نزلت شغلي في اليوم التالت. ومع أول ساعتين جالي اتصال من شيرين بتصرخ وبتقولي: "سليمان.. ألحقني" أول حاجة جت في بالي صورة الطفل المشوه أبو دماغ مقسومة، أنه ظهر لها أو بيأذيها. حسيت برعب مش طبيعي. وأجريت من مكاني ومن جوايا بتمنى لو كنت بطير عشان متأخرش عن إنقاذها ثانية. لو جرالها حاجة هكون السبب، أنا اللي دخلت نفسي في المشاكل دي كلها من بداية ما ساعدت عصام ودخلته حياتي.
وصلت البيت بعد كام دقيقة باخد أنفاسي فيهم بصعوبة ومش حاسس بروحي. فتحت الباب ودخلت بنادي عليها: "شيرين.. شيرين انتي فين؟ أنا جيت لك أهو" مش لاقيها. لكني سامع صوت عياطها وأنفاسها. بتتشحتف وبتحاول تناديني ومش قادرة. مشيت ورا الصوت، لحد ما دخلت البلكونة. كانت قاعدة في الأرض منكمشة وعيونها حمرا ومخضوضة. فضلت جنبها بحاول أهديها وأفهم منها حصلها إيه في غيابي. وبعد شوية بدأت تهدى وقالت لي: "سعد.. سعد كان هنا، أنا شوفته"
سعد صاحب عمري! ماكنتش فاهم حاجة، وقولت لها بانفعال: "وسع إيه جابه وأنا مش موجود؟ هزت دماغها وهي بتمسح دموعها وقالت لي: "لا لا مجاش.. أنا كنت في الحمام بحط الهدوم في الغسالة، وحسيت بصوت كركبة برا. بحسب قطة دخلت البيت بالغلط فطلعت أبص، لقيت سعد شايل شنطتين كبار في إيده الاتنين وماشي في الطرقة قصادي من غير ما يبص لي ولا كأنه موجود في بيتي ورايح يفتح آخر أوضة بتاعت الأطفال. ولما
اتخضيت من وجوده وقولت له: 'انت بتعمل إيه هنا؟ '، لف ضهره وبص لي وهو مبرق وفجأة اختفى خالص زي البخار." معرفش شيرين بتهلوس وشافت حاجة من إرهاقها معايا امبارح، ولا كانت بتحلم ومش قادرة تفرق بين الواقع والأحلام! كان عندها تفاصيل كتير بتثبت أنها فعلًا شافت سعد. وصفت هدومه والخاتم اللي في صباعه وكل شيء.
وعشان أريحها وأخليها تبطل خوف، اتصلت بسعد قولت له يجي لي البيت ضروري، على الأقل لما التلات أطراف يتجمعوا هنقدر نحلل أحسن اللي بيحصل حوالينا. بعد نص ساعة وصل سعد، وفهمته الموضوع. أول ما شافتُه شيرين فضلت تعيط وتقول لي: "لا ماكنش لابس كده.. كان لابس جلابية رمادي وجزمة سودا." ولما ركزت فيه شوية صرخت فجأة كأنها اكتشفت حاجة جديدة وقالت: "الخاتم.. الخاتم أهو في إيده يا سليمان." سعد بص في إيده وقالي:
"ده خاتم أبويا الله يرحمه، مانت عارف يا سليمان.." للحظة كده دماغي بدأت تستوعب حاجة اتمنيت لو تطلع غلط، وطلبت من سعد يطلع آخر صورة لأبوه على تليفونه. وكانت الصدمة لما شيرين شافت الصورة وفضلت تترعش وتقول: "أيوه.. هو ده.. هو ده اللي شوفته والله يا سليمان.. نسخة من سعد وبنفس الهدوم دي." حطيت إيدي على دماغي ومبقتش فاهم شيء. إيه دخل أبو سعد دلوقتي في حياتنا؟ وليه ظهر لشيرين؟
كل حاجة بعيدة عن بعضها وملهاش مفهوم ولا رابط بينهم. كان الحل الوحيد أني آخد شيرين تقعد في بيت أهلها شوية لحد ما الأمور تتضح أكتر وأحفظها بعيد عن أي أذى صاب بيتنا. رجعتها عند أهلها، ورجعت لوحدي البيت. بس على حوالي الساعة عشرة لقيت سعد بيتصل بيا وبيقولي أنه جاي ومحتاج يتكلم معايا ضروري. قولت أقوم أحضر أي لقمة نتعشى بيها سوا. ودخلت المطبخ أنكش في التلاجة. ماكنش في غير طبق لحمة لسه مستوتش.
تقريبًا شيرين كانت مطلعاها تفك قبل اللي حصل. فخدتهم وعلقت عليهم يتسلقوا، وقعدت برا منتظر سعد يجي لي، ومن تعبي غفلت شوية ونمت. صحيت على جرس الباب، كان سعد وصل. وداخل على وشه علامات استفهام كتير. كأنه متوتر. أو مهموم. عشان أفك الجو شوية بينا، قولتلُه: "قبل أي كلام أنا جسمي مكسر وواقع من الجوع، قوم اطفي ع اللحمة وحطلنا ناكل." قام سعد بهدوء. دخل المطبخ. وسمعت صوت غريب من سعد. كأنه بيصرخ وهو مكتوم أو بيتعذب.
جريت لقيته واقف باصص في الحلة وعينه مبرقة وعمال يترعش ولسانه متلجم. مبقتش فاهم حاجة. مليون حاجة بتحصل ملهاش مفهوم. بقيت بهز فيه وأضربه عشان يفوق من الصدمة ويكلمني، وهو على نفس حاله. بصيت في الحلة كانت عادية ومفيهاش حاجة تخوف. شديت سعد برا المطبخ بالعافية ورميت مية على وشه عشان ييفوق وقولت له: "يابني انطق في إيه لكل ده؟ كان بيقطع في الكلام، وقال: "د د د د....
دي مش لحمة.. د د دي كانت نص دماغ عيل.. أنا أنا أنا شوفته.. كان نص وش وبيتحرك يا سليمان بيتحرك." الطفل تاني! طب وليه ظهر لسعد المرادي؟ ليه مصمم يخرب عليا كل حياتي؟ قمت أدور عليه في البيت كله بغضب وأنا بناديه يمكن يتجرأ ويظهر لي أنا كمان. كنت بقوله: "انت مين.. أظهر وقولي انت مين.. حياتي بتبوظ بسببك.. انت عصام وبتأذيني.. هي دي آخرة المعروف اللي قدمتهولك.. أظهروا وعرفوني انتوا مين بالظبط." سعد كان بيشدني وبيقولي:
"اقعد.. اقعد عايزك.. أنا أعصابي خلاص مش هتتحمل أكتر من كده." قعدت وحطيت إيدي على دماغي من كتر التعب. خلاص أعصابي هلكت من الألغاز. سعد طبطب على ضهري وقالي: "أنا جيت لك هنا عشان أبلغك بحاجة قالهالي أبويا وهو في فراش الموت.. بس ماكنتش عارف امتى يجي وقتها.. بس طالما ظهر لمراتك يبقى أكيد ده وقت كشف كل حاجة." انتبهت لكلامه، وبدأت أستمع له أكتر وأنا باصصله رغم أن حصلت حاجة عجيبة وقتها بس قررت مقطعش كلامه وأسيبه يكمل. وقالي:
"أبويا وهو بيموت قالي أنه شايل حمل تقيل على قلبه ومش هيقدر يقوله لأجل أخوته مع الحج رشوان.. بس هيجي يوم واكيد السر ده يتعرف لما يكبر سليمان ويفتش في صندوق أبوه اللي تحت السرير.. ولو ده حصل، بلغ سليمان أن باقي اللغز موجود في بيته وفي بيتي القديم بتاع القاهرة." سألت سعد بانتباه: "بيتكم انتوا بتاع القاهرة؟ هو انتوا ليكوا بيت هناك؟ رد سعد وقالي: "آه.. بس من طفولتي معرفش حاجة عنه ولا سافرت أطل عليه حتى."
في الوقت اللي بيتكلم فيه سعد ده كله، أنا كنت شايف عصام واقف ورا الستارة وبيشاور لي أني مركزش معاه ولا أوضح وجوده. وعشان كده عملت نفسي مش شايفه، وكملت مع سعد للآخر. وبعد ما خلص عصام شاور لي على أوضة الأطفال عندي وقالي: "هنا الخطوة التانية.. روح بيت أبوك وجيب الصندوق الأول." خدت سعد، ونزلنا رحنا بيت أبويا. والحمد لله كان في شغله ومش موجود. دخلت مع سعد أوضة أبويا لأول مرة من وراه زي الحرامية.
وطلعت الصندوق اللي ورا مرة جالي فضول ناحيته. لأني بعتبره خردة قديمة والحج محتفظ بيها كذكرى. معرفش أني هلاقي جواها أسرار لأول مرة أعرفها. الصندوق كان مقفول بقفل صغير، قدرت بحتة حديدة أكسره بسهولة. وبدأنا نفتش أنا وسعد فيه. كان الصندوق فيه أوراق وشهادات ميلاد قديمة. وشوية صور. من ضمن الأوراق لقيت شهادة ميلاد باسمي "سليمان رشوان عز العزيز"، بس الكارثة أنها كانت بتاريخ يسبقني بعشر سنين!
وصور لأمي وأبويا في عن شبابهم، مع طفل ملامحه مش طبيعية، كأنه حامل لمرض أو متلازمة معينة مخلياه طول الوقت تايه وغير منتبه كأنه لعبة صامتة مشوهة. ولما ركزت شوية في صورته. اكتشفت أن ده نفس الطفل المشوه اللي ظهر لي جنب شيرين وهي نايمة! نفس الملامح والشكل والعُمر. سعد بدأ يربط معايا الأحداث والخيوط وقالي:
"أكيد الطفل ده أول عيل لأبوك، ولما اتولد مشوه اتخلصوا منه عشان الفضيحة.. لأن لو العيل ده مات موتة طبيعية ماكنش أبوك خفاه عنك ولا دفن سيرته وياه! ولا كان ظهر لك دلوقتي عشان ترد له حقه." مش فاهم حاجة. حق إيه! وهعمل إيه لو اكتشفت أن أبويا مجرم وقتال أخويا الوحيد! طول عمري بخاف من المجهول. ومحبش أجري وراه. لأنه دايما بيظهر لنا أجزاء الشر كلها. وباب مقفول لو اتفتح هتكون بداية للجحيم.
كنت تايه بين الصور والذكريات والحقايق اللي قررت تظهر كلها دلوقتي، لحد ما سمعت صوت أبويا ومعاه حد من صحابه في الصالون تحت! أنا وسعد ارتبكنا لانتكشف، ورجعنا الصندوق مكانه بسرعة. بس خلال ما بنخفي كل آثار وجودنا اتفتحت البلكونة بعنف كأن في عاصفة أو برق ضربها بقوة. ودخلت علينا هوا شديد بقينا نستخبى في بعض أنا وسعد من شدته. ومجرد ما هديت العاصفة دي، شوفنا الطفل الصغير ماشي قصادنا ورايح ناحية البلكونة!
كان ماسك كرسي بلاستيك صغير بيسحبه للبلكونة، ودخل وقف عليه وهو بيحاول يوصل للمطر ويلمسه بإيده ويلعب زي أي حد في سنه، بس خانه اتزانه وفجأة وقع قصاد عينينا! كان المشهد قديم وغريب. كأنه حاجة من الماضي بتتكرر قصادنا دلوقتي. جرينا بصينا من البلكونة. لقينا أبويا وأبو سعد الله يرحمه وأمي حوالين الطفل اللي دماغه اتقسمت نصين ومغرق الأرض دم. وأبويا بيلوم أمي أنها سابته يطلع فوق عند الأوض لوحده، وعم حامد أبو سعد بيقوله:
"ده قضاء وقدر يا رشوان.. الواد ده كان هيعيش طول عمره بالعار.. لا هو ابنك ولا كان ينفع تسجله باسمك.. الله يسامحها أختك اللي عملت في نفسها كده وهربت مع عيل ضحك عليها وكانت النتيجة طفل ملوش أب.. انت عملت اللي عليك كل السنين اللي فاتوا، وربيته وكتبته على اسمك وطلعته في بيتك من غير ما حد يشم خبر عنه، وأهو راح للخلقة برضو من غير ما حد يعرف بوجوده.. استر الفضيحة وخلينا ندفنه بعيد عن هنا ونقفل الصفحة دي خالص.. أنا عندي بيتي في القاهرة مقفول، هعمله له كأنه تربة خاصة بيه ويتقفل الحوار كله."
يعني الطفل ده مطلعش أخويا! وطلع مجرد غلطة من عمتي عشان كده أبويا محضرش عزاها ولا سامحها؟ وبرغم بشاعة المنظر وكل الأحداث حواليا. إلا أني كنت بشكر ربنا أن أبويا مطلعش مجرم زي ما فكرت. فضلت واقف أنا وسعد في البلكونة بنشوف باقي اللي حصل. عم حامد جاب شنط وبدأ يحط فيها الطفل عشان يداريه ويسافر يدفنه زي ما قال. بس بعد ما خلص معرفش إزاي ملاحظش أن في حتة من دماغ الطفل مفصولة منه ومحطوطة وسط الدم مش واضحة. وبعد ما مشي عم حامد.
أبويا لاحظ الجزء الناقص من دماغ الطفل وخده في جلابيته ودخل البيت. لسه بلف وشي عشان أنزل أشوف أبويا وداها فين، لقيت عصام في ضهري مبتسم وبيودعني وهو بيقول لي: "أنا كده وريتك سر عن حياتك ومهمتي خلصت يا صاحبي.. متنساش تدعي لي وتفتكرني." واختفى! سعد لاحظ أني وقفت فجأة. وسحبني من دراعي وهو بيقول لي: "مش وقته يا سليمان اتحرك بسرعة لازم نعرف أبوك ودا فين الباقي من الواد.. ده سبب ظهوره." وخرجنا بسرعة من الأوضة.
نزلنا الدور اللي تحت. بس ملقيناش حاجة! كل حاجة كانت مطرحها والبيت فاضي علينا زي ما جينا. عرفت وقتها أن مهمة عصام انتهت. وإني مش هقدر أشوف حاجة من الماضي تاني. أنا وسعد فضلنا ساكتين لحظات. وبعدين افتكرت حاجة مهمة وأنا بقول له: "انت مش قولتلي أن أبوك بلغك أن باقي اللغز موجود في بيتي وفي بيتكم القديم؟
"معنى كده أن بيتكم القديم فيه جثة الطفل، والباقي منه في بيتي أنا لما كان لسه طوب أحمر زمان.. أكيد حطوا الحتة دي عندي أنا عشان يخفوها." سعد أكد على كلامي وقالي: "مظبوط.. إحنا لازم نلاقي الجزء ده ونرده للطفل عشان يرتاح." ورجعنا في سرعة البرق شقتي. ودخلت آخر أوضة شيرين قالت عليها لما شافت عم حامد داخلها. بدأنا نفتش على مكان ينفع نحفر فيه وميكونش من عوايد العمارة.
وعيني وقعت على مكان في الحيطة يشبه الرف أو المسند كده، من أول ما بدأت تشطيب وأنا مش عارف إيه لازمته بس خوفت أكسره يأثر على حاجة في الحيطان، وقررت أخليه رف بنحط عليه المصحف بتاعنا. شيلت كل حاجة من عليه. وبدأنا نكسره أنا وسعد بعزم ما فينا. لحد ما وقع على الأرض. وظهر من جواه طرف قماشة بيضا. أتأكدنا وقتها أن ده الجزء المفقود. وقولت لسعد ياخدنا القاهرة لبيتهم القديم عشان نرد الحق لصاحبه. كنا طايرين بالعربية.
وطول الطريق قطعة الأسمنت بالقماشة محطوطة على رجلي. وبقرأ له قرآن. وسبحان الله. من بعد ما كنت مرعوب منه. بقيت مقهور على الظلم اللي اتعرضله وهو بريء مش داري بحاجة. وصلنا بعد وقت كبير بسبب أن سعد حافظ العنوان بس توهنا حبتين، وكانت خيبتنا الأكبر لما لقينا البيت مهدود ومش متبقي منه غير سور في نص الشارع واتحول المكان لمقلب زبالة لأهالي المنطقة. "انت متأكد يا سعد أن ده العنوان بتاع بيتكم؟
_والله هو، كان مكتوب في بطاقة أبويا القديمة قبل ما ننقل للمحلة واهي جبتها معايا عشان أكدلك، مكتوب القاهرة _بير أم سلطان _١٧ شارع ال###### كان المفترض علينا إننا نرجع ونستعوض ربنا. بس قبل ما تتحرك بالعربية شوفته! شوفت سليمان الصغير. كان واقف فوق الزبالة في نقطة معينة وبيشاور لي بإيده على الأرض كأنها بيقول لي: "أنا هنا.. متمشيش."
وقفت سعد، وقولت له أننا مضطرين نفضل في المكان لحد بليل لما الناس حركتهم تقل ونقدر نشيل الزبالة ونرجع للطفل الجزء بتاعه. معارضنيش. وفضلنا رايحين جايين في المنطقة لحد قرب الفجر. لما الدنيا سكتت خالص. قربت مع سعد وشاورت له على المكان. بدأنا نحفر أنا وهو ونشيل أكوام الزبالة. لحد ما وصلنا لحتة خشبة مستطيلة، رفعنا الغطا بتاعها ولقينا الأغرب من كل اللي فات. شعر مجعد كثيف لست مدفونة في نفس المكان!
جلدها زي اللحم المتعفن في التلاجات، وعيونها حواليها زرقان شديد.. وشفايفها سودا ورفيعة. فتحت عيونها وهي بتمد إيديها ناحيتنا وبتقول لنا: "البير هنا كله مظاليم.. لو حطيت العضمة جنب أي جثة فينا هتظهر لك عشان تجيب حقها هي كمان.. أحسن لك تمشي وتقفل على سرنا كلنا." حكايات بير أم سلطان كتير. ومليانة مظاليم زي ما قالت خالتي الجثة. لو عايزين تكملوا باقي حكايات الجثث دي، وليه اجتمعوا في بير أم سلطان بالتحديد!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!