصفقت الباب خلفها. ظل آدم واقفًا مكانه وعيناه على مكانها الفارغ. ولم يقل شيئًا.
في يوم جديد كانت الصالة تغص بالبكاء والأنين والسواد يلف المكان ككفن مفتوح ينتظر أن يبتلع من تبقى من الفرح. النساء متكدسات على المقاعد بعضهن ينوح وبعضهن يهمس بأدعية ثقيلة. تهاني أم صخر تمسح دموعها بطرف غطاء رأسها وتضم صدرها المتوجع، تنظر في الفراغ.
انفتح الباب بعنف ودخلت عنبر ابنة خالة ميار وصخر بثوب أسود وعينين متورمتين من البكاء. تصرخ من أعماق قلبها المنكسر وتهتف:
"يا ضنايا يا ميار… يا وجع قلبي يا كنتي بتنوري الدار… روحتي خلاص. روحتي وسيبتنا للحزن أكده.. ليه بس.. ليه."
انهارت عنبر على الأرض وسط ذهول الحضور وضربت صدرها براحة يدها، وصوتها يتعالى حتى خيم الذعر على وجوه من حولها.
صرخت:
"فين؟ فين ال كانت السبب؟ فينها.. أنا هقتلها."
ما إن وقعت عيناها على قدر الواقفة عند المدخل ترتجف كعصفور مبتل حتى اشتعلت النار في قلبها، واندفعت نحوها كالعاصفة وتصرخ:
"إنتي… إنتي ال دمرتي حياتها… إنتي ال خدتي عمرها وحياتها.. أنا لازم أقتلك."
رفعت عنبر يدها وصفعت قدر بقسوة وصرخت وهي تحاول الاحتماء بذراعيها. عنبر لم تتوقف وامسكتها من شعرها وجذبتها بقوة.
تدخلت يمنى بسرعة واندفعت من بين الجالسين وأمسكت بذراع عنبر لتبعدها وهتفت بصراخ:
"بس بقى كفاية… حرام عليكي… ال حصل حصل، والميت مش بيرجع.. انتوا ليكم كلكم حاطين كل الحق عليها… حرام عليكم."
صرخت عنبر في وجهها وهي ترتجف:
"انتي مش فاهمة حاجة ال راحت دي كانت صاحبتي. وبنتي وبنت خالتي … هي راحت مني… راحت خلاص."
في تلك اللحظة دخل خليل بخطوات ثابتة وعيناه تمتلئان بغضب صامت. تقدم نحو عنبر ووضع يده على كتفها بلطف ممزوج بالحزم:
"اهدي يا عنبر… أكده غلط وبتار اختك هيتاخد والله."
أنهى خليل كلماته ثم التفت إلى قدر التي كانت تقف مرتجفة ودموعها تنساب بصمت:
"اطلعي على أوضتك يا قدر… العزا مش مكانك دلوقتي.. انتهينا انتي مبقاش ليكي مكان معانا."
نظرت إليه قدر بعيون دامعة. ساد صمت ثقيل المكان لا يسمع فيه سوى شهقات بكاء النساء وكأن القصر نفسه يبكي رحيل ميار.
في المساء كان صخر جالسًا في زاوية مظلمة من إحدى البارات الخاصة يحتسي الشراب بصمت. فتاة تجلس بجانبه تحاول التقرب منه لكنه كان يبتعد في كل مرة. أنفاسه ثقيلة وعيناه شاردتان.
فجأة دخل آدم بغضب واقترب منه بسرعة وردد بعصبية:
"انت أي ال جابك اهنيه… دا مش مكانك يا صخر! هتضيع نفسك أكده ليه عاد."
صخر وهو يحاول الابتعاد:
"بعد مفيش حاجة تهمني دلوقتي، خلاص.. عامل فيها خايف عليا أنا عارف كويس قوي انك أكتر شخص بتكرهني في حياتي كله."
نظر آدم إليه بغضب وامسكه من ذراعيه مرددًا بعصبية:
"مش هسيبك.. ده مش حل. إنت هتخسر كل حاجة أكده هتضيع نفسك.. يلا تعالي معايا."
صخر وهو يحاول الابتعاد عنه:
"أنا مش قادر، مش قادر أكمل والله العظيم.. هي السبب.. اللي قتلتها.. قتلتها هي وابني بس جسما بالله العظيم ما أنا سايبها.. والله لـ هاخد بتاري منها وهندمها علي حاجة أنا هدفعها تمن ال عملته دا غالي قوي سيبني."
لم ينهِ صخر كلماته حتى ضربه آدم على وجهه بلكمة قوية وهو يصرخ:
"مش هتعيش أكده…. هتضيع كل حاجة لو فضلت على الوضع دا… أنا عارف مين متفق مع كريم.. عرفت كل حاجة ولازم تساعدني.. لازم تساعدني أننا نلاقي رجوه ونجتلها قبل ما تخلص على باقي العيلة. بالله عليك فووق يا صخر.. فووق واصحى من ال انت فيه دا تعالي يلا.. تعالي.. أنا معاك وكل حاجة هنعديها مع بعض.. مش هسيبك بعد اكده لحظة واحدة."
أنهى آدم كلامه وأخذ صخر بيده، وخرجا معًا من هذا المكان.
في صباح يوم جديد كانت ممددة قدر على الفراش ثابته في نوم عميق بعد إرهاق دام لأيام. انفزعت من نومها عندما استمعت إلى صوت زغاريط.
نهضت بسرعة مرددة بغضب:
"مين قليل الرباية ال بيزغرط أكده وعندنا مين.. لو صخر سمعه هتبقى مصيبة."
ألقت قدر كلماتها وخرجت.
بعد فترة كانت تقف كتمثالٍ أصابه الذهول ونظراتها متجمدة… لا تصدق ما تراه عيناها. صخر يقف بجوار امرأة أخرى.. يمسك بيدها والشيخ يعلن تمام عقد قرانهما. لم تشعر قدر بقدميها وكأن الأرض انسحبت من تحتها وكأن شيئًا بداخلها انكسر للأبد.
جاء صوت الجد مرددًا:
"الف مبروك يا ولاد.. ربنا يتمملكم على خير يارب.. مبروك يا صخر."
شهقت قدر بصوت مكتوم. تلاقت عيناها بعيني صخر التي لم تجد فيهما سوى القسوة. لم يكن فيهما أثر للحب… بل شيء أقسى من الكراهية.
رددت بصدمة:
"ليه أكده… ليه؟!"
اقترب صخر منها وردد بغضب:
"انتي السبب… انتي ال موتتي ميار…. أنا بكرهك يا قدر، بكرهك من قلبي… وغلطتي الوحيدة إني اتجوزت واحدة زيك… علشان أكده حبيت أصلح غلطتي واتجوز واحدة نظيفة مش زيك رخيصة وملهاش أي أهمية.. انتي أسوأ إنسانة شوفتها في حياتي.. انتي الحاجة الوحيدة ال ندمت عليها ياريتني ما كنت رجعت ولا شوفتك ولا اتجوزت."
انكمشت كلماته كخناجر في صدرها وأحست قدر بالألم يعتصر أحشاءها قبل قلبها. فجأة واختل توازنها ووقعت على الأرض. صرخة مروعة مزقت سكون القاعة ودماؤها تسيل ويدها على بطنها المرتجفة. همست بشفاه مرتجفة ودمعة تسابق الدم وهي تهتف بألم:
"ابني… ابني بيموت يا صخر."
بعد فترة من الوقت ظل الجميع واقفًا في ردهة المستشفى. خيم الصمت على الأجواء كأنه غمامة ثقيلة لا تنقشع. لا تزال أعينهم معلقة بباب غرفة العمليات يترقبون لحظة انفتاحه. عقارب الساعة تمضي ببطء خانق.
حين انفتح الباب أخيرا خرج الطبيب بخطوات مثقلة ونظرة مرهقة. تقدم صخر نحوه وصوته يختنق بالقلق مرددًا:
"طمني يا حكيم… هي كويسة؟ والجنين؟"
تنهد الطبيب قبل أن يجيب بهدوء:
"البقاء لله… الجنين مات."
ساد لحظة من السكون تليها نظرات ارتياح خفية على بعض الوجوه وكأن عبئًا ثقيلًا أزيح عن كاهلهم. أما صخر فـ تجمد مكانه وغامت عيناه واتشح وجهه بالحزن العميق وظهر الألم واضحًا في ملامحه.
اقترب خليل منه وردد ببرود خالي من الشعور:
"كده أحسن… والبت دي كمان لازم تموت ونخلص بقى من كل دا."
أدار له صخر رأسه ببطء وحدق فيه بعينين تضجان بالغضب والاستياء دون أن يرد عليه.
حينها، اهتز جيبه فأخرج هاتفه ليرى رسالة جديدة. ما إن قرأها، حتى اتسعت عيناه وتغيرت ملامحه فجأة وكأنّ الصدمة أصابته في صميم قلبه. أسرع نحو الغرفة بخطوات متلاحقة وفتح الباب بعنف.
ما إن دخل حتي تجمد مكانه عندما وجد الغرفة فارغة لا يوجد بها أي شخص وكان الأرض انشقت وابتلعت قدر. فردد بصوت مبحوحًا من هول ما رأى:
"هيجتلها…. هتموت."
رواية ابن الصعيدي الفصل الثامن 8 - بقلم نور الشامي
الأضواء الشاحبة تنعكس على زجاج السيارة وصوت المحرك يعلو في سكون الليل.
صخر يقود بسرعة بجوار المستشفى، يتأرجح بين القلق والغضب. حتى لمح طيفًا مألوفًا يقف عند السور. فضغط على المكابح بقوة وانحرف بسيارته إلى جانب الطريق. ثم ترجل منها بخطوات مسرعة واقترب من قدر التي كانت تسير ببطء وهي تبكي بحرقة.
وردد بعصبية:
"إزاي خرجتي من غير ما نشوفك؟ وإيه الورقة اللي كتبتيها دي؟ أنا كنت فاكر إن كريم خطفك. حرام عليكي، ليه أكده؟ هو انتي ليه دايما عايزة تحرقي قلبي؟"
رفعت قدر نظرها إليه والدموع تتلألأ في عينيها، وصوتها يخرج متهدجًا من بين شفتيها المرتجفتين:
"أنا السبب… أنا اللي قتلت ميار… عشان كده ابني مات…. أنا أستاهل كل اللي بيحصلي.. لازم أخلصكم مني ومن شري.. محدش بيحبني.. لا أهلي ولا جدي ولا مامتك ولا حتى انت.. الكل بيكرهني وانتوا معاكم حق تكرهوني… سيبني بالله عليك أمشي واختفي من حياتكم كلها."
تنهد صخر بضيق وظل واقفًا أمامها يتأمل ملامحها الشاحبة ونظراتها المكسورة. لم يتحدث، لكن عينيه أفصحت عن قلق دفين كان يحاول كتمانه. حتى اقترب منها بحذر ثم ردد بصوت منخفض:
"انتي تعبانة، لازم ترجعي المستشفى.. مينفعش اللي بتعمليه ده. أنا مش ناقص، كفاية اللي أنا فيه."
نظرت قدر إليه بدموع واستندت على الحائط وهتفت:
"سيبني… بلاش. أنا تعبت خلاص.. سيبني بقى بالله عليك."
ألقت قدر كلماتها وجاءت لتذهب، ولكن لم يمهلها صخر فرصة للذهاب. مد يده إليها بهدوء ثم حملها بين ذراعيه كما لو أنها باتت قطعة من روحه لا تحتمل السقوط. ووضعها في المقعد المجاور وأغلق الباب. ثم استدار إلى مقعد القيادة وأدار المحرك من جديد وانطلقت السيارة بسرعة.
بعد فترة، عند آدم، كان الليل قد ثقل ستاره على البيت الكبير. لا صوت يُسمع سوى أنفاس السكون الثقيلة. فتجولت يمنى بين أرجاء المكان تبحث عن طيفٍ أنثوي. ونادت وهي تمرر يدها على حواف الأبواب الخشبية القديمة:
"يا حجة… يا حجة حضرتك فين؟ مفيش حد هنا ولا إيه؟"
اتجهت يمنى نحو الصالة وهناك رأت آدم واقفًا عند النافذة، جسده مائل قليلاً وفي يده كأس يلمع تحت الضوء الأصفر الخافت. فاقتربت منه خطوة بخطوة حتى وقفت على بعد متر واحد ورددت بقلق:
"هو إيه اللي في إيدك ده…. انت بتشرب ولا إيه؟"
استدار آدم نحوها ببطء وابتسامة باهتة ترتسم على وجهه. وعلق دون أن ينظر في عينيها:
"أمي سافرت عند أهل ليلى الله يرحمها … بيقولوا أمها تعبانة شوية. فراحت عشان تشوفها وتبجي جنبها."
قطبت يمنى حاجبيها تنظر إليه بنظرة لا تخلو من خيبة أمل وهتفت:
"وسايب البيت فاضي وتشرب فيه كأنك لوحدك؟ ده اسمه تصرف راجل.. انت فاكر إن كده هتنسى؟ عمر الحرام ما بينسي حاجة."
ضحك آدم بسخرية ثم جلس على الأريكة بإرهاق واضح وردد:
"يمكن لو كنتي مكاني… كنتي عملتي أكتر من كده.. بلاش تتكلمي وانتي مش عايشة مكاني."
نظرت يمنى إليه بضيق وأردفت:
"لأ مكنتش هعمل كده… انت مش لوحدك يا آدم، في ناس مستنياك تكون سند ليهم.. بس انت كده بتضيع نفسك. أنا مش بقولك بلاش تزعل.. لأ طبعًا ازعل.. مدام ليلي الله يرحمها يتزعل عليها العمر كله. بس عمر الزعل ما كان بالطريقة دي. فيه ناس كتير محتاجالك."
رفع آدم رأسه نحوها وردد بحدة منخفضة:
"زي مين؟!"
"صخر؟ قدر؟ ولا انتي؟"
سكتت يمنى للحظة، ثم همست:
"لأ مش قدر. وقدر مش وحشة كده زي ما انت فاكر.. بس موجوعة. وصخر… كان قاسي عليها قوي.. محدش رحمها."
وقف آدم فجأة. اقترب منها حتى كاد يلامس كتفها وردد بحده:
"صخر أنقذها من تحت الأرض… كل مرة بيوقف جنبها وينقذها.. وقف قصاد جده عشانها.. قصاد خليل الصعيدي اللي لسه محدش قدر يقف قصاده. عشان ست قدر اللي في الآخر كانت السبب في موت مرته.. قدر دمرت الكل وأولهم صخر."
ابتلعت يمنى ريقها بصعوبة وقالت بصوت خافت:
"بس هو وجعها أكتر ما أنقذها… وكلنا عندنا حدود يا آدم.. الكل بيتعدى حدوده في الأذية معاها.. الكل بيحملها نتيجة أي مشكلة بتحصل. معرفش ليه مع إنها الضحية الوحيدة."
ألقت يمنى كلماتها بضيق وطال الصمت بينهما. وتبادلت نبرة الحوار إلى هدوء عاصف. فأشاحت بوجهها وهمت بالرحيل مرددة:
"أنا مش جايه عشان أتخانق… واضح إني غلطانة إني جيت أصلاً."
أمسك آدم يدها فجأة. كانت حركته هادئة لكنها تحمل شيئًا مختلفًا. شيئًا أقرب للرجاء وهتف:
"استني… متروحيش كده."
وقفت يمنى مكانها… لا تجرؤ على النظر إليه ولا على التقدم وهي تشعر بدقات قلبها تتسارع. فهمس قريبًا منها بصوت مبحوح كأنه يحارب نفسه:
"متسبنيش بالله عليك."
رفعت يمنى نظرها إليه أخيرًا وعيناها تلمعان بمزيج من الغضب والتردد. فاقترب آدم أكثر خطوة بعد خطوة حتى تلاشى الفراغ بينهما. وظلت هي واقفة لا تقاوم، لا تستسلم. وهذه اللحظة لم تكن بريئة، لكنها لم تكن واضحة. فقط عينان تتحدثان، ونفس منهك، وقلوب تبحث عن مرفأ مؤقت للهروب من كل ما يؤلم. ثم أغمضت يمنى عينيها وكأنها سلمت روحها لشيء لا تفهمه… شيء أكبر منها ومنه. ولم يدرك أحدهم حجم الكارثة التي حلت عليهم، وبالتحديد يمنى التي كانت وسيلة لهروب آدم من واقعه المرير.
وفي صباح يوم جديد، كان ضوء الشمس يتسلل بخفة من خلف الستائر ينعكس على ملامح صخر التي بدت مرهقة، ساكنة كأن النوم لم يلمس عينيه بطمأنينة. كان مستلقيًا على الفراش وصدره العاري يرتفع ويهبط ببطء، يغوص في هدوء مشوش. حتى أحس فجأة بلمسة خفيفة على كتفه. وفتح عينيه بفزع جالسًا بسرعة وهو يلتقط أنفاسه:
"إيه؟"
صوته خرج حادًا مضطربًا قبل أن تقع عيناه على عنبر التي تقف أمامه في ثوب نوم بسيط تنظر إليه. وردت بهدوء متوتر:
"مالك؟ هو انت نسيت إننا اتجوزنا امبارح؟ المفروض ليلة امبارح كانت عندي مش كده؟"
نظر إليها صخر لثوانٍ كأنها غريبة أمامه. ثم مسح على وجهه وتنهد وهتف بنبرة باردة:
"أنا اتجوزتك عشان أمي طلبت كده. عشان توافق نفضل هنا في الصعيد… وأنا مقدرش أسيب البلد دلوقتي…. وإنتي عارفة ده كويس."
اتسعت عينا عنبر وظهر الحزن على ملامحها، لكنها تماسكت واقتربت منه خطوة وهتفت:
"بس أنا مراتك دلوقتي يا صخر ومليش صالح بكل ده… أنا من حقي يكون ليا منك حاجة وأكون معاك."
صرخ صخر بها وهو ينهض واقفًا:
"اومال العياط على ميار كان إيه…. دا كله كان تمثيل؟ أنا جوزها وأنتي عارفة كويس هي كانت بالنسبالي إيه.. عادي كده إنك تبقي مع جوزها بالسهولة دي يا بنت خالتي.. ده احنا مخدناش وقت حتى!"
ترددت عنبر بضيق وهي تحاول لمس ذراعها:
"أنا زعلت عليها، أيوه.. بس انت دلوقتي انت جوزي."
ابتعد صخر عنها بعنف وأشار بيده:
"متقربيش مني… عنبر… بلاش أحسن عشان مش هيحصل بينا اللي في دماغك."
وفي تلك اللحظة انفتح الباب ودخلت أمه مسرعة وقد ارتسم القلق على وجهها. ورددت:
"إيه؟ إيه الصوت العالي ده.. مالك يا صخر؟ إيه يا عنبر؟"
انهارت عنبر بالبكاء فجأة وهي تشير إلى صخر:
"هو مش عايزني مش طايجني يا خالتي… ده حتى مش عايز يبص في وشي."
تجمد صخر مكانه يضغط على أسنانه. ثم صرخ بصوت أعلى من قدرته على الكتمان:
"أنا اتجوزتها عشانك انتي يا حاجة. بس ده ميخلينيش مجبور ألمسها… أنا مش مجبور أقرب منها غصب عني.. أنا مش قادر… فاهمة؟ مش قادر.. ارحموني بقى."
ألقى صخر كلماته ثم اندفع خارجًا من الغرفة يصفق الباب خلفه بقوة، تاركًا خلفه عنبر تبكي في حضن أمه وقلبه يشتعل بصراعات لا يعرف كيف يسكتها.
وبعد دقائق، دخل صخر الغرفة الأخرى بعصبية واضحة كأنما الغضب يشتعل في صدره نارًا لا تنطفئ. وتقدم بخطوات ثقيلة نحو الخزانة وفتحها بعنف. ثم بدأ يبعثر ما فيها من ملابس يبحث عن شيء لا يبدو واضحًا. وفي حركة غير مقصودة ارتطمت يده بجسد قدر فكادت تسقط. إلا أنه أمسك بها بسرعة قبل أن تقع وأسندها بيده كأنها شيء هش.
فنظرت إليه بتوتر وعيناها تقرأ غضبه وتخشى تفسيره. ثم سألت بصوت خافت:
"انت كويس؟"
أغمض صخر عينيه لثانية ثم فتحهما وقال دون أن ينظر لها:
"أيوه كويس…. على فكرة اتجوزت عنبر عشان أمي طلبت مني كده… مفيش بيني وبينها حاجة."
انخفضت نظرتها نحو الأرض كأنها تبحث فيه عن شيء ضائع. ثم همست:
"سامحني عشان ميار… عشان كل اللي حصل. والله العظيم هي اللي أنقذتني وكنت بتمنى أنا اللي أموت… ومش عارفة لحد دلوقتي ليه ضحت بحياتها عشان."
رفع صخر نظره إليها وحدق فيها طويلًا قبل أن يقترب منها خطوة وردد:
"عشان أنا بحبك."
رفعت قدر عينيها إليه بذهول وكأن الكلمة وقعت عليها كالصاعقة وهتفت:
"بتحبني أنا؟"
أومأ صخر برأسه وقال بنبرة منخفضة:
"أيوه بحبك… وميار كانت حاسة من كتر ما كانت بتحبني مجدرتش تشوفني موجوع… وجلبي بيتقطع لو جرالك حاجة. بس هي مكنتش تعرف… إن بالرغم من إني بحبك، هي أغلى منك عندي."
تراجعت قدر خطوة، ثم أغلقت عينيها بقوة وانهمرت دموعها. فسارع هو بمسحها بأنامله الحانية وقال بهدوء:
"متعيطيش."
تمتمت قدر بصوتٍ مكسور:
"أنا آسفة… سامحني."
وفي لحظةٍ خافتة تقدمت نحوه بخطوات مرتجفة كأن قلبها يقودها رغم عقلها. حتى وقفت أمامه تمامًا ورفعت رأسها إليه ونظرت في عينيه نظرة طويلة. ثم وضعت شفتيها على شفتيه في قبلة مرتعشة، محملة بما فاض من الحنين والندم والوجع. وظل صخر متيبسًا لبرهة قبل أن يغلق عينيه ويضمها إليه بقوة ويبادلها القبلة كأنهما يهربان من كل ما في الخارج إلى لحظة صدق نادرة لا تخضع لأي حساب.
وبعد فترة، في غرفة آدم، كانت يمنى تقف أمام المرآة وظهره إليها. ترتجف أناملها وهي تغلق أزرار قميصها ببطء. وعيناها متورمتان من البكاء وشفاهها جافة كأنها لم تنطق منذ قرون. ونظرت إلى انعكاسها للحظة ثم أزاحت عينيها عنه وكأنها لا تطيق رؤية نفسها.
فوقف آدم عند باب الغرفة، وجهه شاحب وصوته بالكاد يخرج وهتف:
"يمنى… استني اسمعيني بس بالله عليك."
هزت يمنى رأسها دون أن تلتفت. ثم انحنت لتلتقط ما تبقى من ملابسها من الأرض. وكانت حركتها بطيئة كأن الجاذبية تضاعفت فجأة أو كأن العالم ينهار فوق جسدها المثقل. ورددت بصوت مختنق:
"أنا اللي غلطانة… أنا أستاهل كل اللي بيحصلي. أنا اللي عملت في نفسي كده."
أغلقت يمنى الحقيبة بسرعة ثم رفعت عينيها إليه أخيرًا. كانت نظرتها خالية، ميتة كأنها لم تعد ترى فيه سوى نهايتها. وهتفت:
"ياريتني كنت مت قبل ما كل ده يحصل…. أنا ضيعت كل حاجة.. اللي زيي لازم يموت مش لازم يعيش."
تقدم آدم خطوة نحوها ورفع يده كأنه يحاول احتضانها أو منعها من الرحيل. لكنها أبعدته بعنف وخرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها بهدوء مرعب. وبقي آدم واقفًا للحظة ثم استدار فجأة ودخل الغرفة كأنها أصبحت فجأة زنزانته.
فنظر حوله ورأى آثارها.. ملابسها… عطرها.. لمستها.. كل شيء صار شاهدًا عليه. فصرخ بأعلى صوته:
"أنا إيه اللي عملته ده… ازاي أعمل كده.. ازاي وصلت للمرحلة دي؟"
ركل الكرسي بقوة فتكسّر. وراح يضرب بيديه كل ما تطاله أنامله…. الكؤوس… المرآة… الكتب…. كل شيء صار هشًا بين قبضتيه. وصرخ بغضب:
"وسختها… وبهدلتها… وكسرت كل حاجة فيها… حتى هي مسلمتش مني.. حتى هي."
انهى تدم كلماته وضرب قبضته في الزجاج فتفتت شظاياه وتناثرت حوله. والدم بدأ يسيل من يده. لم يهتم وجلس على الأرض بين الحطام ورأسه بين يديه يئن ويشتم نفسه.
وبعد عدة ساعات، هبطت قدر السلالم مسرعة وضحكتها تتردد في أرجاء القصر. وخصلات شعرها تتطاير خلفها كفراشة خرجت من شرنقتها خوفها. مرددة:
"ماما.. ماما."
نادت قدر بصوت مبلل بالشوق. ثم توقفت فجأة وقد وقعت عيناها على امرأة تقف عند نهاية السلم تفتح ذراعيها كأنها كانت تنتظرها منذ سنوات. فـ أسرعت قدر نحوها وارتمت في حضنها تلف ذراعيها حول خصرها بقوة:
"واحشاني قوي يا ماما."
ابتسمت رجوة وهي تحتضنها. ولم تقل شيئًا. لكن عينيها في لحظة العناق لم تبسما معها.
رواية ابن الصعيدي الفصل التاسع 9 - بقلم نور الشامي
هبط صخر على درجات السلم بخطوات متسارعة بعد أن سمع صوت همسات وضحكات خافتة تأتي من بهو القصر.
لكن ما إن وقع بصره على المشهد أمامه حتى توقف في مكانه كأن الأرض جذبت قدميه.
كانت قدر تقف بجانب رجوة، فـ عيناه اتسعتا بذهول وصوته خرج غليظا متحشرجا وهتف:
"انتي إي ال جابك اهنيه يا رجوه."
نظرت له قدر بارتباك ثم شبكت ذراعها بذراع رجوة ورددت بصوت هادئ:
"دي ماما يا صخر، في اي عاد."
ما إن نطقت بالكلمة حتى دوى صراخ صخر في القصر مردفًا:
"ماما؟!! دي مش أمك يا قدر، دي المربية بتاعتك.. امك منين عاد بجا ان شاء الله."
تراجعت رجوة خطوتين للوراء وهي تمسك بقلبها كأنها مصدومة وقالت ببراءة مفتعلة:
"صخر... ليه بتتكلم بالطريجة دي؟ أنا عمرى ما كنت غير أم لقدر... ربيتها من وهي صغيرة وكنت دايما جمبها...ليه اكده بس يا ابني انت بتكرهني ليه عاد."
ضحك صخر بسخرية وقال:
"جمبها؟ من إمتى وانتي بتظهري فجأة اكده بعد ما خربتي كل حاجة... انا بكرهك ومش بحبك وجولتلك مليون اني مش عايز اشوف وشك."
نظرت له رجوة بعين دامعة:
"أنا غلطت، بس..."
قاطعها صخر بنفاذ صبر وصاح بغضب:
"مفيش بس يا رجوة، أنا عارف لعبك كويس وعارف إنك بترجعي دلوجتي علشان تلعبي دور الضحية جدام قدر."
نظرت له قدر بارتباك ورددت بضيق:
"صخر... دي امي وأنا... أنا محتاجاها دلوجتي يا صخر... محتاجة حضن أمي... انت ليه عايز تبعدها عني.. انا مش فاهمه اصلا هي عملت اي علشان تكرها اكده."
رمقها صخر بنظرة جارحه وقال بصوت منخفض حاد:
"لو هي فعلاً أمك... كانت ظهرت من بدري من اول المشاكل."
نظرت له رجوة بحزن مزيف ورددت:
"أنا كنت خايفه اجي والله علشان انتوا متتعصبوش مني."
صرخ صخر بغضب وقال:
"اخرسي، كل حاجة كانت بإيدك... كنتي سايبة قدر للناس تنهشها... دلوجتي جاية تلبسي قناع الرحمة.. يا رجوه انا اكتر واحد عارفك."
سادت لحظة صمت مشحونة حتي نظر صخر الي رجوة بحدة وقال:
"اطلعي برا. دلوجتي حالًا."
توسلت رجوة بعينين دامعتين وهتفت:
"صخر... ارجوك..."
لم تنهي رجوه جملتها حتي قاطعها صخر الذي ردد:
"برا يا رجوة... قبل ما أنسى إني واجف في بيت عيلة واتصرف معاكي بطريجه مش حلوه.. يلا بره."
وبنظرة حزينة ذهبت رجوة بخطوات بطيئة وهي تتمسك بنظرات قدر.
***
وصعد صخر الي غرفته.
***
وبعد فتره عند ادم كان جالسا على أرض الحمام أسفل دش الماء البارد الذي انسابت قطراته فوق رأسه دون توقف كأنه يبحث عن وسيلة تطفئ الحريق المستعر داخله.
وعيناه كانتا مفتوحتين ولكنه لم يري شيئًا... غارق في دوامة من الذنب والندم والضياع.
حتي انفتح الباب فجأة ودخل صخر مسرعا... عابس الملامح وقد بللت أنفاسه اللهفة مرددا:
"ادم... إنت بتعمل إي اهنيه.. في إي يا ابني؟ إيه الحالة دي؟!"
رفع آدم عينيه ببطءٍ نحوه وبدا كأنه يعود من عالم آخر ثم تمتم بصوت مكسور:
"أنا... أنا دمرت كل حاجة يا صخر... غلطت... غلطت غلطه كبيره جوي."
اقترب صخر منه بخطوات سريعة، وأغلق صنبور الماء، ثم جلس إلى جواره و صوته ممتلئ بالقلق:
"غلطت إزاي؟ جولي في إي عاد.. اي ال حوصل."
ارتجف آدم وأسند رأسه إلى الجدار خلفه وهمس بندمٍ خافت:
"انا غلطت مع يمنى... حوصل بينا حاجة... أنا... أنا دمرتلها حياتها يا صخر."
سكت صخر للحظة وعيناه اتسعتا بالذهول قبل أن يهمس بانكسار:
"حوصل إي؟! إنت... إنت تجصد اي غلطت معاها."
أومأ ادم برأسه ودموعه تسيل مع بقية قطرات الماء وردد:
"كنت مش في وعيي... كنت ضايع... مش فاكر حتى إزاي ولا إمتى... كل ال أعرفه إني صحيت على كابوس... وهي كانت منهارة... وأنا... أنا مجدرتش اعمل حاجه.. والله ما اعرف ازاي عملت اكده ولا لمستها ازاي."
شدّ صخر على كتفه وهتف بصوت حاد:
"آدم.... إنت لازم تتجوزها.. البنت اكده ضاعت... أهلها لو عرفوا ممكن يجتلوها.. لع مش ممكن هما هيجتلوها بجد."
أدار آدم وجهه بمرارة وردد:
"مش جادر... مش جادر أتجوز واحدة بعد ليلى... مش جادر أعيش من غيرها ولا حتى عارف مين جتلها لحد دلوجتي.. انا مش هعرف اهمل اي حاجه غير لما اخد بتار ليلي."
اشتعل الغضب في ملامح صخر فهتف:
"يا آدم فوق... ال حوصل حوصل.. بس لازم تتحمل نتيجة أفعالك.. يمنى دي إنسانة مش ظل ليلى ومصيرها دلوجتي في إيدك... حرام عليك بلاش تتسبب في موتها."
القي صخر كلماته لكن آدم ظل صامتا وعينيه تحدقان في اللاشيء بينما روحه تتخبط بين ذنبٍ لم يغتفر ووجع حب لم يُدفن.
حتي فتح باب الغرفه فجأة وظهر أحد الحراس ينظر إليهما بقلق مرددا:
"يا بيه... في حد مستنيكم تحت... بيجول لازم يشوفكم حالًا."
نهض صخر سريعا وتبعه ادم ببطء كأن ما ينتظر في الأسفل... قد يكون أسوأ مما فضح.
***
وفي المساء كان الليل قد استقر على أرجاء القصر يغمره بصمته ووحشته.
وفي الغرفة العلوية كانت قدر تجلس على طرف الفراش ذاهلة تنظر إلى اللاشيء بعينين ممتلئتين بالقلق والتشتت..
و كانت كلمات صخر ما تزال تتردد في أذنيها وصورة رجوة وهي تغادر بانكسار لا تغادر مخيلتها.
حتي فتح باب الغرفة بهدوء ودخل صخر بخطوات ثقيلة وعيناه تبحثان عنها كأنها ملاذه الوحيد.
وما إن وقعت عيناه على ملامحها الشاحبة حتى اقترب منها دون أن يتكلم في البداية.
ونظرت له قدر فحركت شفتيها بصوت خافت:
"كنت جاعده مستنياك.. اتاخرت جوي."
اقترب صخر وجلس بجوارها ز تنهد بعمق ثم قال بنبرة هادئة:
"انتي مش عارفة حاجة يا قدر... رجوة مش زي ما انتي فاكرة... مش كويسة والله العظيم."
نظرت له قدر بعين دامعة وقالت:
"بس دي كانت طيبة معايا... كانت بتحضني وبتسمعني دايما وعمرها ما زعلتني."
هز صخر رأسه بأسى وقال:
"كانت بتضحك عليكي يا قدر... رجوة دي عمرها ما كانت أم، لا ليكي ولا لحد... دي ست بتعرف تلعب بمشاعر ال حواليها... وبتستغل كل حاجة لمصلحتها."
سكتت قدر للحظة ثم رددت بصوت مكسور:
"يمكن... بس أنا محتاجه حد... تعبت، بجد تعبت من كل حاجة."
اقترب صخر منها أكثر ورفع يدها بين يديه وقال برقة:
"وأنا تعبت... تعبت جوي... نفسي أمشي من هاهنيه ... الصعيد مجابتليش غير الحزن والدم... مش لاجي نفسي اهنيه خلاص... بس جاعد علشانك يا قدر.. انا بحاول احميكي من كل الناس فبلاش تضعفي بالله عليكي وتزودي عليا المشاكل اطتر من اكده.. انا حاسس اني بحارب كل العالم ومفيش حد معايا.. خليكي انتي جمبي."
نظرت له قدر بتردد، ثم همست:
"وميار؟... الله يرحمها... كنت بتحبها جوي صوح؟"
سكنت ملامحه للحظة ثم أجاب بصوت عميق:
"عمري ما حبيتها... بس مكانتها عندي كانت أغلى من الحب... كانت أختي وصاحبتي وسندي... ميار كانت أكتر من الحب بكتير...الحب مش كل حاجه.. انا كنت مستعد اضحي بحياتي كلعا علشانها والله.. الحاجه الوحيده ال جدرت تكسرني هو موتها."
لم تستطع قدر أن تحبس دموعها فاندفعت تسيل على وجنتيها ثم تمتمت:
"وأنا... ومشاكلي... أنا السبب فكل دا... وكريم... كريم محدش عارف مكانه لحد دلوجتي... وممكن يأذي حد تاني...وبرده هيكون بسببي انا والله ما اعرف انا عملتله اي علشان يعمل علشاني اكده."
ضمها صخر إليه بقوة يحتضن ضعفها وضعفه في آنٍ واحد وهمس قرب أذنيها:
"مش هخلي حد يقربلك تاني... ولا يوجعك تاني... انتي خلاص بجيتي مني."
رفعت قدر رأسها نحوه وعينها تبحث عن الأمان في عينيه.
فاقترب منها وقبّل جبينها ثم شفتاها قبلة بطيئة مشحونة بكل ما لم يقال وكل ما كان مدفونا في القلب منذ زمن.
لكن فجأة انفتح الباب بعنف ودخلت عنبر والقلق يملأ وجهها فرددت بحده:
"ادم اتصل بيك كتير وبيجول انه مستنيك في المكان ال اتفجتوا عليه بس اتت شكلك مش فاضي."
تنهد صخر بضيق وابتعد عن قدر التي سارعت لتجفف دموعها وقلبها يخفق بشدة كأن اللحظة التي انتظرتها كثيرًا قد خطفت منها قسرا من جديد.
ونهض صخر وذهب.
***
فاقتربت عنبر منها وعيناها مشتعلتان والغيرة تسبقها كاللهيب.
حتي تقدمت بخطوات عنيفة وهي تقول بصوت مرتفع:
"انتي عايزة إي تاني؟ مش كفاية ال حوصل بسببك؟! ابعدي عن صخر... صخر جوزي."
رفعت قدر رأسها ببطء وكأنها تخرج نفسها من عالم آخر وردت بنبرة خافتة رغم اضطرابها:
"صخر اتجوزك علشان أمه... مش أكتر."
ضحكت عنبر بسخرية واقتربت أكثر وقالت وهي تشير إليها بإصبعها:
"صخر نهايته هتكون على إيدك! انتي شر وأي حد بيقرب منك يا بيموت يا حياته بتبوظ.. ليه اكده... حرام عليكي ابعدي عنه بجا."
تراجعت قدر خطوة، ثم همست:
"انتي مش فاهمة حاجة انا و..."
لكن عنبر لم تترك لها فرصة لتكمل فقاطعتها بعنف:
"انا فاهمة كل حاجة... صخر بيضيع بسببك وأنا مش هسكت. انتي لعنة عليه ومكانك مش معاه.. انا بحذرك للمره الاخيره ابعدي عن صخر."
القت عنبر كلماتها ثم خرجت من الغرفة واندفاع الباب كانت أشبه بطعنة.
فـ وقفت قدر وحدها والدموع تنساب على وجهها بصمت وكأن العالم بأسره يغلق أبوابه في وجهها من جديد.
***
وفي لحظة صمت ثقيلة بعدما خرجت عنبر من الغرفة بغضب توقفت قدر في مكانها للحظات طويلة ولم تعد قادرة على تحمل المزيد من الأقاويل والاتهامات التي ألصقها بها الجميع.
كان قلبها مثقلاً بالألم والعينين مرهقتين من الدموع التي لم تجد مخرجا لها سوى الهروب.
وخطواتها ثقيلة وعيناها شاردة.
حتى اقتربت من الدولاب القديم و فتحته بخوف وكأنها تبحث عن شيء ينفذها من مصيرها المظلم.
وفتحت إحدى الرفوف الصغيرة في الزاوية لتجد شيئًا غريبًا ملفوفًا في ورقة.
فـ مدت يدها المرتجفة سحبت الكيس وفتحته بحذر شديد.
كان بداخل الكيس مادة بيضاء تشبه المسحوق.
فـ وقفت لحظة وهي تحدق في الكيس ثم رفعت يديها إلى وجهها وكأنها لا تصدق ما تراه.
لكنها شعرت فجأة بشيء غريب يدفعها نحو الورقة مرة أخرى.
فاقتربت من الكيس، وقبل أن تتمالك نفسها اخذت نفسا عميقا وشمت المادة البيضاء باندفاع كما لو كانت تبحث عن شيء يهدئ الألم الذي يشعر به قلبها.
كان شعورا غريبا وكأنها بدأت في الغرق في دوامة جديدة.. دوامة لا تعرف لها مخرجا.
كانت بداية طريق مظلم آخر مدخلا لم تفكر في العواقب حين بدأته.
ومع أول نفس شعرت بحالة من النشوة... حالة من الهروب عن الواقع.
ولكن في داخلها كانت تعرف تماما أن هذا بداية لشيء أكبر وأخطر.
وفجاه و
رواية ابن الصعيدي الفصل العاشر 10 - بقلم نور الشامي
كان آدم جالسا داخل سيارته يراقب باب بيت يمنى. لم يكن يدري كم من الوقت قد مر، لكنه كان على يقين أن الانتظار قد صار يحرق أعصابه أكثر مما يحتمل. فظل يطرق المقود بأصابعه بعصبية حتى لمحها أخيرا وهي تخرج من باب العمارة بخطوات مترددة تنكمش داخل نفسها وكأنها تهرب من العالم كله.
فانتفض آدم في مكانه وفتح باب السيارة بسرعة وانطلق نحوها قبل أن تفلت منه وردد بلهفة:
"يمنى.. استني لازم أتكلم معاكي."
توقفت يمنى مكانها دون أن تلتفت إليه. ظلت تحدق في الأرض وكأنها تخشى مواجهته أو مواجهة نفسها. فاقترب أكثر وردد بضيق:
"أنا غلطت... ولازم أصلح غلطتي."
رفعت يمنى عينيها نحوه أخيرا وفي نظرتها انكسار موجع، ثم تمتمت بمرارة:
"الغلط غلطتي أنا... أنا اللي استسلمت... أنا اللي ضيعت شرفي واستاهل كل اللي بيحصلي دا."
تجمد آدم في مكانه للحظة وكأن كلماتها صفعت وجهه قبل أن يهتف بعناد:
"هتجوزك والله هتجوزك وأصلح كل حاجة."
هزت رأسها رفضا وأجابت بصوت مختنق:
"انت هتتجوزني غصب عنك؟! أنا مش عايزة أكده... مش عايزة كل دا مش هتجوز واحد غصب عني."
اشتعل الغضب في عينيه وصرخ وهو يشير بيده بعنف:
"انتي بتهزري؟! إحنا غلطانين مع بعض... وانتي مش بنت. الموضوع مش بمزاجك أصلا هو إيه اللي انتي بتجوليه دا... انتي بتتكلمي كأننا كنا مرتبطين واتفصلنا. يمنى فووجي شوية من الغيبوبة اللي انتي فيها دي."
ارتجفت شفتاها لكنها لم تجد ردا، فتابع بصوت أشبه بالتهديد:
"أنا هاجي أتقدم لأهلك بالليل... جهزي نفسك."
ألقى آدم كلماته ثم تركها واقفة مكانها عاجزة عن الحراك وانطلق مبتعدا دون أن يلتفت خلفه.
وبعد فترة في مكان آخر نزل خليل من عربيته بخطوات ثقيلة وعيناه تقدحان شرا من الغضب المكبوت. كان قد بلغه ما حدث وجاء بنفسه ليضع حدا لكل شيء. وما إن دخل إلى الساحة الخلفية حيث كان الحرس ينتظرون حتى وقعت عيناه على كريم مكبلا بين أيديهم ورأسه مطأطأ كالفأر المذعور.
فتقدم خليل نحوه ببطء وكل خطوة منه كانت تحمل وعيدا ثقيلا، حتى وقف أمامه مباشرة وقال بصوت جهوري متحشرج بالغضب:
"كلب زيك يعمل أكده في حفيده الصعيدي."
رفع كريم رأسه قليلًا لكن نظرته المرتجفة خانته. فاقترب خليل أكثر وصاح وهو يكاد يخنقه الغضب:
"مين وراك؟ مين اللي باعتك أنا متأكد أن فيه حد ورا كل اللي عملته دا... اتكلم بدل ما جسما بالله العظيم هقتلك."
هز كريم رأسه بعناد وقال بصوت متهدج:
"مفيش حد ورايا... وحفيدتك كانت موافقة على كل اللي حاصل."
يكاد قلب خليل ينفجر من مكانه. فلوح بيده للحراس بأمر صارم:
"اضربوه."
وانهالت الضربات على كريم بينما خليل يصرخ:
"اخرس يا كلب... حفيدتي أشرف واحدة في الدنيا ولو غلطت فده علشان أمنت لواحد حقير زيك ووافقت تتخطبلك وأنا مكنتش راضي بيك من الأول."
تقدم خليل خطوة أخرى حتى صار وجهه قريبا جدا من وجه كريم وسأله بنبرة تحمل تهديدا صريحا:
"جول... مين تبعه؟!"
رفض كريم أن ينطق فتطاير الشرر من عيني خليل وبحركة خاطفة انتزع السلاح من حارس بجانبه وصوبه إلى رأس كريم مباشرة، صائحا:
"لو مجولتش دلوجتي... والله هقتلك."
ارتجف كريم وتراجع قدر المستطاع قبل أن يصرخ أخيرا باستسلام:
"رجوة... رجوة هي اللي ورا كل حاجة."
تجمد خليل مكانه لثواني. لم تصدق أذناه ما سمعه. ثم أشار للحراس بإشارة حادة قائلا بجمود:
"خلوه أكده من غير واكل ولا شرب."
أنهى خليل كلماته ثم استدار بعدها دون أن ينظر خلفه وغادر المكان وخطواته تضرب الأرض ضربا كمن يحمل فوق كتفيه نيرانا لا تنطفئ.
وفي مساء يومٍ جديد كانت قدر تدخل إلى غرفتها مع صخر بعد قضاء بعض الوقت بالخارج. وما إن أغلقت الباب خلفها حتى التفتت إليه وسألته وهي تخلع حجابها بتلقائية:
"هو آدم ويمنى اتجوزوا أكده فجأة ليه عاد؟"
توترت ملامح صخر للحظة لكنه أخفى ذلك بسرعة وأجاب بجفاء مقصود:
"أكيد حبوا بعض يعني علشان أكده اتجوزو بسرعه."
رمقته قدر بنظرة مشككة وقالت بهدوء وكأنها تحلل الموقف:
"بس أنا مش شايفة إن آدم حبها... دي حتى يمنى شكلها زعلانة ومكسورة وبعدين آدم كان بيحب ليلى... الله يرحمها... إيه اللي حصل فجأة أكده... هو فيه حاجة أنا معرفهاش ولا إيه؟"
لم يرد صخر بشيء بل اكتفى بخلع قميصه ورماه على الكرسي القريب قبل أن يقترب منها بخطوات بطيئة وهو يقول بنبرة رخيمة:
"ملناش صالخ بجا يا قدر... المهم إنهم اتجوزوا وخلاص. مش هنجعد نفكر طول العمر كل واحد حر في حياته."
جلس صخر على طرف السرير واضعا كفيه على ركبتيه بينما ظلت قدر تحدق فيه بتردد قبل أن تقترب منه وتسأله بصوت خفيض:
"طب وانت؟ إيه حكايتك مع عنبر؟ أنا مش فاهمة... انتوا متجوزين ولا إيه بالظبط اللي بيحصل بينكم؟"
رفع صخر رأسه نحوها وتلاشت الصرامة من ملامحه وهو يجيبها بهدوء:
"أنا معاها بس علشان أمي... وعنبر نفسها عارفة ده أنا مكدبتش عليها وإحنا هنطلق أصلا قريب جوي."
عقدت قدر ذراعيها أمام صدرها وقالت بضيق:
"بس ده غلط... انت لازم تعمل اللي يريح الحجة... كفاية عليك مشاكل بسببي لحد دلوقتي."
ابتسم صخر ابتسامة خافتة ثم نهض واقترب منها أكثر ورفع يده بلطف ليلمس وجنتها بأطراف أصابعه وهو يهمس بعينين تلتمعان بالصدق:
"أنا مستعد لأي مشاكل... لو هتيجي منك انتي فـ أنا موافق.. ياريت كل مشاكل الدنيا تبجي منك انتي يا قدر."
تورّدت وجنتاها لكنها لم تتراجع بل ظلت تحدق فيه بعينين مضطربتين ليقترب أكثر ويلمس شفتيها بقبلة دافئة مفعمة بكل المشاعر التي لم تعد بحاجة إلى كلمات.
وبعد فترة في بيت آدم كانت الأجواء مشحونة بالصمت والغضب. ووقف آدم في غرفته ينتزع قميصه بعصبية ويرميه أرضا بحركة حادة قبل أن يجلس على طرف السرير يدفن وجهه بين كفيه. ولم تمر لحظات حتى انفتح باب الغرفة ببطء ودخلت يمنى بتردد. وما إن وقعت عيناها عليه عاري الصدر حتى ارتبكت بشدة واستدارت بسرعة لتخرج، لكن يد آدم كانت أسرع وأمسك بمعصمها بقوة جعلتها تتجمد في مكانها وقال بصوت خشن مليء بالندم:
"متخرجيش... مش هينفع النظام دا... يمنى أنا آسف... والله آسف... لازم تسامحيني."
ظلت يمنى تحدق في الأرض ثم تمتمت بصوت متهدج وهي تحاول سحب يدها:
"أنا مش زعلانة منك... أنا زعلانة من نفسي... علشان ضيعت شرفي... علشان استسلمت ليك."
زفر آدم بقوة واقترب منها أكثر وقال بنبرة حازمة:
"خلاص يا يمنى... إحنا اتجوزنا... الموضوع انتهى."
رفعت يمنى رأسها فجأة وعيناها تلمعان بالدموع ثم صرخت بألم:
"إنت مش بتحبني.. أنا آسفة... آسفة إني حبيتك... علشان أكده رخصت نفسي... واستسلمت ليك بكل سهوله.. أنا حبيتك جوي معرفش ازاي وامتى وليه وأنا متأكده أنك بتحب واحدة تانية وجلبك متعلق بيها."
صدمته كلماتها بشدة لكنه لم ينطق فقط مد يده يمسح دموعها بإبهامه بلطف شديد وهو يهمس بندم:
"حقك عليا... والله حقك عليا بس غصب عني.. الحب مش بإيدي."
أبعدت يمنى وجهها عنه وهي تهمس بمرارة:
"متعتذرش... مفيش حاجة تتصلح... إحنا فترة... وهنطلق... وخلاص."
وبينما كانت تكمل كلماتها المرتجفة اقترب منها آدم فجأة وقبلها قبلة قصيرة تحمل كل الغضب والحزن في داخله. قبلة جعلت الدموع تتساقط بغزارة على خديها. ثم كأنه استفاق فجأة وابتعد عنها بعنف، ونظر لها بنظرة مشتعلة بالألم واستدار خارجا من الغرفة بخطوات ثقيلة وعصبية تاركا خلفه يمنى منهارة تبكي بصمت.
وفي صباح يوم جديد كانت الشمس بالكاد ترسل خيوطها الخجولة فوق أرض الصعيد حين وقفت قدر بعيدا خلف شجرة كثيفة تتوارى عن الأنظار وهي تراقب من بعيد خروج جدها خليل من المبنى القديم ذي الجدران المتآكلة.
كان الجد يسير بخطوات ثقيلة كأن هموما سوداء تكبل كتفيه، وقد بدا على ملامحه الغضب والوجوم. راقبته قدر بعينين مرتابتين وقلبها يضرب بين ضلوعها بعنف دون أن تدري لماذا. شيء ما كان يهمس لها أن أمرا خطيرا يحدث خلف تلك الجدران. وما إن ابتعد خليل تماما عن المكان حتى لم تتردد وركضت بخفة حتى وصلت إلى باب المبنى القديم ودفعته بحذر.
ودخلت، وعيونها تتلفت في الظلال الثقيلة ورائحة العطن والغبار تزكم أنفها. لكن شيئا آخر كان يسيطر على حواسها... صوت أنين خافت. فاتسعت عيناها بذهول حين اقتربت أكثر ولم تصدق ما رأته. كريم كان ممددا على الأرض وجسده ساكن والدم ينزف بغزارة من صدره. وشهقت قدر بقوة وتراجعت خطوة، الخوف يغمرها حتى ارتطمت بباب الغرفة.
وبعد فترة من الوقت هبط صخر من سيارته بخطوات متسارعة يكاد يقع من لهفته وصدره يعلو ويهبط بقوة كأن قلبه سبق خطواته. واندفع نحو الباب وكسره بعنف ودخل وهو يلهث وعيناه تجولان بارتباك حتى استقرتا على المشهد الذي جمد الدم في عروقه. كانت قدر ملقاة على الأرض، وجهها شاحب، عيناها غارقتان في دموع مذعورة، وكريم... لا حراك فيه.
فصاح صخر بصوت مبحوح:
"قــدر."
ألقى صخر كلماته وركض نحوها لكنها سبقته وألقت بنفسها بين ذراعيه تبكي بجنون وتتمسك به وكأنها تغرق وهي تشهق بكلمات متقطعة:
"صخر... أنا ضربته... بالسكينة... شكله مات."
شدها صخر إليه بقوة يكاد يسحقها بين ذراعيه وهمس قرب أذنها بنبرة غاضبة مرتعشة:
"اهدي... اهدي يا جلبي... كلب وراح يلا.. خلينا نمشي من أهنيه."
كان صخر يحاول تهدئتها وهو يربت على ظهرها يخفي رجفته بينما رأسه يعمل بسرعة. لا وقت للندم الآن. وجذبها من يدها مستعدا للهروب. لكن فجأة... توقف كلاهما فجأة حين ارتفع صوت حركة بالخارج. فالتفت صخر يحدق نحو الباب وتجمد الدم في عروقه للمرة الثانية حين رأى شخصا يقف هناك، يصوب سلاحه نحوهما. وفجأة... انطلقت رصاصة اصابت هدفها.