الفصل 1 | من 25 فصل

رواية ابيض و اسود الفصل الأول 1 - بقلم منى محمود

المشاهدات
18
كلمة
1,994
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 4%
حجم الخط: 18

التشوه اللي بيحصل لأي إنسان وهو صغير مفيش أي علاج ليه، بيفضل ملازمه طول عمره. ويادوب فئة صغيرة جداً اللي بتعرف تتأقلم مع التشوه ده وتعيش، وتحاول متعملش مع ولادها اللي اتعمل معاها. لكن وجعها بيفضل مدفون جواها العمر كله. ومهما الشخص كبر ونضج وفهم، مهما حقق نجاح مادي أو معنوي، اتجوز وخلف، كلها حاجات مبتمحيش أثر اللي بيحصل فينا واحنا صغيرين، سواء كان حلو أو وحش.

يمكن بنفهم إن في عادات وتقاليد في التربية غلط كانت سبب في عذابنا، يمكن بنلتمس العذر أحياناً لأهالينا لإيذائهم لينا بدون قصد. لكن نتعافى كلياً... استحالة. *** في حي شبرا تبدأ أحداث روايتنا في شقة في حي شبرا مليانة رجال شرطة كتير ودكاترة طب شرعي. وسط كل ده واقف هو وباصص على لوحة متعلقة على الحيطة، لحد ما جه عسكري من وراه وكلمه. "يا باشا، البواب طلع زي ما حضرتك أمرت. اجيبه لحضرتك هنا." من غير ما يتكلم، هزهاله رأسه.

العسكري راح ورجع بالبواب اللي كان واقف وباين عليه الخوف والصدمة. "عدلي بقى كده تاني عبد التواب. إيه اللي حصل بالظبط؟ وخلي بالك لو قلت حرف واحد مختلف هاخدك معانا واحنا ماشيين." "والله يا باشا أنا قلت كل اللي حصل." "قول تاني إيه المشكلة؟

"أنا مفروض كل يوم بعدي على شقق العمارة وبلم، لامؤاخذة يعني، شنط الزبالة من على الباب. بقالي كام يوم مش بلاقي شنطة قدام شقة مدام ناهد. خبطت كتير محدش فتح، قلت يمكن سافروا مصيف ولا حاجة. لحد ما العمارة كلها بدأت تشم ريحة وحشة أوي جاية من الشقة. وقبل ما أي حد يتصرف، أستاذ محمود المحامي قال لازم نبلغ البوليس ومحدش يعمل أي حاجة. ولما البوليس جه زي ما حضرتك شايف، لقوا الدم والجثث في كل حتة كده." "اتعرفت عليهم؟

دول كلهم اللي كانوا ساكنين هنا؟ "اتعرفت عليهم. الست ناهد أيوه صاحبة الشقة ومعاها ولادها منة ومعاذ. لكن أستاذ شريف ابنها الكبير مش موجود. حاولنا نكلمه كتير مقفول يا بيه. وأبوهم متوفي من يجي عشر سنين تقريباً." "بيشتغل إيه شريف ده ولا عنده قد إيه؟ هنا رد أمين الشرطة اللي واقف بدل عبد التواب اللي دموعه نازلة بصمت.

"الست الكبيرة كانت شغالة في الشئون الإدارية في الإدارة التعليمية. ومنة بنتها ٢٢ سنة مش بتشتغل، بتعمل فيديوهات على النت، تيك توك ويوتيوب وكده. ومعاذ ثانوية عامة، تالت ثانوي. وشريف الابن الكبير ٣٠ سنة، صيدلي، بيشتغل في صيدليتين، واحدة بالنهار وواحدة بالليل." "عرفتوا أي معلومات تانية؟ وفين الطب الجنائي؟ "بندور على شريف في الأماكن اللي عرفنا إنه ممكن يكون فيها يا باشا." "اندهلي الدكتور بسرعة." "أمرك يا باشا."

بعد دقيقة قرب منه دكتور في أواخر الثلاثينات، اتكلم وهو بيمد إيديه عشان يسلم. "بهاء باشا." بهاء رسم ابتسامة خفيفة. "دكتور مؤمن. ليك وحشة." "انت أكتر يا باشا." شاور بهاء على مكان الجثث وهو بيحط السيجارة في بؤه وبيولعها. "إيه اللي حصل؟ عدل مؤمن نظارته واتكلم بكل تركيز.

"بص، الكلام ده كله مبدئي طبعاً لحد ما نشرح الجثث. بس غالباً كده الضحايا اتخدروا وبعدين اتقتلوا في نحر في مكان الرقبة، غالباً ده سبب الوفاة. وبعدها القاتل بدأ يطعن في الجثث بآلة حادة. الست كبيرة واخدة عشرين طعنة في أماكن متفرقة. والبنت واخدة ١٢ طعنة. والولد الصغير ٧ طعنات." "تمام يا دكتور. بس أظن انت عارف دي منطقة شعبية. الحادثة صعبة. في ابن مختفي. ياريت التقرير يكون قدامي في أسررررع وقت، أرجوك."

"من غير ما تقول يا باشا. مش هروح بيتي غير بعد ما أعدي بنفسي عليك وأسلمك التقرير." "تمام يا مؤمن، تسلم. اتفضل أنت، مش هعطلك عن شغلك." استأذن مؤمن ومشي يكمل شغله. وفضل بهاء يلف في الشقة. ولما حس إنه مش قادر يركز، طلب منهم كلهم يطلعوا برة لمدة خمس دقائق ويسبوه لوحده. والكل نفذ أوامره.

رجع يلف في الشقة من تاني. دخل أوضة من الأوض. من أول نظرة عرف إنها تخص شاب. لف فيها ووقف قدام مكتب صغير في آخر الأوضة. ومن الكتب اللي عليها عرف إنها أوضة شريف الابن الكبير المختفي. اهتم بالأوضة أكتر وبدأ يفتش فيها. وللحظة حس بحد واقف، ولف بسرعة. واتخيل طفل عنده حوالي ٧ أو ٨ سنين وبيجري برا. ابتسم بهاء وطلع بهدوء من الأوضة ودخل الأوضة اللي حس إن الطفل دخل فيها.

من أول ما دخل، من الصورة الكبيرة اللي على الحيطة عرف إنها أوضة الأم ناهد. بص في كل أركانها واتحرك ناحية الدولاب. فتحة وبص بنظرة سريعة عليه. ولاحظ إن في صندوق مختفي تحت الهدوم. عرف إن الأوضة دي كده لسه متفتشتش. شد الصندوق بهدوء وفتحة.

كان موجود فيه دهب مش كتير، وقسيمة زواج لـ ناهد باسم الزوج صالح فتحي، وشهادة وفاة لـ صالح. وقسيمة زواج تانية باسم زوج تاني حسين عبد السلام، وشهادة وفاة باسم الزوج الثاني. استغرب بهاء وفتح باقي الورق. لاقى شهادات ميلاد للولاد الثلاثة. وقرا الأسماء وبدأ يفهم. شريف صالح فتحي. منة الله حسين عبد السلام. معاذ حسين عبد السلام. خد بهاء الورق وخرج ومشي من الشقة. ودخل رجال المباحث والطب الجنائي يكملوا شغلهم.

أول ما نزل وركب عربيته، اتخيل بنفس الطفل اللي لمحه في الشقة واقف وراء شجرة كبيرة قدام العمارة وبييبصله بحزن كبير ودموعه نازلة بصمت. ركز بهاء نظره للطفل. نظراتهم لبعض كانت كلها كلام. وقبل ما ياخد بهاء أي خطوة تانية، تليفونه رن. خرجه من الحالة اللي كان فيها. بص للتليفون ولمح اسم المتصل. ورفع عينيه تاني ملاقاش الطفل موجود. اتنهد ورد على التليفون. وزي ما توقع، سمع صوت زعيق جامد. "انت فين يا بهاء لحد دلوقتي؟

هو أنا مش كلمتك من تلت ساعات وقلتلك اقفل التليفون الاقيك قدامي؟ إيه خلاص فاكر إني كبرت ومبقاش ليا كلمة عليك خلاص؟ شفت نفسك على أبوك يا حضرة الظابط الكبير؟ ساكت ليه؟ ما تتكلم يا محترم." "هو حضرتك مديني أي فرصة للرد؟ حضرتك نازل زعيق وبس." "وانت بقا عندك رد أصلاً؟ "أه يا بابا عندي رد. إني في شغلي وفي قضية مهمة جداً اطلب مني أمسكها. ولإني خفت تكون حضرتك أو ماما فيكم حاجة، اتصلت بـ بسمة تعدي عليكم وتطمني."

الأب بانفعال شديد. "أنا لو عايز بسمة كنت اتصلت بيها. لكن أنا اتصلت بيك أنت. يبقى أنت اللي تسيب كل اللي في إيديك وتكون قدامي. مش بسمة. سامع ولا لأ؟ "يا بابا، شغلي... قاطعه الأب بغضب. "بلا بابا بلا زفت وشغلك ده في ستين داهية. المهم أنا. أنا لما أقول ألاقيك هنا، ألاقيك قدامي، سامع ولا لأ؟ بهاء خد نفس طويل وحاول يرد بنبرة هادية على قد ما يقدر، عكس الغضب الكبير اللي جواه.

"لما أخلص شغلي هبقى أعدي عليكم. ولو في حاجة مهمة أوي حضرتك تقدر تكلم بسمة أو حبيب عين أمّه وأبوه، أخويا مهاب. لكن أنا مش هسيب شغلي وأروح أي مكان تحت أي ظرف. وأياً كان مين اللي عايزيني. مع السلامة يا بابا. مش هقدر أتكلم أكتر من كده. ورايا قضية." وقبل ما يسمع أي رد، قفل السكة. وبعدها قفل التليفون كله. وفضل بكل غضب يضرب بإيديه الاتنين على الدريكسون أكتر من مرة. وبعدها اتحرك بسرعة كبيرة جداً بالعربية. *** أمين الشرطة

(بكر بركات) كان في منتصف الأربعينات من عمره. خلص شغل في الشقة اللي حصلت فيها الجريمة. وأول ما نزل من الشقة مسك تليفونه واتصل برقم وانتظر الرد. "مساء الفل يا حبيبي، عاملة إيه دلوقتي؟ طمنيني عليكي." "مساء الخير يا بكر. الحمد لله أنا كويسة يا حبيبي." "يارب ديماً. بتعملي إيه كده؟ عطّلتلك عن حاجة ولا إيه؟ "لا أبداً. أنا كنت بتسلى وبجهز أوردرات الأكل بتاعت بكرة عشان أسهل الدنيا على نفسي شوية." بكر كشر.

"برضه الشغل ده يا بدور؟ أنتِ مفيش فايدة فيكي." بدور بهدوء. "يا حبيبي أنا مش بعمل مجهود كبير ومش بنزل من البيت ولا بتعامل مع ناس كتير بشكل مباشر. وده مريحني يا بكر والله." بكر بحزن. "ما دي المشكلة يا بدور. ميت مرة أقولك الهروب ده مش حل. تعالي نشوف دكتورة نفسية كويسة ونروح لها. أنا هروح معاكي مش هتبقي لوحدك يا قلب أخوكي." ضحكت بوجع. "دكتورة إيه؟ وأنا خلصت التلاتين ودخلة على الأربعين. هتعملي إيه الدكتورة دي دلوقتي؟

ما خلاص يا بكر. اللي حصل حصل. ربنا لا يسامحه دنيا ولا آخره. أنا كل اللي بتمناه إنّي مموتش بقهرتي قبل ما أشفي غليلي منه يا بكر." "اهدي طيب عشان خاطري. أنا آسف مش هفتح كلام في الموضوع ده تاني. بس اهدي حبيبتي." وقطع كلامه لما شاف إنه معاه اتصال تاني. ومجرد ما شاف اسم المتصل (بركات) ملامح كلها اتغيرت والغضب اتمكن منه. ويتبع...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...