الفصل 1 | من 19 فصل

رواية ابواب الفصل الأول 1 - بقلم هنا عادل

المشاهدات
20
كلمة
1,486
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 5%
حجم الخط: 18

الرعب له أشكال كثيرة في الدنيا اللي إحنا عايشين فيها، البشر مرعبين الحقيقة أكتر من أي حاجة تانية ممكن تكون مرعبة. لكن ده ميمنعش حقيقة وجود العفاريت. عارفة إن فيه كتير بيكذبوا وجودهم، لكن الحقيقة أنا اللي مخليني مقتنعة بوجودهم آية من آيات القرآن الكريم: "قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وأني عليه لقوي أمين". وطبعًا بعد كلام ربنا مفيش مجال للجدال والتشكيك.

أما الشيطان بقى فطبعًا ده محدش برضه يقدر ينكر وجوده ولا محاولاته المستميتة في إغواء البشر. أما بقى البحر وغضبه ده نوع من أنواع الرعب. الأماكن المهجورة ده كمان شكل من أشكال الرعب. ضعف النفس ده لوحده رعب في حد ذاته. وأنا بقى المرة دي مش عارفة هتكلم معاكم عن أي رعب فيهم بالظبط. حاولت أحدد هدف عشان أبقى عارفة هكتب إيه أو أقول إيه، لكن للأسف مقدرتش أستقر.

وعشان كده أخدت قرار بأني هكتب اللي هييجي في بالي، من حاجات سمعتها من ناس قديمة وكبيرة جدًا في السن عاشوا تجارب متتصدقش، وعن حاجات يمكن أكون حقيقي صادفتها أو يمكن أكون اتهيألي إني صادفتها. مش عارفة الحقيقة بالظبط. بس أنا كده أحيانًا بحس إني في دنيا أو زمن تاني غير اللي أنا فيه. مش عارفة ببقى صاحية ولا نايمة؟

لكن اللي أعرفه إني دايماً عندي إحساس بأن حياتي متقسمة أجزاء وكل جزء منها عايش في عالم تاني غير اللي المفروض إني موجودة فيه. مش عارفة هبدأ بمين. لكن كل اللي أعرفه إني هحكي وخلاص. وخلوني أبدأ بزين. زين اللي ابتدا حياته مع أسرة مقتدرة وميسورة مادياً بشكل كبير. طفل ابتدا حياته في أمريكا. أخد الجنسية وبداية حياته من الطفولة كانت هناك. وده خلاه طفل أجنبي من الدرجة الأولى.

ثقافة، أفكار، لغة، عادات، معتقدات، كل حاجة فيه كانت حرفياً مالهاش علاقة بالعرب. حياته أجنبية بمعنى الكلمة. لكن ده كأخلاق مأثرش بشكل مبالغ فيه لأنه كان برضه لسه طفل موصلش حتى لمرحلة المراهقة. وده كان سبب مقنع لأبوه إنه يشوف فكرة رجوعهم لبلدهم مش هتأثر في حاجة على نفسية زين أو أخوه الأصغر منه يزن. ورجع زين ويزن مع أبوهم وأمهم أخيرًا لبلدهم الحقيقية. ودي كانت الكارثة بالنسبة لزين.

رغم طفولته اللي كل اللي حواليه هيحكموا عليه بيها، إلا إنه كان مصدوم من كل حاجة حواليه. الاختلاف أكيد معروف مش محتاج شرح. لكن الأجواء كلها بالنسبة لزين صادمة. واكتملت الصدمة مع محاولته التفاهم مع اللي حواليه في أول عزومة لهم بعد رجوعهم من السفر. كان زين مع فهيم باباه وأعمامه وقرايبه من الرجالة والأطفال اللي سنهم تخطى العشر سنين قاعدين بيتكلموا وبيتناقشوا في الفرق بين مصر وأمريكا. وكان قاعد زين زي التايه بينهم.

وهنا اتكلم معاه حد من الموجودين وسأله: "وأنت يا زين.. إيه رأيك في بيتك الجديد؟ بص زين لعمه اللي كان بيسأله السؤال ده، ورجع بص تاني لباباه. هنا اتكلم باباه بابتسامة ووضح لزين معنى السؤال اللي اتسأل من لحظات، لكن اتكلم مع زين باللغة اللي بيفهمها. وهنا طبعًا كانت صدمة للموجودين اللي حد منهم علق قبل حتى ما يفكر زين يجاوب على السؤال وقال: "إيه ده يا فهيم؟ هو ابنك مبيعرفش يتكلم عربي ولا إيه؟ فهيم بابتسامة:

"يتكلم عربي إزاي بس يا خالد؟ زين ابني حياته كلها وسط أجانب، حتى الوسط اللي كنا فيه هناك مكانش فيه عرب كتير، والعرب اللي كانوا معانا لغتهم الأساسية مالهاش علاقة بالعربي." رد محي صاحب فهيم: "أيوه يا فهيم، بس إزاي أنت متحاولش تعلمه العربي؟ أومال هيتعامل هنا إزاي مع اللي حواليه؟ فهيم: "يعني هو هيتعامل مع جهلة يا محي؟ ما هو أكيد هيتعامل مع أطفال في نفس مستواه." خالد: "بس مش اللغة الأساسية لهم الإنجليزي؟

إحنا هنا بنتكلم عربي يا فهيم، ابنك لازم يعيش زي الناس اللي هيعيش وسطهم، وإلا هيلاقي نفسه مش عارف يتفاهم معاهم." فهيم: "تعليمه هيكون خاص مش حكومي أكيد." رد محي وقال: "دراسة اللغة الإنجليزية حاجة ولغة الحوار والحياة حاجة تانية، حاول تشتغل على ابنك في إنه يبقى زي اللي حواليه." الموضوع اللي دار ده كان سبب في إن زين يبقى قاعد مش فاهم أي حاجة بتتقال. وفي نفس الوقت حس إنه متضايق لأنه مش عارف إيه اللي بيتقال. وبين

كل اللي اتقال ده قال فهيم: "أنا هسيبه براحته، لو حسيت إنه حابب وعنده قابلية إنه يتعلم عربي ويتعامل بيه أكيد مش هعترض، لكن لو لقيته مش متجاوب يبقى مش هضغط عليه." المناقشة دي كانت بتدور كلها على زين اللي هو أصلًا مش فاهم حاجة. خلص اليوم وكان فهيم ومراته مبسوطين بالتجمع مع قرايبهم وأهلهم وأصحابهم القدام. ولأن يزن كان صغير فكان قادر يتأقلم ويتبسط بسهولة. لكن زين هو اللي حس إنه لوحده وسط الناس دي كلها.

وللأسف لا ده كان آخر تجمع ولا ده كان آخر حوار يدور حوالين زين. اللي بالتدريج ابتدا يتعلم العربي لكن في نفس الوقت لسه مش مقتنع إن دي حياته اللي المفروض يتأقلم عليها. وعشان كده كان في كل مرة يحصل فيها تجمع يحس نفسه غريب. وابتديت الأيام تعدي وابتدا يدرس زين في المدرسة الخاصة اللي أبوه شاف إنها من أفضل المدارس الموجودة. طبعًا ده كان من وجهة نظر فهيم في الفترة دي.

كان التعليم اللي بيدرسوا فيه الأطفال اللغة الإنجليزية من مرحلة الحضانة هي المدارس الخاصة بس. لكن مكانتش وقتها في مستوى المدارس الإنترناشونال بتاعت دلوقتي. وعشان كده محسش زين بأي تشابه بين دراسته في مصر ودراسته في أمريكا. ومع كل مرحلة بيعدي بيها، كان بيحس بأن أبوه ظلمه لما حكم عليه إنه يرجع مصر بعد ما كان بقى مستوعب كل حاجة عايشها في أمريكا. وكان فهيم على أمل إن زين كل ما يكبر كل ما هيقدر يتأقلم على مصر.

لكن على العكس، كان دايماً فيه فئة بتتعمد تتعامل مع زين على إنه من الفجرة مثلاً. أفكاره غريبة، معتقداته والثقافة اللي ركزت في عقله من طفولته بالنسبالهم غريبة. لغة حواره بالنسبالهم برضه غريبة. وللأسف ثقافة زين اللي اكتسبها في أمريكا مقتصرتش على وجوده هناك. بالعكس، ده لما رجع مصر وحس إنه لوحده ومش قادر يتفاهم مع اللي حواليه بسهولة، طلب من أمه طلب وقال لها فيما معناه بالعربي: "ماما من فضلك محتاج كتب في الأدب الإنجليزي."

ردت زينة وقالت: "حاضر يا زين يا حبيبي، وهدية مني كمان هجيبلك كتب من الأدب العربي، صدقني هتعجبك جدا." رد زين وقال: "ماما أنا مش قادر أتفاهم مع الناس اللي حواليا هنا، مش مرتاح ومش مبسوط، من فضلك عايز أدب إنجليزي بس، ابعديني عن العربي ده تمامًا." ابتسمت زينة اللي كانت بتحاول تستوعب زين وتطمنه: "حاضر يا حبيبي، هجيب اللي انت عايزه، ومتقلقش يا زين، هي مسألة وقت بس وكل حاجة هتبقى أحلى من اللي انت كنت متوقعه."

ده كان كلام زينة لأبنها اللي حس برضه إن الكلام ده مش حقيقي. وهنا ابتدا زين يقفل على نفسه معظم الوقت مع الكتب اللي كانت زينة بتجيبهاله. وقته في المدرسة، ووقت المذاكرة... وباقي الوقت كانت للكتب اللي بيقرأها. ودي كانت أوقات المتعة الخاصة بزين. وكانت المناسبات اللي بيحس إنه مجبر على حضورها كتير. أه هو فهيم كان ديمقراطي، لكن مينفعش يبقى فيه تجمع ويبقى موجود هو فيه لوحده من غير مراته وأولاده.

وده كان بيضغط زين جدا اللي مع الوقت ابتدا يظهر الملل اللي بيكون حاسس بيه وسط التجمعات دي. وابتدا مع فهمه للغة العربية، يجادل ويرد على كل حد بينتقد تفكيره وثقافته وقناعاته اللي مش قادر يغيرها أو يتنازل عنها. لحد في يوم من الأيام اللي كانوا في تجمع من التجمعات دي ولأول مرة يتكلم معاه شخص من وقت ما وصل زين لمصر. الراجل ده كان مجرد متفرج بس، بيبقى قاعد بين الموجودين بيسمع ويتفرج وهو ساكت بس.

لكن في اليوم ده بص لزين بتركيز أوي. تركيز لفت انتباه زين. اتكلم وقال: "يعني إنت يا زين يا ابن فهيم، شايف إن اللي إحنا مقتنعين بيه هنا تخلف؟ شايف إن إحنا هنا عايشين على خرافات وتفاهات؟ رد زين اللي كان فات على وجوده في مصر فترة كافية لأنه يرد ويناقش رغم إن سنه برضه مش كبير ده يادوب بقاله كام شهر مطلع الرقم القومي. قال بهدوء: "أنا مقولتش كده، لكن معظم معتقداتكم بحس إنها وهمية، مش مبنية على حقايق."

الشخص ده وقال بنظرة غريبة: "طيب يبقى أنا محتاج أقعد معاك شوية لوحدنا، في الوقت ده يا أقنعك بتفكيرنا... يا تفضل مقتنع بتفكيرك وساعتها أشهد لك قدام الكل إن تفكيرك أعلى من تفكيرنا." بص زين للشخص ده باستغراب. أولاً فرق السن بينهم كبير جداً، الشخص ده أكبر من فهيم أبو زين نفسه. ثانياً الشخص ده مش بيشترك في أي حوار ولا أي كلام بيتقال من وقت ما رجع زين مصر أول مرة يشوف الراجل ده بيتكلم.

ثالثاً فكرة إنه يقول الكلام ده بثقة ويبقى فيه احتمالية إنه يعترف بأن تفكير زين أعلى من تفكيرهم كلهم... دي حاجة مريبة. ورغم ثقة زين في نفسه إلا إنه حس بتوتر شوية. الناس اللي كانوا موجودين وقت ما اتقال الكلام ده لزين معلقوش. ابتسموا وسكتوا وكملوا مواضيع تانية بعد ما خلص جاد كلامه مع زين. فات الوقت والناس ابتدت تمشي. لكن جاد بص لزين قبل ما يمشي وينسى اللي اتقال وقال له: "هتمشي ولا عندك الثقة الكافية في إني أحاورك؟

رجع زين تاني من على باب المكان اللي كانوا متجمعين فيه. قرب من جاد وقال له باحترام وثقة: "لأ مش همشي، أنا جاهز جداً، لكن حضرتك قولت إنك لو مقدرتش تقنعني... هتعترف بفشل تفكيركم." رد جاد بهدوء بعد ما شاور لزين يقعد قدامه وقعد زين مبتسم، وقال جاد: "بتصدق في وجود العفاريت يا زين؟ كانت الدنيا ضبابية، والأصوات مكتومة. فتحت عيني بصعوبة، حاولت أتحرك بس جسمي كان مكسور. "حمد لله على السلامة." صوت أبوي كان قريب، بس مهزوز.

"وين أنا؟ " سألت بصوت ضعيف. "في المستشفى. كنت تعبان مرة." حسيت بدموعها تنزل على خدي. "ما تتعب نفسك، ارتاح." حاولت أبتسم، بس ما قدرت. "يا رب، ساعدني." "أنا جنبك، ما راح أتركك." مسكت إيده بقوة، حسيت بالأمان. "مشكور يا أبوي." "لا تشكرني، أنت ابني." غمضت عيني مرة ثانية، بس هالمرة بنوم هادئ. *** صحيت على صوت أذان الفجر. جسمي كان أخف. فتحت عيني، شفت أبوي جالس جنبه، نايم. "يا أبوي." فتح عينه بسرعة. "صحيت؟ "آه، الحمد لله."

"لا تتحرك، لسه تعبان." "بس أحسن بكثير." ابتسم أبوي ابتسامة واسعة. "الحمد لله." "متى راح أطلع من هنا؟ "الدكتور قال بعد يومين، إذا الأمور استقرت." "طيب." "لا تقلق، كل شيء راح يكون زين." "أتمنى." "راح ترجع أقوى من قبل." "إن شاء الله." *** مرت الأيام ببطء. كنت أتحسن كل يوم. أبوي كان دايماً جنبي، يقرأ لي، يسولف معي. "اليوم راح أطلع من المستشفى." قلت بسعادة. "الحمد لله." رد أبوي. "جهزت لك كل شيء في البيت."

"مشكور يا أبوي، ما أدري كيف أشكرك." "لا تشكرني، أنت تستاهل كل خير." *** وصلنا البيت. كان كل شيء مرتب. دخلت غرفتي، حسيت بالراحة. "اليوم راح ترتاح، بكرة نبدأ التمارين." قال أبوي. "تمام." "النوم هو أهم شيء الحين." "حاضر." *** مرت الأيام بهدوء، كنت أمارس التمارين، وأستعيد قوتي. أبوي كان دايماً يشجعني. "اليوم راح أرجع الشغل." قلت له. "متأكد؟ "آه، أحس إني جاهز." "طيب، بس لا تضغط على نفسك." "ولا يهمك." ***

رجعت الشغل، بس بحذر. كنت أحس بمسؤولية أكبر. "كيف الأمور؟ " سألني المدير. "تمام، بس لسه محتاج وقت." "خذ وقتك، صحتك أهم." "مشكور." *** كانت رحلة صعبة، بس تعلمت منها الكثير. تعلمت قيمة الصحة، وقيمة الأهل. "أنا قوي الآن." قلت لأبوي. "كنت دايم قوي." "بس الآن أقوى." ابتسم أبوي. "الحمد لله." *** كنت أؤمن بالمستقبل، وأعرف أني راح أواجه تحديات جديدة. بس هالمرة، كنت مستعد. "أنا جاهز." قلت لنفسي. "جاهز لأي شيء."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...