على عكس الطريقة اللي وصل بيها زين إسكندرية، في لمح البصر كان في أوضته في مصر. وقف سألهم وهما حواليه بكل وضوح: "طيب ليه وأنا رايح مروحتش بنفس الطريقة اللي رجعت بيها؟ رد عليه قفر وقال: "علشان لازم تعرف الطريق، لازم تتعب علشان توصل، الحق مش بيرجع بسهولة." رد زين باختصار: "أنا تعبان أوي، حاسس إني بقالي سنة منمتش، محتاج أنام من غير قلق، تسمحولي أنام وأرتاح شوية؟
مش عايز كوابيس، مش عايز همسات ولا وساوس، سيبوني الليلة دي بس أنام من غير ما تدخلوا في أحلامي."
في اللحظة دي كلهم اختفوا من قدام زين وكأنهم باختفائهم ده وافقوا على رغبته. وفعلاً محاولش زين يعمل أي حاجة في حياته غير إنه يغير هدومه وينام، حتى من غير ما يدخل ياخد دش. محدش في البيت عارف هو في أوضته ولا لأ. وقبل ما تنام زينة دخلت أوضة ابنها علشان تشوفه مظهرش ليه معاهم في البيت على العشا، لكن لقيته رايح في سابع نومة. حاولت تنادي عليه تطمن عليه أحسن يكون تعبان، لكن هو مردش عليها وكان رايح في النوم. وعلشان كده قررت
تسيبه يكمل نومه بعد ما قربت منه كام خطوة تطمن على نفسه شغال شهيق وزفير ولا مات من كتر ما قلقت إنه مش سامعها ولا رد عليها. خرجت من أوضته بعد ما غطيته كويس وقفلت وراها الباب وراحت هي كمان نامت. والليلة دي احترموا فيها رغبة زين اللي محسش بنفسه ولا بالدنيا ولا حتى فاكر إنه شاف أحلام ولا كوابيس وهو نايم.
صحى على صوت الأذان. فتح عينيه بصعوبة علشان يلاقي زينة واقفة قصاد دولابه بترص فيه هدوم. سألها بكسل رهيب: "هو إحنا إمتى يا ماما؟ زينة: "إحنا العصر يا زين، إيه النوم ده كله؟ زين: "مش عارف، محسيتش بنفسي، حاسس إني بقالي كتير منمتش." زينة: "حالك مش عاجبني." زين: "هو حضرتك واقفة بتعملي إيه عند الدولاب؟ زينة: "الهدوم بتاعتك النضيفة برتبها في الدولاب، لو فضلت شهر على الكرسي هنا مش هتفكر تشيلها من مكانها." قام زين
من السرير بكسل وهو بيقول: "طيب أنا هدخل آخد دش بقى." فعلاً قام من مكانه ودخل أخد الدش بتاعه وغير هدومه وخرج من أوضته نزل يفطر. كانت زينة قاعدة معاه على السفرة وابتديت تتكلم: "انت عارف إن بابا مبقاش بيشوفك تقريباً يا زين؟ زين: "ما أنا موجود طول الوقت في البيت أهو يا ماما، بروح فين يعني؟! زينة: "حتى لو مش بتروح في مكان، انت بتدخل أوضتك وبتقفل على نفسك، وأهو زي امبارح كده من العصر مشوفتكش غير النهاردة. فيك إيه يا زين؟
أنا أصلاً مش فاهماك ولا عارفة إزاي انت رفضت ترجع أمريكا تاني، وحالك متغير، حتى المدرسة برضه مبقتش ملتزم فيها زي ما ابتديت، ولا زي عادتك." زين: "اتأقلمت على هنا يا ماما، ابتديت أعرف أتعامل مع الناس هنا بطريقتهم وبالطريقة اللي تناسب تفكيرهم." زينة: "يعني نسيت كل الحاجات اللي كنت بتجادل فيها من بداية ما وصلت؟ زين بحيرة:
"يا ماما لأ ما نسيتش، بس طبيعي يعني مش هعيش في بلد وأنا طول الوقت مستاء من كل حاجة حواليا، وأهو بكتسب ثقافة جديدة، ووقت ما آخد قرار بالرجوع لأمريكا… المرة دي هيكون قراري لوحدي، حضراتكم أخدتوا القرار ده مرة وأنا نفذت من غير جدال، المرة الجاية اللي هيبقى فيها قرار هيكون مني أنا وبس مهما كان رد فعل حضرتك أو بابا، بس لحد دلوقتي… أنا مقتنع بوجودي هنا." زينة:
"كبرت يا زين، بقيت بترد عليا وأسلوبك صارم كأنك بتتعامل مع موظف من موظفين باباك مثلا." حس زين باستياء مامته ورد وقال: "أنا آسف يا ماما، مش قصدي حاجة زي دي أبداً، أنا بس بتناقش مع حضرتك، ماتزعليش مني، أنا بس لسه النوم مأثر عليا… واضح إني نمت كتير جداً وده محسسني بصداع، أنا آسف تاني." زينة ابتسمت:
"ولا يهمك يا زين، انت كبرت وطبيعي تبقى بتعرف تناقش وتتكلم، المهم بس الأسلوب اللي تتكلم بيه يكون مهذب، مش علشان تثبت إنك صح… يكون أسلوبك فج ومفيش فيه احترام للي قدامك، مهما كان فرق السن بينك وبينه حتى لو كنت أنت أكبر من اللي بتتناقش معاه." ابتسم زين وقام من مكانه وقرب من مامته وباس خدها وهو بيقول: "حضرتك عندك حق، أكيد هخلي بالي من طريقتي بعد كده، أنا آسف." زينة: "طيب يومك إيه بقى النهاردة؟
بما إن اليوم ابتدا معاك من بعد النهار ما غاب، السهرة هتكون عاملة إزاي؟ ضحكت زينة بعد ما خلصت كلامها، رد عليها زين وهو مبتسم وهو عارف إنه فعلاً حاله اتشقلب ومبقاش واخد باله من مصلحته ولا دراسته، رد عليها وقال: "هروح لمجد صاحبي أشوف إيه فاتني في المدرسة، محتاج أجمع اللي فاتني علشان لما أرجع انتظم في المدرسة أبقى مجمع كل حاجة." زينة:
"شاطر يا حبيبي، أيوه كده طمني، عايزاك ترجع تاخد بالك من مذاكرتك، تقديراتك مينفعش تقل يا زين." ابتسم زين وقال لمامته وهو لسه قاعد على الكرسي اللي جنبها: "متقلقيش، مش هتقل، هاتي بوسة بقى خليني أمشي." فعلاً باس مامته تاني وهي باسته كمان وسابها وخرج.
زين مكانش بيكذب على زينة لما قال إنه هيروح لصاحبه. راح لمجد صاحبه اللي استقبله وكأنه بقاله فترة مشافوش. رحب بيه وقعدوا سوا يتكلموا عن المدرسة وعن الدراسة وعن اللي بيحصل وعن كل اللي فات زين في المدرسة. قعدوا ذاكروا سوا. حاول مجد يساعد زين شوية في المواد وزين كان ذكي وبيفهم بسرعة. مجرد ما شرح مجد نبذات عن كل اللي اتأخد في المدرسة كان زين جمع كل حاجة. قضوا مع بعض كام ساعة مش كلهم طبعاً مذاكرة بس. ولما جت الساعة 9
بليل سمع زين همس في ودانه: "قادوس، الليلة، مفيش تأخير." ارتجف زين من الصوت لكن استجمع نفسه بسرعة. خلاص اتعود واتأقلم عليهم ومبقاش يخاف بسهولة. غير إن فضوله بقى أقوى بكتير من الخوف اللي كان جواه. وعلشان كده طلع من الحمام وقال لمجد: "مجد ممكن أستخدم التليفون؟ مجد: "آه طبعاً، أنت بتستأذن؟ اتفضل في الريسيبشن." دخل زين الريسيبشن عند مجد واستخدم التليفون. اتصل على البيت عندهم ورد عليه يزن. سأله زين: "يزن حبيبي، فين ماما؟
يزن: "ماما فوق في الأوضة، بابا قاعد معايا، تكلمه؟ زين: "آه، اديني بابا." رد فهيم على زين: "أيوه يا زين؟ أنت فين يا بابا؟ زين بهدوء: "إزي حضرتك يا بابا؟ أنا عند مجد صاحبي." فهيم: "أنا كويس يا حبيبي، أنت لسه هناك لحد دلوقتي؟ مامتك قالت إنك رايح تذاكر معاه شوية." زين: "معلش يا بابا هتأخر مع مجد شوية، فيه حاجات كتير محتاجين نراجعها، حضرتك عارف الامتحانات قربت." فهيم بمنتهى الثقة:
"ماشي يا حبيبي، لو احتاجت إني آجي آخدك لما تخلص كلمني، لو رجعت لوحدك خلي بالك من الطريق." زين ابتسم لثقة أبوه فيه وخوفه عليه. رد وقال: "حاضر يا بابا، متقلقش عليا، باي." فهيم: "مع السلامة يا حبيبي." قفلوا الخط. خرج زين من الريسيبشن وقال لمجد: "لازم أمشي دلوقتي يا مجد." مجد باستغراب: "أنت مش لسه بتقول لباباك إنك هتتأخر عندي شوية؟ زين بتردد:
"آه، أصل أنا رايح مشوار وبابا لو عرف هيرفض، معلش بقى كنت مضطر أكذب عليه، أصل المشوار ضروري." مجد: "طيب تحب أجي معاك؟ زين كان قلقان من فكرة إنه هيروح المقابر، لكن قبل ما يوافق إن مجد يروح معاه سمع صوتهم في ودنه وبيقولوا وكأنهم اتكلموا كلهم مع بعض: "ارفض." اضطر زين بسرعة يقول لمجد: "مش هينفع، أنا لازم أروح لوحدي، متقلقش، لما أبقى أرجع البيت لو الوقت متأخرش هتصل بيك، لو متصلتش بيك… نتقابل في المدرسة."
ساب زين مجد وخرج من بيته. مشي وهو لا عارف هو ماشي فعلاً ولا بيتهيأله. كانوا هما اللي مسيطرين على جسمه في الوقت ده وكأنهم عايزين يوصلوه لمكان معين بسرعة. ورغم إن زين مكانش معاه عربية، وكان ماشي على رجليه، إلا إنه بلمح البصر كان بعد جداً عن بيت مجد وبقى واقف لواحده في مكان مقطوع. ومع توتره من المكان الفاضي الضلمة اللي حواليه ده، ابتدا التراب حواليه يكون دوامات ومع كل دوامة بتتكون بيظهر واحد منهم، لحد ما اتجمعوا كلهم ووقفوا قصاد زين.
اتكلم زين قبلهم وقال: "إيه المطلوب؟ رد شمهورش وقال: "طريقك للمقابر، مدفن جميلة الدقاق." زين: "وبعدين؟ شمهورش: "مجرد ما يتفتح المدفن، مطلوب منك تنزل القبر." اتقبض قلب زين اللي قال: "أنزل القبر؟ قبر ده اللي مدفون فيه الميتين صح؟ رد حارس وقال: "آه هو، متخافش، احذر من الخوف، مطلوب منك تكون سبيلنا للوصول للقبر." زين: "أنتم بتقدروا تعملوا كل حاجة، ليه بتستخدموني أنا في حاجات زي دي؟ اتكلم لوسيفر وقال:
"علشان الخطوات الأولى لازم تبقى للإنس، لأن الإنس هما السبب من البداية." زين: "حاضر، بعد ما أدخل القبر.. المفروض أعمل إيه؟ طارش: "هتقعد جنب رفات الجثة اللي هتلاقيها في المدفن في وضع السجود، وعلى جدران المقبرة هتظهر كلمات ورموز وحروف… ترددها زي ما هتظهر بالترتيب، وفي اللحظة دي هتبقى بتستدعينا للمقبرة، ولما نوصل، هتعرف إيه اللي هيحصل."
وفعلاً ابتدا زين يتحرك على رجليه لحد المدافن اللي طلبوا منه إنه يوصلها. كان هو اللي ماشي على رجليه، لكن هما معاه في الطريق، هما بيوصلوه لمكان هو مش هيعرف يروحه لوحده. وصل للمدافن اللي كان حارسها قاعد في أوضته مولع منقد نار وبيشرب كوباية شاي. اتوتر زين إنه يشوفه، لكن وكأنهم قدروا يشغلوا الحارس عن صوت دبات رجل زين وهو داخل. محسش الحارس بـ زين ولا بدخوله رغم الصمت والسكوووووت في المكان. لكن الرهبة اللي حس بيها زين في اللحظة دي كانت أول مرة يحس بيها، رغم خوفه ورهبته في أوقات كتير بسبب كل اللي حصل معاه، لكن دايماً رهبة المدافن محدش بيقدر يتجاوزها أو ينكرها. مكان كده له رهبة غريبة في العادي، تخيلوا كمان لما يكون لوحده في سن زين؟!
وكمان بليل ولواحده! او بمعنى الاصح مع الجن. لكن مع كل ده وصل زين للمدفن اللي كان محتاج يوصل له. وقف قدامه وهو بيبص حواليه وشايف شواهد المدافن حواليه. مع ضوء القمر زودت الرعب والرهبة في المكان. مش هيقدر ينكر زين من جواه في اللحظة دي انه اصغر من انه يبقى في موقف زي ده.
لكنه لاحظوا ده على زين قرروا يفوقوه وهما بيفتحوا القبر بقدراتهم ومن غير ما يلاحظ زين شاف القبر مفتوح قدام عينيه. وهنا كل الخيالات المرعبة حس انه شايفها قدامه. مجرد ما عينيه جت جوة القبر المفتوح. تخيل للحظة انه شايف كل الشواهد اللي حواليه في المقابر دي كلها بأصحابها قدام عينيه جوة القبر. رجع بضهره لورا خطوات وهو بيقول: –لاء. مش هقدر انزل.
وهنا اتجمعوا الامراء السبعة وبغمضة عين كانوا قدروا ينزلوا زين جوة القبر. علشان يقع من طوله ويغيب عن وعيه من عدم استيعابه للموقف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!