وقفت امرأة من الجمهور وصرخت قائلة: اسمحوا لي أن أتحدث، لن أبقى صامتة أكثر من ذلك، يجب أن أقل الحقيقة. نظرت لها المقدمة وقالت: تفضلي سيدتي.
وأشارت إلى أحد العمال بإعطائها مكبر صوت. فزعت هيام، فهي إحدى العاملات بالمصنع وقد قدمت لها الكثير من المساعدات. وعرفها محمد هو الآخر وتذكر أنه رآها في المستشفى عند والدته، ففهم أن هناك أمراً مدبراً للتشهير بهما. وقفا ينتظران ما ستقوله، وكأنهم ينتظرون نطق القاضي بحكم الإعدام عليهما. كانت حنان وطارق وزوجهم يجلسون يشاهدون الحلقة. وكاد عقلهم يطير، كيف تفعل ذلك ومن تكون هذه المرأة؟
تعلقت أعينهم جميعاً بشاشة التلفاز وقلوبهم تكاد تقف من الرعب. بدأت المرأة تتحدث والكل ينصت لها وهي تقول:
الحقيقة أني أعمل مع السيدة هيام منذ فترة، ولم أر منها إلا كل خير، فهي تساعد الجميع، ولا تتكبر علينا بل تعاملنا كأنها واحدة منا. ومنذ عدة أيام تعبت والدتي وكادت تموت، أتت لزيارتها ودفعت كل تكاليف المستشفى، وجعلتني أبقى معها حتى تشفى دون قطع راتبي. وعندما عدنا للمنزل أحضرت لنا الكثير من الطعام، وقالت إن هذا هدية منها لنا. ولم تتحدث مع أي منا عن دينها على الإطلاق، أو حتى أساءت لدين أي منا، بل على العكس، إذا أخبرها أحد أن لديه طقوساً دينية وتأخر بسببها لا تعاقبه، وتكتفي بإنذاره فقط كي لا يتخذها العذر حجة فيتعطل العمل.
صمتت المقدمة، فهي كانت تظنها ستقول كلاماً آخر. أخذت نفساً وزفرته وتصنعت ابتسامة قائلة: إن كانت تفعل ذلك، فنحن نرحب بها بيننا وندعو الجميع أن يكون مثلها. (نظرت لهم) وانحني لكِ اعتذار عن ما قلت، وأتمنى أن يكون كل شخص صورة جيدة لدينه مثلك. نظرا لها الاثنان وهما في حالة ذهول، فقد برأتهم من كل ما قيل بشهادتها. ابتسم محمد قائلاً: ونحن نقبل اعتذارك ونشكر السيدة على شهادتها في حق هيام. هزت هيام رأسها هي الأخرى:
وأنا أيضاً أشكرك واعتبر أن الأمر قد انتهى. وقف الجمهور تحية لهم وصفق الجميع. خرجت المقدمة أولاً وهي تشعر بغضب شديد. وخرجا هما الاثنان أيضاً. ذهبا إلى منزل أمجد. استقبلهم أمجد بسعادة قائلاً: لم أتوقع حدوث ذلك، لقد بيضتم وجهنا جميعاً. ابتسمت هيام: تعرف، فرحت قوي في المذيعة دي وهي خارجة، بعد ما ربنا كسفها قدام الكل. ضحك محمد: الحمد لله إن نصرنا عليها، لكن ما لم أفهمه موقف هذه العاملة، لما فعلت ذلك؟ أمجد متحيراً:
أنا أيضاً أشعر أن الأمر لم ينتهِ على ذلك. هيام: بس خدت بالك المذيعة أول لما قلت كلمي بابا أو الدادا غيرت الكلام وسكتت. محمد: هذا صحيح، فيبدو أنها تعلم أنها ستقول الحقيقة. فأنا أحبها لأنها امرأة صادقة وتحبني كثيراً، هي الوحيدة هناك التي تستقبلني وتتحدث إلي. ربتت على كتفه: لا تحزن، نحن جميعاً معك. ابتسم محمد: أدامكم الله لي. رن هاتف هيام. نظرت به قائلة: حنون، أكيد كانت بتتفرج على البرنامج. فتحت الهاتف أجابتها حنان:
حبيبي يا ناس اللي مكسر الدنيا وكايد الأعادي. مازحتها هيام: تقوليش عنتر يا أخي. (ضحكت) إيه يا بنتي الكلام الكبير ده. ضحكت حنان: أقل من اللي تستحقه، أنتِ طيرتي جبهة الولية الحيزبونة دي، ده أنا كنت عايزة أنط من الشاشة وأديها بوكسين في وشها. ضحكت هيام: متقلقيش، ربنا وكّسها من عنده وعلى لسان واحدة منهم. فكرت حنان: بس مش غريبة اللي عملته الست دي؟
أول ما اتكلمت أنا قلت خلاص الدنيا خربت، ولما قالت اللي قالته أنا تنحت صراحة مكنتش مصدقة. حتى طارق من فرحته سجد شكر لله. هيام: لأ، هي مش ساجدة واحدة، أنا هصلي ركعتين شكر لله. حنان: ألف مبروك، هسيبك بقى عشان اتأخرنا في النوم. كنت مستنية البرنامج يخلص، سلام. أنهت معها هيام المكالمة ونظرت إلى أمجد ومحمد اللذين كانا يستمعان للمكالمة. نظر محمد إلى أمجد معاتباً: لما لم تخبرني أن الشقة لك عندما دخلتها؟ أخذ أمجد نفساً وزفره:
لم أرد أن أضايقك، وأيضاً أنا أؤجرها، فما الفارق إن كان أنت أو شخص آخر. محمد: معك حقك، وعموماً أشكرك كثيراً على هذا. نكزه أمجد في كتفه: لا تقل ذلك مرة أخرى وإلا غضبت منك. رن هاتف أمجد. نظر به قائلاً: هذا عادل، متأكد أنه يريد الاطمئنان عليكم. فتح الهاتف وشغل مكبر الصوت: أهلاً يا عادل، أنا عارف إنك عايز تطمن عليهم، أهم معاك، اتكلم. عادل:
أنا فعلاً كنت بتابع البرنامج ومش أنا بس، كلنا هنا وكنا فخورين جداً بيكم، فعلاً رفعتوا راسنا. ضحكت هيام: ربنا ما يحرمني منكم أبداً يا رب، معلش بقى سهرناكم. عادل: عيب الكلام ده، لو كان ينفع كنا جينا حضرنا معاكي في الاستوديو، مش بس تابعنا. أمجد: قد القول يا عادل. محمد: أشكرك جداً يا عادل، فاهتمامك هذا ذو قيمة عالية جداً لنا. خبط عادل على رأسه قائلاً: يا خبر، لقد نسيت أنك لا تفهم العربية، أعتذر. محمد:
لا داعي لذلك، أصبحت أفهم الكثير منها، وسأتعلمها قريباً. عادل بسعادة: هذا رائع، وبصراحة هيريحنا لأن الواحد بيتلخبط. ضحكوا جميعاً. وبعد أن انتهوا، عاد محمد وهيام إلى شقتهما. ولكن كان بداخله يتألم، فهو متأكد أن الأمر لم ينتهِ، ولكن والدته غيرت خطتها. وفهمت هيام أيضاً، هذا قد لا يكن أكثر من هدنة لبعض الوقت.
مر بعض الوقت والوضع هادئ تمام ولم يعد أحد يضايقهم. كان هذا يثير قلق محمد كثيراً ويجعله أكثر حذراً. لاحظت هيام أن محمد لم يعد يشتري الهدايا لوالدته كعادته. انتظرت أن يتذكر، ولكن دون فائدة، فقررت أن تتحدث إليه. اقتربت منه قائلة: محمد، هل لي أن أسألك على شيء؟ ابتسم: طبعاً حبيبتي، اسألي ما تريدين. قالت ببعض الدلع: هو انت ليه بطلت تجيب هدايا لمامتك؟ عبس ونفخ:
هي لا تريدها وقد مللت من دفع نقود بلا طائل، أنا أذهب لزيارتها كل فترة وهذا يكفي. هيام: لكن هذا سيجعلها تظن أنك أصبحت ابن عاق لها. محمد: لا يهم، فهي تراني هكذا ولم يعد يفرق معي الأمر، ولا تفتحي هذا الحديث مرة أخرى. هزت رأسها دون كلام. وبعد عدة أيام أتى بدر ونانا إلى أمريكا. جلست هيام معها في المصنع. نظرت لها نانا قائلة: اتفقنا خلاص مع المنتج وهنعمل الرواية مسلسل. هيام:
تمام، هعدل السيناريو عشان ينفع، بس أنتم هتعيشوا هنا ولا في تركيا؟ نانا: قررنا يبقى لنا في كل بلد مكان. ابتسمت هيام: هي فكرة حلوة، تقضوها خمسة سياحة. ضحكت نانا: ما هو مش هينفع نسيب مصر خالص، ولا نقعد هنا في أمريكا، وتركيا لسه مجربناش العيشة فيها، فهو هيشتري شقة هنا وفي تركيا ونبقى بين هنا وهناك، ولما ربنا يرزقنا بأولاد نبقى نستقر في مكان أفضل لهم. هزت هيام رأسها: فكرة حلوة، تصدقي فكرة نعملها إحنا كمان. فرحت نانا:
بجد، يارب، ده أنا هفرح جداً. هيام: قوليلي بقى أخبار مصر إيه، وحشتني. نانا: مش هكلمك إلا لما توعديني إنك تيجي تركيا، وتبقى مساعدتي في الإخراج. ضحكت هيام: انسى، أصلاً مينفعش أسيب محمد. نانا: متقلقيش، بدر هيعرض عليه يجي معانا تركيا، عايزة هناك في شغل. هيام: سيبها على ربنا، واللي عايزه هو اللي هيكون. ظلتا معاً لبعض الوقت. وفي المساء عادا إلى الشقة. نظرت هيام إلى محمد قائلة: هل تحدث معك بدر بشأن السفر إلى تركيا؟ محمد:
نعم، ولكن لا أشعر بالرغبة في هذا الأمر، أرجأت الأمر لبعض الوقت. هيام: هذا أفضل، فل نبقى هنا. فهي خائفة من أن ابتعدوا قد يثير هذا جنون والدته، فهي لا تصدق أنها ابتعدت عنهم وهدأت ولم تعد تضايقهم. وفي اليوم التالي في المصنع، وأثناء ما هي تقف تتابع العمال، شعرت ببعض الدوار فدخلت إلى المكتب لترتاح قليلاً. وعندما رآها محمد أسرع إليها قائلاً: ماذا بكِ حبيبتي؟ ما الذي حدث؟ ابتسمت:
يبدو أني أرهقت نفسي كثيراً، أشعر ببعض التعب، سأستريح قليلاً وأعود إلى العمل. محمد: سأحضر لك كوباً من العصير. هيام برفض: لا، لا أريد، أشعر برغبة في التقيؤ، سأستريح قليلاً فقط. نظر لها محمد ولاحظ أن وجهها شاحب، فوقف قائلاً: هيا معي، سنذهب إلى الطبيب. هيام رافضة: لا، الأمر لا يستحق، لا تكبرها. محمد بإصرار: هيا قومي، وإلا سأحملك وأذهب بكِ عنوة. عبست: أمري لله، حاضر، بس أفوق بس من الدوخة دي، عشان مقعش منك في الطريق.
اقترب منها وأسندها بيده قائلاً: هيا، استندي علي وسنذهب الآن. قامت معه وذهبا إلى المستشفى. فحصها الطبيب، ونظر إلى محمد قائلاً: أشك أنها حامل وسأقوم بعمل تحليل لها لأتأكد من ذلك. قفز محمد من الفرح قائلاً: حقاً؟ هذا أسعد خبر سمعته! هيام ستنجب لي طفلاً صغيراً. لا أصدق ما سمعت. (اقترب منها) سمعتي حبيبتي؟ ستنجبين لي طفلاً جميلاً يشبهك. أنا أسعد إنسان بهذا الخبر.
فرحت هيام هي الأخرى وامتلأت عيناها بالدموع فرحاً لأنها ستصبح أماً. قبل محمد جبينها وأمسك يدها قبلها. قام الطبيب بعمل تحليل وأكد لهم الأمر. خرجا معاً وهما يكادا يطيرا من الفرح. ذهبا إلى شقتهما. جلست هيام على أحد المقاعد. جلس محمد إلى جوارها ونظر لها: لو وزعت السعادة التي بداخلي لما بقي حزن على الأرض. ضحكت هيام: ليس كسعادتي حقاً، أخاف أن يكن حلماً وأستيقظ منه. محمد: لا، إنه حقيقة. سأدخل أعد لك كوباً من العصير.
وهم ليقوم، فامسكت يده: لا أريد. سأكلم حنان أخبرها لتفرح معي. وعد، أنت إلى المصنع، فهناك عميل سيأتي بعد قليل. محمد: آه، لقد نسيت. سأذهب الآن. لا تتعبّي نفسك، سأحضر الطعام معي وأنا عائد. هزت رأسها بالموافقة. خرج مسرعاً. طلبت حنان لحظات وأجبتها: حبيبة قلبي، وحشتيني، أخبارك إيه؟ هيام بسعادة: أنا حامل وستبقى خالة أخيراً. أنا حاسة إني بحلم. وضعت حنان يدها على صدرها: بجد؟ مش مصدقة. أنتِ حامل من إمتى؟ هنخلف مع بعض؟ مش معقول.
فتحت هيام فمها بعدم تصديق: بجد؟ مش معقول. أنا عايزة أقوم أرقص، أتنطط من الفرح. حنان: لأ، إحنا نسجد سجدة شكر لله مع بعض. تركت كل منهما الهاتف وسجدت شكراً لله. وعادت للمكالمة قالت هيام معاتبة: إنما يعني لو ما كنتش قلتلك، ما كنتش هتقولي؟ إيه الحركات دي بقى. حنان: أنا لسه متأكدة من شوية، مرضيتش أروح المطعم وقعدت النهارده، ويادوب عرفت وأنتِ اتصلتي. هيام: أنا مش مصدقة بجد، خايفة يكون حلم. عبست حنان:
بطلي رخامة وتعالي نتفق، أنتِ تخلفي ولد وأنا بنت ونجوزهم لبعض. مازحتها هيام: لأ طبعاً، إحنا نرضعهم على بعض عشان يبقوا أخوات زي أنا وأمجد. ضحكت حنان: بس أوعى يجي حد يضحك عليهم ويقول إنهم ينفعوا يتجوزوا. ضحكت هيام: تصديقي فكرة، وتبقى الأيام بتعيد نفسها. حنان: الحمد لله، الأخبار الحلوة كلها بتيجي مع بعض.
ظلتا تتحدثان وتمزحان لبعض الوقت. وبعدها أرسلت هيام لإخوتها أخبرتهم بالأمر، فهذا الوقت لديهم ليل. اتصلوا بها فور استيقاظهم وهنأوها جميعاً. وأتى إليها أمجد، وكان الكل يشعر بالسعادة لأجلها هي ومحمد. وبعد مرور أسبوع، تحسنت حالة هيام وعادت إلى العمل. أسرع إليها الجميع وهنأوها بسعادة وفرح. وبعد بعض الوقت شعرت ببعض التعب فدخلت إلى مكتبها لترتاح. أسرع إليها محمد قائلاً: ماذا بكِ حبيبتي؟ ماذا حدث؟ لقد كنتِ بخير. تأوهت قائلة:
مش عارفة، فجأة حسيت بدوخة، بس الحمد لله بدأت أفوق. محمد: أجعل أحد العمال يعد لكِ عصير؟ هزت رأسها: لأ، بلاش، مش عايزة. ده أنا حتى كنت قايلالهم يعملولي قهوة بلبن، بس لأ، مش قادرة. معلش قوليلهم يلغوها وأنا هرتاح شوية وهبقى كويسة إن شاء الله.
هز رأسه بالموافقة وأجلسها على مقعد جديد أحضره لها، يمكن فرده فيصبح أشبه بالسرير. استلقت عليه ووضع عليها غطاء بسيط. وقبل جبينها وتركها وذهب إلى المطبخ، ليخبر العاملة أن لا تعد لها القهوة، فوجد السيدة التي كانت قد شهدت معهم في البرنامج هي من تقف وتعدها لها. اقترب ليخبرها، فراها قد أعدتها وتخرج كيساً صغيراً من جيبها يبدو كأنه دواء سحقته ووضعته عليه. ففزع وجحظت عيناه وأمسك بيدها وبها الكيس، ونظر لها غاضباً قائلاً:
ما هذا الذي تضعينه على الكوب؟ ارتجفت وتلجلجت قائلة: هاه، لا شيء. إنه نوع من السكر، صدقني لا شيء. نظر لها وكأنه يخرج ناراً من عينيه: إذاً، سآخذ الكيس والكوب إلى المعمل الجنائي وهو سيخبرنا بما فيه. انهارت: لا، أرجوك لا أريد دخول السجن، من سيرعى أمي؟ أرجوك سامحني، أنا مجبرة على ذلك. جز على أسنانه: ومن أجبرك على ذلك؟ تكلمي؟ بدأت في البكاء بهستيريا:
والدتك هي من طلبت مني ذلك، فهي من طلبت مني أن آتي إلى هنا لأعمل معكم، لأعرف كل أخباركم وأوصلها لها. وعندما علمت أنها حامل، غضبت وهاجت، هددتني أن لم أضع لها هذه المادة في أي مشروب، ستجعلهم يطردون والدتي من المستشفى، وأنا لا أملك نقوداً. زاد غضبه قائلاً: ألم تساعدك هيام وتدفع تكاليف العلاج هذه بأكملها؟ أم أن ما قلتيه وقتها كان لغرض ما؟ ازدادت في البكاء:
أنا لم أكن أريد أن أذهب، لكن والدتك أجبرتني وكانت تريدني أن أكذب، وأقول إنها أجبرتني على دخول الإسلام، ولكني خدعتها وأخذت ما أريد ولم أدخل. لكن عندما ذهبت إلى البرنامج لم أستطع أن أكذب، وقلت الحقيقة. غضبت والدتك كثيراً، لكنها أبقتني كي أخبرها بكل أخباركم. أرجوك، أنا فعلت هذا مجبرة، سامحني سيدي، أرجوك لا تزج بي في السجن. زاد غضبه، ضرب بقبضته على طاولة أمامه، وقذفها بنظرة نارية: سأحاسبك عندما أعود.
وتركها وخرج مسرعاً. شعرت السيدة بالرعب مما سيفعله، ففكرت أن تذهب إلى هيام تستعطفها. أسرعت إليها، دقت الباب، أذنت لها بالدخول، بعد أن عدلت المقعد وعادت إلى وضع الجلوس. دخلت السيدة وارتمت تحت أقدامها متوسلة لها: أرجوكي سامحيني ولا تتركي السيد محمد يزج بي في السجن، فعلت هذا مجبرة. فزعت هيام ورفعتها من على الأرض قائلة: ولما سيزج بك في السجن؟ أخبريني ماذا حدث؟
قصت عليها السيدة كل ما حدث وهي تبكي. صدمت هيام وجلست على مقعدها منهارة، فهي لم تتخيل أن يصل الأمر إلى هذا الحد. انهمرت الدموع من عينها، فقد تخيلت حالة محمد في هذه اللحظة. قبضت على يدها، أخذت نفساً وزفرته: اذهبي الآن، سأطلب من محمد عدم الزج بك في السجن، لكن لم يعد لكِ مكان معنا. هزت رأسها وهي تبكي:
حاضر، سأذهب. أشكرك على ما فعلتيه لي ولأمي. أعلم أن مسامحتي أمر صعب، ولكن رأيتك دوماً تحسنين إلى من يسيء إليك، فارجوك سامحيني. نظرت لها هيام وهي يملأها الغضب: اتركيني الآن، يجب أن أذهب إلى الطبيب، لأطمئن أن الطفل لم يصب بأذى. وبعدها سأتخذ قراري في أمر مسامحتك. ازدادت المرأة في البكاء: صدقيني لم أضع الكيس الذي أعطتني إياه كاملاً، بل وضعت القليل منه، وأنتِ لم تشربي الكوب بل تذوقته فقط.
وضعت هيام يدها على بطنها وهزت رأسها دون كلام، وأومأت لها بالخروج. ظلت تنظر السيدة لها بترجٍ وهي تخرج حتى ابتعدت. أرسلت هيام إلى أمجد ليرسل لها السيارة. وبعد بعض الوقت أتت، ركبتها وذهبت إلى المستشفى وعادت إلى المنزل. عاد محمد إلى المنزل، وجدها تجلس بالصالة تنتظره. همت لتقوم فأشار بيده: لا تتحركي، وطمأنيني عليكِ، لما ذهبتِ من المصنع؟ أخذت نفساً وزفرته: لقد أتت إلي العاملة وأخبرتني بكل شيء، وطلبت مني أن أسامحها.
أغمض عينيه وفتحهما وتنهد بألم وقبض على يده قائلاً: لم أتخيل أن يصل بها الأمر لذلك. أعتذر لأنني لم أكن بالحذر الكافي وعرضت حياتك للخطر. أمسكت يده ونظرت له: أنا بخير والطفل أيضاً بخير. طمأنني عليه الطبيب والحمد لله، لا داعي للغضب. نظر لها: الحمد لله، لكن لم يعد لنا بقاء هنا، يجب أن نذهب، وجودنا هنا أصبح خطر عليكِ. وضعت يدها على وجنته:
حبيبي، ما دمت معك، فأي مكان سيكون جنة، لأن الجنة بسكانها ليس بمكانها. لي طلب عندك، لا تزج بها في السجن، فهي مسكينة فعلت هذا مجبرة. هز رأسه وزفر: لا تقلقي، لا يمكن أن أزج بها، فهذا سيعرض أمي للمساءلة ولا أستطيع فعل ذلك. هزت رأسها: نعم، معك حق، وطالما أن الله نجانا، فلا داعي للمشاكل. واكتفي بطردها من العمل كي تتعلم أن لا تفعل هذا مرة أخرى. هز رأسه بالموافقة:
تمام، وهذا ما كنت سأفعله. سأكلم بدر وأتفق معه على الذهاب معهم إلى تركيا، سنقيم مصنعاً كهذا هناك. هيام: فكرة جيدة، وأيضاً يمكن أن أساعد نانا في إخراج المسلسل. ابتسم محمد: إذاً، سنبدأ غداً في الإجراءات. لكن لي سؤال، لما أرسلتِ هدايا لأمي على أنها مني، بعد أن توقفت عن إرسالها؟ لقد تفاجأت عندما علمت أني لم أرسل، وادهشت أنكِ أنتِ من ترسلينها. نظرت إلى الأسفل بحرج:
لم أرد أن تشعر والدتك بتغير في معاملتك، لم أكن أريدها أن تكرهني أكثر. لكن كيف علمتِ أنني أنا من أرسلهم؟ محمد: لأنك تحدثتِ معي في الأمر، وأيضاً لأنني أعرف ذوقك في الأشياء. ابتسمت ونظرت إلى الأسفل. وقف قائلاً: استريحي وسأعد الطعام، وبعد أن نتناوله نتصل ببدر، لنتفق على كل شيء ونسافر معهم أو بعدهم. هيام: لي شرط بسيط ولن أتنازل عنه. تعجب: أي شرط هذا؟ هيام: ستكون شريك معنا بمجهودك، وإلا فلن أقبل أي اتفاقات. ابتسم:
اتركي هذا لوقتها، اتفقنا. عبست، فوضع يده على شفتيها رافضاً: لا أريد أن أراكِ عابسة أبداً، مفهوم. ابتسمت، أجلسها على الأريكة ودخل أعد الطعام. كان يريد أن يشغل نفسه بأي شيء كي لا ترى انهياره، فهو يحاول أن يتماسك، فما فعلته والدته أوجعه كثيراً.
وبالفعل، خلال أيام أعدوا كل شيء للسفر. وجهز لهم بدر سكناً للعيش به هناك في تركيا. وقبل السفر بيومين ذهب محمد لشراء بعض الأشياء. دق باب شقتها، فتحت، وجدتها والدة محمد. فزعت هيام من رؤيتها، فهي لا تعلم ماذا تريد منها. نظرت لها والدته قائلة: أعلم أنكِ لا ترغبين بزيارتي هذه، ولكن كان يجب أن أفهم لما أرسلتِ هذه الهدايا. بماذا كنتِ تفكرين؟ أتظنين أني سأسامحك بهذه الأشياء التافهة؟ هزت هيام رأسها وقالت:
بل أرسلتها لكِ لأنني تمنيت أن تكوني أمي، تمنيت أن تحبيني كما أحبك. لقد حرمت من أمي واعتبرتكِ مكانها. (امتلأت عيناها بالدموع) لا يوجد بيني وبينك ضغينة لنكره بعض، أنا فقط تزوجت ابنك. اهتزت والدته وشعرت بالتأثر من كلامها قائلة: ولكنكم ستسافرون وتتركون البلد كلها، أي أنك ستأخذينه وتبعديه عني. ابتلعت هيام ريقها:
نحن لم نرد ذلك، بل اضطررنا بعد أن حاولتِ إيذاء طفلنا. أنا لا يمكن أن أفكر في إبعاده عنك، فأنتِ والدته، ولو ترككِ لأجلي سيتركني لأجل امرأة أخرى. أرجوكِ سيدتي، لا تصعبي الأمر علينا. نظرت السيدة إلى عينيها وشعرت بصدق كلامها. أخذت نفساً وزفرته: الهدايا التي كنتِ ترسلينها غالية جداً، ولا يمكن لأحد دفع كل هذه النقود فقط للكذب. أنا أصدقك ولن أعترض طريقكم مرة أخرى، ولكن اجعله يأتِ لزيارتي كل فترة. ابتسمت هيام ومسحت دموعها:
سأفعل، وأشكرك على زيارتك هذه وسأرسل لكِ صور الطفل كلما أتيحت لي الفرصة.
هزت رأسها بالموافقة وذهبت، فهي تشعر أنها أخطأت، ولكن لا يمكنها الاعتراف بذلك، فلا يمكنها أن تنسف كل ما تدافع عنه طوال هذه السنوات. ولكنها قررت بالفعل تركهم ليعيشوا حياتهم، فهي في النهاية أم ولا تريد لابنها سوى أن يكون سعيداً. وقد تأكدت أنه لن يعد عن هذا الدين أبداً، ووجدته معها في نفس البلد يسبب لها الحرج، فقد اعتنق الديانة التي تحاربها، فقد تنسى الناس ما فعله، فهي لن تترك حربها. وأيضاً وجودهم يحسن صورة هذا الدين، فبعدهم هو الأفضل لها.
أغلقت هيام الباب وهي لا تصدق ما حدث. وعندما عاد محمد أخبرته بما حدث، فابتسم قائلاً: لم أتوقع ذلك، لكن هذه هي أمي، أعرفها جيداً. عندما تيأس تأخذ خطوة للخلف، ولكن دون أن تعد عن موقفها. لكن المهم أنها ستتركنا نعيش دون مشاكل.
هزت هيام رأسها، فما زال بداخلها بعض القلق، لكنها كانت على يقين أن الأيام كفيلة بإزالته. وسافرا إلى تركيا وبدأا العمل هناك. وبعد أن وضعت كل من هيام وحنان، اتفقتا على أن يتقابلا في مصر، وعمل عقيقة أطفالهما هناك. قام كل منهم بذبح عجل كبير ووزعاه دون تسوية. وقاموا بجمع عائلتهم في منزل هيام وقاموا بعمل احتفال عائلي لهم. كان محمد وعبد الله يشعر كل منهم أنه أصبح يمتلك عائلة حقيقية تحبه، فهذا ما كان يفتقده كل منهم. نظرت هيام وحنان كل منهما إلى الأخرى بسعادة، فقد استطاعت كل منهما أن تعبر من الأبواب التي فتحت أمامها، دون أن تسقط أو تخسر دينها، أو حتى تتنازل عن شيء من أخلاقها وعقائدها، فبالنسبة لهم هذا هو إنجازهم الحقيقي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!