قولت أنا لازم أحافظ على نفسي من المكان المريب ده، ومفتحش الباب لأي سبب مهما حصل. حتى لو العمارة ملبوسة فأنا معنديش حل تاني. لحد بعد خمس أيام، وأنا طالعة على السلم، شوفته! هو نفس الشخص بنفس الملابس كمان مبدلهاش، كان واقف قصاد شقة، والشقة دي مفتوحة وفيها راجل خمسيني كده بيطلع الزبالة وبيحطها قصاد الباب. عيني لمحتهم، وعملت نفسي مش شايفة، وكملت طلوع وأنا بقول جوايا "يارب ما حد يشوفني".
ويادوب كنت عديتهم بكام سلمة، ولقيت الراجل الكبير بيناديلي ويقولي: "احمم.. أستاذة.. انتي الساكنة الجديدة؟ وقفت لحظات استجمع فيها شجاعتي، لفيت ضهري وقولتله بتوتر: "آه يا حاج، أي خدمة." رد وقالي بابتسامة بشوشة: "الله يحفظك يابنتي، أصل العمارة دي بيسكن فيها أشكال غجر، بس انتي باين عليكي بنت ناس ومتعلمة، ربنا يبارك لأهلك، لو أبوكي فوق قوليله يتعرف عليا أنا وحيد ونفسي ألاقي أي صاحب في العمارة الزفت دي."
اتعاطفت معاه على كلامه، فعلًا شكله بيدل إنه إنسان الوحدة أذته، لدرجة إنه بيدور على أي حد يكلمه حتى لو للحظات يكسر بيها صمت يومه. كان نفسي أتكلم معاه أكتر، بس نظرات الشاب الواقف مربع أيده على صدره كأنه متضايق من وجودي وترني، وخلاني أختصر الكلام مع الحاج وقولتله: "ربنا يأنس وحدتك يا حج، عن إذنك بقا عشان الجو متأخر وبيحصل حاجات مش طبيعية في الوقت ده." وطلعت جريت على السلم. دخلت شقتي. وفضل جوايا سؤال: هو الشاب ده مين!
وإزاي واقف مع الراجل كده عادي بدون ما يخاف منه ولا يعمل أي حركات نتنة ويخلع رجله. محبتش أهتم بالموضوع زيادة. وقلت أنا جاية هنا عشان أركز في دراستي وبس. وأي حاجة هتثير فضولي لازم أبعد عنها وأرتاح. الساعة اتنين بليل الباب خبط من تاني! كده كده ما كنتش نمت، كنت قاعدة على سريري بخلص بحث ضروري. أول ما سمعت صوت الباب كنت متأكدة إنه هو. فضلت ثابتة
مكاني وأنا بقول جوايا: "بعدين بقا في الجدع ده، مش هينفع يتنططلي في أنصاص الليالي كده، لو الجيران شافوه هتكون سمعة وحشة." حطيت خماري عليا. وخدت جردل ميه مليان، وخرجت. أول ما فتحت قمت رمياه في وش اللي بيرن. بس للأسف... طلع الراجل المسن هو اللي بيخبط. أول ما شفته غرقان وبينفض الماية من عليه وهو غضبان وبيقولي: "الله يجازيكي يابنتي، ليه كده، عملتلك إيه.. فين بابا أقوله على أفعالك الطايشة دي." حاولت أعتذرله أكتر من مرة.
وقولتله أن في أطفال مزعجين بيرنوا الجرس ويهربوا. ونزل عمو المسن بدون ما أعرف حتى هو كان جاي ليه. وقفت شوية أتابعه وهو نازل وبعتذرله وأنا في قمة حرجي، ومش عارفة إزاي عملت كده بدون ما أشوف مين على الباب. رجعت الشقة ولسه بقفل الباب، لقيت رجل حد منعتني إني أقفله! كأن حد هيدخل ورايا. كانت جزمة رجالي لونها بني. فتحت الباب وبصيت لقيته المرادي بيضحك وعلى وشه ابتسامة سمجة وقالي: "شفتي كنتي عايزة تجيبلي برد إزاي؟
بس ربنا ستر وجت في عم ممدوح وأنا لأ." كان إنسان بارد أوي. والطيش يتبرأ منه. بصيتله باشمئزاز وقولتله: "هو انت فاكر.." لف ضهره ومشي قبل ما أتكلم. بس... بس؟ بس ساب رجله مازالت واقفة قصادي عند الباب! برئت بعيني، وكنت لسه هصرخ، لقيته رجع وقالي: "معلش معلش، دايمًا بنساها." أنا مش فاهمة الشخص ده بجد ولا عفريت. أو يمكن ساحر وبيعمل حركاته عشان يطفشني!
رجعت مكاني ودماغي مش مهيئة لأي شيء غير إنه عيل مشعوذ أو ساحر، وله غرض من تخويفي ده كله. قررت أعمل حركة ذكية، يمكن تخلصني منه. تاني يوم في التدريب اتفقت مع واحدة صحبتي اسمها هدير إنها تيجي تقعد معايا يومين في السكن. هي كمان قاعدة في سكن خارجي وكانت بتشكيلي من البنات اللي معاها في الغرفة. وجود هدير هيحميني أكتر ويخليه يعرف إن ليا ناس ويبطل يتعرضلي. رجعت العمارة أنا وهدير. واحنا طالعين على السلم عمو المسن
خرج على صوت رجلينا وقالي: "معلش يابنتي لو اتعصبت عليكي امبارح غصب عني الماية كانت تلج." وبعدين بص لهدير وقالي: "العسل دي أختك؟ رديت قولتله: "آه أختي جاية تقعد معايا عشان عرفت إن في ناس بترخم عليا في العمارة وكده، أصلها محامية وتعرف تتصرف مع الأشكال دي." كنت بعلي صوتي في الكلام يمكن الشاب يسمعني. وبعدين طلعنا الشقة وفضلت منتظرة يحصل أي جديد. بس مفيش فايدة... كأنه لما عرف إن أختي موجودة خاف يتعرضلي.
فات اليوم الأول، والتاني نفس الأمر. مفيش حد بيخبط بليل ولا بيزعجني. طلبت من هدير تقعد أسبوع كمان. ونفس اليوم بيتكرر. عمو ممدوح كل يوم يقف يرغي معانا على السلم. ونطلع ننام ونعيد اليوم. لحد ما في يوم حوالي الساعة أربعة الفجر كده، سمعت صوت حاجة بتكركب قصاد الباب. كأن حد وقع، وبيكح بصوت عالي. اتنفزعت من نومي، فكرته رجع. قمت أبص من العين السحرية، لقيت عم ممدوح واقع في الطرقة قصاد الباب وبيحاول يسند نفسه.
فتحت الباب على طول وساعدته يصلب طوله. كان شكله متبهدل أوي ومش طبيعي. كأنه كان بيتخانق مع حد. حالته كانت وحشة. خفت أنزله شقته يجراله حاجة. دخلته عندي، وصحيت هدير تقعد معانا. شرب شوية عصير وبدأ يهدى. سألته: "انت إيه وقعك قصاد الشقة كده يا عم ممدوح؟ رد وقالي بصوت تعبان: "حكم السن يابنتي، لا بقدر اطلع ولا أنزل." هدير سألته بعفوية: "طب انت إيه بيطلعك فوق أصلا، انت مش ساكن تحت؟ سكت شوية وقالها بحزن:
"مش لاقي حاجة أعملها يابنتي، طول اليوم في الشقة لما بدأت أحس إنها تربة خانقاني، عايز أشم هوا ربنا، بطلع فوق السطوح أشم شوية هوا." كنت زعلانة جدًا على وحدة الراجل ده. طول عمري عندي كابوس من الوحدة. بخاف العمر يجري بيا وألاقي نفسي بين حيطان بطولي. مليش حد يفتكرني ولا يحن عليا. ويمكن ده السبب اللي بيخليني طول الوقت أعمل علاقات من الهوا، حتى لو راكبة مواصلة بتعرف فيها على ناس جدد.
بعد شوية وقت نزل عم ممدوح من عندنا لما ارتاح وقدر يسند طوله. وبعد ما مشي لقيت هدير بتقولي: "أنا مش مرتاحة للراجل ده، قلبي كده مقبوض منه ومش سلكان." بصيت لها وقولتلها: "عم ممدوح؟؟ يابنتي ده راجل رجله والقبر انتي بتقولي إيه! لكنها فضلت مصممة على رأيها، وطلبت مني أقطع وياه كلام ومقولوش عن أي معلومة عني زيادة حرص بردو. مرت الأيام. وهدير رجعت السكن بتاعها بعد ما اطمنت عليا والشاب اختفى تمامًا.
كنت راجعة العمارة حزينة جدًا بدون وجود هدير معايا، وحاسة إني مخنوقة وهرجع من تاني لوحدي في السكن أكلم نفسي. لقيت عم ممدوح فاتح باب شقته وحاطط كرسي برا قاعد عليه. أول ما شافني فرح وحاول يهزر معايا لما شاف وشي حزين ومش على عادتي. وعرف إن هدير مشيت واني زعلانة عليها. اقترح عليا أقعد أشرب معاه كوباية. فكرت شوية في الموضوع ولقيت إن ميجرالوش حاجة لو اتونسنا ببعض. سبقني عم ممدوح على جوا وهو مبسوط بقبولي لعزمته وبيهلل:
"يا ألف نهار أبيض.. والله البيت هينور يابنتي." بس قبل ما أدخل، لمحت الشاب خارج من باب أوضة في وش الباب ووقف يشاورلي بعلامة "لأ متدخليش". أول ما شفت الشاب ده قلبي اتقبض، بس معرفتش أهرب ولا أمشي. حسيت إني عايزة أعانده عشان أفهم هو عايز مني إيه! وازاي قاعد في شقة عم ممدوح بدون ما أحس! ناديّت على عم ممدوح وأنا بشاورله على الأوضة اللي واقف عندها وسألته: "عم ممدوح هي دي أوضتك؟ ناحية الأوضة وضحك وقالي:
"لا يابنتي، دي أوضة ابني الله يرحمه، كان مالي عليا البيت بشقاوته والمقالب اللي بيعملها فيا، بس ميغلاش على اللي خلقه." تفتكروا الحكاية خلصت، والشاب ده ابن عم ممدوح فعلًا، ولا له قصة تانية!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!