تحميل رواية «ابواب» PDF
بقلم هنا عادل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الرعب له أشكال كثيرة في الدنيا اللي إحنا عايشين فيها، البشر مرعبين الحقيقة أكتر من أي حاجة تانية ممكن تكون مرعبة. لكن ده ميمنعش حقيقة وجود العفاريت. عارفة إن فيه كتير بيكذبوا وجودهم، لكن الحقيقة أنا اللي مخليني مقتنعة بوجودهم آية من آيات القرآن الكريم: "قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وأني عليه لقوي أمين". وطبعًا بعد كلام ربنا مفيش مجال للجدال والتشكيك. أما الشيطان بقى فطبعًا ده محدش برضه يقدر ينكر وجوده ولا محاولاته المستميتة في إغواء البشر. أما بقى البحر وغضبه ده نوع من أنوا...
رواية ابواب الفصل الأول 1 - بقلم هنا عادل
الرعب له أشكال كثيرة في الدنيا اللي إحنا عايشين فيها، البشر مرعبين الحقيقة أكتر من أي حاجة تانية ممكن تكون مرعبة.
لكن ده ميمنعش حقيقة وجود العفاريت.
عارفة إن فيه كتير بيكذبوا وجودهم، لكن الحقيقة أنا اللي مخليني مقتنعة بوجودهم آية من آيات القرآن الكريم:
"قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وأني عليه لقوي أمين".
وطبعًا بعد كلام ربنا مفيش مجال للجدال والتشكيك.
أما الشيطان بقى فطبعًا ده محدش برضه يقدر ينكر وجوده ولا محاولاته المستميتة في إغواء البشر.
أما بقى البحر وغضبه ده نوع من أنواع الرعب.
الأماكن المهجورة ده كمان شكل من أشكال الرعب.
ضعف النفس ده لوحده رعب في حد ذاته.
وأنا بقى المرة دي مش عارفة هتكلم معاكم عن أي رعب فيهم بالظبط.
حاولت أحدد هدف عشان أبقى عارفة هكتب إيه أو أقول إيه، لكن للأسف مقدرتش أستقر.
وعشان كده أخدت قرار بأني هكتب اللي هييجي في بالي، من حاجات سمعتها من ناس قديمة وكبيرة جدًا في السن عاشوا تجارب متتصدقش، وعن حاجات يمكن أكون حقيقي صادفتها أو يمكن أكون اتهيألي إني صادفتها.
مش عارفة الحقيقة بالظبط.
بس أنا كده أحيانًا بحس إني في دنيا أو زمن تاني غير اللي أنا فيه.
مش عارفة ببقى صاحية ولا نايمة؟
لكن اللي أعرفه إني دايماً عندي إحساس بأن حياتي متقسمة أجزاء وكل جزء منها عايش في عالم تاني غير اللي المفروض إني موجودة فيه.
مش عارفة هبدأ بمين.
لكن كل اللي أعرفه إني هحكي وخلاص.
وخلوني أبدأ بزين.
زين اللي ابتدا حياته مع أسرة مقتدرة وميسورة مادياً بشكل كبير.
طفل ابتدا حياته في أمريكا.
أخد الجنسية وبداية حياته من الطفولة كانت هناك.
وده خلاه طفل أجنبي من الدرجة الأولى.
ثقافة، أفكار، لغة، عادات، معتقدات، كل حاجة فيه كانت حرفياً مالهاش علاقة بالعرب.
حياته أجنبية بمعنى الكلمة.
لكن ده كأخلاق مأثرش بشكل مبالغ فيه لأنه كان برضه لسه طفل موصلش حتى لمرحلة المراهقة.
وده كان سبب مقنع لأبوه إنه يشوف فكرة رجوعهم لبلدهم مش هتأثر في حاجة على نفسية زين أو أخوه الأصغر منه يزن.
ورجع زين ويزن مع أبوهم وأمهم أخيرًا لبلدهم الحقيقية.
ودي كانت الكارثة بالنسبة لزين.
رغم طفولته اللي كل اللي حواليه هيحكموا عليه بيها، إلا إنه كان مصدوم من كل حاجة حواليه.
الاختلاف أكيد معروف مش محتاج شرح.
لكن الأجواء كلها بالنسبة لزين صادمة.
واكتملت الصدمة مع محاولته التفاهم مع اللي حواليه في أول عزومة لهم بعد رجوعهم من السفر.
كان زين مع فهيم باباه وأعمامه وقرايبه من الرجالة والأطفال اللي سنهم تخطى العشر سنين قاعدين بيتكلموا وبيتناقشوا في الفرق بين مصر وأمريكا.
وكان قاعد زين زي التايه بينهم.
وهنا اتكلم معاه حد من الموجودين وسأله:
"وأنت يا زين.. إيه رأيك في بيتك الجديد؟"
بص زين لعمه اللي كان بيسأله السؤال ده، ورجع بص تاني لباباه.
هنا اتكلم باباه بابتسامة ووضح لزين معنى السؤال اللي اتسأل من لحظات، لكن اتكلم مع زين باللغة اللي بيفهمها.
وهنا طبعًا كانت صدمة للموجودين اللي حد منهم علق قبل حتى ما يفكر زين يجاوب على السؤال وقال:
"إيه ده يا فهيم؟ هو ابنك مبيعرفش يتكلم عربي ولا إيه؟"
فهيم بابتسامة:
"يتكلم عربي إزاي بس يا خالد؟ زين ابني حياته كلها وسط أجانب، حتى الوسط اللي كنا فيه هناك مكانش فيه عرب كتير، والعرب اللي كانوا معانا لغتهم الأساسية مالهاش علاقة بالعربي."
رد محي صاحب فهيم:
"أيوه يا فهيم، بس إزاي أنت متحاولش تعلمه العربي؟ أومال هيتعامل هنا إزاي مع اللي حواليه؟"
فهيم:
"يعني هو هيتعامل مع جهلة يا محي؟ ما هو أكيد هيتعامل مع أطفال في نفس مستواه."
خالد:
"بس مش اللغة الأساسية لهم الإنجليزي؟ إحنا هنا بنتكلم عربي يا فهيم، ابنك لازم يعيش زي الناس اللي هيعيش وسطهم، وإلا هيلاقي نفسه مش عارف يتفاهم معاهم."
فهيم:
"تعليمه هيكون خاص مش حكومي أكيد."
رد محي وقال:
"دراسة اللغة الإنجليزية حاجة ولغة الحوار والحياة حاجة تانية، حاول تشتغل على ابنك في إنه يبقى زي اللي حواليه."
الموضوع اللي دار ده كان سبب في إن زين يبقى قاعد مش فاهم أي حاجة بتتقال.
وفي نفس الوقت حس إنه متضايق لأنه مش عارف إيه اللي بيتقال.
وبين كل اللي اتقال ده قال فهيم:
"أنا هسيبه براحته، لو حسيت إنه حابب وعنده قابلية إنه يتعلم عربي ويتعامل بيه أكيد مش هعترض، لكن لو لقيته مش متجاوب يبقى مش هضغط عليه."
المناقشة دي كانت بتدور كلها على زين اللي هو أصلًا مش فاهم حاجة.
خلص اليوم وكان فهيم ومراته مبسوطين بالتجمع مع قرايبهم وأهلهم وأصحابهم القدام.
ولأن يزن كان صغير فكان قادر يتأقلم ويتبسط بسهولة.
لكن زين هو اللي حس إنه لوحده وسط الناس دي كلها.
وللأسف لا ده كان آخر تجمع ولا ده كان آخر حوار يدور حوالين زين.
اللي بالتدريج ابتدا يتعلم العربي لكن في نفس الوقت لسه مش مقتنع إن دي حياته اللي المفروض يتأقلم عليها.
وعشان كده كان في كل مرة يحصل فيها تجمع يحس نفسه غريب.
وابتديت الأيام تعدي وابتدا يدرس زين في المدرسة الخاصة اللي أبوه شاف إنها من أفضل المدارس الموجودة.
طبعًا ده كان من وجهة نظر فهيم في الفترة دي.
كان التعليم اللي بيدرسوا فيه الأطفال اللغة الإنجليزية من مرحلة الحضانة هي المدارس الخاصة بس.
لكن مكانتش وقتها في مستوى المدارس الإنترناشونال بتاعت دلوقتي.
وعشان كده محسش زين بأي تشابه بين دراسته في مصر ودراسته في أمريكا.
ومع كل مرحلة بيعدي بيها، كان بيحس بأن أبوه ظلمه لما حكم عليه إنه يرجع مصر بعد ما كان بقى مستوعب كل حاجة عايشها في أمريكا.
وكان فهيم على أمل إن زين كل ما يكبر كل ما هيقدر يتأقلم على مصر.
لكن على العكس، كان دايماً فيه فئة بتتعمد تتعامل مع زين على إنه من الفجرة مثلاً.
أفكاره غريبة، معتقداته والثقافة اللي ركزت في عقله من طفولته بالنسبالهم غريبة.
لغة حواره بالنسبالهم برضه غريبة.
وللأسف ثقافة زين اللي اكتسبها في أمريكا مقتصرتش على وجوده هناك.
بالعكس، ده لما رجع مصر وحس إنه لوحده ومش قادر يتفاهم مع اللي حواليه بسهولة، طلب من أمه طلب وقال لها فيما معناه بالعربي:
"ماما من فضلك محتاج كتب في الأدب الإنجليزي."
ردت زينة وقالت:
"حاضر يا زين يا حبيبي، وهدية مني كمان هجيبلك كتب من الأدب العربي، صدقني هتعجبك جدا."
رد زين وقال:
"ماما أنا مش قادر أتفاهم مع الناس اللي حواليا هنا، مش مرتاح ومش مبسوط، من فضلك عايز أدب إنجليزي بس، ابعديني عن العربي ده تمامًا."
ابتسمت زينة اللي كانت بتحاول تستوعب زين وتطمنه:
"حاضر يا حبيبي، هجيب اللي انت عايزه، ومتقلقش يا زين، هي مسألة وقت بس وكل حاجة هتبقى أحلى من اللي انت كنت متوقعه."
ده كان كلام زينة لأبنها اللي حس برضه إن الكلام ده مش حقيقي.
وهنا ابتدا زين يقفل على نفسه معظم الوقت مع الكتب اللي كانت زينة بتجيبهاله.
وقته في المدرسة، ووقت المذاكرة... وباقي الوقت كانت للكتب اللي بيقرأها.
ودي كانت أوقات المتعة الخاصة بزين.
وكانت المناسبات اللي بيحس إنه مجبر على حضورها كتير.
أه هو فهيم كان ديمقراطي، لكن مينفعش يبقى فيه تجمع ويبقى موجود هو فيه لوحده من غير مراته وأولاده.
وده كان بيضغط زين جدا اللي مع الوقت ابتدا يظهر الملل اللي بيكون حاسس بيه وسط التجمعات دي.
وابتدا مع فهمه للغة العربية، يجادل ويرد على كل حد بينتقد تفكيره وثقافته وقناعاته اللي مش قادر يغيرها أو يتنازل عنها.
لحد في يوم من الأيام اللي كانوا في تجمع من التجمعات دي ولأول مرة يتكلم معاه شخص من وقت ما وصل زين لمصر.
الراجل ده كان مجرد متفرج بس، بيبقى قاعد بين الموجودين بيسمع ويتفرج وهو ساكت بس.
لكن في اليوم ده بص لزين بتركيز أوي.
تركيز لفت انتباه زين.
اتكلم وقال:
"يعني إنت يا زين يا ابن فهيم، شايف إن اللي إحنا مقتنعين بيه هنا تخلف؟ شايف إن إحنا هنا عايشين على خرافات وتفاهات؟"
رد زين اللي كان فات على وجوده في مصر فترة كافية لأنه يرد ويناقش رغم إن سنه برضه مش كبير ده يادوب بقاله كام شهر مطلع الرقم القومي.
قال بهدوء:
"أنا مقولتش كده، لكن معظم معتقداتكم بحس إنها وهمية، مش مبنية على حقايق."
رد الشخص ده وقال بنظرة غريبة:
"طيب يبقى أنا محتاج أقعد معاك شوية لوحدنا، في الوقت ده يا أقنعك بتفكيرنا... يا تفضل مقتنع بتفكيرك وساعتها أشهد لك قدام الكل إن تفكيرك أعلى من تفكيرنا."
بص زين للشخص ده باستغراب.
أولاً فرق السن بينهم كبير جداً، الشخص ده أكبر من فهيم أبو زين نفسه.
ثانياً الشخص ده مش بيشترك في أي حوار ولا أي كلام بيتقال من وقت ما رجع زين مصر أول مرة يشوف الراجل ده بيتكلم.
ثالثاً فكرة إنه يقول الكلام ده بثقة ويبقى فيه احتمالية إنه يعترف بأن تفكير زين أعلى من تفكيرهم كلهم... دي حاجة مريبة.
ورغم ثقة زين في نفسه إلا إنه حس بتوتر شوية.
الناس اللي كانوا موجودين وقت ما اتقال الكلام ده لزين معلقوش.
ابتسموا وسكتوا وكملوا مواضيع تانية بعد ما خلص جاد كلامه مع زين.
فات الوقت والناس ابتدت تمشي.
لكن جاد بص لزين قبل ما يمشي وينسى اللي اتقال وقال له:
"هتمشي ولا عندك الثقة الكافية في إني أحاورك؟"
رجع زين تاني من على باب المكان اللي كانوا متجمعين فيه.
قرب من جاد وقال له باحترام وثقة:
"لأ مش همشي، أنا جاهز جداً، لكن حضرتك قولت إنك لو مقدرتش تقنعني... هتعترف بفشل تفكيركم."
رد جاد بهدوء بعد ما شاور لزين يقعد قدامه وقعد زين مبتسم، وقال جاد:
"بتصدق في وجود العفاريت يا زين؟"
كانت الدنيا ضبابية، والأصوات مكتومة. فتحت عيني بصعوبة، حاولت أتحرك بس جسمي كان مكسور.
"حمد لله على السلامة."
صوت أبوي كان قريب، بس مهزوز.
"وين أنا؟" سألت بصوت ضعيف.
"في المستشفى. كنت تعبان مرة."
حسيت بدموعها تنزل على خدي.
"ما تتعب نفسك، ارتاح."
حاولت أبتسم، بس ما قدرت.
"يا رب، ساعدني."
"أنا جنبك، ما راح أتركك."
مسكت إيده بقوة، حسيت بالأمان.
"مشكور يا أبوي."
"لا تشكرني، أنت ابني."
غمضت عيني مرة ثانية، بس هالمرة بنوم هادئ.
***
صحيت على صوت أذان الفجر. جسمي كان أخف. فتحت عيني، شفت أبوي جالس جنبه، نايم.
"يا أبوي."
فتح عينه بسرعة.
"صحيت؟"
"آه، الحمد لله."
"لا تتحرك، لسه تعبان."
"بس أحسن بكثير."
ابتسم أبوي ابتسامة واسعة.
"الحمد لله."
"متى راح أطلع من هنا؟"
"الدكتور قال بعد يومين، إذا الأمور استقرت."
"طيب."
"لا تقلق، كل شيء راح يكون زين."
"أتمنى."
"راح ترجع أقوى من قبل."
"إن شاء الله." ***
مرت الأيام ببطء. كنت أتحسن كل يوم. أبوي كان دايماً جنبي، يقرأ لي، يسولف معي.
"اليوم راح أطلع من المستشفى." قلت بسعادة.
"الحمد لله." رد أبوي. "جهزت لك كل شيء في البيت."
"مشكور يا أبوي، ما أدري كيف أشكرك."
"لا تشكرني، أنت تستاهل كل خير."
***
وصلنا البيت. كان كل شيء مرتب. دخلت غرفتي، حسيت بالراحة.
"اليوم راح ترتاح، بكرة نبدأ التمارين." قال أبوي.
"تمام."
"النوم هو أهم شيء الحين."
"حاضر." ***
مرت الأيام بهدوء، كنت أمارس التمارين، وأستعيد قوتي. أبوي كان دايماً يشجعني.
"اليوم راح أرجع الشغل." قلت له.
"متأكد؟"
"آه، أحس إني جاهز."
"طيب، بس لا تضغط على نفسك."
"ولا يهمك." ***
رجعت الشغل، بس بحذر. كنت أحس بمسؤولية أكبر.
"كيف الأمور؟" سألني المدير.
"تمام، بس لسه محتاج وقت."
"خذ وقتك، صحتك أهم."
"مشكور." ***
كانت رحلة صعبة، بس تعلمت منها الكثير. تعلمت قيمة الصحة، وقيمة الأهل.
"أنا قوي الآن." قلت لأبوي.
"كنت دايم قوي."
"بس الآن أقوى."
ابتسم أبوي.
"الحمد لله." ***
كنت أؤمن بالمستقبل، وأعرف أني راح أواجه تحديات جديدة. بس هالمرة، كنت مستعد.
"أنا جاهز." قلت لنفسي.
"جاهز لأي شيء."
رواية ابواب الفصل الثاني 2 - بقلم هنا عادل
زين اتخض من سؤال جاد ورد وقال:
– هو ده نوع الحوار اللي حابب تقيس مستوى تفكيري بيه؟
رد جاد بهدوء وقال:
– لأ، مش ده الحوار اللي عايز أقيس مستوى تفكيرك بيه، أنا بسألك على قناعاتك مش أكتر، مقتنع بوجودهم ولا لأ؟
رد زين وقال:
– آه، مقتنع بيهم، فيه حالات كتير كانت بتلجأ لوسيط روحاني لما كنا في أمريكا، كان جار لينا الوسيط ده، و بسمع عنده حاجات كتير خلتني أصدق وجود الأرواح والأشباح.
جاد ابتسم ورد على زين وقال:
– سمعت بس؟ مشوفتش صح؟
زين بجدية:
– لأ مشوفتش، لكن هما بيتشافوا؟ اللي أعرفه الحقيقة إنهم بيكونوا مجرد أشباح مالهمش أثر مادي، هما بس بيستغلوا الأشخاص الضعيفة علشان يقدروا يتعاملوا من خلالهم.
جاد:
– أنا هخليك تشوف بعينك، جدالك ورفضك لأي آراء غير آرائك محتاج أعرف مداها لحد فين لما تشوف اللي بيحصل في العالم بتاعهم.
حس زين بفضول غريب، اتكلم مع جاد وقال:
– عالم إيه؟ أنا أصلًا مستغرب جدًا من كلامي معاك! أنا عارف إن حضرتك مش بتتكلم خالص في أي مواضيع، ليه معايا أنا بالذات اتكلمت؟ وليه نوع المواضيع دي اللي اتكلمت معايا فيها؟
جاد:
– هما اللي طلبوا إني أتكلم معاك، وهما اللي طلبوا إني أكلمك عنهم.
زين باستغراب:
– هما مين؟ وطلبوا إيه؟
رد جاد وقال:
– هتعرف لما يوصلوا، قوم بس اقفل علينا الباب ده، اللي هيحصل لازم محدش يعرفه غيري أنا وانت.
في الوقت ده كان حاسس زين بتوتر، سرح لدقايق بيفكر في الحوار اللي بيحصل بينه وبين راجل أكبر من أبوه، الفضول جواه قوي جدًا يعرف إيه اللي هيحصل؟ لكن في نفس الوقت بسبب معرفته بأن فعلاً فيه عالم تاني فيه كائنات بيسمع عنها بس ومشافهاش ووارد يتعامل معاهم بعد شوية وقت ده خلاه حاسس بتوتر، آه هو اختلافه دايمًا بيكون بسبب طريقة التفكير، بسبب اختلاف الثقافات، بسبب حاجات بعيدة كل البعد عن الطريق ده، هو محاولش قبل كده أصلًا يتكلم على الحاجات دي ولا في مصر، ولا حتى في أمريكا، وعشان كده زي ما حاسس بفضول، حاسس بقلق من إنه هيخوض تجربة هو حاسس بالجهل تجاهها، قطع سرحانه ده جاد وهو بيقول:
– يلا يا زين، قوم اقفل الباب، ويا ريت لو تهدي النور ده شوية، مش هنحتاج كل الإضاءات دي.
اتحرك زين من مكانه بهدوء وصمت وراح ناحية الباب وقفلُه، اتكلم جاد وقال:
– بالمفتاح يا زين.
قفل زين الباب وفعلاً قلل الأنوار اللي في الأوضة، لكن مع تقليل الإضاءة وقلق زين، بص ناحية جاد، حس بقشعريرة غريبة في جسمه، اتكلم جاد بابتسامة غريبة وقال بهدوء:
– متقلقش، مش هتشوفهم من خلالي، أنت هتشوفهم بعينك حوالينا كمان شوية دقايق.
اتوتر أكتر زين وقال لجاد:
– أنا مش عارف أنا قلقان كده ليه؟ هو إيه اللي بيحصل؟ أنا مش فاهم على فكرة.
هنا رد عليه جاد وقال:
– هتفهم لما يوصلوا، أنا كمان مش فاهم ولا عارف هما ليه اختاروك، لكن أكيد لهم أسباب، وأنت اللي هتعرفه لو مسموح لك تعرف إيه هي، خلينا نستناهم بس، مينفعش ننشغل في الوقت اللي بيكونوا فيه على وصول.
رجع زين قعد تاني قصاد جاد اللي رغم إنه لسه على نفس الحال اللي متعود عليه زين، إلا إنه المرة دي حاسس بخوف من ناحيته، حاسس نظراته غريبة، صوته بيقشعر الجسم، فيه طاقة كده حاسس بيها من ناحية جاد بتسبب لزين سرعة في ضربات قلبه، التوتر كان بيخلي زين كل ثانية يبص في ساعته، وبعد الدقيقة يكلم جاد ويقول:
– هو إحنا هنفضل قاعدين كده؟ هو اللي جاي ده هييجي إمتى؟
جاد برق فجأة لزين لدرجة إنه اتنفض من نظرة جاد له، وشاور جاد بصوبه ناحية باب الأوضة المقفول وهو بيحط إيديه التانية على شفايفه بمعنى إن زين يسكت وميتكلمش، اتوتر زين وبمنتهى التوتر والقلق بص ناحية الباب، وفجأة ومن غير مقدمات… وقع زين من طوله ومحسش بنفسه ولا بأي حاجة بعد اللحظة دي.
في أوضة زينة وفهيم، واقفة زينة تسأل فهيم:
– هو زين جاي إمتى يا فهيم؟ أنت ليه سيبته لواحده طيب؟
فهيم:
– ابنك مش صغير يا زينة خلاص كبر، وبعدين هو مش عند حد غريب، ده مع راجل من قرايبنا، أكيد هيخلص كلام معاه ويرجع.
زينة:
– ابنك مش مرتاح هنا على فكرة، حاسة إننا ظلمناه برجوعنا لمصر.
فهيم بابتسامة:
– عارف إنه لحد دلوقتي مش حاسس إنه لاقي نفسه، لكن متقلقيش، لو استمر على الوضع ده هخليه يخلص الثانوية هنا في مصر، ويرجع أمريكا يكمل الجامعة هناك.
ابتسمت زينة وقالت وهي حاسة براحة:
– يااااه، أنا مش قادرة أقولك كلامك ده ريحني إزاي يا فهيم، عايزاك تقول الكلام لزين يا فهيم، خليه يبقى مرتاح شوية ويعرف إنه وقت ما يحب يرجع هناك مش هيكون عندك مانع.
فهيم:
– سيبي بس الموضوع ده دلوقتي، خلينا نديله شوية وقت أكبر، مين عارف؟ مش يمكن يحب هنا ويبقى راضي ومقتنع بوجوده؟
زينة:
– أتمنى، أتمنى يا فهيم إنه ميبعدش عني ولا يفارقني، لكن برضو راحته ونفسيته أهم عندي من أي حاجة.
فهيم:
– متقلقيش، أكيد اللي في مصلحته هو اللي هيتعمل.
خلال الوقت اللي كانت زينة وفهيم بيتكلموا فيه عن زين، كان هو بيفوق وبيفتح عينيه، لكن حالته كانت غريبة، رغم إنه بيفتح عينيه إلا إن صدره طالع نازل بسرعة رهيبة ونفسه ضيق وحاسس بخنقة، حط جاد إيديه على راسه وابتدا يهمس بكلام مش مسموع، في اللحظات دي كان حاسس زين وكأن جسمه بيتعرض لماس كهربا، لكن مش الكهربا اللي تخليه يتنفض، كهربا محسسة بأن جسمه كله فيه تنميل وكأن شعيرات صغيرة بتتحرك على جلده ومش قادر يبعدها عنه، لحظات وسكت جاد من همساته وقال لزين اللي فتح عينيه:
– أنت جبان؟ للدرجة دي أنت بتخاف يا زين؟ أنا تخيلت إن هما اختاروك عشان عقلك مسيطر على قلبك.
زين بيبص حواليه وهو لسه نايم على ضهره على الأرض، قام قعد وهو بيقول لجاد وكأنه بيكدب نفسه وبيكدب عينيه:
– هو إيه اللي حصل؟ أنا إيه اللي خلاني وقعت كده؟
ضحك جاد بخبث وقال:
– هتعرف، بس مش دلوقتي بقى، واضح إنك لازم يتمهد لك ظهورهم، أنا كنت فاكر إنك أقوى من كده.
زين بيحاول ينسى اللي شافه ويتكلم مع جاد وكأنه مش فاهم بيتكلم عن إيه، قال زين:
– ما تخليك واضح معايا، هو أنت حابب تحسسني بتوهان عشان تثبت إنك كده أذكى مني يعني؟ أنا مش فاهم أي حاجة من القعدة اللي مكانش ليها أي داعي دي.
ضحك جاد وقال لزين:
– أنت بتكدب على نفسك، أومال صراحتك ووضوحك وجرأتك راحوا فين؟ عمومًا ماشي يا زين، ارجع لبيتك دلوقتي، أنت أضعف من إنهم يظهروا فجأة، هتتعرف عليهم بعد التمهيد، وكمان هتعرف منهم هما سبب رغبتهم بمعرفتك بيهم.
اتعصب زين وهو بيقول لجاد بحدة:
– كنت قولت إن انت عايز تضيع وقت وخلاص، أنا غلطان على فكرة إني تخيلت إن فيه حد موجود هنا ممكن يكون بيفكر فعلاً، أنا آسف على وقتي ده.
سابه زين واتحرك ناحية الباب، لكن جاد قال لزين وهو خارج:
– هههههه أنت شفت خلاص يا زين، وعارف إني كنت هغلبك، بس أنت اللي قلبك طلع خفيف، هديلك فرصة تتعود عليهم، عشان لما تشوفهم تاني ميحصلكش اللي حصل ده.
بص زين ناحية باب الأوضة وكمل خطواته عشان يخرج، رجع بص لجاد مرة تانية بسبب غضبه منه، لكن اتفاجيء زين إن جاد مش موجود… اتصدم زين وبص في كل ركن في الأوضة، وبعد ما كان خارج وقف في مكانه يدور على جاد اللي مكانش له أثر في اللحظة دي.
رواية ابواب الفصل الثالث 3 - بقلم هنا عادل
لم يكن مستوعبًا زين ما يحدث حوله، لكنه شعر بالخوف للمرة الأولى في حياته. أحس بالتوتر والقلق في البداية، لكن مرحلة الخوف لم تكن قد أتت بعد. بعد اختفاء جاد من الغرفة، أصبح قلب زين مليئًا بالخوف ولم يقدر على فعل شيء سوى المشي. مشى دون حتى أن يفكر في البحث عن جاد أو يتخيل أين قد يكون ذهب.
عاد إلى البيت، وعلى غير عادته، دخل إلى غرفته مباشرة وأغلق عليه الباب. في العادي، لا يستطيع زين النوم دون الاطمئنان على والدته، لكن في ذلك اليوم، كان الرعب الذي يشعر به أكبر من أن ينشغل بأي شيء آخر مهما كانت أهميته. جلس على السرير، يحدق في الحائط أمامه، يسترجع كل ما حدث. قلبه يدق بسرعة.
كلم نفسه في لحظة وقال:
– هل أنا في كابوس؟ هل ما رأيته حقيقي؟ بالتأكيد أنا في شيء غير طبيعي!
كلم نفسه، ويتمنى لو أنه فعلاً في شيء غير طبيعي، ولا أن ما حدث مع جاد كان حقيقيًا. ظل جالسًا بعض الوقت على هذا الحال، سرحانًا، وشيئًا يتكلم مع نفسه، وشيئًا يكذب ما حدث. حتى أحس أن طاقته تنفد ويحتاج لتجاوز هذه الليلة بأي شكل من الأشكال. ولهذا السبب، كان يجب عليه النوم. وبالفعل، دون أن يغير ملابسه، ألقى بجسده على السرير وأغمض عينيه.
ومنذ تلك الليلة، تغير كل شيء في حياة زين، الطفل الذي لم يكمل السادسة عشرة من عمره إلا أيامًا قليلة.
مر بعض الوقت، لم يكن زين يعرف مدته بالضبط، لكن كل ما يتذكره أنه فتح عينيه وهو ينهج، وقلبه يدق بسرعة، ويشعر بشيء بارد كالثلج فوق جسده ووجهه. قام وهو ينتفض من الرعب، وأشعل الأباجورة التي بجانبه، وبدأ يبحث حوله في كل مكان. لكنه أخذ نفسًا عندما تأكد أن غرفته فارغة، ولا يوجد أي شيء يستدعي الحالة التي هو فيها. اطمأن، وحاول أن يغمض عينيه مرة أخرى.
لكن ما لم يره في الغرفة، رآه في الحلم. لم يكن قد ذهب في النوم بعد. والمنظر، من شدة الرعب الذي أحس به زين، منعه من أن يقدر على فتح عينيه مرة أخرى. وقف يقول له في حلم مؤقت، دون نوم، وبصوت غليظ مرعب، حاد، وملامح مؤذية:
– أنت من هذه الليلة البديل. جاد دوره انتهى.
زين، برعب، يحاول فتح عينيه، لا يعرف. وكأن هناك من يضغط على عينيه ويمنعه من فتحهما. تكلم مرة أخرى بصوته المخيف وقال:
– أنت لست نائمًا لتفتح عينيك. أنت مستيقظ، وما تشعر به، وتراه، وتسمعه، ليس مجرد حلم. يجب أن يكون البديل مثلك يا زين. استعد لما هو قادم.
قال ذلك واختفى من أمام زين. فتح زين عينيه بصعوبة، والدموع تنزل منها من الرعب والخوف الذي يشعر بهما. قام يجري من السرير، خرج من غرفته، وذهب ليخبط على غرفة والديه. قام فهيم بسرعة، مخضوضًا من الخبط على الباب، ووراءه زينة. وقف زين أمام نظراتهم القلقة بدموعه وقال:
– أنا… أنا خائف. أنا خائف جداً.
سحبه فهيم إلى حضنه، وطبطب عليه وقال بهدوء وقلق على ابنه:
– مالك يا زين؟ في إيه؟ تعال اجلس، احكِ لنا.
أخذ فهيم زين في حضنه ودخل به الغرفة، وزينة قلقة على ابنها ومستغربة دموعه التي لم تعتدها منه. جلسوا معًا في غرفة نوم فهيم وزينة، وبدأ فهيم يسأل:
– مالك يا حبيبي؟ أنت رجعت إمتى؟ بتعييط كده ليه؟ إيه اللي حصل؟
زين، بنظرات تائهة حوله في الغرفة، ودموع لا تتوقف:
– مش عارف. مش عارف يا بابا إيه اللي حصل. مش عارف حتى إيه اللي حصل. أنا مش عارف غير إني خائف بس.
هنا ردت زينة بقلق على ابنها وقالت:
– طيب، أنت شوفت كابوس يا زين؟ قرأت حاجة رعب خلتك خايف كده؟
زين لم يعرف ماذا يقول. لم يكن يعرف هل سيُصدق لو حكى ما حدث أم لا. لكن اضطر للرد ويقول:
– كابوس كأنه حقيقي. كنت مش نايم بس مغمض عيني. وشوفت حد شكله مرعب. حد شكله مينفعش يتوصف. شوفت… شوفت عفريت.
ردت زينة بسرعة:
– بسم الله الرحمن الرحيم. عفريت إيه بس يا حبيبي؟ خليت إيه ليزن أخوك لما أنت تقول كده؟
فهيم بهدوء:
– استني يا زينة. أكيد يعني زين مش خايف من كابوس. وبعدين، حتى لو خايف إنه شاف عفريت، ما هو عادي. أنا بخاف من العفاريت وسيرتهم. بس متقلقش يا زين. مفيش حاجة اسمها عفاريت يا حبيبي. ما عفريت إلا بني آدم.
زين نظر لأبيه، وقال وجواه يتمنى أنه يطمئن:
– يعني إيه؟
رد فهيم وقال:
– يعني مفيش عفاريت. البني آدمين هما اللي عفاريت. مش أنا كنت ساعات أقول لأخوك أنت عفريت بسبب شقاوته؟
رد زين بهدوء:
– أيوه.
تكلم فهيم وقال:
– العفرتة دي كلمة بنقولها علشان بس نوصف بيها نشاط أو طاقة مبالغ فيها وأكثر من الطبيعية.
طبعًا، كان يقول فهيم ذلك وهو من جواه هدفه فقط أن يطمئن ابنه. لكن هو عارف أن ما يقوله ليس صحيحًا. وفعلاً، كان كلام فهيم سببًا في أن يشعر زين بالراحة قليلًا، وقال:
– بجد يا بابا؟ يعني مفيش عفاريت حقيقية؟ أصل ده كان شكله مرعب. حضرتك مش متخيل مدى بشاعته.
ردت زينة وهي تطبطب على رجل زين بحنان وتقول:
– من إمتى بتخاف بالشكل ده يا زين؟ ده أنت طول عمرك من وأنت لسه طفل صغير وأنت قلبك جامد ومش بتخاف من أي حاجة. أنت حتى بالنسبة ليا أنا وبابا جرأتك وقوة قلبك كانوا مش طبيعيين!
فهيم يكمل حالة الاطمئنان التي يريد ابنه أن يدخلها:
– ههههههههه. هو عمك جاد غلبك في الكلام ولا إيه؟ كسفتني شكلك كده!
توتر زين من سيرة جاد، وسأل:
– هو إيه حكايته الراجل ده يا بابا؟ أنا مش مطمن من وقت ما قعدت اتكلمت معاه!
فهيم:
– أكيد ده مش وقت نتكلم فيه عن الناس يا زين. إحنا ننام دلوقتي، وبكرة نتكلم براحتنا عن كل اللي أنت عايزه.
تكلمت زينة:
– خلاص يا فهيم، أنا هروح أنام في أوضة زين، وخليه هو ينام هنا جنبك، علشان بس يكون مطمن إنه كان مجرد كابوس ومفيش حاجة تخوف.
مسح زين دموعه وقال:
– لالا، خلاص أنا بقيت كويس. أنا آسف أزعجتكم. هروح أوضتي.
ردت زينة برفض:
– لاء، نام هنا مع بابا. وأنا هروح أوضتك أنام فيها. يلا بقى، الوقت اتأخر جدًا. تصبح على خير يا حبيبي. أسيبكم تناموا بقى.
بالفعل، راحت زينة تنام في غرفة ابنها. وأخذ فهيم ابنه من يديه، وطلعه على السرير، وهو يضحك ويقول:
– ياااه يا زين، بقالك كتير جدًا منمتش جنبي. والله أنا فرحان بالكابوس ده.
ابتسم زين على محاولة أبيه أن يجعله يتبسط. لم يرد على ما قيل، لكنه عانق أباه. ورغم أنه في السادسة عشرة، إلا أنه لم يتكسف أن يدخل داخل حضن أبيه ويذهب في النوم. ولم يشعر بنفسه ولا بالدنيا إلا في اليوم التالي، قرب الظهر تقريبًا. فتح عينيه عندما تكلم فهيم وقال في أذنه بهمس:
– إيه يا أستاذ؟ السرير بتاعنا عجبك ولا إيه؟
فتح زين عينيه بابتسامة، ونظر لأبيه. لكن فجأة، اختفت الابتسامة، وبرق عينيه بصدمة، وحس أن صوته مُنع من الخروج. وعيناه كادت أن تخرج من مكانها وهو يرى الدم في كل مكان على الحيطان… وكتابة باللون الأسود وسط الدم لكلمة واحدة كانت:
– الحارس.
رواية ابواب الفصل الرابع 4 - بقلم هنا عادل
صرخ زين من الرعب، لكن اكتشف أنه كان بيحلم. فتح عينيه وقام مرعوبًا، يلتفت حوله ليجد كل شيء كما هو، ووالده واقفًا بجانبه مستغربًا رد فعله.
قال فهيم:
– مالك يا زين؟ في إيه؟ أنا كنت بصحيك تفطر معانا.
زين يأخذ نفسًا بصعوبة، يستوعب أنه كان في كابوس وليس حقيقة. رد على أبيه:
– كابوس، كابوس صعب يا بابا.
فهيم:
– متخافش طيب، مفيش حاجة تستدعي الرعب ده كله. قوم كده خد دش وانت تفوق، حلم وراح لحاله.
قام زين من مكانه ودخل يأخذ دشًا وهو مش قادر يستوعب ما يحدث له. بدأ اليوم، وخرج من الغرفة وفطر مع أهله. خرج فهيم لشغله، وبدأت زينة تنشغل في البيت واحتياجاته. هي طبعًا لا تعمل بيدها، بل معها من يساعدها في البيت، لكن زينة تحب أن تكون متابعة لكل شيء يحدث في بيتها بنفسها، وخاصة في المطبخ. لديها وسواس نظافة. كان يزن في الحديقة يلعب، وكان زين في غرفته يحاول البحث عن تفسير في أي كتاب لما يحدث له، لكن للأسف لم يقدر على الوصول لشيء.
لذلك قرر أن يتصل بأبيه:
– بابا، لو سمحت أنا عايز أقابل أبيه جاد.
فهيم بأستغراب:
– ليه يا زين؟ في حاجة ولا إيه؟
زين:
– لأ مش حاجة مهمة يعني للدرجة، لكن عنده كتب محتاج أستعير منها، لأني دورت عليها ومالقيتهاش.
فهيم:
– طيب، هبقى أتصل بيه وأبلغه. قولي إيه أسماء الكتب؟
زين:
– لأ أنا هطلبهم منه. ممكن حضرتك تديني رقم تليفونه؟
فهيم:
– ماشي، أنا مستغربك شوية، بس تمام مفيش مشكلة.
أخذ زين رقم الهاتف وأغلق مع أبيه بسرعة الخط. اتصل بالرقم، وبعد أكثر من اتصال، أخيرًا رد على الهاتف. أول ما رد قال:
– أهلاً يا زين، كنت متوقع إنك تيجي مش تتصل.
زين بسرعة:
– هو إيه اللي بيحصل معايا؟ أنا مش طبيعي من وقت ما كنت حضرتك؟
جاد يضحك:
– متقلقش، هتتعود. أنت أصلح حد تم اختياره، ولذلك هتتعود. وإحنا عارفين ده كويس.
زين بصوت واطي حتى لا تسمعه أمه:
– تم اختياري لأيه بالظبط؟ ومين دول اللي اختاروني؟ وعارفين منين إني هتعود؟ وعلى إيه؟ أنا بشوف كوابيس غريبة.
جاد:
– ههههه، متخافش يا زين، أنت هتتعرف على أسمائهم في البداية، وبالتدريج هتبدأ تشوفهم.
زين بضيق وانفعال:
– هما مين؟ أنت عملت فيا إيه؟ أنا أول مرة أبقى في الحالة دي!
جاد:
– الكلام في التليفون مش هينفع، تقدر تيجي عندي البيت.
زين سكت للحظة وحس بقلق من أنه يروح البيت، ولذلك قال:
– لأ، بيت لأ. أنا... أنا... إحنا ممكن نتقابل في أي مكان برة.
رد جاد وقال:
– خلاص ماشي يا زين، هسيبك على راحتك في البداية بس. فيه قهوة في وسط البلد، هقولك عنوانها بالظبط ونقابل فيها.
بعد أن اتفقا على الميعاد والمكان، أغلقا الخط. كان زين مش عارف إيه اللي اتحط فيه مع جاد؟ ولا فاهم الكابوس اللي شافه معناه إيه؟ كل اللي حاسس بيه ومتأكد منه هو أنه خائف، قلقان، حاسس أنه مش على طبيعته. ولذلك كان جالسًا في غرفته، ينظر للساعة وينتظر الميعاد ليقرب، ليقوم يجهز ويروح يقابل جاد. لكن الانتظار ممل، والوقت ثقيل، وزين مستعجل.
لذلك قام يجهز، وفجأة انقطعت الكهرباء. خاف زين على غير عادته من انقطاع الكهرباء. وقف في مكانه، كان أمام المرآة لأنه كان يضبط ملابسه. لم يكن قادرًا على الحركة، وهو يحس بهواء دخل غرفته فجأة رغم أن البلكونة اللي في الغرفة مقفولة. لكن المرعب بالنسبة له أكثر من قطع الكهرباء هو الخط الذي بدأ يظهر باللون الأحمر على المرآة، وكأنه يبرق ويكسر العتمة التي تحيط بزين. بدأ اسم جديد يتكون على المرآة باللون الأحمر، وكُتب:
– لوسيفر.
ردد زين الاسم وقال بصوت مسموع ورعب:
– حارس… لوسيفر! في إيه؟ إيه الكلام ده؟ بيظهر لي ليه بالشكل ده؟ أنا صاحي مش نايم! يعني ده مش كابوس.
اختفى الاسم ورجعت الكهرباء مرة أخرى. وحس بقبضة قلب وخوف يزيد بداخله وهو يقول:
– أكيد دي مش أسماء عفاريت يعني! أنا عارف إنهم موجودين، لكن مش لدرجة إني أتعامل معاهم.
جري ليخرج من غرفته وراح على مامته وقال لها وهي مشغولة في وقفتها مع المساعدة بتاعتها يجهزون الغداء:
– ماما، أنا خارج.
زينة:
– خارج؟ رايح فين يا حبيبي؟
زين:
– هقابل أبيه جاد، عنده مجموعة كتب عندي فضول جدًا إني أقرأها.
زينة بأستغراب:
– أدب إنجليزي برضو؟ هو أنت فيه كتب مش عندك؟
زين:
– لأ يا ماما، كتب عربي. يلا بقى عشان متأخرش عليه، عيب ده أكبر مني مينفعش يستناني.
زينة:
– ماشي يا حبيبي، متتأخرش. المهم أنت النهاردة كويس يعني؟ أحسن من إمبارح؟
زين بأبتسامة كذابة:
– آه أنا كويس، متقلقيش عليا، كنت مرهق بس.
ابتسمت زينة ورجعت ركزت ثاني في اللي كانت متابعاه. وخرج زين راح على المكان اللي اتفق عليه مع جاد. كان وصل قبل الميعاد بشوية وقت. لكن القلق اللي عايش فيه واللي بيحصل معاه حسسه إنه يخرج من البيت ويخلص من كل اللي حواليه ده أفضل من إنه يفضل قاعد مستني الميعاد ييجي. وفعلاً استنى واستنى واستنى، وجاد اتأخر. وزين رغم تأخير جاد عليه إلا أنه مقتنع إنه مش هيمشي غير لما يقابل جاد.
وبعد وقت وتأخير كثير، وصل جاد وعلى وجهه ابتسامة مستفزة. شافه زين داخل القهوة وبيقرّب منه وعلى وجهه الابتسامة المستفزة دي. قام زين من مكانه احترامًا لجاد وسنه بالنسبة لزين. قعد جاد وهو يقول:
– معلش يا زين، نمت شوية بس راحت عليا نومة. اتأخرت عليك أنا عارف.
زين:
– مفيش مشكلة، أسف إني نزلت حضرتك من البيت.
جاد:
– أهو تغيير، أنا قليل لما بطلع من البيت. الغريب إني نازل أقعد على القهوة مع عيل في سن أحفادي.
قالها جاد وضحك. اتضايق زين ورد بأدب وقال:
– بس أنا مش عيل يا أبيه.
جاد ضحك وقال:
– وأنا مش أبيه، أنا الحاج جاد. تعرف تقول يا حاج؟ يا تقول حاج وأقول عليك زين، يا تقول أبيه وأقول عليك عيل.
زين حاسس بغيظ من أسلوب جاد، لكن رد بأدب من ثاني وقال:
– أنا هقول لحضرتك اللي يعجبك، لكن هي مش مساومة. أنا قلت أبيه.. أونكل، عمو، حاج… في كل الأحوال أنا مش عيل، اتفقنا يا حاج جاد.
ضحك جاد وقال:
– عرفت ليه اختاروك بقى؟…
قبل ما يكمل جاد، رد زين بضيق وانفعال:
– أيووووة… مين بقى اللي اختاروني دول؟ واختاروني لأيه؟ وإيه اللي بيحصل معايا؟
جاد:
– مستعجل أنت يا زين؟
زين:
– من فضلك فهمني، مش مهم اللي يحصل، لكن المهم إني أفهم. ومدام فهمت وعرفت… فأنا بكون مستعد ومتقبل أي حاجة.
جاد رجع بضهره على الكرسي وأخذ نفسًا. وبدأت ابتسامة الاستفزاز تختفي وظهرت على ملامحه جدية وقال:
– تمام، وعشان كده أنت الأنسب. أنا خلاص كبرت زيادة عن اللزوم، ومش هيختاروا حد من العيلة يكون كبير في السن. هما عايزين حد في سنك كده، لكن يكون عنيد، واثق، مختلف، ومميز كمان، عشان دي صفات مش كتير هتلاقيها موجودة في شخص واحد…
قاطعه زين من ثاني:
– أيووووة برضو فهمني أنسب لأيه؟ ومين اللي اختاروا؟
جاد قرب وانحنى على الترابيزة علشان لما يتكلم بهمس وصوت واطي يقدر زين يسمعه. قرب زين كمان من جاد علشان فضوله حركه. تكلم جاد بهمس ونظرات جادة جدًا وقال:
– الحُراس.
زين بنفس طبقة صوت جاد:
– حُراس مين؟ وليه صوتك واطي؟
جاد:
– عشان ده كلام مينفعش يتقال بصوت عالي، ولا ينفع حد يعرف عنه حاجة. لكن أنت لازم تفهم ولو جزء، عشان تقدر تتعامل مع اللي جاي.
زين بفضول:
– طيب فهمني.
جاد:
– حُراس من الجن يا زين. مش أنت متأكد إنهم موجودين؟
توتر للحظات، ورجع زين رد وقال:
– أيوه عارف إنهم موجودين، بس أنا مالي بيهم؟
جاد:
– مش كل حاكم لازم يبقى له وريث؟
زين:
– مش فاهم!
جاد:
– يعني كل الملك مثلاً لما يكبر وتنتهي مدة الحكم بتاعته… بيدوروا على الوريث للحكم بتاعه من بعده، وأنت بقى وريثي.
الكلام كان غريب. ورغم ثقافة زين، إلا أنه مكنش فاهم حاجة. وده حس بيه جاد، ولذلك بصوت واطي كمل كلامه وقال:
– أنا في سنك كنت بنفس طريقة تفكيرك كده يا زين. والجن لما بيحبوا يتواصلوا مع عالم البشر بيكونوا محتاجين أشخاص معينة. الضعيف الجبان السلبي… بيتأذى بس، لكن اللي زينا هما المُفضلين بالنسبة لهم، بيقدروا من خلالنا يظهروا قوتهم اللي بنسمع عنها بس من غير ما نتأكد هي حقيقة ولا لأ؟
زين:
– هنفضل نتكلم كتير كلام مبهم؟
جاد:
– سلالة أسرتنا من الجذور لهم علاقة بعالم الجن وعالم السحر. وكل مرحلة لازم بيكون فيه وسيط بين عالمنا وعالمهم. وفي المرحلة دي أنت اللي اختاروك، ولازم تقبل وجودهم معاك وتنفذ أوامرهم. ولو كنت مطيع… هتعيش مرتاح حياتك كلها، لكن لو عاندتهم زي ما بتعاند كل اللي حواليك…. هتندم.
زين مصدوم ومبرق:
– عالم الجن والسحر؟! وسيط؟! يعني حضرتك عايز تقنعني بأني أنا هتعامل مع الجن؟
جاد:
– ومع أقوى عشائرهم كمان. أوعى تستخف بيهم ولا بوجودهم يا زين. نفذ أوامرهم، وأتمنى إنك تتخطى كل اختباراتهم لخوفك الفترة الجاية. مش هكون موجود عشان تستعين بيا، لكن حاول تتمالك أعصابك. لو حسوا إنك ضعيف وجبان هيخلصوا منك بسهولة لأنك عرفت بحقيقة وجودهم معانا. لكن لو أثبت نفسك… كل حاجة هتتغير.
زين كان لسه في حالة صدمة. سند ظهره على الكرسي. كان شايف جاد التوتر اللي على وش زين. لكن حالة الشرود اللي كان فيها زين سمحت لجاد إنه يقوم من مكانه من غير ما يتكلم كلمة ثانية. لدرجة إنه خرج من القهوة كلها ومشي. ولسه زين في حالة الذهول اللي هو فيها. ورغم إنه شايف جاد وهو ماشي، إلا إنه حاسس إنه مش في الدنيا وإنه في عالم ثاني. والوضع ده استمر تقريبًا عشر دقايق لحد ما جه القهوجي وقال لزين:
– الحساب يا أستاذ.
كان مش سامعه زين، لكن القهوجي كررها ثاني:
– الحساب يا أستاذ؟ أنت نايم ولا إيه؟
التفت زين للقهوجي باستغراب ورد عليه بعدم وعي وقال:
– ها… حضرتك بتكلمني؟ في إيه؟
القهوجي بأستهزاء:
– ههههه الحب وبهدلته بقى، أه ياسيدي بكلمك، عايز الحساب.
بص زين حواليه وهو مش لاقي جاد. كان مش عارف هو راح فين؟ لكن طلع الفلوس وحاسب القهوجي وقام اتحرك ومشي. كان ماشي سرحان مش عارف اللي جاد قاله ده حقيقي ولا لأ؟ ومش عارف حتى جاد مشي امتى ولا إزاي؟ كل اللي عارفه إنه داخل على مرحلة هو مش مستعد لها. وفضل ماشي كتير لحد ما رجع على البيت وطلع أوضته من غير ما يتكلم مع أي حد…
لكن اللي شافه في أوضته كان أغرب من إنه يتصدق. مجرد ما الباب اتقفل وولع زين نور أوضته، شاف قدامه سرير من الحديد واقف على أربع رجلين طوال. وفوق السرير ده نايم راجل مش قادر زين يحدد تفاصيله. قرب زين من السرير اللي في نص أوضته بخوف وتوتر ورجفة في جسمه ووقف جنب السرير مبرق عينيه وهو شايف إن اللي نايم على السرير ده جاد… من غير هدوم خالص، وميت… وكأنه بيجهز للغُسل. وصرخ زين، لكن للأسف اللي حصل المرة دي مكانش إنه يفوق من كابوس ولا إنه يلاقي أبوه واقف جنبه. لكن اللي حصل كان…
رواية ابواب الفصل الخامس 5 - بقلم هنا عادل
المشهد اللي واقف قدامه زين كان أصعب من إنه يتخيله. بقى واقف مكانه بيتنفس بصعوبة من شدة الصرخات اللي صرخها ومحدش حاسس بيه ولا سامعه. ثابت في مكانه وكأن رجليه رافضة تتحرك. شايف جثة مرمية على سرير حديد قصاد عينيه في أوضته، بينه وبينها خطوات مش أمْتار، ومش قادر يهرب من المنظر أو إنه حتى يستوعب اللي شايفه.
وعلشان المشهد يكمل قدام عينيه والرعب يتخطى كل الحدود جواه، ظهر جنب السرير شخص غريب. كان أول مرة زين يشوف الشخص ده.
لكن هو هيبقى الراجل بس اللي غريب؟ ده شكله مريب جدا، وطويل بدرجة غريبة. وبغض النظر عن كل الغرابة دي، إلا إنه برضه مين ده علشان يكون موجود في أوضة زين؟
طيب جاد وارد وجوده يكون بسبب تفكير زين بشكل مستمر فيه؟ آه طبعًا مش مبرر يخليه يشوفه في أوضته بالشكل ده، بس ده حتى لو طلعنا مبرر لوجود جاد وقولنا تخيل، لكن بالنسبة للشخص ده؟! ياترى يبقى مين؟
التفت الشخص اللي كان واقف جنب السرير وباصص لجاد اللي ثابت في مكانه ومغمض عينيه. وفجأة التفت وبص ناحية زين اللي اترعب واتخض من نظرته الغريبة دي.
تجاهل الشخص ده خوف زين واتحرك في الأوضة وكأنها بتاعته أو كأنه عارفها ومتعود عليها. راح ناحية الدولاب بتاع زين وفتح الدولاب ووطى، كأنه كان بيدور على حاجة في أرضية الدولاب.
وفي نفس الوقت اتخطف قلب زين لما شاف جاد بيقوم من نومته دي ويقعد على السرير الحديد. وشه أزرق، بيتحرك وكأنه إنسان آلي. حس زين إنه عايز يرجع يصرخ من تاني، لكن صوته مش طالع. رجليه مش مطاوعاه إنه يخرج من الأوضة. مشغول الشخص ده ولسه بيدور على اللي هو عايزه.
لكن جاد قام ونزل من على السرير. المنظر مرعب، غريب، مخيف لأقصى درجة. اتحرك جاد بخطوات بطيئة ناحية زين اللي كان صوت قلبه مسموع وكأنه صوت طبلة. وقف جاد قصاد زين وجسمه منحني ونظرته لزين غريبة. كان بيرتعش زين.
لكن جاد اتكلم وقال:
– كده أنا نفذت آخر طلب.
وفي أقل من لحظة اختفى جاد من المكان كله. رجل زين بترتعش. وفي اللحظة دي وقف الشخص بعد ما لقى اللي كان بيدور عليه. بص ناحية زين اللي واقف في حالة صدمة ورفع إيديه قدام زين من عند الدولاب وهو ماسك...
كفن أبيض. واتكلم وقال بصوت واطي ومريب:
– ده دورك يا قادوس.
وفي نفس اللحظة اختفى الشخص ده. وقع منه الكفن على الأرض. لكن واقف زين في مكانه دموعه نازلة وصوته محبوس وحركة رجليه مش مساعداه. الموقف كله كأنه مشهد اتصور قدام عينيه وفجأة المخرج قال:
– فركش.
وهنا ابتدوا كل واحد في اللوكيشن يجمع المعدات اللي موجودة. الدولاب مقفول زي ما كان. السرير الحديد مالهوش أثر. حتى جرد المياه البلاستيك اللي كان تحت رجل السرير من عند رأس جاد... مبقاش له أثر. ورغم إن كل ده كأنه محصلش إلا إن الكفن هو الحاجة الوحيدة اللي موجودة في الأرض قدام عيون زين.
فضل على الحال ده أكتر من عشر دقايق. مش حاسس بالوقت ولا حاسس بالزمن. كل اللي حاسس بيه إنه خايف. ميعرفش زين إيه اللي حصل بالظبط خلاه يبقى قاعد على سريره وماسك في إيديه الكفن الأبيض. بص للي في إيديه.
وفي النهاية صوته كان لازم يخرج، لكن كان مبحوح وهادي وقال لنفسه:
– طيب إيه المطلوب مني وأنا أعمله؟ أنا مبحبش حد يلعب بأعصابي، أنا إيه علاقتي بكل اللي بيحصل ده؟
كان بيتكلم بصوت هادي لكن الخوف باين فيه. مستني حد يجاوبه، لكن مفيش إجابة. مفيش رد. اتكلم زين تاني وقال:
– مش الطبيعي بتاعي إني أخاف، أنا عايز أفهم، ولما أفهم هقدر أقبل كل اللي بيحصل، لكن الشد والجذب ده أنا مبحبش أتعامل معاه. فهموني ووضحولي إيه المطلوب مني، أنا قد أي حاجة، وأقدر أكون في أي مكان وأي موقف يتطلب مني أكون فيه.
برضو مفيش رد. محدش بيجاوب. لكن باللون الأحمر اتكتب على حيطان الأوضة:
– هتكون أنت الوسيط، لكن... استعد لاستقبال السبعة.
قرأ زين الكلام اللي على الحيط وكرره أكتر من مرة، مركز مع الكلام ومستغرب:
– وسيط؟! ماشي، يعني هبقى حلقة وصل بينكم وبين حاجة تانية أكيد هتفهموني إيه هي!! لكن اللي عايز أعرفه بقى.. إيه استعد لاستقبال السبعة دي؟ مين السبعة أصلًا؟ واستقبلهم فين؟
اتمسحت الجملة اللي على الحيط واتكتب جملة تانية غيرها زودت استغراب وصدمات زين:
– في جسدك... رفقاء لروحك.
برق زين للجملة. اتكلم وقال بنفس الصوت وهو متأكد إن فيه حد معاه في الأوضة سامعه وبيرد عليه من غير صوت ومكتفي بالكتابة بس:
– يعني إيه جسدي؟ هما مين دول رفقاء الروح؟ استقبلهم في جسدي إزاي؟
اتمسحت الجملة واتكتب من تاني إجابة لسؤاله:
– السبع أمراء، هيكونوا شركاء ليك في نفس الجسد، روحك مرافقة ليهم جواك.
لسه هيستفسر زين من تاني، لكن اتمسحت الجملة واتكتب جملة جديد منعته من إنه يسأل:
– مش مسموح أكتر من كده، هتعرف كل حاجة في وقتها، لكن في النهاية اسمك قادوس.
فهم زين إنه ميسألش تاني. لكن بقى يكلم نفسه بعد ما الكتابة اختفت من على الحيط:
– قادوس إيه؟ أمراء إيه اللي استقبلهم؟ أعمل إيه يعني؟ واستقبلهم في جسمي إزاي؟ هو إيه اللي جابني هنا؟ أنا كنت مرتاح هناك، من يوم ما رجعت هنا وأنا تايه.
كلامه مع نفسه كتير. اللي بيحصل معاه رغم مدى اطلاعه إلا إنه أكبر من إنه يستوعبه ويتحمله. رغم قوة شخصيته وثقته إلا إن الرعب والخوف مفيش إنسان كبير عليهم. فضل على الحال ده لحد ما نام على سريره بنفس الهدوم اللي كان بيها برة البيت. ومش عارف فات وقت قد إيه نايم.
لكن فتح عينيه على صوت زينة وهي بتقوله:
– قوم يا زين، قوم يا حبيبي بابا عايزك معاه في مشوار.
فتح زين عينيه بتعب. شال من عليه الغطا. استغربت زينة وقالت:
– أنت نايم بالهدوم اللي كنت بيها برة يا زين؟ أنت تعبان ولا إيه يا حبيبي؟
زين بيبص لهدومه وعينيه وارمة من كُتر النوم. رد على زينة وقال:
– محسيتش بنفسي، نمت وأنا مستني السخان يتملي.
زينة:
– يا روحي، خلاص هخلي بابا يجيبلك في أوضتك سخان غاز أفضل من الكهربا اللي بيفضى ده، يلا بقى قوم علشان تلحقوا تروحوا المشوار اللي عايزك معاه فيه.
زين قام من مكانه واتحرك ناحية الحمام وهو بيقول لزينة:
– مشوار إيه ده يا ماما؟
زينة بحزن:
– حالة وفاة في العيلة عند باباك، وأنت دلوقتي مش صغي...
زين بتوتر:
– وفاة؟ مين يا ماما اللي اتوفى؟
زينة:
– أستاذ جاد قريب بابا، اللي أنت كنت بتسأل على الكتب ال...
قاطعها زين بخوف وهو بيبص على مكان السرير اللي كان نايم عليه جاد في أوضته وقال:
– مات؟ فين؟ إمتى؟ إزاي؟
زينة:
– مش عارفة تفاصيل يا زين صدقني، بابا بقى يقولك، غريبة أول مرة أشوفك تتخض على حد بالشكل ده!
زين:
– هاخد دش وأغير هدومي وأنزل بسرعة.
فعلاً خرجت زينة من أوضة ابنها، ودخل زين أخد الدش بتاعه وغير هدومه وفي دماغه مليون حاجة. نزل من أوضته دخل الريسيبشن لباباه اللي كان قاعد بيتفرج على التليفزيون وجاهز للخروج. اتكلم زين:
– مساء الخير يا بابا، هو اتوفى إزاي؟
فهيم:
– مساء النور يا زين، لسه مش عارف يا حبيبي، اتصل بيا عمك محيي وبلغني بأنه اتوفى، لازم نكون موجودين، كده كده هيتدفن بكرة مش النهاردة.
زين بتوتر:
– طيب ليه يستنى لبكرة ما يتدفن النهاردة.
فهيم:
– الدفن بيكون لحد العصر، عندنا هنا مش بنحب ندفن بليل.
كان لسه هيسأل لكن فهيم قال:
– كفايا أسئلة بقى يا زين، خلينا نروح للناس، أنا مستنيك من بدري.
فعلاً خرجوا فهيم وزين. بالنسبة لفهيم ابنه زين راجل مينفعش يبقى فيه أي مناسبة وابنه مش موجود فيها، دي عادات بالنسبالهم مش بيتنازلوا عنها. راجل ولازم يكون مع أبوه في أي مكان يستدعي وجودهم... ووصلوا لبيت جاد، ناس كتير، زحمة، ناس من العيلة وناس غريبة ميعرفهاش زين ولا شافهم قبل كده. مراسم العزا بتحضر من بالليل، بينصبوا الصوان، كراسي كتير في كل مكان، سماعات كبيرة وقرأن شغال.
قرب زين وفهيم من باب البيت اللي كان قدامه جنينة كبيرة بيجهز فيها كل حاجة خاصة بالعزا. ابتدا فهيم يعزي اللي واقفين من العيلة في استقبال المعزين، وقلد زين اللي فهيم عمله بالظبط بنفس الجمل اللي قالها أبوه برضو. ودخلوا البيت وقعدوا مع الناس اللي قاعدة.
لسه هيتكلم فهيم، لكن سبقه زين على غير العادة:
– اتوفى إزاي؟ وامتى؟
رد عليه إبراهيم واحد من أولاد جاد وقال:
– اتوفى الساعة 8، كان قاعد في الجنينة برة وبقاله فترة مكانش خرج من باب البيت للجنينة. رجع دخل أوضته وقفل عليه. الساعة 9 دخلت أختي عليه علشان تديله الدوا بتاعه لقيته نايم في سريره ومتوفي.
زين مصدوم، بيتكلم ويقول:
– لسه... لسه كنا مع بعض، كنا قاعدين سوا...
بص إبراهيم لأخوه كارم وسأله:
– مقولتليش يعني إنه كان قاعد مع حد قبل ما يرجع أوضته.
كارم باستغراب:
– علشان محدش جاله أصلًا علشان أقولك يا إبراهيم.
بص كارم لزين وسأله:
– كنت قاعد معاه إمتى؟
استغرب زين استغرابهم، لكن زود إبراهيم الذهول وقال:
– أصل محدش بيتجمع في البيت هنا إلا لو فيه داعي، غير كده محدش بييجي، وبابا برضو مبيخرجش برة البيت أصلًا، مبيقدرش يتحرك لواحده كتير.
اتفاجئ زين وسأل:
– يعني هو خرج للجنينة بس؟ يعني مبيروحش القهوة مثلًا...
قاطعه إبراهيم بحزن وقال:
– لأ طبعًا... بابا مستحيل يخرج لواحده يقعد في مكان، بينسى مكان البيت ومبيعرفش يرجع، علشان كده اتعود على أوضته وعلى البيت...
في اللحظة دي زين كان مصدوم من اللي بيتقال، بيسأل نفسه:
– اومال أنا كنت قاعد معاه إزاي؟ اومال أنا كنت متكلم مع مين؟ يعني أنا مجنون؟
في اللحظة دي سمع زين صوت بينادي باسمه:
– زين.
بص زين ناحية الصوت، واتصدم لما شاف جاد واقف بعيد شوية عند باب أوضة المكتب وبيشاورله وبيقوله:
– تعالى، أنا عايزك.
رواية ابواب الفصل السادس 6 - بقلم هنا عادل
حاول زين يستنى شوية لحد ما الناس اللي حواليه ينشغلوا مع بعض في الكلام.
مجرد ما سكت هو وابتدوا هما يتكلموا مع بعض، قام من مكانه واتحرك ناحية جاد اللي دخل الأوضة وساب بابها مفتوح.
دخل زين وراه والباب اتقفل من غير ما هو يقفله.
محاولش زين يبص وراه أصلًا، هو في موقف مفيش أغرب منه علشان يستغرب إن الباب اتقفل لوحده.
جاد واقف وضهره لزين.
زين وقف وراه بكام خطوة واتكلم وقال:
– أكيد إنت مش أبيه جاد، إنت مين بقى؟
لف جاد لزين، لكن عينيه مكانتش عيون طبيعية، كانت كلها سودة ومافيش فيها بياض نهائي.
ركز زين وبعد بضهره خطوة لورا.
اتكلم جاد أو شبيهه وقال بصوت تخين:
– ذكي، علشان كده كانت الأولوية ليك.
زين بهدوء وعقل وثبات عن الأول:
– طيب، إيه بقى المطلوب مني؟ أنا مش مهتم بأي حاجة غير إني أفهم موضوع استعدادي لأستقبال السبع أمراء في جسمي ده! المفروض أعمل إيه؟
رد جاد وقال:
– قادوس، هو البشري المميز في العصر الحالي، وعلشان كده طقوس الاستقبال هتعملها كمان سبع ليالي، لكن لحد اللحظة دي.. هتلاقي رسايل، هتلاقي علامات، هتسمع أصوات، هتحس إنك مش لوحدك حتى لو في مكان إنت موجود فيه لوحدك، لكن المطلوب منك لحد اليوم ده إنك متصليش.
زين بيسمع بتركيز، رد وقال:
– كل ده بيحصل بقاله يومين تلاتة، خلاص أنا تقريبًا اتعودت يعني مش بستغرب، هو أنا في كل الأحوال مش بصلي للأسف، لكن أقدر أعرف إيه السبب؟
جاد رد وقال:
– جسمك لو طاهر هيرفض استقبالهم، ولو اترفضوا.. هيقتلوك، ودي هتكون آخر حاجة في الدنيا بتتمناها حتى لو كنت مستنيها.
زين:
– أنا عارف إن الموت ملوش وقت، بس مش غريبة إن أبيه جاد يتوفى بعد اللي حصل ده على طول؟!
رد عليه المتلبس لجاد وقال:
– علشان الحارس كان رافض يخرج ويسيب روحه ترتاح غير لما يوصل البديل، انتظاره ليك طال، وروحه كانت بتتألم من إنها مش قادرة تستقر بسلام.
زين:
– ليه هو اللي بياخد الروح أنتم؟ وإنتوا إيه حُكمُكُم على الروح وتسليمها؟
رد عليه وقال جاد (المتلبس):
– مالناش حكم على الروح، لكن مش كل الأرواح بتخرج بسهولة، كل ما الروح بتكون مرتبطة بينا ومصدقة وجودنا بيكون خروجها مش سهل، لازم بتوفر لنا البديل لها في البداية.
زين:
– فهمت، يعني أنا خلال السبع أيام دول هبقى في انتظار وصولهم؟
رد عليه وقال:
– أيوه، والطقوس هتتبلغ بيها في نفس اليوم قبل الليل ما يحل.
زين:
– طيب، أنا هخرج علشان محدش يستغرب وجودي هنا، طبعًا أنتم عارفين مكاني، بلاش بقى تطلعوا لي وسط الناس، مش عايز حد يفتكر إني مجنون.
سابه زين وخرج.
كان ثابت جدًا وهادي، كان بيحاول يخليهم يصدقوا إنه مش خايف منهم، رغم إنه من جواه مش مرتاح أبدًا لكل اللي بيحصل معاه ده.
مستغربه ومن جواه بيقول:
– أنا مش قد اللي بيحصل ولا اللي هيحصل ده.
لكن للأسف فات الوقت، وهو المُختار، وعلشان كده كان لازم ميبينش إنه ضعيف وجبان، لازم يبان قوي علشان ميحسوش بضعفه ويأذوه.
كفايا وجودهم في حد ذاته جوة حياته هيكون أذى لواحده، ما بالكم بقى لو ضعيف وقرروا يستغلوا ضعفه ده ويجننوه؟! هيعمل إيه ساعتها؟
حضر زين وأبوه تجهيزات الغُسل اللي هتتم قبل الصلاة على جاد، واتنصب الصوان، وترتيبات المدفن خلصت.
كل اللي باقي بس هو موظف الوحدة الصحية اللي هييجي يطلع تصريح الدفن، وده طبعًا هيحصل الصبح.
وعلشان كده ابتدوا الناس يرجعوا لبيوتهم على اتفاق بأنهم هيتجمعوا من بدري.
حاول زين يكون طبيعي، وكان بيرد على فهيم اللي بيتكلم طول الطريق عن وفاة جاد المفاجأة، وكمان عن الميراث اللي سابه لأولاده، عن تفاصيل كتير خاصة بجاد…
لكن اللي لفت انتباه زين هو إن طول الطريق وأبوه بيتكلم معاه ومشغول في السواقة، أطياف وخيالات بتظهر على جوانب الطريق.
كل ما يبص زين في اتجاه يحس إنه شايف حد لكن مش شخص، مجرد طيف بيختفي مع حركة العربية.
حاول يفضل عادي ومش مهتم لحد ما وصل البيت.
نزل من العربية وراح باباه يركن العربية في الجراج، ووقف زين يستنى لوحده.
ظهر طيف تاني قدامه على الجنب التاني من طريق البيت.
اتكلم زين بصوت مسموع تقريبًا وقال:
– أنا مش قولت مش عايز حاجة تشكك الناس فيا؟ بلاش التصرفات دي، علشان أنا عنيد جدًا ومبحبش لعب الأعصاب.
اختفى الطيف من غير رد.
رجع فهيم وقال لزين وهو بيقرب منه:
– إنت كنت بتكلم نفسك ولا إيه؟ كنت سامع صوتك.
زين:
– لأ خالص، كنت بغني، بسلي نفسي وأنا واقف لوحدي كده.
فهيم مبتسم:
– راجعين من عزا وإنت واقف تغني؟ دماغك دي مريحاك.
زين ابتسم وسكت.
اتحرك هو وأبوه ودخلوا بيتهم.
كانت زينة محضرة العشا، قعدوا يتعشوا سوا وتتكلم زينة معاهم، ويحكي فهيم عن اللي حصل في اليوم وزين قاعد ساكت وسرحان.
اتكلمت زينة وقالت:
– مالك يا زين؟ سرحان كده ليه؟
زين:
– لأ أبدًا، أنا بس حاسس إن المراسم هنا مختلفة عن أمريكا، مستغرب مش أكتر.
زينة:
– أكيد طبعًا، يلا ربنا يرحمه ويصبر أولاده.
قعدوا يتكلموا وشربوا الشاي بتاعهم بعد العشا، وبعد كده طلع زين على أوضته.
وبعد ما غير هدومه وقعد على سريره.. افتكر الكتب اللي المفروض إنه قابل جاد بحجة إنه ياخدهم أصلًا.
قام راح ناحية المكتب وأخد شوية الكتب وراح قعد بيهم على السرير.
ابتدا يركز في أسماء الكتب، لكن كلها أسماء بلغة غريبة هو مش عارف دي لغة إيه.
وعلشان كده تغاضى عن الأسماء وابتدا يفتح الكتب…
واستغرب جدًا إن رغم إن الكتب باين على الورق بتاعهم إنهم قدام جدًا، إلا إن كل الصفحات فاضية.
استغرب، ابتدا يقلب في كل الصفحات وكل الكتب ونفس النتيجة.
لكن الأغرب من إن الصفحات فاضية، هو إن كل كتاب مكتوب فيه في صفحة واحدة بس:
– قادوس.
اتكلم زين بصوت عالي وقال وهو مستني اللي يرد عليه:
– هو إزاي أنا مقابلتش أبيه جاد؟ ورغم عن كده أنا أخدت الكتب اللي كنت عايزها أو قولت لماما عليها؟!
مفيش رد جاه.
بص تاني في الكتب كلها والصفحات اللي مكتوب فيها اسم قادوس.
اتكلم تاني وقال:
– طيب إزاي كل الكتب مفيهاش غير اسمي بس؟
اترد عليه صوت من حد مش ظاهر قدامه:
– علشان ده اللي يهمك تتعرف عليه دلوقتي، الباقي لسه هيظهر لما ييجي وقت لزوم معرفتك بيه.
بص زين في الكتب من تاني، ورجع كلم نفسه تاني وقال:
– بس مش مكتوب غير الاسم بس، يعني مفيش حاجة جديدة أعرفها عن الاسم ده.
جه الصوت مرة تانية لكن المرة دي ابتدا مع كل حرف يتكون قدامه كيان ضخم.
قال مع تركيز زين لظهوره:
– تقدر تبص تاني في الكتب، الحروف اللي محتاج تقرأها هتلاقيها.
فعلًا بص زين في الكتب، وبطريقة خفية ابتديت حروف تتكتب بخط أخضر تخين وكأن الحبر هيسيل منها.
مفيش أثر لقلم ولا حد بيكتب لكن الكلمات بتتكون لوحدها.
وفي البداية اتكتب:
– قادوس… ابن ملك عشيرة الجن الحارسٍ.
رواية ابواب الفصل السابع 7 - بقلم هنا عادل
برق زين للجملة وسأل:
– يعني إيه؟ أنا ابن الجن؟
مجاش رد. استمر زين في تكرار السؤال بكل الطرق، لكن مفيش إجابة بتيجي. كان هيتجنن. ابتدت تظهر جمل تانية على الصفحات، لكن ولا جملة منهم بتقول معنى الجملة الأولى اللي كان مش قادر زين يستوعب حقيقتها. هل هي خاصة بيه هو كزين؟ ولا هي خاصة بقادوس اللي اسمع اتنسب لزين من وقت ما ابتدوا يظهروا في حياته؟ طيب واشمعنى الاسم ده بالذات اللي قرروا إنه يكون اسمه؟ كل دي أسئلة بيسألها زين، لكن مفيش رد بيترد عليه. ابتدت تتكتب حاجات تانية وهي دي بس اللي هما شايفين إنه محتاج يعرفها.
فاتت الليلة وابتديت الأيام تعدي وكل يوم يخلص على شوية رسايل بالنسبة لزين هو مش حاسس إنها بترضي فضوله. بيحاول يكون طبيعي وهما كمان نفذوا رغبته في إنهم ميظهروش قدامه لما يكون مع ناس. كل الحاجات اللي بتحصل بقيت بتحصل معاه في أوضته أو وهو لواحده. حاجات مفيهاش جديد ولا اختلاف.
لحد الليلة اللي قبل السابعة. في الليلة دي وكان زين راجع من عند واحد زميله كان لسه متصاحب عليه من وقت قريب وعلاقتهم ببعض كويسة. بيته بعيد شوية عن بيت زين وعلشان كده بيعدي على طريق مقطوع شوية.
في الطريق وزين معاه عربية باباه شاف حاجة غريبة. في طريق فاضي مفيش فيه غير عربيات بتعدي على أقصى سرعة. راجل كبير قاعد على الأرض وقدامه أقفاص فاكهة، وفاكهة بتتباع مش في أوانها.
ركن زين على جنب بعد ما عدى من قصاد الراجل اللي قاعد في مكان غريب زي ده. وقف يبص في المرايا عليه وهو قاعد في مكانه ثابت لكن رأسه لفت ناحية زين وباصص له في المرايا هو كمان ومركز معاه من غير أي رياكشن.
حس زين بفضول خلاه يفتح باب العربية وينزل. وفعلاً اتحرك ناحية الراجل اللي لسه باصص لزين ومركز معاه من غير أي حركة. ده حتى عنيه مكانتش بترمش.
وقف زين قصاد الراجل اللي ملامحه كانت بتقول إنه مش عربي. اتكلم زين باستغراب:
– باين عليك مش من هنا. أنت غريب عن مصر ولا إيه؟
مردش عليه الراجل وفضل باصص وساكت. اتكلم زين تاني:
– مش مصري وبتبيع فاكهة في مكان مقطوع زي ده؟ غريبة يعني.
مردش عليه الراجل للمرة التانية. هنا كرر زين الأسئلة اللي سألها لكن بلغة تانية غير العربي. كان معتمد على إن الراجل باين عليه إنه مش عربي فوارد يكون مش بيفهم عربي كويس. لكن برضو هو فضل مش بيرد.
كان هيسيبه زين ويمشي من قدامه وهو عمال يقول:
– كله بسببك يا بابا. أنت السبب في الغرابة اللي بشوفها هنا دي.
هنا اتكلم الراجل الغريب وكان زين سابه واتحرك من قدامه خطوتين. وقال بصوت تخين:
– دي آخر ليلة يا قادوس. لازم تجهز للطقوس.
وقف زين مكانه وحس إنه حتى مش قادر يلف. لكن اتكلم الشخص ده مرة تانية وقال:
– ارجع أوضتك ونص الليل طفي الضوء كله. افتح كتاب مكتوب على الغلاف بتاعه… استقبال أمراء الجن. ونفذ كل المطلوب. أحذر.. أحذر لسانك يذكر قسم.. أو لفظ جلالة.. أو تركع يا قادوس. هتأذي نفسك. اجهز وجهز وعائك.
كل ده اتقال وكان زين مش باصص ناحية الراجل أصلاً. سكت الراجل ده وخلص كلامه.
بتوتر وارتباك لف زين علشان يشوف مين الراجل الغريب ده. ويسأله:
– ليه مردتش عليا لما أنت بتعرف تتكلم عربي؟
لكن اتفاجئ إن الراجل ده اختفى ومبقاش له أثر. بمنتهى السرعة جري زين على العربية وقفل العربية كلها عليه ورفع الإزاز بتاعها كمان وساق بأقصى سرعة. وكان رغم تركيزه في الطريق إلا إن الراجل بتاع الفاكهة ده بقى بيظهرله على طول الطريق وقدام العربية اللي ماشية بأقصى سرعة وهو قاعد بقفص الفاكهة بتاعه. لكن… لكن طيف مش حقيقي. ولأكتر من مرة توتر زين من إنه يكون حقيقي يفرمل مرة واحدة خوفاً من إنه يصدمه. لكن يكتشفه إنه مش موجود وإنه مجرد طيف. أو يمكن زين بيتوهم إنه شايفه قدامه أصلاً.
رجع زين على البيت وهو حاسس إن الطريق اللي كان بياخد فيه نص ساعة سواقة.. الليلة دي زاد الوقت فيه أكتر من ساعة رغم إن مفيش تغيير. هي هي المسافة. وهو هو نفس الطريق. لكن زيادة الوقت ده جت منين؟
كان زين مش عارف السبب.
استقبلته زينة وقالت:
– العشا جاهز يا زين. اطلع غير هدومك وتعالى علشان تاكل معانا.
بص زين لأمه ومردش عليها. كل اللى عمله انه هز رأسه بالموافقة. وفعلا طلع اوضته غير هدومه وبص فى الساعة اللى كانت لسه مجاتش 11 بليل. نزل تاني وقعد معاهم على السفرة زي كل يوم واتعشوا سوا. كلهم بيتكلموا وزين فى دنيا تانية. حاولوا يفتحوا معاه كلام لكن رد بأختصار:
– انا اسف. كان عندي مذاكرة كتير النهاردة. انا هطلع انام.
طلع زين على اوضته. اتكلم فهيم وقال:
– مش فاهم ماله زين. حاله متغير ومش على طبيعته خالص!
زينة:
– قولتلك من البداية احنا ظلمناه برجوعنا هنا.
فهيم:
– يخلص الثانوية ويرجع يكمل دراسته هناك. خلاص مش هضغط عليه اكتر من كده.
زينة ابتسمت:
– شكرا يا فهيم. شكرا انك مش اناني.
فهيم:
– مصلحته اهم من اي حاجة يا زينة. اه انا كنت حابب انه يكبر هنا بعد ما قدرت اعملهم مستقبل يعتمدوا عليه بدل ما يبدأ من الصفر. لكن مدام هو مش مرتاح يبقى هسيبه يعمل اللى يخليه مرتاح وفى مصلحته.
كان ده الكلام بين زينة وفهيم ومكانش زين يعرف عنه حاجة. دخل اوضته قفل عليه الباب وراح ناحية المكتبة يدور على الكتاب اللى بتاع الفاكهة قال عليه. فعلا بعد كام كتاب دور زين بينهم شاف الاسم. غلاف اخضر محاط باللون الذهبي. اسم الكتاب مكتوب بالكوفي باللون الذهبي والتشكيل بالأخضر البارز. رغم ان اللون طبيعي. الا ان خامة غلاف الكتاب كانت تشبه الجلد وتشبه القطيفة لكن مش حاجة منهم. ملمس الغلاف كأنه فيه بروز خشنة رغم انه يبان عليه نعومة الملمس. حس زين بقشعرة فى جسمه لما مشى بأيديه على غلاف الكتاب وعلى اسمه وحس بملمس خشن تحت ايديه. شال ايديه وفتح اول صفحة. وكانت اول حاجة مكتوبة:
– ستقرأ عليك من مخلوقات غيبية…تراك ولا تراها. قلمك بيدك.
وفعلا قام زين من مكانه مسك قلم وقلب اول صفحة وابتدا يكتب…مكانش بيفكر يكتب ايه ولا ليه بيكتب اصلا. لكن تقريبا كان بيكتب اللى بيطلبوا منه انه يكتبه. وابتدا بأول جملة:
– ستقوم بتنفيذ طقوسك فى عزلة. لا تحاط ببشر.
ركز فى الجملة وقرأها بصوت مسموع وكأنه مش هو اللى كاتبها. من غير ارادة نزل بأيديه على السطر التاني يكتب جملة جديدة:
– ستقرأ ما يُكتب بصوت عالٍ.
وفعلا من غير تفكير هو من البداية بيقرأ بصوت عالي. وللمرة التالتة نزل بالقلم على السطر التالت وكتب:
– احذر. لا تقرأ سوى فى الظلام. مع طلب اتمام الطقوس ستقرأ فى ظلام حالك. لا تقلق فسترى كل ما تحتاج الى ان تراه. وقبل سطوع الشمس تصمت ولا تكرر ما قرأته.
وفجأة ابتدا يرسم زين جدول هو نفسه مش عارف ايه اللى بيرسمه ده. لكن رسمه وابتدا يقسم الجدول لخانات بالطول والعرض. وفى اول صف بالطول ابتدا يكتب زين اسماء بالترتيب تحت بعض فى كل مربع:
– حارس
– لوسيفر
– قُزح
– غضب
– قفر
– طارش
– شمهورش
وابتدا قصاد كل اسم فى كل مربع يكتب حروف وارقام ورموز هو مش فاهمها. مجرد حاجات بيسمعها وابتدا ينفذها من غير تفكير. كل اللى بيعمله انه بيقرأ اللى بيكتبه بصوت عالي. مكانش عارف انه باللي بيعمله ده هو بيجهز استدعائهم. كان حاسس انه مُغيب. بينفذ اوامر مش اكتر. استمر على الحال ده ساعة تقريبا. وفجأة الكهربا قطعت مع اخر جملة كتبها وكانت غريبة:
– لتقم بغرس السلاح بداخل قلبك. فى الظلام وانت مبتسم وتردد
– (لقد وهبتكم جسدي وروحي. فلتسيطروا كما ترغبون).
رسم دوائر كتير فيها رموز وحروف وارقام مكانش عارف فايدتهم. رسم جداول وكتب اسماء وارقام. كتب جُمل. ردد وقرأ كل اللى كتبه وفجأة الكهربا كلها انطفيت. ومع قطع الكهربا برزت الحروف كلها وكأنها بتنور بلون النار. وفى صفحة جديدة فاضية بورق اصفر قديم ابتدا يترسم خنجر..خنجر غريب منقوش بحروف وارقام زي اللى كاتبها تقريبا فى الجدول. الغريب فى الخنجر ده ان حتى الحواف بتاعته منقوش عليها حروف. كان مركز زين فى الصورة اللى اتكونت قدامه ومندهش بشكل الخنجر اللى ابتدا يظهر ببروز فى الصفحة لحد ما بقى مش مجرد رسمة واتحول لسلاح ملموس قدام عنيه وبين ايديه. ومن غير تفكير ورفع زين الخنجر ده وهو حاسس برعشة فى جسمه وملمس الحروف كله فى ايديه وهو ماسك الخنجر وابتدا يقرأ كل اللى كتبه بصوت مسموع…وكأن عقله غاب عنه وبتصرف غير متوقع منه غرس الخنجر فى قلبه….لكن…لكن منزفش. مماتش. متألمش. الموقف كان غريب جدا. اغرب من كل اللى فات. كشف زين عن جسمه وبقى صدره ظاهر. مكان الطعنة اللى طعنها لنفسه واضح. الخنجر مغروس فى جسمه لكن اللى نتج عنها مش دم…دى كانت شعيرات من النار بتظهر جوة جسمه. كأن العروق اتحولت لخيوط من النار وعملت فروع متشابكة مع بعضها وبتنتشر فى جسمه كله. ابتديت تظهر اكتر. وتزيد. والنار او لون النار اللى بيزيد جوة جسم زين بيوصل لكل مكان فى جسمه لحد ما حس زين اخيرا بألم اللي بيحصل وصرخ…صرخ صرخة قوية من اقوى الصرخات اللى ممكن تكون خرجت من انسان فى الدنيا. لكن كان لسه واقف على رجليه…جسمه بيتنفض ويترج زي اللى بيتعرض لصعقات كهربا. لكن من اقوى الصعقات. وشه ابتدا يتحول للأزرق لحد ما الشعيرات دى وصلت انه برزت فى عيونه كمان واتحول بؤبؤ عنيه لجمرة نار…وفجأة النار قادت فى الاوضة كلها وصرخات غريبة خارجة من زين. كأنه بقى مش لواحده. وجواه مليون صوت مش صوت واحد. اصوات كتير مختلفة عن بعضها. بتصرخ وبتهمس وهو لسه جسمه بيرتجف وبيترج بقوة جدا. وعلى الحال ده والنار فى الاوضة قايدة محدش حاسس بيها وكأنها مش مسموح لها حد يشوفها ولا يحس بيها ولا يتألم منها غير زين لأكتر من ربع ساعة تقريبا. وبعد الوقت ده من تعذيب جسم زين اترمي على السرير وغاب عن الوعي. مفتحش عنيه غير على خبطة قوية فى دماغه علشان يكتشف انه مش على السرير ومرفوع فى الهوا بين السقف والسرير. برق عنيه اتكلم بصوت غريب وقال:
– اهلا بينا فى جسم بني البشر. انت اضعف من انك تكون وعاء لأمراء الجن.
ووقع زين مرة واحدة على سريره وكأنه اترمى بالقصد. قام من مكانه نزل من على السرير. هو حاسس انه بيتحرك. لكن مش احساس صريح وواضح. كان حاسس بتنميل فى جسمه..استغرب نفسه شوية وهو بيحاول يفتكر اللى حصل. لكن حس بشفايفه بتتحرك وصوت تخين خارج منه بيقول:
– انت بتتحرك مكان ما هنحركك. احساسك هيكون بعيد. هتتخيل انك مش بتتحرك ولا بتتكلم. لكن ده علشان احنا اللى مسيطرين على جسمك. ده كان طلبك.
رواية ابواب الفصل الثامن 8 - بقلم هنا عادل
زين فى الوقت ده مكانش حاسس بجسمه، لكن رعشة فى رجليه وكأنه بتدي إشارة بأنه هيقع من ضعف عضلاته. راح ناحية السرير وهو مش سامع صوت تاني للي كان لسه بيتكلم معاه. قعد على السرير وبإرهاق رهيب نام على جنبه وحط راسه على مخدته، ومن التعب راح في النوم. مكانش فاكر الليلة دي هو شاف أحلام أو كوابيس أو أي رسايل حتى ولا لأ. كل اللي عارفه إنه محسش بنفسه مجرد ما حط راسه على المخدة.
صحى تاني يوم في نص النهار. حاولت زينة تصحيه أكتر من مرة لكن هو كان حاسس إنه مش قادر يفتح عينيه. حاول يصحى لكن عينيه تقيلة مش مساعداه يفتحها. بعد الساعة اتنين بعد الظهر بالعافية قدر يفتح عينيه. قام من سريره بصعوبة وجسمه كله واجعه كأنه مليان دبابيس. راح ناحية المرايا ووقف قدامها. حس زين إنه فات عليه سنين طويلة أوي مش ليلة واحدة بس اللي مشافش نفسه فيها قدام مرايا. بص لعنيه اللي تحتها هالات سودا ظهرت فجأة. بص لجسمه وشاف كتفه مايلة لتحت وكأن وزنه نزل أكتر من اللازم في سواد الليل بس. رفع إيديه وبص عليها شاف فيها رعشة بتقول قد إيه أعصابه ضعيفة ومش مستحملة. كان واقف حزين على نفسه وشكله وحاله اللي اتغير في ساعات تتعد على صوابع الإيد الواحدة. بص لنفسه تاني في المرايا، لكن المرة دي شاف نفسه واقف في المرايا مبتسم.
ركز زين في المرايا. لمس وشه واتأكد إنه مش مبتسم. باصص للمرايا بخوف. اتكلم اللي في المرايا وقال:
– لازم تاخد بالك من صحتك. كل كويس. كويس جدا. جسمك لو مش هتقدر تساعده هيخونك. مش هيستحمل وجودهم فيه. وساعتها قبل ما يخرجوا من جسمك هتكون خسرت روحك.
زين بتعب:
– انت مين؟
رد عليه وقال اللي في المرايا:
– أنا قادوس.
رد زين:
– إزاي؟ أنا اللي اسمي قادوس.
رد عليه قادوس في المرايا:
– قرينك. أنا قرينك. وجودي معاك في الوقت ده أكيد هيساعدك.
زين:
– هتساعدني يخرجوا من جسمي؟
رد قادوس وقال:
– انت اللي طلبتهم. انت اللي نفذت الطقوس. أنا هكون معاك بس علشان أساعدك متضيعش نفسك أكتر. دلوقتي هما محتاجين ليك علشان انت الوسيط لهم. لكن لو مكنتش قوي كفايا وقدرت تقدم لهم بجسمك الخدمات اللي هيحتاجوها. وقتها بس هيخلصوا منك. وده أنا مش هبقى عايزه.
رد زين باستغراب:
– طيب وانت فايدتك إيه في إني أعيش وميخلصوش مني؟
رد قادوس:
– أنا قرينك. يعني بموتك ميبقاش ليا وجود. لازم أحافظ على حياتك.
زين:
– بس أنا تعبان جدا. مش قادر أشيل نفسي. أول مرة في حياتي أحس إني ضعيف ومجهد بالشكل ده. ده كده ولسه محسيتش بقوة وجودهم كمان.
قادوس:
– علشان كده لازم تقوي جسمك. أنصحك باللحم. الني.
زين برق:
– يعني إيه اللحم الني؟ انت قصدك اللحمة بتاعت الخروف يعني بس تكون مش مستوية؟
قادوس:
– أي لحوم. المهم تكون لسه بدمها. هتقدم لجسمك الطاقة. وهتقدملهم هما كمان الرغبة في إنهم يمدوك بقوتهم. وساعتها جسمك هيستمد طاقته من قوتهم كمان وده هيبان عليك بشكل ملحوظ.
زين حاسس بقرف:
– إزاي؟ إزاي آكل حاجة بدمها؟
رد قادوس وقال:
– زي ما غرست سلاح في قلبك. الألم أصعب من القرف اللي باين على وشك ده.
افتكر زين موضوع السلاح ده. حط إيديه مكان الخنجر على جسمه. حس بوجع وسخونية غريبة في المكان ده. لكن ندبة الخنجر. مالهاش أثر. اتكلم قادوس وقال:
– يلا ابدأ يومك. أكيد الليلة هيكونوا كلهم معاك. لازم تكون جاهز للتعامل معاهم. وجاهز لأنهم يتعاملوا من خلالك.
اختفى قادوس. ورجع تاني زين بس اللي قصاد المرايا بملامحه الباهتة وجسمه الضعيف. بص لنفسه مرة أخيرة وساب المرايا وطلع هدوم من دولابه ودخل أخد الدش بتاعه ونزل المطبخ علطول. كانت زينة قاعدة في الريسبشن. حسيت بحركة. اتكلمت بصوت عالي:
– زين حبيبي. انت صحيت؟
رد زين وهو بيحاول يتكلم بكل طاقته علشان أمه متحسش بحاجة:
– أيوه يا ماما. صحيت.
زينة:
– أجي أحضرلك تفطر يا حبيبي؟
زين:
– لالا. ارتاحي. أنا هجهز لنفسي الفطار واجي أقعد معاكي.
كان بيقول كده زين علشان مش حابب زينة تشوفه وهو بيدور على اللحمة النية في التلاجة. حاجة زي كده لا عمرها حصلت عندهم ولا حتى كفكرة كانت مطروحة للنقاش مثلا علشان يتقال إنه حب يجربها. دي أبعد ما يكون عن التفكير. علشان كده كان حابب يكون لوحده في المطبخ. وفعلا من حسن حظه إن زينة كانت مجهزة الخضار واللحمة اللي هتتعمل على الغدا وحطاهم على الرخامة. حاسس إنه قرفان. لكن الضعف اللي حاسس بيه في جسمه خلاه يتغاضى عن القرف ده ويبدأ يمسك اللحمة ويقربها من أسنانه. وهنا كانت مفاجأة. زين مجرد ما أسنانه غرست في اللحمة اتحول لوحش. كان بياكل اللحمة النية كأنه أسد مثلا ما صدق يلاقي الوجبة بتاعته بعد صيام أسبوع مثلا. بياكلها بمنتهى السهولة والشراهة والرغبة. بيستلذ بطريقة غريبة طعم اللحمة النية اللي الدم بتاعها بقى مالي فراغات أسنانه. أكل كتير لحد ما حس إنه شبع. بص للحمة اللي لسه باقية وقال لنفسه:
– لازم أطلع لحمة تانية في التلاجة. مينفعش ماما تلاحظ حاجة.
وفعلا راح ناحية التلاجة بس حس إنه بيتحرك بسرعة الضوء تقريبًا من قوة سرعته. حتى باب التلاجة كان هيتخلع في إيديه مجرد ما مد إيديه عليها. طلع لحمة تانية غير اللي أكلها وخرج من المطبخ وهو مستغرب الطاقة اللي حاسس بيها. اتكلمت زينة وهي باصة لزين باستغراب:
– فطرت؟
زين مبتسم:
– آه. كنت جعان جدا.
زينة:
– انت فيك حاجة؟
قالتها وهي حاساه مش طبيعي. مش عارفة إيه اللي متغير فيه. لكن حاسة إنه مش طبيعي. رد زين بابتسامة:
– أنا كويس جدا. حاسس إني عندي استعداد أشيل البيت ده من مكانه وأنقله لمكان تاني.
اتكلمت زينة بابتسامة واستغراب برضو:
– طيب كويس ده. يعني انت تمام؟ مفيش أي حاجة حاصلة معاك حابب تقول عليها؟
زين:
– أنا تمام جدا. ومبسوط جدا. ونشيييييييييييط جدا.
التحول اللي حصل لزين في أقل من ساعة كان غريب. مكانش مصدق إن مجرد حتة لحمة نية تحول ضعفه وهزلان جسمه اللي كان مش شايله في دقايق لقوة ونشاط وطاقة مالهمش حدود. هزت زينة رأسها وهي برضو مش مقتنعة. لكن قالت لزين:
– عندي ليك خبر حلو.
رد زين وقال:
– إيه هو بقى؟
زينة:
– بابا قرر إنك ترجع أمريكا تاني. تخلص الثانوي وتكمل دراستك هنا.
الابتسامة اختفت ورد زين:
– ده ليه؟ إيه السبب؟ وقرر على أساس إيه؟
زينة مستغربة رد فعل زين:
– ده علشان هو شايف وأنا كمان الصراحة إن انت مش عارف تتأقلم هنا. بابا حس إنه ظلمك لما أخد قرار بأنه يجيبك هنا فجأة من غير تمهيد. وعلى أساس اللي هو شايفه فيه من وقت ما جينا مصر. قرر إنه يصلح الغلطة اللي عملها ويسيبك على راحتك وهو واثق فيك.
رد زين وقال لزينة بهدوء:
– أنا مطلبتش إني أرجع أمريكا. لما أحب آخد خطوة زي دي القرار هيكون ليا المرة دي. من فضلكم محدش يقرر ليا مرة تانية. أنا مبسوط هنا. ومش حابب إني أسافر تاني. بعد إذنك أنا لازم أمشي.
زينة بصيت لابنها وهي مش مستوعبة اللي قاله. هي أكتر واحدة من ساعة رجوعهم حاسة بخنقة زين وعدم تقبله للوضع الجديد. لكن قررت متتناقش معاه في الوقت ده لأنها لاحظت إنه محتاج يخرج. سألته:
– رايح فين؟
زين ابتسم وقام من مكانه:
– عندي مهمة.
سابها وخرج. لكن هي باصة لزين وللفراغ اللي سابه بعد ما طلع من البيت وبتكلم نفسها:
– ماله ده؟ متغير زين! ياترى فيك إيه يا حبيبي؟
زين خرج من البيت وكزين شخصيا مكانش عارف هو رايح فين. لكن اللي بيحركوه مقررين المكان اللي هو رايح له. رجليه بتتحرك بشكل لا إرادي. مشي كتير جدا. وصل لموقف ميكروباصات ومن غير ما يفكر سأل:
– فين العربيات اللي رايحة اسكندرية؟
شاورله واحد من السواقين على عربيات اسكندرية. برضو زين مش عارف إيه اللي خلاه ياخد خطوة زي دي. لكن راح للعربيات بتاعت اسكندرية. ركب وحط راسه على الازاز بتاع الشباك وفضل باصص للطريق. اتحرك الميكروباص ووصل زين اسكندرية. نزل الموقف ووقف يبص حواليه وكان الليل ابتدا يحل محل النهار. مستغرب وبيكلم نفسه:
– أنا جيت هنا ليه؟ أنا معرفش حاجة هنا!
وبرضو من غير ما يقرر ابتدا يتحرك ويمشي لحد ما وصل على الطريق برة الموقف. مكانش عارف هو المفروض يعمل إيه. لكن مجرد ما طلع على الطريق. بص يمين وشمال حس إن الدنيا فاضية والليل مالي المكان. شاف قدامه كيان مرعب بيقوله:
– كهف البحر.
رواية ابواب الفصل التاسع 9 - بقلم هنا عادل
كان مستغرب زين من المكان اللي هو فيه، واستغرب أكتر من الاسم اللي سمعه. اتكلم زي المجنون، اللي لو حد شافه وهو واقف بيتكلم مع نفسه كده، كان هيشك فيه. محدش عارف إنه شايف اللي بيتكلم معاه، رغم إن محدش تاني هيقدر يشوف.
قال زين:
– أنا معرفش حاجة هنا. أنا عمري ما جيت المكان ده. كهف بحر إيه ده اللي أروحه؟ وهروحه إزاي؟
ابتسم الكيان وقال بصوت تخين:
– لوسيفر هيكون معاك.
وقبل ما يتكلم زين تاني، حس إن الدنيا بتلف بيه. وفي أقل من لحظة، المكان حواليه اتغير تمامًا. شاف نفسه في مكان واسع جدًا، كله أشجار وأرض خضرا. بيبص حواليه، شايف الدنيا فاضية. عربيات قليلة واقفة على الأسفلت اللي بين كل جنينة والتانية في صفوف. وكل عربية راكنة بعيد عن التانية بمسافة. يبص حواليه ويتحرك. المكان كله بنفس الشكل. مكانش عارف هو فين. رغم إنهم معاه، إلا إنهم سابوه يتفرج ويشوف المكان اللي هو فيه.
زين اتكلم وهو حاسس إنه تايه ومش عارف المفروض يتحرك على فين ولا يمشي إزاي. قال بصوت هادي وهو قلقان حد يسمع صوته وهو بيكلم نفسه، لأن محدش هيشوفهم معاه:
– طيب آخرة المتاهة اللي إحنا فيها دي إيه؟
رد لوسيفر وقال:
– مكان جديد. مش حابب تشوف مكان جديد؟
زين بهدوء:
– مكان جديد وأنا مش عارف هعمل فيه إيه. واقف زي التايه!
لوسيفر:
– طيب اتحرك عكس اتجاهك.
زين لف جسمه والمشهد اللي كان وراه بقى قصاده. مشي بهدوء وخطوات قلقانة من اللي جاي. لكن لوسيفر قال:
– متقلقش. أنت مش لوحدك. اتحرك في نفس الطريق... هتوصل.
فعلاً، فضل زين ماشي شوية وهو شايف إن المكان ده كله شبه بعضه. جناين. أشجار عالية جدًا. شوارع كتير جدًا مفيش فيها أي حاجة إلا عربيات قليلة جدًا. حتى مكانش عارف فيها ناس ولا لأ.
وأخيرًا وصل زين تقريبًا للمكان المقصود. شم ريحة البحر ووقف قدام سور راكن قدامه عربيات. فيه ناس واقفة بره العربيات دي. شباب بيضحكوا ويهزروا. بيغنوا وبيتكلموا. شاف زين من ورا العربيات والشباب والسور البحر اللي السما السودا عكست لونها عليه، واللمعة اللي على سطح البحر كله لفتت انتباهه. اتحرك يقرب من السور، بس بيبعد عن العربيات وعن الشباب، فبيمشي على طريق السور، لكن في عكس اتجاه الزحمة اللي اتفاجئ بيها. هي مش زحمة أوي، بس بالنسبة للفراغ اللي كان شايفه في الجنينة كلها، يعتبر التجمعات الخفيفة دي زحمة.
بعد شوية، حس زين إنه بعد عن الناس. وقف ورا السور اللي ارتفاعه أقصر من إنه يشوف البحر من وراه، وبقى شايف زين البحر بكل وضوح واستمتاع. وقف يتفرج على المنظر والمكان اللي أول مرة يشوفه. بص على اليمين علشان يشوف هو بعد مسافة قد إيه عن الناس اللي كانوا واقفين على البحر. لكن لاحظ إنه بعد عنهم لدرجة إنه مش شايفهم، ولا شايف حاجة تدل على وجودهم أصلًا. رجع بص تاني للبحر بأستمتاع وقال:
– لوسيفر، إحنا فين؟
رد لوسيفر اللي كان حاضر وظهر بلمح البصر:
– إحنا في طريقنا لكهف البحر.
اتكلم زين وقال:
– يعني المكان ده اسمه كهف البحر؟ هو ده المكان اللي أنت عايزه ولا إيه؟
لوسيفر:
– كهف البحر موجود هنا. المكان ده اسمه جزيرة الجن. لكن بالنسبة لعالم البشر... اسمه المنتزة.
زين:
– المكان ده حلو جدًا. مريح وهادي كده. أنت عايز إيه من المكان ده؟
لوسيفر:
– هتعرف دلوقتي. بلاش تسأل كتير يا قادوس. حاول تتحرك أكتر ما تتكلم.
اضطر يسكت زين وجواه مليون سؤال. لكن اتكلم صوت تاني غير صوت لوسيفر وقال من غير ما يظهر:
– اتحرك يا قادوس. لازم بداية المهمة تنتهي قبل طلوع النهار.
كان زين بيتضايق جدًا من اسم قادوس ده. اتكلم وعبر عن استيائه وقال:
– ليه قادوس؟ أنا اسمي زين. لو مش عايزين تقولوا زين عادي. بلاش تقولوا أسماء أصلًا.
جه الصوت وقال:
– اتحرك يا قادوس.
اتعصب زين. لكن فهم إن كلامه ده مالهوش لازمة. والأفيد إنه يتحرك علشان يخلص ويلحق يرجع القاهرة تاني. كانت حركته دي نتيجة تحرك اللي معاه ومتحكمين في جسمه. كان ممكن يعملوا كل ده من غير ما يحس. لكن هو مكانش عارف إيه الهدف من إنه يكون واعي للي بيحصل.
كان ماشي في نفس طريق السور لحد ما اختفى السور تمامًا وشاف زين سلالم. كانوا درجات كتير جدًا وكأنه نازل بيهم لقاع البحر. اتوتر شوية. شكل البحر في الضلمة مع الأمواج اللي كانت عالية. مع الهدوء والفراغ. مع شكل السلالم. كلها حاجات حسست زين إنه متوتر. هنا اتكلم لوسيفر اللي كان خارج جسم زين ومرافقه في الطريق:
– لازم تكون قوي. الضعف هيأذيك. افتكر.
ركز زين وأخد نفس. وقف على أول درجة من درجات السلم وسأل:
– هو أنا رايح فين؟ السلم ده واصل لحد البحر. البحر عالي. أكيد مش هتنزلوني البحر دلوقتي!
من غير إجابة، رجلين زين اتحركت لدرجات تانية من السلم وابتدا ينزل رغم إنه مش عايز ينزل. حاول زين يمنع نفسه من الحركة. لكن سيطرتهم على جسمه كانت أقوى من سيطرته. وفعلاً وصل زين لأقرب درجة من المياه ووقف أول ما المياه غطيت رجليه. قلق واتوتر وقال:
– أنا لو نزلت هنا أكيد هغرق. البحر عالي.
رجليه اتحركت تاني غصب عنه ونزل أكتر ووصل لأخر السلم. وصلت المياه لنص جسمه. كانت باردة جدًا. الأمواج كانت عالية ورغم إنه واقف والمياه عند نص جسمه، إلا إنه كله كان غرقان بسبب قوة اندفاع الأمواج. حس زين في الوقت ده إنهم عايزين يخلصوا منه ويغرقوه. خاصة لما حس برجليه بتتحرك أكتر وبيدخل جوة البحر أكتر. مبرق عينيه. ساكت مش قادر يسأل وكأنهم منعوه من إنه يتكلم. ماشي في نفس طريق السلم لكن جوة البحر. كان طول زين بيختفي. اتأكد إنه هيغرق. وزود تأكيده ده رجليه اللي غرست في الرمل تحت المياه. صوته مش عايز يطلع. المياه باردة والقلق مسيطر على الموقف، لكن بيحاول ميبقاش خايف أو ضعيف. رغم تأكده من إنه هيغرق، إلا إنه من وجهة نظره يغرق ولا إن هما اللي يخلصوا عليه.
لكن اللي كان غريب إن زين حس إن فيه حاجة سحبت رجليه من تحت. بعد ما كان بيحاول يطلعها من الرملة اللي غرست فيها... اتسحب كله لتحت. مش تحت المياه. لأ، ده حتى تحت الرملة اللي تحت المياه اللي غاص زين تحتها. غمض عينيه واستسلم. ولا كتم نفسه ولا حاول يعوم ولا حاول يبذل أي مجهود. هو مقتنع إن هما عايزين يعملوا ده. ومتأكد إنه لوحده مش هيقدر يقاومهم أو يمنعهم. مكانش عارف إن المكان ده هو الطريق لكهف البحر. معرفش غير لما سمع صوت لوسيفر بيقول:
– وصلنا يا قادوس. أخيرًا قدرت توصلنا.
بيفتح زين عينيه بصعوبة، مش من تعب ولا إرهاق. لكن كان حاسس إنه بيتخيل. اتكلم صوت لوسيفر من تاني وقال:
– أنت لسه طريقنا لمهمات لازم تتنفذ. ولما يكون ليك بديل وقتها ممكن تقلق يا قادوس. افتح عينيك، إحنا وصلنا.
فعلاً فتح زين عيونه بشك وابتدى يبص حواليه علشان يكتشف إنه عايش. مغرقش. مش بس كده. لاء، ده مكان جديد عن اللي كان فيه من دقايق. قادر يفتح عينيه. وقادر يتنفس. وقادر يشوف ضوء عكس الضلمة اللي كان فيها على سطح البحر. هنا صوته خرج وكأنهم سمحوا له إنه يتكلم:
– إحنا فين؟ إيه المكان ده؟
رد لوسيفر:
– ده كهف البحر.
زين:
– يعني المكان ده في البحر؟
لوسيفر:
– تحت قاع البحر.
زين:
– بس أنا بتكلم وبتنفس عادي!
لوسيفر:
– افتح البوابة يا قادوس.
زين:
– بوابة! بوابة إيه؟
لوسيفر:
– بوابة النجاة. وصولك للمكان ده حتى لو بإرادتنا ده معناه إنك مفتاح لبوابة النجاة. بشر كتير من سلالتك مقدروش يكونوا مفتاح للبوابة. مقدروش يوصلوا للكهف. الطريق مفتحش ليهم.
زين حس بأنه مميز باللي سمعه ده وقال:
– أعمل إيه؟
لوسيفر:
– قرب من البوابة. مد إيديك عليها. وبحركة دائرية اكتب اسمائنا... أسماء الأمراء السبعة.
زين اتحرك ناحية البوابة. كانت بوابة شكلها غريب. نقوشها تدل على إن البوابة من الخشب. لكن هي كانت معدن. حديد تقريبًا. نقوش ورسومات غريبة بارزة وكأنها مجسمة وحقيقية. وضوء أخضر جاي من ورا البوابة دي ابتدا يظهر لما قرب منها زين. ابتدا الضوء يشع من جوانب البوابة ومن فوق وتحت، لدرجة إن النقوش اللي على البوابة كانت مضيئة بنفس اللون. حس برهبة بتبعده عن البوابة. لكن قاوم زين وقرر يثبت إنه مميز فعلاً. مش بس كده. هو قالها بصوت مسموع:
– فضولي موتني أعرف إيه اللي ورا البوابة دي!
رواية ابواب الفصل العاشر 10 - بقلم هنا عادل
وقف زين قصاد البوابة بالظبط. وهنا اتكلم كيان تاني ظهر فجأة لزين وكان اول مرة يشوفه. شكله المرعب ميختلفش كتير عن اللى ظهروا لزين قبل كده. قال بصوت حاد:
– لازم تتلوا القسم فى البداية.
زين وقف مكانه وبص للكيان ده وقال:
– قسم ايه؟ مش انتم قايلين مذكرش اي لفظ جلالة؟
رد عليه الكيان وعرف نفسه فى البداية وقال:
– انا شمهورش. ومش معنى القسم انك تتلفظ بألفاظ احنا حذرناك من ذكرها. القسم هتردده مجرد ما تسمع صداه.
قال زين:
– حاضر. هو ايه القسم؟
رد شمهورش:
– خليك واقف فى نفس اتجاه البوابة. المس المقبض وانت بتردد القسم. متلتفتش فى اي اتجاه مهما حصل حواليك.
زين:
– هو هيحصل حاجة ولا ايه؟
شمهورش:
– متسألش. اسمع ونفذ. مش وقت فضولك.
سكت زين. بص للبوابة من تاني. لمس المقبض بتاع الباب وحس ان جسمه قشعر بسبب النقوش البارزة اللى كان ملمسها كأنه جلد بني ادم. وفجأة بصوت عالي جدا وبمنتهى الوضوح ابتدا يتردد صوت من مصدر مجهول:
– ( يا من تقيمون خلف البوابة السوداء. اقسمت عليكم بسلطان الظلام. تتقبلوا حضوري وتتجاوزوا الاضرار. اتيت فقط من اجل الخلاص. لتتحرروا ويتحرر نسلي من هذا الدمار).
وفجأة صوت رياح قوي جدا حاوط زين من كل مكان. مقدرش يلتفت حواليه وهو سامع اصوات كتير متداخلة فى بعض وكأنها تهليل او صرخات. ابتدا الباب يخرج منه صوت يدل على انه بيتفتح. قلب زين بقى بيدق بسرعة جدا. لكن الغريب انه حاسس بتنميل فى جسمه كله. رغم انه عارف انهم مسيطرين على جسمه. لكن فى الوقت ده هو كان واعي للي بيحصل. اه مكانش حاسس احساس كامل بجسمه او حركاته او حتى اللى بيحصل حواليه وكأن فيه حاجز بيمنع الاحساس المباشر بينه وبين الحاجة اللى بتحصل. لكن برضو ده ميمنعش انه كان واعي وحاسس وسامع كل حاجة بتحصل. وفجأة وصوت قوي جدا جدا بيتفتح بيه الباب ويدل الصوت على ان الباب ده مقفول من كتير جداااااا واول مرة يتفتح. رجع زين بضهره خطوات لورا علشان يسمح للباب يتفتح لأنه كان واقف قصاده وقريب منه جدا. ولما رجع وسمح للباب يتفتح شاف منظر فى حياته ماكانش يتخيل انه يشوفه. وقف برق عنيه. وبص فى مكان معين وهو مش مستوعب ان اللى شايفه ده ممكن يكون فعلا موجود قدامه. وهنا اتكلم معاه حد من الامراء وقال وهو بيعرف نفسه:
– انا غضب. ودلوقتي انتي محتاج تدخل جوة المكان ده يا قادوس.
زين ورجليه بترتجف رد وقال:
– ادخل فين؟ ادخل اعمل ايه؟
رد غضب وقال:
– احنا معاك. لكن لو اتمام الامر محتاج للجان فقط كان وجودك مش هيكون له لزوم. للأسف لازم الجنس البشري يكون له دور فى اللى بيحصل. لأن من الاساس انتم سبب.
زين مكانش فاهم:
– سبب فى ايه؟ انا معملتش حاجة. كل اللى عملته اني مكنتش مبسوط اني جيت البلد دي. مكنتش عارف اتفاهم مع حد ولا حابب اتعامل بعيد عن المكان والناس اللى اتربيت فى البيئة بتاعتهم ومعاهم.
هنا اتكلم شمهورش وقال وهما بيتجسدوا واحد ورا التاني حوالين زين لكن مش قدام البوابة وقال:
– لما المهمة تنتهي هتعرف كل حاجة. الحاجة اللى بتعرفها يبقى وقتها بيكون جه. لكن اللى هيحصل دلوقتي تنفذه من غير اسئلة. احنا حواليك. لكن دخولك جوة والخطوات اللى هتتنفذ محتاجة البشر..محتاجة انسي زيك.
اتكلم زين وقال:
– حاضر. انا هعمل اللى هتقولوا عليه.
وفى الوقت ده ابتدوا يتجسدوا الامراء حوالين زين اللى كان بيحس برجفة فى قلبه كل ما حد منهم بيظهر وبيرجع يبص قدامه ويشوف اللى ورا البوابة. فى النهاية اتكلم قُزح اللى عرف عن نفسه الاول وبعدين قال:
– مش محتاج يتقال ليك ايه المطلوب. انت هتعرف لواحدك مجرد ما تكشفهم قدامك.
اتكلم شمهورش وقال:
– ترتيب ودور. مش هتكشفهم كلهم الليلة. لما تخلص الاول هتكشف عن التاني لحد ما توصل للرابع. وبعد كده هتكون المهمة انتهت.
ورجلين زين اتحركت ودخل من البوابة وهو حاسس برهبة غريبة وقالها وهو قاصد يسمعهم:
– انا اول مرة اشوف اموات مدفونة تحت البحر.
محدش رد عليه. وفى المكان ده كان زين بكامل وعيه واحساسه. وده كان نتيجة ان الامراء كلهم واقفين برة البوابة مش معاه جوة. وعلشان كده كان سامع زين صوت ضربات قلبه بودانه. قرب اكتر واكتر لحد ما وصل للأول. وبص زين بتركيز وشايف قدامه جثة ابتديت ملامحها تختفي نايمة على صخرة نص الجثمان على الصخرة والنص التاني منحني من فوق الصخرة. كان منظر غريب ومش مفهوم. اه الجان عالم احنا منعرفش عنه حاجة تقريبا. لكن ان المنظر ده يكون حقيقي! انسان ميت ومدفون تحت قاع البحر من غير كفن ومن غير ما يكون مدفون بشكل طبيعي. فى الوقت ده ركز زين من الوش وهو مش عارف ده راجل ولا ست اصلا. ابتدا يسحب الغطا اللى كان من الشبك بتاع الصيد اللى كان طبقات فوق بعضها وكأنه معمول كده بالذات علشان يخفي عورة الجثة. وقبل ما يشيل زين كل الشبك شاف حاجة غريبة جدا. كان فيه حاجة خارجة من صدر الجثة اللى اكتشف انه راجل لكن طبعا هو ميعرفهوش. وابتدت الحاجة اللى خارجة من صدر الجثة تبرز اكتر وتخرج كمان من الكتف والمعصم لحد كف الايد. ولأن الجثة متخشبة كانت الحاجة اللى خارجة من الجسم ده بتعمل صوت كأنه بتتحفر جوة الجسم. ارتجف زين وهو بيمد ايديه ناحية صدر الجثة يلمس الحاجة اللى برزت دي وسحبها وكأنها خيط…لكن اتصدم لما شاف ان اللى خارج فى ايديه ده…سلك. سلك من الحديد. سلك خارج من جسم جثة لواحده من غير محاولة من حد انه يكتشفه. منظر مرعب اكتر من منظر العفاريت بالنسبة لزين اللى اول ما خرج السلك كله فى ايديه اخده وطلع جري من المكان العجيب ده وهو بياخد نفسه بسهولة. وهنا الباب اتقفل لواحده من غير ما حد يلمسه ووقف زين مكانه يعيط من الصدمة وهو بيقول:
– لاء. كتير اللى بيحصل فيا ده. انا خلاص حاسس اني بقيت مجنون.
اتكلم لوسيفر وقال:
– انت مش مجنون. انت هتساعد. اه مساعدتك هيكون فيها اذى. لكن فى النهاية الجزاء من جنس العمل. واللى هتأذيه يستاهل الاذى فعلا.
وقف زين وهو بيتنفس بسرعة وبيقول:
– انا معملتش حاجة لكل ده. مش قادر استوعب اللى بشوفه واللى بيحصل. انتم عارفين اللى حصل جوة؟ اكيد طبعا عارفين!
رد قُزح وقال:
– انت خايف؟
رد زين وقال:
– خوف ايه؟ الموضوع اكبر من الخوف. الموضوع ذهول..صدمات. اندهاش. استغراب. كل الكلمات اللى تدل على اني مش قادر اصدق اللى بيحصل ولا اللي بششوفه.
هنا اتكلم شمهورش وقال:
– اللي شوفت ده كان سببه انتم. انت عارف اسرتك وجودها فى الدنيا من امتى؟
رد زين وقال:
– مش عارف. ولا كنت اعرفهم هما كمان. انا اصلا مكنتش هنا.
لوسيفر:
– علشان كده انت الانسب. لأن معندكش ولاء لحد منهم. وده هيسمحلك تكون قد المهمة. فيه كتير من اسرتك هتكون نهايته على ايدك.
برق عنيه زين وقال:
– ماما وبابا واخويا محدش يقرب منهم.
هنا اتكلم حارس وقال:
– ابوك بعيد عن اللى هيحصل. هو هرب من زمان. كان فاكر ان بموت اللى عارف اسرارهم يقدر يرجع من تاني ويعيش حياة طبيعية. لكن هروبه رغم معرفته خلاك انت الاختيار الانسب.
زين:
– بابا! يعرف حاجات من اللى بتحصل دي؟
هنا رد غضب وقال:
– مش هتعرف هنا. لازم ترجع دلوقتي حالا. الخطوة الجاية مش هتكون الليلة دي. لازم تكون الليلة الجاية قبل نص الليل…فى المقابر.