وصلنا السطوح لقينا عشة فيها باب خشبي كبير مقفول بقفل. الجارد اللي معانا فضل يزق في الباب بكتفه مقدرش يفتحه. قام سعد مطلع سلاحه وكسر القفل. ودخلت أنا وسعد أول اتنين. علشان نلاقي منظر ولا في الخيال! أوضة كلها خشب وخردة وكراكيب وزبالة كتير كأنها أوضة متتفتحش من سنين، وريحتها بشعة بشكل لا يوصف. وعلى الشمال مربع من الخوص يشبه عشش محاوطة الطيور رغم أن مفيش أصوات لوجود أي طير هنا.
الاوضة ريحتها كانت تشبه القبور والنفس فيها يقبض القلب. لوهلة افتكرنا أن السفاح ده بيضلنا ومفيش حاجة في الأوضة دي. لحد ما سعد قرب من العشة الصغيرة وقالنا: "اقفوا هنا هبص على حاجة". نزل سعد بنص جسمه يبص جوا العشة. وفجأة لقيناه وقع على ضهره وبياخد أنفاسه بالعافية وهو بيتنفض كأنه اتكهرب! جريت عليه أنا والمعلم رشوان والجارد نسنده ونشوف فيه إيه. لقينا منظر مستحيل إنسان يتخيله. جثتين... أيوا جثتين.
جثة متحللة على مرتبة قطن ومطبوعة فيها من شدة العفن. وجثة سليمان مرمية جنبه. لكن... لكن جثة سليمان سليمة. لسه بملامحه وهدومه اللي ظهر لي بيها. عرفته من الوهلة الأولى. المعلم رشوان متحملش المنظر ووقع من طوله. والجارد شاله على كتفه ونزل بيه. لكن أنا وسعد فضلنا واقفين متسمرين مكاننا. مش قادرين نقرب ولا قادرين نهرب. سعد كان باصص لصاحب عمره وهو مقهور ومش قادر يقف على رجله. وأنا عيني مبعدتش عنه لحظة.
أول مرة أتمعن في شخص كده. أول مرة أشوف سليمان أبو دم خفيف وبيخوفني في منظر مستحيل يتمحي من ذاكرتي ما حييت. جثة سليمان كانت غريبة. نايم ومستسلم جنب الجثة المتحللة. بس بينزف ولسه في دم بيخرج من رجله ودراعه. "هو مش المفروض الميت مينزفش؟ خصوصًا لو مات من تسع شهور! ده كان السؤال اللي قولته بصوت مسموع لسعد. وكأن سعد ماكنش شايف حاجة والحزن عمى عينه. وفجأة بدأ يركز وقالي: "ده صحيح بينزف! سليمان حي؟
جري عليه وحط راسه عند قلبه. سمع فيه نبض ضعيف أوي. شاله سعد على كتفه، ونزلنا نجري بيه على مستشفى. يمكن يكون له عُمر جديد ونقدر نلحقه زي ما لحقني هو. في المستشفى دخل سليمان عمليات. والمعلم رشوان دخل العناية. كانت لحظات قاسية وصعبة واحنا منتظرين خبر فراق حد فيهم. لحد ما خرج الدكتور من غرفة عمليات سليمان وقالنا أن حالته بدأت تستقر.
وان الجرح اللي في إيده ورجله كان مفتوح أكتر من مرة كأن كان في شخص بيحاول يعجزه وفقد دم كتير وعلى أثره دخل في غيبوبة مش عارفين ممكن يفوق منها إمتى. بس الحمد لله. سليمان مازال حي يرزق. استأذن سعد من الممرضة، ودخل بلغ المعلم رشوان أن ابنه لسه موجود وعلى أعتاب أنه يفوق من غيبوبته. ومن الخبر ده تاني يوم المعلم كان واقف على باب أوضة ابنه منتظره بلهفة أب استرد أغلى ما يملك.
كان بيصلي في المستشفى بصوت بكاء وحمد بيخلينا كلنا نبكي معاه. سعد كان متابع الجاردات أنهم يتحفظوا على عم ممدوح في مخزن خاص بيهم لحين عودتنا. وأنا كمان رجعت بيتي بلغت بابا بكل شيء مريت بيه. وانضم لينا في المستشفى من وقت للتاني يطمن على المعلم رشوان وسليمان. بس واضح أن موضوع سليمان هيطول حبتين. لأن فات أسبوع ومفيش جديد. لسه زي ماهو في الغيبوبة ومش حاسس بشيء. وفي يوم المعلم رشوان تعب شوية.
ضغط عليه سعد أنه يرجعه البيت يرتاح وأنا وهو نقعد ننتظر مع سليمان بداله. كانت حوالي الساعة عشرة بليل. بابا قالي خليكي في المستشفى معاهم ولما أخلص شغلي هاجي آخدك وأطمن عليه. كان سرير سليمان في نص الغرفة وسط الأجهزة. وأنا قاعدة على يمينه. وسعد على شماله في مقاعد خاصة للمرافقين. سألني سعد سؤال حيرني أنا شخصياً: "هو ليه سليمان ظهر لك إنتي بذات بروحه! يعني ليه مقدرش يجي لي أنا مثلًا ويعرفني".
الموضوع بالنسبالي كان فعلًا غريب، معرفش لأن روحه في العمارة مثلًا ولا لسبب تاني. سكت شوية وقولتله: "يمكن لأنه بيحبني زي ما قولت! حسيت ملامح سعد اتغيرت للغضب شوية وقالي: "يعني بيكرهني أنا؟ سمعنا صوت أنفاس تشبه الضحكة الصامتة وسطنا! بصينا ناحية سليمان لقينا وشه مبتسم! ده معناه أنه سمعنا؟ وسمع إني قولت بيحبني! بدل ما أفرح بخبر رجوعه لقيت نفسي بقول: "ينهار أزرق، ده فاق". وهنا بسمة سليمان كان ظاهرة أكتر. وبدأ يفتح عيونه
وهو بيبص لسعد وبيقوله: "دي هبلة يا عم بتتكلم معاها ليه". محدش فينا كان مصدق أن سليمان أخيرًا استرد وعيه. وبقا قادر يتكلم معانا ويهزر. محسيتش بفرحة زي دي في قلبي قبل كده. عمري ما حسيت بمعنى الفقد غير لما قابلته. بلغنا المعلم رشوان الخبر. ورجع على المستشفى هو وبابا والدنيا اتملت فرحة وبهجة من جديد. سليمان كان عنده أسئلة كتير. كأنه كان عايش في سجن ميعرفش حاجة عن العالم الخارجي.
لما عرف أن بقاله تسع شهور محبوس في أوضة السطوح ماكنش مصدق أنه مازال موجود واتكتب له عمر جديد. لما قدر يستجمع نفسه أكتر. قعدنا نسمع قصته. علشان نعرف هو إزاي وقع في إيد ممدوح، وليه سابه عايش مخلصش عليه من أول يوم. سليمان بدأ يحكي وقال:
"لما والدي بعتني القاهرة أخلص اتفاقية على بضاعة جديدة ناس رشحتها، كانوا هما اللي حجزوا لي السكن ده كاستضافة عندهم في القاهرة، بس ما كنتش أعرف إني هسكن مع سفاح مجنون بيتلذذ بعذاب اللي قصاده. أنا كنت برجع السكن عادي، واتصاحبت على ابن ممدوح، كان شاب محترم جدًا جدًا صادفته كام مرة وساعدني أعرفني حاجات في المنطقة، بس كان واضح أن بين الشاب ده وأبوه مشاكل كبيرة، لأني كنت بسمعهم كل يوم بليل بيزعقوا قصاد بعض. وفي مرة لقيت
'عصام' ده طالع لي وفي حالة غضب رهيبة، لما سألته حصل إيه قالي أن عم ممدوح مد إيده عليه، وأنه خلاص مش متحمل القرف اللي بشوفه في بيته من يوم ما اتولدت وعايز يمشي ويستقل بنفسه. لما لقيته شاب محترم كده مش راضي عن أخطاء والده قررت أساعده، وقولت له 'خليك معايا هنا في السكن ولما أسافر المحلة هاخدك معايا أشوف لك شغلانة كويسة تبدأ بيها'. بس ما كنتش أعرف أن أبوه بيتصنت علينا.
لما سمع أن ابنه بقا عنده الشخص اللي يعتمد ويتسند عليه، انتقم منه ومني. رجعت من برا في يوم ملقتش عصام في الشقة، قولت يمكن نزل مشوار كده ولا كده بس مرجعش لآخر الليل. جه في دماغي أنه اتصالح مع أبوه خلاص، ونزلت علشان أطمن عليه، لقيت عم ممدوح تعبان وفي حالة وحشة. ساعدته وقعدت أتكلم معاه. وشربنا الشاي سوا. وده اللي خلاني أفقد الوعي فجأة. وصحيت لقيت نفسي نايم في عشة جنب جثة عصام المقتول.
وأيدي ورجلي مش قادر أحركهم ولا أتحكم فيهم. ودخل عليا عم ممدوح يومها قعد يضحك زي المجنون وقالي 'مش انت وعدته تسنده وتخلي بالك منه، خليك جنبه بقا على طول.. اهو تونسه وتخلي عينك عليه'. كان إنسان مش طبيعي مينفعش يتقال عليه إنسان عمومًا. عافرت كتير. كنت بزحف على ضهري وأقعد أخبط على الباب يمكن حد يسمعني وينجدني. بس شبه اعتدت الحياة لما يأست.
كنت كل ما بسترد صحتي بيجي ممدوح يكمل عليا من جديد علشان يضمن أنه هيفضل يتحكم فيا ويعذبني أكبر وقت ممكن. دخلت في حالات إغماء كتير بسبب تحلل جثة عصام جنبي. وكنت بقوم ألاقي ممدوح سايب لي أكل متعفن جنبي بالأيام. كنت بغصب على نفسي وبأكل منه. يمكن يجي الوقت اللي يحس بوجودي شخص. لحد ما في مرة فوقت على وجع لا يحتمل. لقيت ممدوح بيقطع في رجلي وقافل بوقي بقماشة علشان ميطلعليش صوت. عافرت بكل قوتي معاه.
بس ما كانش فيا صحة ولا حيل أقامه. غبت عن الوعي المرة دي مدة طويلة. لدرجة إني افتكرت نفسي خلاص مت وأنها كانت آخر نظرة ليا في الدنيا. ممدوح كان بيزود في التعذيب تقريبًا لما سكنت شيرين، علشان معملش أي صوت وتحس بوجودي، زي ما كان بيعمل مع أي وصول أي ساكن جديد." انتهى سليمان من كلامه. والكل مش قادر يستوعب قصته. معقول في أب يعمل في ابنه كده! وكل ده علشان خرج عن طوعه ورفض عيشته؟
المعلم رشوان خد سعد وقال لسليمان أنه هيروح يسلم ممدوح للحكومة بإيده بعد ما يشفي غليله فيه. ومبقاش غيري أنا وبابا اللي نام من تعبه على الكرسي. فضلت قاعدة ببص لسليمان وأنا مش مصدقة أنه قدر يعيش بعد كل العذاب اللي اتعرض له. قربت من سريره شوية بعد ما خدت قرار أني لازم أسأله أهم سؤال لسه ملوش معنى: "اشمعنا ظهرت لي أنا!! وإزاي كنت بتخلع إيدك ورجلك، وهل كنت دريان وانت بتعمل ده ولا مش فاكر اللي حصل؟
بس سليمان كان وراه لغز مش مفهوم بيخفيه ورا ابتسامته وقالي إجابة مختصرة بس عميقة: "عصام كان صاحب جدع".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!