الصورة من بعيد كتير بتكون خداعه. لو حصل في الحقيقة وحد معدي جمب شخص انفعل على والده أو والدته زي ما بهاء انفعل على باباه، هيقول عليه دا ابن جاحد. ازاي يكلم أبوه اللي رباه وكبره كدة؟ ازاي يجرؤ يعلي صوته عليه كدة؟ أكيد دا مش بيطمر فيه، أكيد ملوش خير في حد طالما ملوش خير في أهله بالشكل دا.
مع إن لو جينا وعملنا زوووم على الصورة وشوفناها من قريب كويس أوي، كلامنا كله هيتغير. ونظرتنا لبهاء بعد ما كانت نفور وغضب هتبقى كلها شفقة وحزن. (( صدمة ) )** بكر قطع كلامه مع بدور لما شاف اسم بركات على التليفون. ملامحه كلها اتغيرت وفتح المكالمة من غير ما يقول لـ بدور أي كلمة. "عايز إيه؟ أنا مش قلتلك الرقم دا تنساه ومتتصلش بيه تاني." رد عليه بصوته الغليظ واتكلم بكل حدة.
"لأ بقولك أي، الشويتين اللي بتعملهم مع المجرمين اللي بتتعامل معاهم ميمشوش معايا. متنساش نفسك، أنا أبوك يا بكر ولازم تحترمني. لأغضب عليك دنيا وآخرة." رد عليه بسخرية. "لأ وأنت الشهادة لله ونعم الأب أوي. إيه يا حج بركات، أنت مالك مصدق نفسك كدة ليه؟
"بقولك أي، أنا مش ناقص وجع دماغ. التلاجة عندي فضيت والراجل صاحب البيت عايز الإيجار. عدي عليا الشهرية وامشي، مش عايز من وشك حاجة تانية. أنت طول عمرك ابن عاق أصلاً مش هتتعدل على كبر يعني." "عندك حق، مفيش حد بيتعدل على كبر زي ما أنت كدة مش هتتغير أبداً بردو. عموماً القبض لسه منزلش، لما ينزل هبقى أبعتلك أي عسكري بالفلوس. أنا مش هاجي." بركات بصرامة.
"هتيجي بنفسك يا بكر، وإلا والله العظيم تاني يوم هكون عندك في القسم وأعملك شوشرة وأقول للظباط ولزمايلك إنك ابن جاحد مش بيبص على أبوه. سمعني، وأنت عارفني كويس. أنا مش بهدد، بنفذ على طول." "استغفر الله العظيم يارب. يا سيدي أنت عايز مني إيه؟ الشهرية وبتوصلك أول كل شهر لحد البيت ليه؟ لازم أنا أجي؟ لأ أنت طايق تبص في وشي ولا أنا عايز أشوفك. بتحكم رايك ليه؟ مش فاهم." "لما تيجي هتفهم. يلا سلام."
السكة اتقفلت وحس بكر إنه جواه طاقة غضب تحرق الدنيا بحالها. حاول يسيطر على نفسه وحس إنه مش هيقدر يكلم بدور تاني دلوقتي. بعتلها رسالة على الواتس إنه جاله شغل ضروري وهيشوفها بالليل. تستناه على العشا. فضل واقف بيحاول ينظم نفسه شوية وبعدين رجع كمل شغله تاني.
-مؤمن كان قدامه حوالي تلت ساعات على ما الفريق اللي شغال يخلص شغل والجثث تكون في المشرحة عشان يبدأ هو شغله. حب يستغل الوقت دا وطلع على البيت خصوصاً إن شقته جنب المشرحة بينهم حوالي ربع ساعة بس. مؤمن بصوت عالي. "علا... حبيبتي." خرجت علا من المطبخ وهي مكشرة. "وطي صوتك يا مؤمن، في إيه؟ حرام عليك. ما صدقت إن نيجار نامت شوية عشان أدخل أعمل الغدا. تيجي أنت بصوتك دا تصحيها تاني، حرام والله."
"بس بس خلاص، براحة خدي نفسك. معرفش إنها نايمة. وبعدين أنا قدامي ساعتين كدة ولا حاجة وهنزل تاني ومش عارف هرجع إمتى. معايا قضية صعبة شوية فقلت أجي أقعد معاكم شوية قبل ما أنشغل فيها." "معاش يا حبيبي، بس حقيقي بنتك متعبة أوي. طول ما هي صاحية عايزاني أفضل قاعدة بيها ومعملش أي حاجة تانية. ادخل يلا غير هدومك وخد دوش كدة يفوقك. هكون حضرتلك أحلى سفرة." "ماشي يا حبيبتي." (اتحرك ناحية أوضته لكنه وقف ولف ليها تاني)
"بقولك إيه، لو هتخافي تباتي لوحدك، آخدك انتي ونيجار أوديكي لـ مامتك؟ أنا ممكن أغيب عن البيت يومين ولا حاجة." ارتبكت علا بس حاولت تداري بسرعة ارتباكها قبل ما مؤمن يلاحظ. "لأ أقصد يعني دول يومين. وبعدين حتى لو بخاف بقا معايا طفلة دلوقتي، لازم أجمد قلبي. والتعود على طبيعة الحياة دي مينفعش أفضل أخاف زي الأطفال كدة." "بس أنتِ بتخافي يا علا، ليه تضغطي على نفسك بالشكل دا؟
حتى لو عايزة تقوي نفسك خليها قدام شوية. لكن دلوقتي نيجار لسه صغيرة جداً وبتتعبك، بلاش كمان بالليل تكوني مرهقة وخايفة ومتناميش." حاولت تتهرب من الكلام. "بقولك إيه، هشوف كدة وأقولك. ادخل بس خد دوش بسرعة خلينا نلحق نتغدى في الهدوء دا وعشان تلحق شغلك كمان. يلا."
هز رأسه وهو حاسس إن في سبب لرفضها بس مرضيش يضغط عليها. دخل أوضتهم وبعد شوية خرج. كانت هي حضرت الأكل على السفرة وقاعدة مستنياه وسرحانة لدرجة إنها محستش إنه قعد قدامها غير لما لمس إيديها. "إيه اللي شغلك أوي كدة يا علا؟ حاولت تبتسم. "مفيش يا حبيبي، مرهقة شوية بس." هز رأسه من غير كلام وبدأ ياكلوا في صمت. قطعت.
"أنا يعني كنت بفكر بدل ما أروح لـ ماما، وأنت عارف إن بابا الضغط طول الوقت تعبان ونيجار بتعيط كتير، أروح أقعد اليومين دول عند مامتك لو يعني مش هضايقاها ولا أنت إيه رأيك؟ "هنا وهنا واحد. أكيد المهم تكوني مرتاحة، ومعتقدش إن ماما هتضايق. أنتي عارفه هي بتحبك إزاي وبتزهق ديماً من القعدة لوحدها. غير حبيبة ستها بقا اللي لما بتصدق تشوفها." "طيب ممكن أطلب منك طلب؟ "أكيد يا حبيبي."
"ممكن بعد الغدا تتصل أنت بـ ماماتك وتشوف الدنيا إيه؟ يمكن تكون كانت ناوية تخرج أو تعبانة أو مودها مش تمام وتتحرج مني، لكن منك أنت مظنش." "حاضر يا ستي، بعد ما ناكل هكلمها ولو الدنيا تمام مش مشكلة. لو اتاخرت شوية بس خليني أوصلكم بنفسي عشان أبقى مطمن عليكم." "ماشي يا حبيبي تسلملي يارب." رجعوا تاني يكملوا أكلهم في صمت. لكن الصمت دا كان خارجي بس جوة كل واحد فيهم دوشة كبيرة أوي وكلام كتير وصراعات وتساؤلات ملهاش إجابة.
بعد الأكل كلم مؤمن مامته اللي رحبت جداً بوجود علا معاها وقالت إنها مستنياهم وهتبدأ تحضر لـ سهره حلوة بينها هي وعلا.
مؤمن بدأ يلاحظ على علا وهي بتحضر شنطة صغيرة ليها هي وبنتها إنها كانت فرحانة جداً، متحمسة وكلها طاقة إيجابية. عمالة تغني وتضحك. وافتكر المرات القليلة اللي كانت رايحة فيها لـ مامتها وافتكر التكشيرة اللي كانت ديما بتحاول تداريها والسرحان الكتير والحزن اللي كان ماليها. ولما كان يسألها مالك تقوله "أصلك هتوحشني" وأنها مش بتحب تبعد عن البيت بعد ما اتعودت عليه.
كان عايز يتكلم معاها ويفهم منها إيه الفرق وليه بتبقى غير كدة وهي رايحة زيارة لأهلها يوم وراجعة. بس ضيق الوقت ماسعفوش واضطر إنه يأجل أي كلام لحد ما يسلم التقرير لـ بهاء وبعدها هيركز مع مراته ويفهم مالها. -بهاء كان مركز في جمع التحريات وشهادات الجيران. رمى كل مشاكله وهمومه ورا ضهره وركز في شغله وبس. وبعد مرور حوالي خمس ساعات على اكتشاف الجريمة، كان قدام بهاء ملف فيه معلومات عن أسرة ناهد.
ناهد فوزي عبد العزيز، موظفة في إدارة تعليمية. الكل بيشهد بأخلاقها وأدبها، ملهاش مشاكل مع حد سواء في العمل أو مكان إقامتها. ولادها كمان كانوا في حالهم ديما، ملهمش أي خلافات مع أي حد. شريف، الابن الكبير كان تواجده في البيت قليل جداً بسبب شغله المتواصل. الشقة اللي ساكنين فيها دي تبقى شقة والد شريف، مش والد منه ومعاذ. وكمان محل تحت البيت صغير ماجرينه مخزن لـ تاجر أدوات منزلية بردو باسم والد شريف. وفي معاش بتصرفه ناهد باسم زوجها التاني والد منه ومعاذ.
منة اتخطبت مرة لكن بعد حوالي شهرين والدتها قالت لـ بعض الجيران إن محصلش نصيب وإنهم متفقوش مع بعض. الخطيب كان زميل منه في الجامعة أكبر منها بسنة واحدة. معاذ كان غاوي كورة وديماً بيلعب مع شلة مصاحبهم في الملعب اللي بعد شارعهم بشارعين. كان بهاء بيقرأ بتركيز شديد لحد ما شتت تركيزه ظهور الطفل من تاني وهو واقف في ركن من أركان الأوضة وباصصله بغضب شديد. ولسه بهاء هيتحرك من مكانه اتفاجأ بالطفل قدامه تماماً
وهمس بكلمة واحدة بس: "ماما." واختفى تاني. رغم إن الموقف مفروض مرعب لأي حد، إلا أن بهاء ابتسم وحس إنه مسك طرف الخيط اللي هيحل القضية دي. وعشان يتأكد من إحساسه ومن اللي فهمه من إشارات الطفل اللي بيظهرله، كان لازم يستنى لحد ما نتيجة الطب الشرعي توصله الأول. تليفونه رن. وللحظة فكر إنه يكنسل، بس تراجع وخد نفس طويل وبعدين رد. "أيوة يا مهاب." "أنا مش مهاب يا بهاء، أنا نيرة. ازيك عامل إيه؟
جز على سنانه من الغيظ ورد بضيق واضح. "بخير الحمد لله. نعم في إيه؟ "اتكلم كويس يا بهاء، لو سمحت. مش كل مرة أفكرك، أنا مرات أخوك الكبير واحترامي من احترامه." "أنتي متصلة تديني محاضرة في الأدب والاحترام ولا إيه! خير يا نيرة، قولي في إيه. أنا ورايا شغل مش فاضي."
"ماشي يا بهاء، مش هعمل مشكلة معاك. كفاية المشكلة اللي موجودة أصلاً. لو سمحت عدي علينا انهاردة ضروري. بابا من بعد المكالمة اللي ما بينكم وهو تعبان وضغطه علي جداً. تعالي راضيه لو سمحت وارجع شغلك تاني. هو فعلاً كان عايزك في موضوع مهم وانت عارف بابا عصبي شوية. بس بليز يا بهاء تعالي وبلاش الموضوع يكبر أكتر من كدة." "وهو إيه اللي بيكبر المواضيع يا نيرة؟ قاطعته بنبرة هادية زي ما هي.
"مش موضوعنا دلوقتي، بقولك بابا تعب بعد الانفعال اللي حصل. لو سمحت تعالي راضيه واسمع كان عايزك ليه وبعدين اعمل اللي يريحك." رد بسخرية. "لأ وأنتم بتسبوني أعمل اللي يريحني أوي." "أكيد بنسيبك، ما أنت قاعد في شقة لوحدك منفصل عننا. رغم إن كلنا عايشين مع بعض وكل واحد له دور في القصر هنا، إلا أنت حبيت تستقل وتعيش لوحدك وسبناك. بنشوفك كل فين وفين وبنقول أوك شغله وهو أدرى بظروفه، مفروض نعمل إيه تاني يعني مش فاهمة."
"متعملوش حاجة. أوكي يا نيرة، أنا جاي مسافة السكة هكون عندكم. يلا سلام." قفل معاها من غير ما يستنى يسمع رد. والحقيقة الحركة دي طبعت فيه مع أي حد ومهما حاول يغيره مش بيعرف ولا بيقدر يسيطر على نفسه وقتها. رجع رأسه لورا بإرهاق وتعب وغمض عينيه وهو يهمس. "يارب أنا تعبت، ريح قلبي بقا." فضل على الوضع دا شوية بيحاول يهدي نفسه قبل ما يتحرك. عدى حوالي ربع ساعة وبعدين خد حاجته واتحرك وهو بيدعي من جواه إن الزيارة دي تعدي على خير.
-مؤمن وصل علا بيت والدته وهو في الطريق راجع لشغله. تليفونه رن برقم حماته. استغرب بس رد على طول، خاف يكون حماته تعبان أو معاهم مشكلة. "السلام عليكم." "وعليكم السلام يا حبيبي، ازيك عامل إيه؟ "الحمد لله يا ماما تمام، ماشي الحال." "يارب ديما يا حبيبي. بقولك إيه، مكلمتش علا انهاردة؟ بتصل بيها بقالي شوية غير متاح على طول قلقت عليها."
"لأ متقلقيش يا ست الكل، شبكة اتصالات بس عند ماما بعافية شوية. اتصلي على فودافون هيرن عادي." "هي عند مامتك؟ "آه، أصل جالي شغل واحتمال أبيات برة. فـ أنتي عارفة بقا إنها بتخاف وكدة فـ ودتها عند ماما عشان أبقى مطمن عليها." "والله ما حد مدلعها غيرك يا مؤمن. بتخاف إيه وبتاع إيه؟ دي بقت أم خلاص ولازم تكبر بقا وتتحمل المسؤولية. هتفضل في الدلع دا لحد أمتي؟ ومامتك تقول إيه دلوقتي؟ متجوز عيلة خايبة بتخاف تنام لوحدها؟
دا كلام دا يا ولاد." حاول مؤمن يتكلم بهدوء رغم ضيقه. "أهدي بس يا ماما، في إيه لكل دا؟ هي بتخاف تبات لوحدها مش تقعد لوحدها. وبعدين نيجار تعباها جداً وأنا اللي ودتها لـ ماما وماما متفهمة وفرحت جداً لأنها ديما لوحدها. فهم هما بيونسوها." "أطلع أنا منها، يعني ماشي، شكراً. عموماً المهم إنكم كويسين، سلام يا حبيبي." "استني بس يا ماما، أنتي زعلتي ليه؟ والله أنا بشرحلك اللي حصل ومش فاهم إيه زعلك ومع ذلك حقك عليا والله."
"لأ يا حبيبي مفيش حاجة، أنا اطمنت عليكم ودا المهم. معلش هقفل معاك، عمك محمود بينده عليا بدل ما يتعصب، أنت عارفه بقا." "ماشي يا حبيبتي، سلميلي عليه كتير." "يوصل، يلا مع السلامة." "مع السلامة." قفل مؤمن وخد نفس بارتياح إن المكالمة خلصت. ديماً أي حوار مع حماته بيكون متعب بالنسباله، بيحس إنه بيتنفس لما يخلص كلام معاها. وأومال إيه بيحصل مع علا؟!
-في مكان أول مرة نروحُه، مقابر بمنطقة البساتين، كان قاعد قدام قبر أبوه بعيون زايغة ودموع مبتقفش. ضامم رجليه لـ صدره وحاضنهم بإيديه وبيتمتم بكلمة واحدة: "ماما."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!