في البلكونة ــ فيه إيه يا بهاء؟ بقالك خمس دقايق مبتقولش غير جملة واحدة. ــ بكر، إحنا صحاب، صح؟ ــ صح. ــ تسكت وترجع تعيدها؟ ــ وأرد، وأعيد؟ في إيه يا جدع؟ قلقتني بجد. ــ ما أنا لازم أمهد للكلام الأول، براحة عليا يا بكر. ــ خلاص مهدت، أنجز عشان خلقي ضيق، ها؟ ــ بصراحة، أنا كنت عايز آخد بدور أختك أعزمها على الغدا برا وأتكلم معاها بعيد عن جو البيت وكده. ــ نعم! تعمل إيه؟ ــ آخد بدور ونخرج. في إيه؟
ــ لا يا راجل، مستغرب أنت إني بقولك نعم؟ مجنون أنا صح؟ أنت طبيعي يا بهاء ولا شارب إيه على الصبح؟ ــ نحترم نفسنا عشان مزعلكش. ــ متعصبنيش ببرودك ده... عايز إيه من بدور، وإيه "تخرجوا" دي كمان؟ ــ هنستعبط على بعض؟ ما أنت عارف إني بحبها يا بكر، ولولا الظروف اللي عمالين نمر بيها دي كان زمانها بقت مراتي. ــ لا وأنت الصادق، لولا... ــ التفكير قطع بهاء وهو مكشر.
ــ بقولك إيه، بطل كلام في اللي فات. المهم إني بحبها، واللي حصل كله مغيرش مشاعري من ناحيتها، وعايز فرصة أتكلم معاها براحتي بعيد عن البيت. فـ أنجز بقى، خليني ألحق اليوم من أوله. ــ يا بني، يوم إيه اللي بتتكلم عليها دي؟ أختي، ينفع أقولك أنا كده وأنت تبقى عادي؟ ــ طب والله فكرة حلوة، تعالى نخرج إحنا الأربعة نغير جو عشان كمان بدور متتحرجش، إيه رأيك؟
بس لما ندخل المطعم، أقعد أنت وبسمة وتاليا على ترابيزة، وأنا وبدور على ترابيزة. إيه رأيك؟ ــ وأبوك هنعمل فيه إيه؟ ــ بابا هيعتذر من نفسه وهيقولك: "اخرجوا أنتم، أنا مش قادر". يلا بقى، ولا أنت يا بكر مش موافق على ارتباطي ببـدور؟ ــ عايز الصراحة؟ ــ يا ريت. ــ خايف تكون مش واثق من مشاعرك. ــ قاطعه تاني بصوت كله ثقة.
ــ أنا واثق من مشاعري يا بكر، واثق إني محتاج بدور تكمل معايا مشواري، واثق من الخطوة دي ومن اللي بعدها كمان. ومفيش قرار صح أخدته زي قرار ارتباطي بأختك يا صاحبي. ــ تمام يا بهاء، تعالي نقولهم. ــ هو أنت مش عايز تقولي حاجة قبل ما نطلع بره؟ ــ حاجة إيه؟ ما قلتلك اللي كنت مقلق منه. ــ لا، مش بخصوصي أنا وبـدور. أتوتر بكر. ــ اومال... أحم... اومال بخصوص مين؟ مش فاهم؟ ــ بخصوصك أنت وبسمة مثلاً. ــ أنا وبسمة إزاي؟
ــ اهدي بس، في إيه؟ أقولك، تعالي ننزل ونتكلم تحت، يلا. بكر هز دماغه وخرج ورا بهاء وهو بيفكر في كلامه، معناه إيه؟ وممكن يكون عارف حاجة ولا مجرد شك بس؟ والمفروض هو يتصرف إزاي في الحالتين؟ بهاء: بقولكم إيه، تيجوا ننزل نخرج النهارده نقعد في أي مكان ونتغدى بره كمان؟ أهو تغيير شوية عن جو البيت والشغل وكده. معتز: اخرجوا أنتم، أنا فطرت ولعبت مع توتي، يا دوب آخد العلاج وأريح شوية، مش هقدر أخرج. بسمة: هنسيبك لوحدك إزاي يعني؟
معتز كشر: هو أنا عيل صغير ولا إيه... انزلوا يا حبيبتي وغيروا جو وهاتولي غدا حلو وأنتم راجعين. يا دوب أكون صحيت من النوم، أنتِ عارفة الدوا بينيم إزاي. بهاء: طب يلا قوموا اجهزوا بقى. بدور بصت لـ بكر باستفسار، وهو هز رأسه بموافقة. فـ خدت تاليا ودخلت تلبس، وبسمة كمان دخلت أوضتها. وعيون بكر محاوطها. بهاء بص لـ بكر، اللي أول ما عيونهم اتقابلت، بهاء غمزه وهو بيضحك. وده خلى بكر يهرب من قدامه بحجة أنه هيجهز هو كمان.
بعد وقت قليل، كانوا الأربعة في طريقهم لمكان هادئ وفيه ملاهي للأطفال عشان تاليا. وصلوا المكان، وبهاء أخد تاليا للملاهي، وهما راحوا قعدوا على ترابيزة كبيرة. بدور: حلو أوي المكان ده... بس أنا قلقانة على تاليا. بسمة: قلقانة ليه؟ البنت مش هتطلع إلا لو بهاء راح أخدها. المكان متأمن كويس وإحنا قاعدين بين الكيدز أريا والباب أهو. في إيه تاني؟ بدور: مش يمكن حد يضايقها؟
بسمة: لا متقلقيش، حتى لو حصل، الأمن هنا هياخد رقم بهاء. ولو حصل إن توتي عايزة تخرج لأي سبب، أو حد ضايقها، بيتصلوا بيه يروح لهم فوراً. في الوقت ده، رجع بهاء، وأول ما قرب منهم، كشر. بهاء: إيه ده يا بكر؟ ده اللي اتـفقنا عليه؟ بسمة: اتفقوا على إيه؟ مالك يا أبيه؟ وما تقعد بتتكلم وأنت واقف ليه؟
بهاء بابتسامة: لا يا حبيبتي، أنا مش هقعد هنا. أنا هشرب قهوة أنا وبـدور على التربيزة اللي جنب الشباك الأخيرة دي، وأنتم شوفوا عايزين تشربوا إيه لحد ما توتي تخلص لعب، ونبقى نتغدى سوا، أوك؟ يلا يا بدور. بسمة وبدور اتصدموا من كلام بهاء. بكر ضحك على شكلهم. بكر: قومي يا بدور، بهاء استأذن مني إنه عايز يتكلم معاكي شوية. بدور: هـ هـ... أقوم يعني إيه؟ بهاء: لا، إحنا لسه هنعلمك تقومي معناها إيه. قومي يا بدور، مش وقت صدمات، يلا.
(وبص لـ بكر) وأنت، فيه كلام متعلق بينك وبين بسمة، هتخلصه دلوقتي يا بكر، دلوقتي، لأن بعد ما نقوم من هنا، قرارك هيكون نهائي ومش هرجعك فيه ثانية واحدة، تمام؟ بكر للمرة الثانية ميعرفش يرد على بهاء. وبسمة ضحكت من قلبها على شكله هو وبدور، والصدمة مسيطرة عليهم. بسمة قامت من مكانها وشدت بدور وقفتها عشان تفوقها من الصدمة. واتحرك بهاء ووقف بالجنب، وشاور بأيديه لـ بدور عشان تتحرك. وبدور تلقائي بصت على بكر ورجعت بصت على
بهاء اللي كشر وهو بيقول: بهاء: بتبصيله تاني ليه؟ ما قالك قومي، يلا بقى. مشيت بدور مع بهاء لحد تربيزة في آخر المطعم وقعدت وهي متوترة ومش مستوعبة اللي بيحصل. ودماغها بتحاول تفكر، هو عايز منها إيه؟ ومفروض ترد بإيه على أي كلام هيقوله؟
بهاء ابتسم: أنا عارف إنك مش قادرة تخمني أنا عملت كده ليه، وعايز أقول إيه. خايفة أكيد ومتوترة. أنا مش عايزك تفكري في حاجة يا بدور، ولا تقلقي. عايزك تسمعيني وبس. وقفي دماغك عن التفكير واسمعيني وبس، ممكن؟ بدور: ممكن. بهاء: مش عارف أبدأ منين... بس هحاول أطلع في القعدة دي كل اللي جوايا، استحمليني بس لو كلامي ملخبط. أنا...
أنا حياتي كانت كلها مطبات يا بدور. وعيت على الدنيا وأنا مش فاهم أهلي بيكرهوني أنا وأمي ليه. أمي دي كانت ملاك نازل من السما، مليانة حنية وطيبة مش موجودة في الناس دلوقتي. ضحكتها كانت بتخلي الحياة كلها تهون في عيني. لما بدأت أكبر وأفهم، بدأت أتعصب وأغضب، والكره كان هيعرف طريق لقلبي. وقتها أمي وقفت في وشي، كانت أول مرة في حياتي أشوف أمي مكشرة وفي عينيها دموع. دموعها دي وقتها دبحتني. قالت لي: "إلا الكره يا بهاء...
قلبك ده لازم يفضل أبيض مهما حصل. دول أهلك... لازم تبرهم وتعذرهم مهما عملوا. ودا مش عشانهم يا بهاء، دا عشان قلبك يفضل أبيض طول العمر". وقتها مفهمتش أهمية كلامها بصراحة، بس بعدت عنهم لأني مستحملتش إن أمي دموعها تنزل بسببي. مع الوقت بدأت أهدي. كنت بحفظ قرآن، دايمًا واظبت على الصلاة، بدأت أشوف الدنيا بعيون أمي وأعرف إن مفيش حاجة فعلاً تستاهل إني قلبي يسود بسببها. بس لما أمي ماتت... (صوته اتخنق)
الدنيا كلها يا بدور اسودت في وشي، وبقيت تايه، عايش لوحدي. دفنت نفسي في الشغل وبس، ليل نهار كنت بشتغل. والحمد لله، ولا مرة مسكت قضية إلا وحليتها في خلال يومين تلاتة بالكتير. اسمي اتعرف في الداخلية، بقيت أقوى. حتى علاقتي بأهلي كانت زي ما أمي عايزة، أبرهم مهما حصل. مكنتش علاقة قوية إلا مع بسمة وبس. بس بس، كان فيه حتة متدارية جوايا مقدرتش أمحيها. كان فيه غضب كتمته في قلبي عشان خاطر وصية أمي، وكتمته أكتر وأكتر بعد ما نيرة عملت اللي عملته فيهم. وكل ما كنت بكتم الغضب ده جوايا لأنه مبقاش ينفع يطلع، كل ما كنت بتتغير للأسوأ من غير ما أحس. ويوم ما الغضب المكتوم ده طلع، للأسف طلع للشخص الغلط خالص.
(تنهد بصوت عالي وكمل)
أنا بحبك يا بدور، واللي عرفته مغيرش أي حاجة من مشاعري. أنا منكرش إني اتصدمت وحسيت بمشاعر كتير غيره، إنك كنتي متجوزة عن حب. معرفش ليه كنت متخيل إني أول حب في حياتك، وإنه أكيد جوازك كان صالونات من غير مشاعر. مش عارف ليه وهمت نفسي بكده. ولما حسيت إنك كنتي بتحبيه، غيرت أوي، زعلت عليكي ومنك، حسيت بمشاعر كتير عكس بعض. بس والله العظيم، الغضب والكلام اللي قولته لـ بكر كان بسبب المشاعر اللي كتمها جوايا. أنا اندفعت وهبلت بكلام كتير، مقصودش خالص. والله أنا بحبك، وفخور إنك قدرتي تعدي كل ده. ولو مكنتش أول حب في حياتك يا بدور، فـ الأكيد إن شاء الله إني هكون الأخير. قولتي إيه؟
في تربيزة بسمة وبكر، بعد ما بهاء وبدور مشيوا، بصت بسمة لـ بكر وهي عمالة تضحك على شكله. بسمة: إيه؟ ممكن تبطلي ضحك وتفهمني بهاء يقصد إيه؟ إنتي حكيتله حاجة يا بسمة؟ يا بت بطلي ضحك وفهميني، في إيه؟ بسمة: بصراحة، أنا حكيت لأبيه كل حاجة. بسمة: كل حاجة إزاي يعني؟ بسمة: كل حاجة يا بكر حصلت بينا. مالك؟ بسمة: أنتي بتستعبطي؟ يقول عليا إيه دلوقتي؟ خنت ثقته يعني؟
هو من أول ما حس بمشاعر لأختي جالي واتكلم معايا، حتى لو وقتها اختلفنا، بس جالي لحد عندي وأنا مرحتلوش. كلمته؟ فاهمة ده معناه إيه؟ فاهمة هو هيبص لي إزاي؟ ليه كده يا بسمة؟ ليه؟ بسمة: على فكرة، أبيه مفكرش كده خالص، بالعكس. هو متفهم موقفك جداً. آه، شايف إن تفكيرك كله غلط في غلط، بس متفهم والله ومش زعلان. بسمة: يا سلام. بسمة: والله مش زعلان، أنا بحلف لك. في إيه يا بكر؟ أنت عايز تتخانق وخلاص؟
بسمة: أستغفر الله العظيم يا رب... (يتنفس كذا مرة ورا بعض عشان يهدي) بسمة: يعني هو قال لك إيه بالظبط؟ ممكن تفهميني؟
بسمة: قالي إنه لو لف الدنيا كلها مش هيلاقي راجل زيك يأمنه على أخته الوحيدة اللي هي أنا يعني. وإن تفكيرك كله غلط وملوش أساس، لأنه بيعتبرك صاحبه وأقرب شخص له، وشايفك راجل محترم ويعتمد عليه. وإن دي فرصتك الأخيرة عشان تتكلم أنت معاه وتاخد خطوة، عشان أنا مش رمية يا أستاذ، هقعد كل شوية أتحايل عليك عشان ترتبط بيه. أه، أنا العرسان على الباب قد كده، بس نقول إيه بقى؟ النفس وما تريد.
بسمة: ثانية واحدة، هي مش كانت "القلب وما يريد" إيه "النفس" دي؟ بسمة: أيا كان يعني، المهم إنك فهمت قصدي. ها يا بكر، هتكمل معايا؟ ولا عايز تبعد عني من غير أي أسباب بعد ما خليتني أحبك؟ بسمة: أنا يا بسمة، أنا ببعد من غير أسباب. بسمة: طبعاً من غير أسباب. بسمة: يا سلام، فرق السن اللي بينا مش سبب؟ فرق المستوى الاجتماعي بينا مش سبب؟ مهنتي ومهنتك والفرق بينهم مش سبب؟
بسمة: ثانية واحدة، عشان بجد هول أوي. فرق سن إيه يا أبو فرق سن، دول هما ٩ سنين، يعني مش قصة. في ناس بتتجوز والفرق بينهم أكبر من كده عادي جداً. ده أولاً. ثانياً بقى، بلاش حوار المستوى الاجتماعي ده والنبي، عشان إحنا حالياً شحاتين، ولولا أبيه بهاء كان زمانا في الشارع، خصوصاً إن كل فلوس عمتي متحفظ عليها لحين انتهاء التحقيقات. ثالثاً بقى، لو المهنة هي اللي هتبعدنا عن بعض، أنا من بكرة أقدم استقالة وأريحك وأريحك بقى يا بكر. حرام عليك، أنا مش محتاجة كل ده. كل اللي
كنت محتاجاه لقيته فيك: إنسان أحس معاه بالأمان، يحبني وأشوف الحب ده جوه عينيه بوضوح، أكون واثقة إنه هيراعي ربنا فيا، جدع ومحترم، دمه خفيف، بموت في أخته وبنت أخته. هعوز إيه أنا تاني؟ بس ها يا بكر، قلت إيه؟ نروح لعلا اللي كانت قاعدة قدام نجاة مش عارفة تستوعب اللي سمعته. ضحكت وهي مش مصدقة إنها سمعت صح، وسألتها وهي مصدومة. علا: معلش يا ماما، عيدي كده اللي قولتي تاني، لآني شكلي سمعت غلط.
نجاة: لا يا حبيبتي، سمعتي صح. أنا مبقولكيش سيبي جوزك وقومي معايا، بس من حقي أعرف لو اتحطيت أنا وأبوكي في أي وقت في كفة، وجوزك وأمه في كفة، هتختاري مين؟ وهنا برقت علا لما استوعبت كلام أمها وفهمته. أمها غيرانة، غيرانة على بنتها الوحيدة اللي كانت شغلها الشاغل طول حياتها، غيرانة إنها بقت تخص ناس تانية وبعدت عنهم. ملامحها هديت، وابتسمت بحب لأمها عمره ما قل، وهي بتقول:
علا: ماما، لو الدنيا كلها في كفة، وأنتم وبابا في كفة، أنا هختاركم أنتم. لو مليش خير فيكم، مش هيكون ليا خير في أي حاجة تانية، خليكي واثقة في كده. وطالما أنتِ اللي جيتي وفتحتِ كلام في الموضوع ده، تعالي نفضفض لبعض عشان النفوس تهدى ونقرب من بعض صح. ممكن؟ وأرجوكي يا ماما، من غير عصبية ولا خناق، ممكن؟
كانت بتبصلها برجاء، رجاء أخير لأنها حقيقي تعبت ومش هتقدر تكمل في الوضع ده. ولأول مرة نجاة تخلف توقعاتها وتهز رأسها بموافقة، وعينيها بتلمع بالدموع. ميادة كانت واقفة على باب الصالة بالشاي، لما سمعت كلامهم، مدخلتش ولفّت تاني. رجعت الصينية للمطبخ ودخلت بهدوء أوضة نجاة وفضلت معاها، وهي بتدعي من قلبها إن الأمور بينهم تتحل وتبقى بخير. نرجع لعلا ونجاة. علا مسحت دموعها اللي نزلت من عينيها، وابتسمت لأمها. كانت لسه هتتكلم،
قاطعتها نجاة وهي بتقول: نجاة: خليني أنا أبدأ يا علا، ممكن؟ هزت علا رأسها بموافقة وسكتت. كملت نجاة كلامها: نجاة: أنا وعيت على وش الدنيا لأب متدين شديد، وأم قاعدة في البيت تربي العيال، ملهاش لا حس ولا صوت. أبويا كان بيحبنا، بس كان شديد أوي معانا. ولما كان يلاقينا نعيط أنا ولا حد من أخواتي الصبيان،
كان يتكلم بكل هدوء ويقول: "عيطوا، مش مهم، المهم تطلعوا مؤدبين ومتربيين كويس، مش ولاد الشيخ محمد اللي حد يقول عليهم نص كلمة حتى". وكبرنا، وأبويا وأمي هما كمان كبروا. أخواتي أول حاجة عملوها لما كبروا، وعودهم شد، سابوا البلد كلها وهاجروا. ومن يوم ما هاجروا، منعرفش عنهم أي حاجة، كأنهم ما صدقوا خرجوا من بيت أبويا. كنت وقتها أنا لسه متجوزة صبري جديد. فضلت أروحلهم وأساعد أمي في شغل البيت لأنها كانت كبرت. شفت أبويا الشديد
اللي صوته كان بيخلينا نترعب، بقى لا حول له ولا قوة. فضل يضعف يضعف لحد ما أمي ماتت. مستحملش، وفي خلال شهر واحد كان رحل هو كمان. وبقيت لوحدي في الدنيا، مليش غير أبوكي اللي كان مقطوع من شجرة، وأنتِ وبس. حاولنا نجيب لك أخ أو أخت، بس ربنا ما أرادش. كنتِ كل دنيتنا، مبنعملش حاجة في حياتنا إلا عشانك أنتِ. كنتِ بنت واحدة، ومعرفتش أعمل غير اللي اتربيت عليه، إن أهم حاجة تكوني مؤدبة ومحترمة وملكيش حس، وإنك تفضلي تحت طوعنا أنا
وأبوكي. شقينا عليكي عشان تعيشي عيشة مرتاحة، علمناكي أحسن علام، وزي ما اخترتي دخلتي، ما غصبناكيش على أي حاجة، لا في علام ولا جواز حتى. يمكن أكون ربيتك صح، بس بطريقة غلط. يمكن أكون قصرت معاكي في إني أكون حنينة عليكي، بس أنا ما اتعودتش على الحنية مع أبويا وأمي. شفتها مع أبوكي وبس، وكنت مقتنعة إن الطبيعي إن البنت تلاقي الحنية في جوزها مش أهلها. تفكيري متخلف. عارفة أبوكي حاول معايا كتير، بس مكنش بيقدر عليا، كان عارف إني
بربيكي زي ما اتربيت وسكت. يمكن غلطنا في طريقتنا يا علا، لكن متنكريش يا بنتي إنك كل حياتنا. إحنا من غيرك نموت يا علا، ملناش غيرك. يا بنتي، لو بعدتي عننا وعيشتي حياتك مع جوزك وحماتك وبنتك، وشيلتينا من حساباتك، هنموت يا علا. أنا...
(دموعها نزلت) بغير عليكي لما بلاقي ضحكتك منورة مع حماتك ومعانا، لا دا أنا بغير من جوزك وبنتك عشان عايشين معاكي وإحنا لأ. إحنا ملناش غيرك، ومانعرفش نعيش من غيرك. أوعي تخرجينا من حياتك يا علا، وحياة غلاوة بنتك عندك، ما تخرجينا من حياتك يا بنتي.
علا هي كمان دموعها كانت نازلة من غير أي كلام، دخلت في حضن أمها، وبقى صوت عياطهم هما الاتنين عالي جداً، لدرجة إنه وصل لميادة اللي خرجت بسرعة ليكونوا بيتخانقوا، لكن لاقيتهم حاضنين بعض جامد وهما بيعيطوا. ابتسمت ورجعت دخلت الأوضة تاني. علا أخيراً قدرت تخرج من حضن أمها وهي بتمسح دموعها. ابتسمت:
علا: هو أنا مكنتش محتاجة أي حاجة في الدنيا دي غير الحضن ده وبس يا ماما، والله العظيم ما كنت عايزة غير حضن بس منك. وخلاص، بعد ما خدته، بقيت كويسة جداً والله.
نجاة: أنا بحبك يا بت، طريقتي غلط بقى ولا منيلة، بس بحبك. أنتي أغلى عندي من روحي يا علا، أنتِ النفس اللي بتنفسه والله. استحمليني يا بنتي، اللي باقي لي من عمري، وأنا أوعدك إني هحاول أتغير معاكي وأغير كل اللي بيضايقك مني يا حبيبتي، بس استحمليني. أنا كبرت، ودايماً خايفة تسيبنا ونموت أنا وأبوكي من غير ما حد يحس بينا.
علا: أنتي تعملي اللي أنتِ عايزاه يا حبيبتي. المهم إنك متحرمنيش من الحضن ده تاني أبداً. طول ما أنا في حضنك، هقدر أكمل وأعدي أي حاجة، وعمري يا أمي، عمري ما أخرج من حياتكم مهما حصل ومهما عملتوا. أنتم أغلى الناس على قلبي، عمري ما أبعد عنكم أبداً أبداً. نجاة: إن شاء الله اللي جاي يبقى كله خير. أنا هقوم أروح لأبوكي، لا يقلق عليا بقى. علا: لا أبداً، تروحي إيه؟
بعد الحضن الحلو ده. إحنا هنتغدى كلنا سوا النهاردة. بقولك إيه، أنا نفسي في المحشي الكرنب من إيديك. إحنا نكلم بابا يج لنا، ومؤمن إنه ميتأخرش بره، ونتغدى محشي وفراخ محمرة وملوخية خضرا. الله! نفسي فيهم من إيديك أوي. إيه رأيك؟ نجاة: أيوة، بس... قاطعهم خروج ميادة وهي مبتسمة. ميادة: ها، أجيب الشاي ولا إيه؟ علا: أنا بقول لماما تقعد معانا وتعملنا محشي كرنب وفراخ محمرة وملوخية، وبابا يجي ومؤمن، ونتغدى سوا. مش راضية.
ميادة: الله، أيوة المحشي بتاعك يا نجاة لا يعلى عليه. ولو مش هتقل عليكي يعني، ممكن معاه محشي بتنجان، بحبه أوي من إيديكي. نجاة ابتسمت: عيني يا أختي، يا خبر. خلاص هقعد ونعمل النهاردة أحلى أكلة محشي. يا سلام، أنتم تؤمروا. ميادة براحة: الأمر لله وحده. الأمر لله.
وفعلاً، علا كلمت صبري وهي فرحانة وفهمته إنها اتصفت مع أمها، وإنهم هيتغدوا معاها النهارده عشان نفسها في المحشي. فرح صبري ووافق. أما مؤمن، ولأن علا عارفة إنه هيقلق، فدخلت أوضتها وقفلت الباب عليها وكلمته في التليفون وحكتله كل اللي حصل بالتفصيل، وطلبت منه لما يجي يرحب بيهم جامد ويمسك فيهم يباتوا، لأنها فهمت إن سبب المشاكل الأخيرة الكتير هي غيرة أمها عليها مش أكتر. ومؤمن فرح لفرحتها ووعدها إنه هينفذ طلباتها كلها بالحرف.
نرجع لترابيزة بهاء وبدور. كانت بتسمعه وهي متأثرة بكل كلمة بيقولها، لحد ما بدأ يتكلم عن مشاعره ناحيتها، اتكسفت وقلبها بقى يدق بشدة لدرجة تعبتها. لحد ما قال آخر كلامه وبقى مستني ردها. حاولت تتكلم لكن مكنتش عارفة. ابتسم بهاء بهدوء. بهاء: أنا عارف إني فاجأتك النهاردة. بس ارجوكي يا بدور، أنا محتاج إننا نقول كل اللي جوانا النهاردة. افتحي لي قلبي واتكلمي معايا. بدور: ما... ما أنا مش عارفة أقول إيه.
بهاء: قولي كل اللي جواكي. قولي إيه زعلك مني لما حصل الخلاف بيني وبين بكر؟ قولي مشاعرك إيه بالظبط ليا؟ وصلت لدرجة الحب ولا إعجاب؟ قولي واثقة فيها ولا محتاجة وقت تفكري وتتأكدي من مشاعرك؟ قولي مصدقاني إني بحبك ولا لأ؟ اتكلمي يا بدور. فيه كتير أوي أوي يتقال بينا. بدور: مش هكدب عليك يا بهاء. أنا فعلاً زعلت من اللي حصل. حسيت يعني إن... (صوتها اتخنق وسكتت) خدت نفس ورجعت تتكلم تاني:
بدور: أنا مش هعرف أعمل زيك على فكرة وأتكلم عادي كده. بص، أنا آه زعلت واتقهرت كمان. مكنتش متخيلة إنك تشوفنا بالصورة دي من بره. بس لكن لما رجعت وكلمت بكر واتصفتم، وبكر حكى لي على كلامك له، وقتها أنا هديت وبدأت أنسى فعلاً اللي حصل. بس محبتش أعشم نفسي إن ممكن يكون في حاجة بينا. مش يمكن أنت رجعت مع صاحبك بس، يعني أقصد اتصفت تجاه صاحبك بس، لكن أنا لأ. بس يعني أنا... بهاء: كملي يا بدور، أنتي إيه؟
بدور: أنت متأكد من مشاعرك يا بهاء؟ أنا عارفة إن حكايتي صعبة وظروفي مش أحسن حاجة، ومعايا بنت. وأنت متجوزتش قبل كده... قاطعها بهاء: بلاش كلام أهبل عشان متعصبش عليكي، ممكن؟ أنتي ست البنات يا بدور، وأي راجل في الدنيا يتمناكِ. وكونك تبقي لي أنا في الآخر، ده أكبر إنجاز هيبقى حققته في حياتي كلها. بدور: طيب خلاص، براحة. حتى وأنت مفروض بتقول كلام حلو، متعصب. بهاء: طب إيه؟ بعد الضحكة دي نقول مبروك ونطلع على المأذون بقى؟
ولا إيه؟ بدور: مأذون إيه؟ بهاء: بدور، من غير لف ولا دوران، بتحبيني زي ما بحبك ولا لأ؟ بدور نزلت وشها لتحت وابتسمت وهي بتقول بصوت واطي: بدور: آه يا بهاء. رفع وشها بأيديه وعيونهم اتعلقت ببعض. بهاء: آه إيه؟ قوليها يا بدور وريحي قلبي، عشان خاطري. بدور: احم، آه. يعني آه بحبك. بهاء: الله أكبر! أخيراً سمعتها زي ما كنت بحلم. ياااه...
بقولك إيه، إحنا لازم نتجوز في أسرع وقت. أنا خلاص عايزك معايا دايماً، مش هقدر أبعد عنك أكتر من كده. بدور: مجنون والله مجنون. بهاء: بس بحبك. بسمة خلصت كلامها وسكتت وهي مستنية رد بكر، اللي فضل باصلها بحب وساكت. بسمة: إيه؟ هتفضل تبص لي وبس ولا إيه؟ بكر: بصراحة، مش عارف أنا عملت إيه حلو في حياتي عشان ربنا يكافئني بأحلى هدية. بسمة: أنا هدية؟
بكر: أحلى هدية يا بسمة. طول عمري قافل قلبي ده بميت قفل، قلت استحالة أحب أو أتجوز حتى. لحد ما شوفتك، خفة دمك وشقاوتك خطفتني. ولاقيت الميت قفل بيتفتحوا كل يوم، قفل ورا التاني، لحد ما وقعت في حبك ومش هقدر أبعد عنك. أنا بس كنت خايف أنتي اللي بعد فترة تحسي إنك اتسرعتي. قاطعته بسمة: أنا واثقة في مشاعري يا بكر، عشان خاطري، كفاية كده بقى، وخلينا نكمل سوا. ممكن؟
بكر: ممكن يا حبيبتي. أنا هتكلم مع بهاء النهارده وأطلب إيديك منه، وبعدها هقعد مع عمي وأطلب إيديك رسمي يا ست البنات. وقبل ما بسمة ترد، كان صوت بدور الغضبان هو اللي مسموع، وهي بتقول من وراهم: بدور: نعم يا أستاذ بكر؟ بقا لسه على البر وبتقولها "ست البنات" اللي طول عمرك بتقولها لي أنا وبس؟ لا لا، الكلام ده مينفعش معايا.
بهاء وهو مكشر: يا سلام، ما أنا لسه قايلها لك يا ختي. وبعدين صوتك طلع دلوقتي، ما شاء الله. أومال وإنتِ قاعدة معايا كنت بسمع كلمة وعشرة لا ليه، هاه؟ ضحكوا على طريقته في الكلام. وقبل ما كل واحد فيهم يطلب إيد أخت التاني، تليفون بهاء رن برقم عز. رد بسرعة وهو قلقان. بهاء: بابا، انت كويس؟ إحنا... عز: أنا مهاب يا بهاء. تعالى لو سمحت، مفيش وقت، لازم أتكلم معاك قبل ما نصر يوصل لي. بسرعة يا بهاء، بسرعة.
خلص كلامه ومستناش رد من بهاء وقفل السكة. يتبع... القادم الأخير إن شاء الله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!