صبرك ويأسك بين أيديك وأنت حر. تيأس ما تيأس راح تمر. أنا دقت من ده وده وعجبي، لقيت الصبر مر واليأس برضه مر. وقفنا لما تليفون بهاء رن برقم أبوه. ولما فتح اتفاجأ بصوت مهاب اللي كان بيطلب منه يرجع فورًا وإنه مستنيه. بكر بترقب: -في حاجة يا بهاء؟ بسمة بخوف: -بابا كويس مش كده؟ بهاء كشر: -في إيه؟ ادوني فرصة أرد حتى. بابا كويس، بس لازم نروح حالا. مهاب في البيت وهو اللي رد عليا. بكر وهو بيوقفهم:
-ثانية بس. هو إيه اللي نروح حالا؟ ثانية واحدة بس. أنت نسيت إن مهاب شغال مع نصر؟ مش يمكن ده كمين؟ زهقوا من اللعب وحبوا يخلصوا مننا مرة واحدة مثلًا؟ بهاء باستنكار: -وتفتكر حتى لو كمين، هفضل واقف هنا أفكر وأسيب بابا هناك لوحده؟ يلا بكر يلا خلينا نخلص من الحوار ده. النهاردة يا صابت يا خابت.
خرجوا الأربعة بسرعة على عربية بهاء. كان بيسوق وهو متوتر، خايف على عز، خايف على ما يوصل يشوف منظر يفضل يوجعه العمر كله. وهو خلاص تعب من الوجع ومبقاش فيه مكان لوجع جديد. بكر كان قلقان ومش مطمن. ومن غير تفكير كتير بعت رسالة على الواتساب لمؤمن إنه يحصلهم على بيت بهاء لأن مهاب هناك وهو مش مطمن. مؤمن رد عليه في لحظتها إنه هيتحرك حالا. بس بكر قال له في الرسالة اللي بعدها:
-متطلعش، تعالي بعربيتك ورن لي. هتاخد بدور وبسمة وتاليا وعمي علي بيتك لحد ما نخلص الحوار ده. أنا مش هطمن لو كانوا في نفس المكان. -بس أنا مش هقدر أسيبكم لوحدكم يا بكر! -مؤمن انجز، إحنا قربنا نوصل. يلا مفيش وقت، الله يخليك! اتحرك مؤمن بسرعة رهيبة لدرجة إنه خد كذا مخالفة وهو سايق بسرعة. كل اللي شغله إنه يوصلهم بسرعة قبل ما أي حاجة تحصل. وصلوا قدام البيت. وقبل ما حد منهم ينزل، اتكلم بكر بجدية واصرار:
-أنتم مش هتطلعوا معانا. هتفضلوا في العربية وهنزلكم. عمي مؤمن قدامه خمس دقايق ويوصل. هتروحوا معاه على البيت لحد ما الحوار ده يخلص. أظن كلامي مفهوم. كانوا هيعترضوا، بس هو زعق بصرامة: -مش عايز أسمع غير كلمة واحدة. مفهوم؟ بدور وبسمة بصوا لبعض، لكن من شكل بكر مقدروش يردوا أو يعارضوا وهزوا راسهم بموافقة على كلامه.
اتحرك بهاء وبكر على فوق وسابوا البنات فعلًا في العربية. أول ما وصلوا قدام باب الشقة، كان بهاء هيفتح بالمفتاح اللي معاه، لكن بكر مسكه بهدوء من دراعه وزقه براحة لورا خطوة وهو بيطلع سلاحه الميري وبيأخذ وضع الاستعداد. وبعدها رن الجرس. ومفيش ثواني وفتح مهاب الباب. رغم إنها مش أول مرة يتقابلوا، بس مهاب كان حاسس إنه لأول مرة بيشوف بهاء قدامه. عيونه كانت مليانة دموع، نظراته كلها ندم ووجع وقهرة.
أما بهاء كان باصص له بخوف وحزن. كان متوقع منه أي رد فعل إلا إن مهاب يرمي نفسه في حضنه ويفضل يبكي بصوت عالي جدًا. في اللحظة دي اتجمد بهاء مكانه ومكنش عارف يعمل إيه، لكن بكر كان سريع ودخل بسرعة يشوف عز وتاليا. كان عز قاعد على الكرسي وموطي راسه ومحاوطها بذراعاته الاتنين، وباين من حركة جسمه اللي بيتهز إنه بيعيط. سأله بصوت خايف: -تعالي معايا يا عمي؟ رفع عز راسه واتكلم بصوت مخنوق: -مش هتحرك من هنا.
-طب عشان خاطري تعالي معايا. هنزلك تحت لحد ما نخلص الحوار ده. وجودكم هنا خطر عليكم. يلا. -خد تاليا وبدور وخلي بسمة معاهم، لكن أنا هفضل هنا. لازم أفهم في إيه بيدور حواليا. لازم أعرف ولادي حصلهم إيه وإيه اللي وصلنا لكده. أنا مش هتحرك من هنا يا بكر. ريح نفسك يا بني واكسب وقت ونزل البت لامها. في الوقت ده تليفون بكر رن برقم مؤمن، كنسل عليه وهو محتار، مش عارف يعمل إيه. قطع حيرته دي صوت مهاب:
-يا بكر، نصر ممكن يوصل في أي وقت. الله أعلم هو عارف أنا هنا ولا لأ، بس طالما فيها مخاطرة خلي البنات بعيد أرجوك. وصدقني أنا حاولت كتير مع بابا، لكنه رفض تمامًا إنه يتحرك من هنا. فبلاش نضيع وقت أكتر من كده. لو سمحت. بص بكر لبهاء باستفسار. هز بهاء راسه بموافقة إنه يسمع كلامهم. وفعلا نزل بكر وبلغ مؤمن يتحرك بالبنات وطلع جري على فوق. كان بهاء بيسأل مهاب: -ظهرت تاني ليه؟ تمثيلية جديدة عملناها عليك أنت ونصر؟
ولا زهقتوا من اللعب وجايين تخلصوا مرة واحدة علينا وتخلصوا من الزن ده؟ مهاب بحزن: -أنا جاي عشان أطلب منك تسامحني يا بهاء. صدقني نصر فهمني كل الحكاية غلط ومعرفتش الحقيقة إلا من يومين. ولأنه عرف إني كشفته، خوفت أجي على هنا على طول وادّاريت اليومين دول لحد ما حسيت إن الجو هادي. جيت لك على طول. بكر بسخرية: -ومفروض إننا بعد كل اللي حصل منك ده نديك الأمان ونصدقك بقى صح؟ مهاب بصوت مخنوق:
-أنا فوقت، لاقيت نفسي في مستشفى. كان بيجي لي وجع في دماغي وجسمي، اقسم بالله ما حد يتحمله. كنت بفضل بالساعات أصرخ وبالساعات أنام. مكنتش حاسس بأي حاجة بتحصل حواليا. مش فاكر غير لقطات بسيطة من انهياري وضحك نيرة ودموع بابا. ويادوب بدأت أتحسن شوية والجوع بدأ يقل، لاقيتني في مكان تاني وواحد غريب قدامي بيقولي كلام أغرب. وجاب لي ناس تشهد على صدق كلامه. مبقتش عارف حاجة. كنت تايه. وقاطعه بهاء: -قال لك إيه نصر، حولك كده؟
بصله بعيون بتلمع بالدموع:
-قالي إن نيرة خدت كل فلوسنا وهربت. وقبل ما تهرب قابلت بهاء واتكلمت معاه وساومته لو سابها تسافر بهدوء من غير شوشرة مش هتنزل الفيديو اللي معاها. وأنا منهار وبكسر في الأوضة ولا هتفضحنا قدام الناس. الفيديو كان ظاهر فيه نيرة وبهاء بيتكلموا فعلًا، لكن من غير صوت. هو اللي حكالي الحوار وقالي إنه مقدرش يجيب الفيديو بالصوت. وإنكم رميتوني في مصحة. أي كلام عشان خفتوا من الفضيحة. وإن التمريض اللي كان مسؤول عن حالتي اتواصل معاكم
أكتر من مرة وقال لكم إن باخد علاج غلط وحالتي هناك مش هتتحسن وإني محتاج مكان أحسن من ده، لكن أنتم رفضتم تسمعوه وطردتوه كمان. قالي إنك بسبب هوسك بشغلك اتسببت في ضياع عيلته كلها. وإنه كان ناوي ينتقم منه فيا أنا ويبقى أخ قصاد أخ. بس بالصدفة قابل التمريض اللي قالي الوضع بتاعي. وفجأة صعبت عليه وقرر يساعدني وينقلني من المكان ده ويعالجني عشان في الآخر يكون هدفنا واحد، الانتقام منكم على اللي حصل.
فبهاء ابتسم: -وطبعًا التمريض قال لك نفس الكلام، وأنت كان السهل عليك إنك تصدق الكلام ده، مش كده؟ مهاب: -أعمل إيه؟
أنا مكنتش قادر أفكر والله ما كنت قادر. كنت هكذبه فعلًا لولا كلام التمريض ليا خلاني بدأت أصدق. بدأ يقنعني إنه هيعمل تمثيلية وموتي. وإني هشوف بنفسي إنكم هتكملوا حياتكم من بعدي عادي جدًا مش هتقفوا. وإن ده تحدي. لو كملتوا حياتكم كأني مكنتش موجود يبقى هو صح وكلامه كله صح. لو شفت أي تغيير حصل في حياة حد فيكم، لو شفت الحزن بياكل فيكم يبقى هو كداب ومصدقوش. ومن حقي وقتها أعمل اللي يعجبني. ووافقت، كنت مشوش وتفكيري مش صح. أنا
عارف. كان مفروض أتكلم معاكم، أواجهكم. بس أنا والله كنت لسه تعبان. وهو هو سيطر على عقلي خلاني مصدق كل حرف بيقوله وماشي وراه وأنا مغمض. ولاقيتني مش بفكر في حاجة غير الانتقام منكم ومن نيرة. ولازم يبقي معايا فلوس كتير. فلوس تخليكم تندموا إنكم اتخليتم عني في يوم. فلوس تخليني أقدر أوصل للي هربت بره البلد ومحدش عارف ليها طريق.
بكر: -وعشان كده اشتغلت معاه؟ مهاب: -أيوة، عشان دي كانت أسرع طريقة أجيب بيها فلوس. أخيرًا عز صوته طلع: -قتلت عمتك ليه؟ مهاب دموعه نزلت، بس مقدرش يرد. مكنش عنده تفسير، فسكت. بهاء بصوت مخنوق: -معندكش تفسير، مش كده؟ عارف يا مهاب أنت إيه مشكلتك الحقيقية؟ مهاب بصله باستفسار وهو كمل:
-إنك ديمًا لازم تكون تابع. ديمًا مسلم دماغك لحد يفكر ويقرر بالنيابة عنك. قرارك مش من دماغك ومتعرفش أصلًا تاخد قرار لوحدك. لازم حد يوجهك ويقول لك تعمل إيه ومتعملش إيه. وإلا مش هتعرف تعيش. الأول سلمت دماغك لـ نيرة تقول لك يمين يبقى يمين، تقول لك شمال يبقى شمال. ولما نيرة اختفت من الصورة دماغك مقدرتش تتعب شوية وتفكر صح واستسهلت وما صدقت لاقيت نصر قدامك يعيد نفس الموضوع يقول لك يمين وشمال وأنت تقول وراه آمين، مش كده؟
عز بحسرة: -يا خسارة يا مهاب، يا خسارة يا ابني. كنت فاكر إن بموتك ضهري اتكسر، لكن النهارده بس انكسرت بجد. ده أكيد ذنب اللي عملته. يا رب يا رب قلبي وجعني مش قادر أتحمل الوجع ده. يا رب خدني عندك وريحني بقى. أنا تعبت. مهاب يا دوب قرب خطوة من أبوه. وقبل ما يقرب التانية، كان بكر واقف قدامه: -خلصت مبرراتك اللي ملهاش تلاتين لازمة؟ قول لنا بقى نصر بيعمل كل ده ليه وإيه اللي اتفقتوا عليه؟ وواجهتوا إزاي وإمتى؟ بهاء كشر:
-هتفرق يا بكر؟ ولا هو لازم يعني أسمع أخويا وهو بيحكي بالتفاصيل إزاي كان هيقتلني بالاتفاق مع عدوي؟ هه. مهاب خد نفس طويل واتكلم: -نصر كان عايز ينتقم من بهاء. عايزة يخسر بالبطيء وكل اللي حواليه يتدمر بالبطيء. زي ما حصل في حياته. وزي ما كانت آخر حاجة باظت في حياة نصر شغله. كان مرتب لبهاء فضيحة في شغله. وقبل ما يطلع منها كان مرتب حاجة تخص بسمة. بس مقدرتش أعرف إيه هي للأسف. (بص لأخوه وهو بيتكلم بالعافية وسط دموعه)
عارف الفضيحة دي كانت إيه؟ كان مخطط هو ونيرة. أه، نيرة. متستغربش. وما هما على تواصل سوا. اتفق معاها تيجي وتحضر لحظة قتلي الحقيقية. ومجهز ورق مضروب إن أنت اللي زورت موضوع موتي. لما عرفت بشغلي الشمال، خفت على شغلك وشكلك. فعملت كده. لكن أنا قال إيه، كملت في الطريق ده لحد ما اتقتلت بجد. وتبقى فضيحة للظابط المعروف بنزاهته وإخلاصه إنه مزور وبيتستر على أخوه بدل ما يطبق عليه القانون. بكر بتوجس:
-ولما واجهته، إيه اللي حصل بالظبط؟ ونيرة فين؟ مهاب بغضب: -هرب الجبان. ملحقتش أقتله. لكن هي... (ضحك بصوت عالي) قتلتها. كسرت رقبتها في حركة واحدة. (ضحك تاني ودموعه نازلة) كانت جاية تحضر لحظة موتي. ماتت هي بأيديا دول. هههههههههههه. بكر بتجاهل لحالته: -أنت لازم تسلم نفسك وتقول كل اللي قلته ده للشرطة وفي أسرع وقت كمان. عز قام من مكانه بلهفة:
-لا لا، هيشنقوه. هيقتلوه بجد المرة دي. لا أرجوكم بلاش الحل ده. خلوه زي ما هو في نظر الكل ميت ويبعد عن كل ده. (بص لمهاب) سافر بعيد عن هنا. سامع؟ سافر وابدأ من جديد في بلد تانية مع ناس تانية. أوعي تسلم نفسك. أوعي. المرة دي هموت بجد يا مهاب. على قد ما زعلان منك يا ابني، على قد ما هموت بجد وأنا بحضر للحظة موتك. يا بني، متعملش فيا كده يا ابني.
وقبل ما حد فيهم يعترض أو يقول رأيه، المكان بقى يترج بيهم من شدة ضرب النار اللي بقى شغال من كل ناحية. في بيت مؤمن، وقبل ما يرجع ومعاه بدور وبسمة، كانت نجاة بتتحرك في المطبخ بكل خفة، والضحكة على وشها بتظهر قد إيه هي مبسوطة. علا دخلت تنيم نيجار. وقبل ما تخرج، حماتها خبطت خبطة خفيفة ودخلت: -تعالي يا ماما اتفضلي. -أنا بس عايزة أقولك حاجة قبل ما نخرج لمامتك بره. -حاجة إيه؟ خير يا رب.
-متقلقيش يا حبيبتي. هي يعني بصي، تقدري تقولي إنها نصيحة مني عشان العلاقة تفضل مستقرة بينك وبين مامتك. -اتفضلي حبيبتي. -طول ما أنتِ مع مامتك، بلاش تشكري فيا أو توضحي إن علاقتنا كويسة أوي. بصي، لا تكدبي ولا تقولي الحقيقة كاملة. بصي، أي وقت تسألك عاملة إيه مع حماتك تقولي: "أهو ماشية الحمد لله، بس مش بنتكلم كتير." مش لازم تعرف إن أنا هنا بشكل دائم. ولما نكون قدامها امدحيها طول الوقت. "هو في زي أكلك يا ماما؟
وحشني حضنك يا ماما؟ " كده يعني. -ليه كل ده؟ -أمك بتغير عليكي مني يا علا، وكل ما بتحس إن علاقتك بيا بتقوى، كل ما الغيرة دي بتزيد جواها. ده غير إنها أصلًا بتعبر عن حبها بطريقة غلط، فده بيزود الطين بلة زي ما بيقولوا. فهماني؟ ابتسمت علا: -فهمت يا ماما. حاضر. على فكرة أنا بحبك أوي أوي. ميادة وهي بتحضنها: -وأنا بموت فيكي يا بنوتي الحلوة. (طلعتها من حضنها)
يلا نخرج لمامتك بسرعة قبل ما تحس بغيابنا. ومتنسيش تنفذي اللي اتفقنا عليه. علا بسعادة: -حاضر يا ماما، حاضر. يلا. بينما بيدخلوا المطبخ، كانت نجاة مندمجة في اللي بتعمله وهي مبسوطة إنها بتحضر لهم الأكل بنفسها بعد ما طلبوا وأصروا على كده. وبعد ساعة كمان وصل مؤمن ومعاه بدور وبسمة اللي كانوا محرجين جدًا، خصوصًا لما لقوا إن مؤمن عنده ناس. فضلت واقفين جنب الباب. وهي نادت على علا. خرجت من المطبخ وهي بتنشف إيديها:
-أيوة يا مؤمن، بتزعق ليه؟ مؤمن: -تعالي يا ستي أعرفك على أخت بهاء وأخت بكر اللي حكيت لك عليهم. علا قربت وسلمت عليهم ورحبت بيهم جدًا. وميادة ونجاة كمان رحبوا بيهم. وفضلوا البنات قاعدين بيردوا على قد الكلام، قلقانين، محروجين، مش عارفين يعملوا إيه. مؤمن حاول يطمّنهم رغم الخوف اللي جواه: -إيه يا جماعة مالكم؟ إن شاء الله هيتكلموا بس ومفيش أي حاجة هتحصل. بدور: -ولو حد جالهم؟ لو... قاطعتها علا اللي مؤمن حكالها
ملخص سريع للي بيحصل: -تفاءلوا بالخير تجدوه يا بدور. قولوا يا رب سلم، وإن شاء الله خير. بدور وبسمة ردوا وراها: -يا رب سلم. علا ابتسمت: -هاتي القمر اللي نامت دي أحطها جنب نيجار بنتي هي كمان نايمة بدل ما أنتِ شايلاها كده من وقت ما دخلتوا. بدور أدتها تاليا وحاولوا كلهم يلهوهم بالكلام عن والتفكير اللي مسيطر عليهم، بس ممرش وقت كتير وتليفون مؤمن رن برقم بكر.
أول ما تليفون مؤمن رن، الكل بص له. وبسمة تلقائي مسكت إيد بدور وضغطت عليها وهي قلبها مقبوض. مؤمن فتح وكان بيدعي من جواه إن بكر يقول له "هات البنات وتعالى"، لكن للأسف قاله إنهم في المستشفى ويجيله هناك ضروري لأنه مش عارف يتصرف لوحده. حاول يفهم منه هو هناك ليه وفين بهاء، لكن بكر قاله عنوان المستشفى وقفل من غير ما يفهمه على أي حاجة.
بدور وبسمة أصروا يروحوا معاه. ومع إصرارهم ده وافق، بس بشرط تاليا تفضل مع علا في البيت. وافقت بدور واتحركوا بسرعة على عنوان المستشفى. لما وصلوا، اتصل على بكر اللي قاله يطلع على طول من باب الطوارئ على الدور الثاني، هيلاقيه مستنيه. كل ده وبسمة قبضة قلبها بتزيد. جسمها متلج ووشها شاحب من الخوف. وبدور بتحاول تطمنها رغم القلق اللي ماليها هي كمان.
وصلوا الدور الثاني واتفاجأوا ببكر واقف قدام أوضة العمليات. واضح إنه أخد طلقة في دراعه. باين عليه من قميصه المقطوع ودراعه اللي كله دم وملفوف بالشاش. جريوا كلهم عليه. وبسمة في اللحظة دي مقدرتش تتكلم، لسانها تقل ودموعها نزلت وفضلت ساكتة. بكر اتهرب من إنه يبص لها، واتصدم أصلًا من وجودها. متخيلش إن مؤمن يكون بالغباء ده ويجيبهم معاه لحد هنا. مؤمن بلهفة وخوف: -بهاء فين؟ إيه اللي حصل؟ وأنت أنت حصل لك إيه بالظبط؟ انطق يا بكر.
بكر كشر بغيظ: -انطق؟ أنت بجد جبتهم معاك؟ يعني الموضوع كان بديهي إن طالما فيها مستشفى مينفعش ييجوا. كان لازم أقولها صريحة يا مؤمن. مؤمن: -بقولك، أنتم هنا ليه؟ فين بهاء؟ اخلص، أنا أعصابي باظت خلاص. بكر بصوت مخنوق: -بهاء في أوضة العمليات. واخد تلات رصاصات وحالته حرجة شوية. آخر ممرضة خرجت قالت لي إن العملية هتطول شوية. ربنا معاه، ادعوا له.
بدور حطت إيديها على بؤها من الصدمة ودموعها نزلت. وبسمة حاولت تتكلم كذا مرة لحد ما أخيرًا نطقت بصوت ضعيف مهزوز: -بـ بـ بابا فين؟ و ومهاب فين؟ بكر بص لها بحزن وسكت. بس هي قربت منه ومسكت دراعته الاتنين وهي بتبص له برجاء: -أرجوك يا بكر، قولي بابا ومهاب فين؟ مؤمن هنا بس فهم ليه بكر اتضايق إنهم جم معاه، والتأكد إن أكيد حد منهم توفى عشان كده هو مش عارف يقول إيه.
-قول يا بكر، كده أو كده هتعرف. ده مش سر. ده أبوها أو أخوها، مين فيهم اللي توفى؟ خلينا نلحق نتصرف. بكر بص لها بأسف ونطق وهو ماسك دموعه بالعافية: -البقاء لله يا بسمة. عمي ومهاب اتوفوا. وقبل أي رد فعل من حد منهم، وقعت بسمة على الأرض فاقدة الوعي. بكر حاول يشيلها مقدرش عشان دراعه. مؤمن جاب ترولي بسرعة من أوضة الطوارئ وحطها عليه. والدكاترة خدواها معاهم ومعاهم بكر وبدور. أما مؤمن فضل واقف قدام أوضة العمليات يدعي من قلبه:
-يا رب ما توجع قلبي عليه. يا رب. يا رب ده غلبان وأطيب خلق الله والله. رده سالم عشان خاطر أخته اللي خسرت كل حاجة دي. يا رب يا غفور يا رحيم. يشيفك يا بهاء عاجلًا غير آجلًا يا رب. بكر اطمن إن بسمة خدت مهدئ ونايمة وساب معاها بدور ورجع تاني لمؤمن: -إيه اللي حصل يا بكر؟ حكاله بكر اللي حصل واللي قاله بهاء لحد ضرب النار اللي حواطهم من كل ناحية لحد ما وقعوا كلهم على الأرض. -ونصر فين؟
-مش عارف. مشفتوش. اللي دخلوا كانوا ملثمين ومعاهم رشاشات. عارفين هدفهم كويس أوي. يدخلوا يخلصوا ويخرجوا على طول. الحمد لله إن ربنا نجانا منهم. -الحمد لله. إن شاء الله خير. يا رب نخلص من الكابوس ده بقى. يا رب. بعد ساعة كمان، أخيرًا خرج الدكتور وطمنهم إن الحالة استقرت عن الأول كتير، بس ميقدرش يطمّنهم إلا بعد مرور 48 ساعة على بهاء وهو تحت الملاحظة. وأنهم يدعوا له كتير عشان ربنا يستجيب ويقوم بالسلامة.
على طريق إسكندرية الصحراوي، كانت عربية نصر مقبولة والناس ملمومين حواليها بيحاولوا يطلعوه. رأسه كانت ساندة على الدريكسيون، بس أول ما رفعوا له رأسه بعدوا كلهم بقلق لما اكتشفوا إنه واخد طلقة في نص رأسه. واتصلوا بالشرطة وهو خايفين يقربوا من العربية. بعد مرور سنة كاملة...
حياتهم كلها كانت اتغيرت. الرضا والسعادة اللي بقوا حاسين بيهم دلوقتي جايين بعد وجع وفراق وحزن قعد مرافقهم سنين كتير. الضحكة المرسومة على الوش دلوقتي جت بعد توهة سنين. كل واحد فيهم مش بس كان بيحارب في الفساد اللي حواليه، لا. كل واحد فيهم وقت ما كان بيحارب الفساد كان بيحارب الجانب الأسود اللي جواه. كل واحد فيهم الضلمة جواه كانت بتعافر عشان تسيطر، لكنه قاوم ومستسلمش أبدًا.
ودلوقتي اللي يبص على الصورة من بعيد هيشوف عيلة شكلها جميل، ناجحين، متماسكين، الحب واضح بينهم. لكن عمره ما هيشوف الثمن اللي دفعوه قصاد الصورة دي. -مش كفاية كتابة بقى؟ أنا بجد بدأت أغار من حوار الكتابة ده، خلي بالك يعني. -حبيبي، أنت بتغير من أي حاجة وكل حاجة، مش الكتابة بس. -طب أعمل إيه؟ بحبك ومش مصدق إنك معايا، وإن أخيرًا اتجوزنا. عايز أخبيكي من كل الناس وعينيك متشوفش غيري أنا وبس. -إيه الكلام الحلو ده كله على الصبح؟
لا بقولك إيه، أنا مليش دعوة. تطلع من الرجالة اللي في شهر العسل بتقول كلام حلو وبعد كده تيجي من الشغل تاكل وتنام، وربنا يا بكر إنكد عليك. -تنكدي عليا؟ إيه يا بسمة ده اللي يشوف شكلك ونبرة صوتك يقول الرقة كلها فيكي، لكن أول ما بتفتحي بؤك وتتكلمي... -أيوة، إيه بقى بيحصل؟
سمعني، سمعني بس. هقولك إيه، أنا اللي غلطانة إني مسمعتش كلام بدور. قالت لي يا بت طولي فترة الخطوبة سنتين تلاتة كمان وخليه متشحتف عليكي. قولتلها لأ، كيكو ده حبيبي ميهونش عليا. وقاطعها: -لا، ثواني عشان الجملة دي كلها أخطاء. معلش، سنتين تلاتة إيه اللي كنتي عايزاهم أنتِ والزفتة التانية؟
هه. ده أنا لما صدقت أخوكي الرخم وافق بعد عذاب. ولولا ساومته على جوازه من بدور، لولا حن عليا ووافق، كأني هخطفك وأجري مثلًا. ثانيًا، معلش، هو إيه "كيكو" دي؟ -كيكو ده أنت يا حبيبي. -يا سلام؟ -أووومال بدلعك يا روحي ❤️ مش إحنا في أسبوع العسل لازم ندلع بعض ونحب بعض، خصوصًا وإحنا قدام البحر كده والجو جميل ومبهج. -لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ما أنا كنت بدلعك من شوية يا ست أنتِ وماسورة نكد وفتحت في وشي.
-بحبك يا بكر، بحبك يا أجمل حاجة حصلت لي في حياتي. -وأنا بموت فيكي يا مجنونتي وبنتي وصحبتي وعوضي الجميل من الدنيا بعد التعب والشقا السنين اللي فاتت. تليفون بسمة رن وهي أول ما شافت الاسم ردت على طول وفتحت الاسبيكر: -يا نوووجا، وحشتيني أوي أوي. نجاة: -وأنتِ كمان وحشتيني أوي. عاملة إيه يا حبيبتي؟ طمنيني عليكي. أوعي يكون الواد بكر مزعلك، أضربه لك والله. بكر كشر: -طب أنا عملت إيه يا نوجا دلوقتي؟
وبعدين عيب على الشنب ده لما تقولي لي أضربك، الهيبة هتروح كده. نجاة: -وحشتني يا حبيبي، عامل إيه؟ بكر ابتسم: -الحمد لله يا حبيبتي، إحنا كويسين وكله تمام. طمنيني عليكم أنتم عاملين إيه؟ نجاة: -متقلقش، كله تحت السيطرة. ميادة معاها نيجار وأنا وصبري معانا تاليا وبنخليهم يشوفوا بعض كل يوم في النادي. العيال أصلًا ما شاء الله من كتر ما هي مبسوطة مش بيسألوا عليكم خالص. ضحكوا كلهم. وبكر كمل:
-ربنا يخليكم لينا يا حبيبتي ومنتحرمش منكم أبدًا. نجاة: -اللهم آمين. يلا هسيبكم أنا بقى وأكمل لفتي. لسه هتصل بعلا وبدور أطمن عليهم هما كمان. بسمة: -كلمني تاني على طول، على طول. نجاة: -حاضر يا نور عيني. يلا حبايبي، أسيبكم في رعاية الله. سلام. بكر وبسمة: -مع السلامة. بكر ضحك: -ناس حقودة يا نوجا، ملناش دعوة بيهم. نجاة: -أيوة صح، إحنا بعد كده نتكلم بعيد عنهم لاحسن عينهم مدورة ومقورة هيحسدونا. بدور: -أنا يا نوجا؟
طب والله لأقول لعمي صبري وعلا بس هه. بهاء: -قول براحتك، إحنا مبنخافش. نجاة: -ربنا يسعدكم يا حبايبي ❤️ لما سمعت صوتكم اطمنت عليكم. بدور بتأثر: -تاليا عاملة إيه؟ أكيد مغلباكي وبتعيط كده. نجاة ضحكت كتير وهم استغربوا:
-أنا عايزة أقولك إنها مبتسألش عليكي إلا بالليل وقت النوم، بس طول اليوم بتبقى مشغولة. يا بتلعب مع صبري يا في النادي مع نيجار. خليكي في نفسك يا ختي، ركزي مع جوزك يا حبيبتي هه. متخلينش أقلب عليكي وأبقى حما من أوله. بدور ضحكت: -أنتِ حما أصلًا يا نوجا، مش لسه هتبقي. بهاء: -إحنا ممكن نرجع النهارده أو بكرة إن شاء الله. نجاة: -يوه ليه كده؟ دا أنتم يا دوب كملتم يومين، وإنها اللفة التالتة. في إيه؟
والله يا بهاء لو قلت شغل لهزعل منك. حرام عليك يا ابني، أنت ومراتك ليكم حق تفرحوا وتفصلوا شوية، مش كده؟ بدور: -لا حرام، معندوش شغل، بس أنا مش مرتاحة وتاليا بعيد عني يا نوجا، غصب عني والله. نجاة: -يختي ما علا سابت نيجار وسافرت مع مؤمن هي كمان أهي. في إيه؟ أنتِ سيباها في الشارع يا بدور ولا مش واثقة إني هاخد بالي منها؟ بدور: -أبدا والله، أنا بس اللي مش قادرة أقعد بعيد عنها. اتعودت على وجودها وحضنها. نجاة بسخرية:
-يختي، وهو حضن جوزك قصر معاكي في حاجة؟ ولا يا بهاء، أنت هتقصر رقبتنا ولا إيه؟ بتقول لك حضن البت وحشها. بدور اتكسفت وخبت وشها في حضن بهاء اللي فضل يضحك هو ونجاة عليها. وبعد جدال كتير، أخيرًا وافقت بدور يتسنوا الأسبوع اللي متفقين عليه. نجاة قفلت مع بدور وحطت التليفون وكانت هتقوم تكمل شغل البيت، وقفها صبري وهو مستغرب: -الله، أنتِ كلمتي بسمة وبدور ومش هتكلمي علا؟ -أنت عارف إن بسمة وبدور مفتقدين الإحساس ده. قاطعها:
-مبسش يا نجاة. علا لو عرفت منهم إنك كلمتيهم وهي لا هتزعل. أنتِ لسه زعلانة منها ولا إيه؟ -لا لا والله أبدًا. دا هي وميادة اتغيروا خالص معايا. ويعلم ربنا إن السنة اللي فاتت دي خلتني قربت منهم كلهم وقلبي مفهوش إلا الحب وبس. الحمد لله إنه نور بصيرتي قبل ما كنت أخسر بنتي للأبد. صبري ابتسم: -وجود بهاء وبكر وبسمة وبدور وإحساسنا إن عيلتنا كبرت وقرب علا مننا غير حاجات كتير أوي في حياتنا يا نجاة.
-فعلًا، الحمد لله إننا قدرنا نصلح كل حاجة يا صبري. -يبقى تتصلي على علا زي ما اتصلتي على بدور وبسمة. يلا. هزت رأسها ورجعت مسكت تليفونها واتصلت على علا واستنت الرد. وثواني وسمعت صوت علا وهي بتعيط: -أيوة يا ماما. -في إيه يا علا؟ أنتِ بتعيطي ليه؟ يا بت انطقي بقى. -أنا حامل يا ماما. فضلت تعيط. ونجاة سكتت دقيقة وبعدين اتكلمت: -أنتِ عبيطة يا علا؟ كشرت: -ليه يعني؟ -بتعيطي ليه يا هبلة؟
-اتفاجأت بالحمل، أنا مكنتش أعرف والله. وبعدين مش يمكن مؤمن مش عايز أطفال تاني دلوقتي مثلًا؟ وبعدين نيجار لسه صغيرة وأنا حاسة إني مش هقدر عال اتنين دلوقتي. وقاطعتها نجاة: -علا علا، اهدي يا حبيبتي، اهدي كده وصلي على النبي. -عليه الصلاة والسلام. -الأول، هو مؤمن فين؟ -خرج يجيب حاجات للشاليه. -طيب يا قلبي، واحدة واحدة كده. أولًا جوزك هيفرح ويطير من الفرحة كمان. جوزك بيحبك يا علا، إيه اللي هيخليه مش عايز عيال تانية منك؟
ونيجار مش صغيرة يا حبيبتي، نيجار على ولادتك هتكون تمت خمس سنين. وبعدين أنتِ مش لوحدك، أنا وميادة معاكي. أنتِ عندك بدل الأم أمين. فمتقوليش مش هقدر دي. -لا، أنا عندي أم واحدة وبقي يقاسمني فيها ناس كتير كمان. -هههههههههههه. أنتِ نور عيني يا علا. شقا عمري وهدية ربنا ليا. متقلقيش يا حبيبتي، افرحي وفرحي جوزك. قومي يلا استقبليه بابتسامة حلوة كده وأنتِ بتقولي له الخبر ده. ومتخافيش، أنتِ مش لوحدك أبدًا.
-ربنا يخليكي ليا يا ماما، متحرمش منك أبدًا. -ولا منك يا حبيبتي. يلا، هكلمك تاني عشان أبارك لمؤمن كمان. -ماشي يا حبيبتي، مع السلامة. -مع السلامة. كل واحد فينا جواه ضلمة...
ضلمة محدش يعرف عنها حاجة. ساعات بيكون إنسان قوي وبيقدر يواجه الضلمة دي. وساعات بيكون إنسان ضعيف وبيسيب نفسه للضلمة تسيطر عليه. يبان إن الكل مطحون في دوامة الحياة، مشغول في إزاي يومه يخلص على خير عشان يبدأ في دائرة يوم جديد. لكن الحقيقة إن الكل بيحارب الضلمة دي يوميًا. في عارف إنه بيحارب، وفي ميعرفش. أو الأسوأ منهم اللي بينكر إن جواه ضلمة. الإنكار ده زي الكبت بالظبط، بيجيله وقت ويحصل بعده انفجار. يا انفجار في محله، يا انفجار في أشخاص ملهاش أي ذنب. واجه نفسك واعرف إيه الضلمة اللي جواك. حاربها بكل قوتك. أوعي تستسلم وتخليها تسيطر على حياتك. أنت أقوى والنور اللي جوه قلبك أقوى من أي ضلمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!