فخرج مسرعًا لحق بها قبل أن تصل إلى موقع الإنتاج. ندى عليها قائلاً: "أستاذة هيام، هل ممكن لحظة من فضلك؟ توقفت هيام، ابتلعت ريقها والتفتت له قائلة: "نعم سيد محمد، تفضل قل ما تريد." نظر لها معاتبًا: "لما لم تخبريني أنكِ أنتِ هيام التي أبحث عنها؟ أخذت نفسًا وزفرته: "لقد تفاجأت بكلامك ولم أعرف ماذا أقول، وأيضًا لم أتخيل أن كتابتي كانت حقًا سببًا في دخولك الإسلام، فرغم أن هذا حلمي إلا أني كنت أظنه أصبح مستحيلًا."
ابتسم: "بل أصبح حقيقة، وإن سمحتِ لي سأقص عليكِ ما حدث معي وكيف دخلت الإسلام." كادت توافق وتطلب منه أن يقص عليها الأمر، ولكنها تراجعت قائلة: "أعتذر منك، لدي بعض العمل، ليكن مرة أخرى، أستأذنك." هز رأسه بالموافقة، فذهبت مسرعة، عادت إلى عملها. شعرت بسعادة غامرة، حتى لو لم تسمع قصته، فيكفي أنه حقًا دخل الإسلام بسبب إحدى رواياتها.
عاد هو إلى المكتب، جلس مع بدر حتى أتى أمجد ومضى العقد. استأذن محمد وخرج من المكتب، مر على خط الإنتاج، ورأى هيام وهي تعمل وسط العمال. وقف لبعض الوقت يتابعها وكيف تتعامل بطريقة جميلة، لا تتعالى أو تتكبر عليهم. ولاحظ كيف تضع حدودًا صارمة في التعامل مع الرجال. ابتسم وخرج ليذهب إلى شركته. رأته هيام من ظهره لحظة خروجه من المكان، تعجبت، لكنها كذبت نفسها قائلة: "إنه شخص آخر." وبعد أن نظمت العمل، دخلت إلى مكتبها وجلست. طلبت
حنان وبدأت تتحدث إليها: "أخبارك إيه يا حنون؟ ابتسمت حنان: "الحمد لله. قولي لي إيه الأخبار عندك؟ صوتك كده بيقول حاجات." ترددت هيام للحظات وقصت عليها كل ما حدث. تعجبت حنان قائلة: "يعني أنا الفضول قاتلني عشان أعرف القصة دي، وأنتِ تقولين له لأ، أفهم ليه بقا." عبست هيام: "الغريب أنكِ أنتِ اللي بتسألين السؤال ده." أخذت نفسًا وزفرته: "أنا فاهمة، بس يعني هنعرف القصة إزاي دلوقتي؟ قولي لي أنتِ بقا."
تنهدت هيام: "بصي يا حنان، أنا غلط لما اتبسط في التعامل مع هيون، وده اللي وصلني للنتيجة اللي حصلت. وعشان كده مش هغلط الغلطة دي تاني. اتعلمت الدرس كويس خلاص. فهمت أن ربنا لما حط حدود في التعامل ده لأنه هو اللي خلقنا وعارف أن نفوسنا ضعيفة. ومش عايزة اللي حصل يتكرر تاني." حنان: "بس أنتِ كانت نيتك خير، يعني كنتِ عايزة يشوف الإسلام بصورة كويسة."
هزت رأسها: "فشافني أنا بصورة كويسة، وبدل ما يحب الإسلام حبني أنا. يبقى اللي أنا عملته كان غلط ومش هكرره تاني." حنان: "بس أنتِ فعلاً كنتِ حاطة حدود بينك وبينه." هيام: "ومع ذلك تخطاها، يبقى الصح أقطع من البداية." حنان: "بس الشخص ده حقق حلمك فعلاً ودخل الإسلام بسبب... قاطعتها: "ومين قالك إنه بسببها؟ ده كلام صحيح. هو عارف كل رواياتي، بس برضه أنا مش هسمح له إنه يقرب مني." حنان: "بس أنتِ مسمحتِش لهيون إنه يقرب ومع ذلك...
قاطعتها: "حتى لو كان، فأنا مش عايزة أدخل في الدوامة دي تاني. وبعدين يا هانم، لما أسمح له يحكي لي قصته يبقى فين بقا الحدود بقا إن شاء الله." عبست حنان وفركت في رأسها: "آه صح، عندك حق. خلاص ياعم متزعلش كده، ده أنت زعلك وحش قوي." ضحكت هيام: "ماشي يا ستي خلاص." ضحكت حنان: "أهو كده نوري وشك بأحلى ابتسامة في الدنيا." أخذت نفسًا وزفرته: "ماشي يا بكاشة، هسيبك بقا عشان أشوف الشغل، سلام." حنان: "سلام."
أنهت معها حنان وظلت واقفة مكانها، تلاشت البسمة من على وجهها، ونفخت في حزن وقلق. لاحظ عبدالله الحزن عليها، فاقترب منها قائلاً: "من الذي أحزن حبيبتي هكذا؟ لا أتحمل أن أرى هذا الوجه عابسًا." ابتسمت: "وهل استطيع العبوس وأنت معي؟ أنا فقط كنت أفكر في هيام." هز رأسه: "لا تحزني عليها، فقد اختارت الطريق الصعب، وأنا متأكد أنها تستطيع تحمله. عليكِ أن تشجعيها وتكوني عونًا لها."
تنهدت: "أنا بالفعل أشجعها، ولكن ما حدث لها كسر بداخلها شيئ جميل." هز رأسه رافضًا: "هذا ما تظنينه، لكن الحقيقة أن ما كسر بداخلها هو الوهم. وأعتقد أنها ستعد بأسرع مما تتوقعين، وستكون أقوى بكثير، لأنها تشبه صديقتها التي علمتني معنى أن تكون قويًا." ابتسمت: "حقًا؟ كيف فعلت ذلك؟ وهل أنا أصلًا قوية؟
ضحك: "نعم. أتتعرفين عندما امتنعت عن تناول الطعام، كنت متأكدًا أنكِ لم تتحملي وستأتين إليّ راكضة وترتمين بين ذراعيّ، لكنكِ لم تستسلمي. وحتى عندما أتيتِ إلى المستشفى، وقفتِ بعيدًا. عندما هممتُ لأقوم، تمنيت أن تشعري بألمي وتأتي إليّ، لكنكِ بقيتِ وعلمتني الثبات على الحق. لن أنسى نظرة الحسرة التي كانت في عينك. في البداية لم أفهمها، ولكن بعد ذلك فهمت أنكِ لم تكوني حزينة لأنني سأموت، ولكن لأنني أصر على الاختيار الخطأ. كنتِ حزينة على أمل كنتِ ترينه بي ولكني ضيعته."
ابتسمت: "ما كل هذا العمق؟ لم أتخيل أنك فهمت كل ذلك. ولكن أتعرف أن هذا هو شعور هيام الآن؟ هيون شخص جيد." أكمل: "لكن هيون له حياة لا يستطيع تركها بسهولة، يجب أن يقتنع من داخله، وهذا لم يحدث معه." هزت رأسها بالموافقة: "حقًا لم يقتنع، فقد عاد إلى حياته وكأن لم يحدث شيء." رن هاتف عبدالله، فنظر به ووجده هيون، فابتسم وأشار لها أنه سيبتعد ليجيب، فأومأت بالموافقة ودخلت إلى المطبخ. فتح الهاتف قائلاً: "أهلاً صديقي، كيف حالك؟
نفخ هيون: "مازلت حيًا. لو لا أعرف هل حقًا أنا حي؟ فقلبي يكاد يتوقف من الألم." عبس: "يا صديقي، أنت من تعذب نفسك. انساها، وحاول أن تعيش حياتك كما كانت سابقًا." نفخ: "لم أستطع. صورتها دائمًا أمامي. أتذكر كل لحظة كنت معها بها، عبوسها قبل ابتسامتها، تحذيرها قبل رقتها. لم أعرف كيف أنساها."
فكر قائلاً: "اسمع، لن تستطيع نسيانها، فهي نوع من النساء، إن دخلت القلب لا تخرج منه. ولكن داوني بالتي كانت هي الداء. حاول أن تحب فتاة أخرى." ابتسم ساخرًا: "أتتمزح؟ كيف أحب وقلبي مليء بالحب؟ لا أستطيع نسيان الأمر. سأحاول التعايش مع هذا الألم. هل أستطيع أن آتي لتناول الطعام معك ونتحدث قليلاً؟ ابتسم: "مؤكد في أي وقت تريد." هيون: "إذا سآتي إليك الآن."
أنهى معه المكالمة واتى إليه في المطعم، تناولا معًا الطعام، وظل يتحدث معه لبعض الوقت وذهب. أتى طارق من الشركة بعد ذهابه بقليل وعلم بوجوده، فسأل عبدالله عنه قائلاً: "لما أتى منذ فترة ولم يعد يأتي؟ ابتسم عبدالله: "سيسافر، وارد أن يسلم عليّ قبل سفره، وكان يريد السلام عليك لكنه لم يستطع الانتظار أكثر لأن لديه موعد." هز طارق رأسه بالموافقة دون كلام. دخل إلى حنان نظر بالمكان قائلاً: "أمال فين نتالي؟ مش شايفها يعني؟
حنان: "دخلت المصلى تريح شوية، حسيتها تعبانة." فزع طارق: "تعبانة إزاي؟ إيه مالها؟ آخدها لدكتور." ابتسمت: "لأ، مش للدرجة، بس أنت عارف مامتها كانت تعبانة قوي، امبارح وأول ما أنت مشيت راحت لها تطمن عليها، ويظهر إنها عملت لها حاجات كتير، فحسيتها مرهقة شوية." هدأ قليلاً: "طب الحمد لله. أروح أطمن عليها وأرجع لك."
حنان: "استنى اسمع بس. أنا بفكر بعد الشغل النهارده نروح كلنا لهم نزورهم، وناخد لهم شوية حاجات. التعب بتاع مامتها ده مكلف جدًا وهما ظروفهم على قدها." طارق: "فكرة كويسة. إن شاء الله بعد الشغل نروح لهم على طول. بس عرفي جوزك أنت بقا، وأنا هروح أطمن عليها." ضحكت: "ماشي ياعم، هكلم هيام الأول وبعدين أعرفه." تركه وذهب للاطمئنان عليها. وأمسكت الهاتف وطلبت هيام قائلة: "هيما حبيبي، القمر بزيادة." ضحكت هيام: "بطلي رخامة."
حنان: "كنت قلقانة عليكِ من ساعة ماكلمتك، فقولت أطمن عليكِ، غلط يعني." ابتسمت هيام: "لأ طبعًا، أنتِ تتكلمي في أي وقت يابشا." وظلتا تتحدثان لبعض الوقت، وبعد انتهيا جلست هيام في المكتب تراجع بعض الأوراق، حتى أتى أمجد وذهبت معه. وفي المساء دخلت المطبخ تعد بعض الأشياء. فاقترب منها أمجد قائلاً: "أنتِ بتعملي إيه دلوقتي؟
ابتسمت: "مندوب الشركة اللي جه كان عايز يزود مدة صلاحية الوجبة، عشان يعرف يوديها لأماكن أبعد، فقولت أجرب أضيف بعض الحاجات وأجرب." أمجد: "يعني بدل ما تدخلي ترتاحي هتوقفي تشتغلي." ضحكت: "أشتغل إيه ياعم، ده حاجة بسيطة، زي عينة يعني مش هتاخد وقت، وبعدين أهو حاجة تسليني بدل الزهق." هز رأسه: "طب أنا هدخل أراجع حبة ورق على ما تخلصي." هيام: "براحتك، أنا أصلًا هعملهم وأدخل أنام." ضحك: "ماشي يا ستي."
تركها ودخل إلى غرفته. أعدتهم ودخلت إلى غرفتها. وفي اليوم التالي في المصنع، أتى محمد لأخذ طلبية. كانت تقف مع العمال، فاقترب منها قائلاً: "السلام عليكم." نظرت إليه: "وعليكم السلام. لا تقلق، الطلبية معدة، سيأتي السيد بدر ليسلمها لك بعد قليل." تعجب: "ألن تسلميها لي أنتِ؟ هيام: "لا، هذه مسؤولية السيد بدر أو أمجد. في حال عدم وجودهم فقط أسلمك أنا." طلبت من إحدى العاملات إحضار شيء من غرفتها، أتت وهي تحمل علبة صغيرة. أشارت
لها أن تقدمها له قائلة: "تفضل سيد محمد، هذه عينة قد تصمد أكثر من مدة الصلاحية، عليك تجربتها، وبها عدد زائد للتذوقها لترى كيف سيكون الطعم." أخذها قائلاً: "جيد أنكِ تذكرتي طلبي. سأهتم به وأواليكِ بالأخبار أول بأول." أتى بدر وذهب معه لتسليمه الطلبية. استمرت هي في العمل حتى أتت نانا فدخلت معها. جلستا في المكتب. نظرت نانا لها قائلة: "إيه؟ مش ناوية ترجعي تكتبى بقا؟ متابعين بيسألوا عنك كل يوم." ضحكت: "ياسلام!
على أساس إني مش متابعة، دول هما بنتين ولا تلاتة أصلًا اللي بيسألوا." نانا: "مش صح، اللي بيسألوا عنك كتير، بس أنتِ اللي مش واخدة بالك." هيام: "كبري دماغك ومتتعبيش نفسك، مش هرجع في قراري." هزت رأسها بالرفض: "عنادية جدًا. المهم، إحنا اتفقنا على رواية ماتشو دي، تبعي، هحولها فيلم." هيام: "طالما وعدتك مش هرجع في كلامي. بس أنتو هتشتغلوا هنا في أمريكا ولا تركيا ولا في مصر؟
نفخت نانا: "احتمال أصلًا نسيب مصر خالص، في ناس بتحاربنا كتير، وبدر مش بيحب الرشوة والمحسوبية، وصعب إن حد يشتغل من غيرهم في مصر." هيام: "طب ما كنتِ رحتي عند أخواتك في البرازيل." نانا: "لأ، بدر عايز يجرب يفتح سوق جديد في تركيا، وبعدين هو حابب إننا نستقر هناك." هيام: "طب والشغل اللي هنا؟ نانا: "بصي، هو بقاله فترة بيحاول يفتح سوق لنفسه في كذا مكان، ونختار مكان منهم ونستقر فيه، بس هو بيرجح تركيا أكتر." هيام: "طب وأنتِ؟
نانا: "أنا كمان برجح تركيا، مش حابة إني أعيش في أمريكا." ابتسمت هيام: "خلاص، اللي أنتِ مرتاحة له أكتر." نانا: "طب يا ريت في الوقت الفاضي تبقي تكتبى السيناريو والحوار، بحيث وقت ما نحتاجه يبقى جاهز." هزت هيام رأسها: "هحاول إن شاء الله." نانا: "بقولك إيه؟ أنا فاضلي يومين هنا وهسافر، وبدر مش فاضيلي، ماتيجي نتفسح إحنا هنا." ضحكت هيام: "أوكيه، هسأل أمجد وأخليه يعملنا برنامج حلو كده ونتفسح."
وبالفعل نظم لهم أمجد برنامجًا رائعًا لهذين اليومين، وبعدهم سافرت نانا مع بدر. أتى محمد إلى المصنع، لم يجد هيام في مكتبها، فذهب لها في خط الإنتاج، وجدها تقف تشرف على العمال، فاقترب منها قائلاً: "السلام عليكم، أستاذة هيام، هل يمكنني التحدث معكِ قليلاً؟ نظرت إليه: "وعليكم السلام. بخصوص ماذا؟ محمد: "الحلوى اللي أعطيتني إياها."
هزت رأسها بالموافقة وأشارت له، فتحرك إلى المكتب. جلست على المكتب وجلس هو أمامها قائلاً: "طعم الحلوى تغير قليلاً بعد أن تركته في درجة حرارة الغرفة، وهذا ليس جيدًا." فكرت هيام: "هل كانت سليمة أم بها قطع؟ محمد: "واحدة سليمة والأخرى بها قطع." هيام: "لكن التي لدي لم يتغير طعمها." محمد: "محتمل أن يكون الجو لديكم مختلفًا عن شقتي." هيام: "قد يكون، ولكن بهذا لن يصلح هذا التعديل. سأفكر في تعديل آخر، شكرًا لك."
محمد: "متى ستذهبين إلى الجالية؟ تفاجأت بالسؤال، تنحنحت: "لا أعلم، يخبرني أمجد بالموعد قبلها بساعات." ابتسم محمد: "سيقام حفل لمجموعة ممن دخلوا الإسلام حديثًا، ومؤكد أنهم سيقومون بدعوة السيد أمجد لها." تعجبت: "لما مؤكد؟ اتسعت ابتسامته: "ألا تعلمين أن السيد أمجد يقوم بمساعدات كثيرة للمسلمين هنا في المنطقة، ويساند كل من يدخل جديدًا." ابتسمت: "كده أبقى فهمت ليه الجالية بتبعت له. ربنا يزيده دائمًا يا رب."
ضحك محمد: "لم أفهم ما قلتي، ولكن أشعر أنه شيء جيد." تنبهت قائلة: "أعتذر، لم ألاحظ أني تحدثت بالعربية." قام وقف قائلاً: "سأذهب الآن، وأتمنى أن ألقاكي هناك في الاحتفال. سلام." تعجبت من كلمته "سلام" فقد قالها بالعربية، وهي معتادة أن تكتبها في نهاية كل حلقة في روايتها، فابتسمت وأخذت نفسًا وزفرته، وقامت عادت إلى العمل مرة أخرى. وفي المساء قبل أن تدخل تنام،
قال أمجد: "آه صحيح، نسيت أقولك، بكرة في حفلة في الجالية، هيكرموا فيها كل اللي دخلوا الإسلام خلال الفترة اللي فاتت، وكل واحد يحكي قصة إسلامه، وأكيد مش هتفوتيها. هبقى أعدي عليكِ آخدك من المصنع، ونروح نحضر ونرجع، هتتبسطي قوي." هزت رأسها بالموافقة ودخلت إلى غرفتها، وهي تتذكر كلام محمد عن هذا الحفل.
وفي الموعد أتى إليها أمجد وأخذها إلى الجالية. بدأ الحفل وصعد ثلاثة شباب وفتاة. كان منهم محمد. بدأ كل منهم يقص قصة دخوله الإسلام.
أتى دور محمد، أمسك المكبر ونظر إلى هيام، وكأنه يوجه الكلام لها. أخذ نفسًا وزفره قائلاً: "قد لا يصدق البعض قصتي لأنها غريبة نوعًا ما، فأنا منذ الصغر ولم أسمع عن هذا الدين أبدًا، وكأن أحدًا كان يحجب عني الأمر. كبرت ووصلت لسن الخامسة عشر. كنت أكره أن أرى العلاقات بين الفتيان والفتيات بالمدارس الثانوية، وحتى لو شعرت بميل ناحية فتاة ابتعد عنها لأنني كثير الغيرة، ولا أتحمل مزاحها مع باقي الشباب تحت اسم أنهم أصدقاء. ظنني
البعض غريب أطوار، لكنني لم أهتم. وعندما دخلت الجامعة زاد الأمر سوءًا، فقد رأيت العلاقات الكثيرة بين الشباب والبنات، كنت أبتعد عنهم ولكني لا أتدخل بينهم. تعرفت بشاب عربي مسلم كان أسوأ صورة للإسلام. تشاجر معه يومًا أحد الزملاء ونعته بالإرهابي المتطرف، ولم أكن أسمع عن الإسلام سوى هاتين الكلمتين فقط. تعجبت كثيرًا، فاخلاقه لا يوجد بها ما يشبه التطرف. إنه شاب فاسق، كل يوم مع فتاة، وكل ليلة في خماره يحتسي الخمر ويلعب
البوكر. أخذني الفضول لأفهم لماذا ينعتونه بالإرهابي، فذهبت إليه وسألته. كانت إجابته صادمة لي جدًا، لم أنساها أبدًا. ليتني كنت كما يقولون عني، فأنا مسلم بالاسم فقط، ولا امت له بأي صلة. أتتعرف؟
أنا أسوأ صورة لهذا الدين. من ينعتونهم بالإرهابيين هم أفضل من سار على الأرض، وأطهر ما خلق الله. وتركني وذهب. زادت حيرتي ولم أعرف بمن أسأل، ولم أكن أتحدث مع والدي عن هذه الأمور، فوالدتي متعصبة جدًا لدينها ووالدي لا يهتم بشيء سوى المال فقط. علمت أن هناك مستشرقًا يجمع المعلومات عن الأديان، فذهبت إليه وسألته، لكنه لم يكن يعلم عن هذا الدين سوى القشور فقط. وما قاله جعلني أخاف منه، فقد أخبرني أنه دين جامد، يمنع الحب ويعتبره
جريمة، ويتعامل مع المرأة على أنها جارية، ليس لها رأي أو حقوق. كلامه جعلني أبتعد عنه أكثر. أنهيت دراستي الجامعية، عملت بشركة والدي، لكنه أراد أن أتعلم كل شيء من الصفر، فعملت كموظف. كنت أبتعد عن الجميع ولا أسمح لأحد بالتقرب مني. وكان لي زميل في المكتب وكان على خلق وكان شخص ودود جدًا، وكان دومًا يتحدث إلى زوجته بشكل جميل، ويهتم بها، ورأيته عدة مرات يشتري لها الهدايا باهظة الثمن. وإذا حاولت أي امرأة الاقتراب منه يقول إنه
يحب زوجته، ولا يمكن أن يخونها ولا حتى بالتفكير. لفت انتباهي في حديثه مع زوجته دائمًا بعض الكلمات العربية، التي لا أفهمها ولا أفهم لماذا يقولها، فهو أمريكي وليس عربي.
فسألته: "لماذا تقول هذه الكلمات دومًا لزوجتك؟ " كانت إجابته صادمة بالنسبة لي، قال: "لأنني مسلم، وهذه الكلمات لا تترجم بل تقال كما هي." صدمت بل صعقت، فقد نسف كل ما قاله هذا المستشرق. فسألته: "كيف تكون مسلمًا وأنت تعامل زوجتك معاملة جميلة، ولا تسيء لها، وأيضًا تحبها؟ " ابتسم الرجل وكأنه يفهم سبب سؤالي، قائلاً: "يا أخي، إن كل هذه إشاعات تقال عن الإسلام، لكنه هو الدين الوحيد الذي كرم المرأة." صعقت، كيف ذلك؟
لم أفهم، لم أستطع أن أفهم وشعرت أن عقلي توقف عن التفكير. فابتسم وقدم لي فلاشة صغيرة قائلاً: "شاهد هذا الفيلم الذي بداخلها، فهو يتحدث عن الإسلام بشكل رائع، وسيجيبك عن أي سؤال في رأسك." كان هذا هو فيلم "للحل معان أخرى" الذي كتبت قصته كاتبة شابة اسمها هيام المصري. رأيت كم هو عمل رائع، يتحدث عن بعض العلاقات الإسلامية بشكل جميل، وفهمت منه أيضًا أني لا أتعلم هذا الدين بأن أسأل عالم دين، ولا أي شخص آخر. وبالفعل أتيت إلى
الجالية هنا وقابلت شيخي، الذي علمني الكثير من الأشياء ودخلت الإسلام وكلي فخر. وأريد أن أشكر كاتبة هذا العمل لأن لولاها ما دخلت هذا الدين. وأظنها سعيدة الآن لأن حلمها قد تحقق وأصبحت سببًا في هداية إنسان. وأريد أن أخبرها أني لم أعد أبالي إن نعتني أحد بأني غريب أطوار، فقد تعلمت من إحدى رواياتها أن كوني غريب أطوار لأنني مسلم هو فخر لي، وليس شيئًا أخجل منه. شكرًا لكِ أستاذة هيام."
كان ينظر إليها وهي كانت في حالة صدمة وعدم تصديق، لا تعرف هل هي في حلم أم حقيقة. نظرت إلى الأسفل تحاول استيعاب ما سمعت. نظر إليها أمجد وابتسم بسعادة ومال عليها قائلاً: "ها سمعتي وعرفتي أن اللي كنتِ بتكتبيه شيء جميل، وفعلاً قدرتي تغيري بيه حياة إنسان. ياريت بقا تبطلي عند وترجعي تكتبين تاني." نظرت إليه ووجهها يمتلئ بالسعادة والحيرة قائلة: "مش عارفة بجد، خايفة أصدق، مش عارفة هو إحنا بجد صاحيين يعني؟ ده حقيقة مش حلم."
ضحك: "أقرصك عشان تصدقي." ضحكت وهزت رأسها بالرفض. وبعد انتهاء الحفل، أتى محمد إليهم ونظر إلى أمجد قائلاً: "كنت أود أن أخبر الجميع أن هيام المصري التي أتحدث عنها تقف هنا بيننا، لكن خشيت أن تغضبي مني أنتِ أو هي." ابتسم أمجد: "لم أكن لأغضب أبدًا، فأنا أفتخر أنها أختي، ولكن أظنها هي التي كانت ستغضب." ابتسمت بحرج: "لأنني لا أحب أن يُمجد بي أحد، من تواضع لله رفعه."
ابتسم محمد: "لم أرَ أحدًا بتواضعك ولا أخلاقك. أظن أنكِ عندما كنتِ تكتبين الروايات، كنتِ تتخيلين نفسك بطلتها." أخذت نفسًا زفرته: "شكرًا لك سيد محمد، حقًا مهما قلت لن أستطيع شكرك." أكمل أمجد: "هذا حقيقي، فهيام توقفت عن الكتابة، لأنها ترى أن ما تكتبه ليس له فائدة، لكنك بكلامك أخبرتها أن ما تكتبه يفيد حقًا." اتسعت ابتسامة محمد: "أتعرف لماذا؟ لأنها تكتبه بصدق. تضع ما يخرج من قلبها."
نظر أمجد بالساعة قائلاً: "الحديث معك شيق جدًا، ولكن علينا الذهاب الآن لأن لدينا عمل." هز محمد رأسه دون كلام. ذهبا الاثنان، وهيام لا تصدق من شدة الفرح. وصلا إلى المصنع، دخل أمجد لتوصيل طلبية، ودخلت إلى المكتب. طلبت حنان وقصت عليها كل ما حدث، وهي في قمة السعادة. فرحت لها حنان جدًا قائلة: "ياااه يا هيام أنا فرحانة ليكي جدًا بجد، ده حلم جميل اتحقق. مش متخيلة كمية سعادتك قد إيه."
هيام بفرح: "أنا من الفرحة مش قادرة ألم على جسمي. بجد شيء ولا في الأحلام. يجد أنا مكنتش متخيلة إن ده ممكن يحصل." حنان بسعادة: "بس تعرفي إن كلامه صح، فعلاً صدق كلامك نابع من جواكي عشان كده وصل وحلمك اتحقق." ظلت تتحدث معها لبعض الوقت وبعدها ذهبت إلى خط الإنتاج. أنهى أمجد تسليم الطلبية وخرج ليعد إلى الشركة، فقابل محمد عند الباب، أوقفه قائلاً: "سيد أمجد، أريد أن أتحدث معك في أمر هام."
تعجب أمجد من طريقته قائلاً: "بخصوص العمل؟ ابتسم محمد: "لا، بخصوص هيام. أنا أريد أن أخطبها وأتزوجها." تفاجأ أمجد بكلامه قائلاً: "لا أعتقد أن الكلام بهذا الأمر ينفع هنا." محمد: "أوافقك الرأي. أين تريد أن نتحدث؟ فكر أمجد قائلاً: "فلنتحدث غدًا بمكتبي بالشركة الثانية كي يكون بعيدًا عن هيام." هز محمد رأسه: "إذا متى آتي لك؟ فكر أمجد: "سأنتظرك بعد الظهر، ولكن لا تتحدث مع هيام قبل أن نتحدث."
سلم عليه محمد: "تمام، اتفقنا. إلى اللقاء غدًا." تركه وركب أمجد السيارة. أمسك الهاتف وكلم عادل وأخبره بكل ما قاله محمد. فكر عادل قائلاً: "طب اسمع، روح الجالية واسأل عليه هناك ونشوف." أمجد: "فكرة كويسة. أنا لسه معايا وقت، هروح على هناك دلوقتي." أنهى معه المكالمة وذهب إلى الجالية. دخل إلى أمامها وسأله عنه، لكن وجهه تغير عندما سمع ما أخبره به. وبعد أن كان سعيدًا جدًا، بدا عليه الحزن الشديد.
وعندما عادا هو وهيام إلى المنزل، حاول المزاح معها ولم يخبرها بشيء. وبعد أن دخلت لتنام وتأكد من دخولها، أسرع إلى غرفته وأغلق الباب وطلب عادل، الذي أجابه قائلاً: "إيه يابني اللي آخرك كده في الاتصال؟ أمجد: "معلش، مكنتش عايز هيام تسمع حاجة." شعر عادل أن هناك شيئًا قائلاً: "قولي، لقيت إيه؟ صوتك قلقني جدًا." تردد أمجد قائلاً:
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!