الفصل 1 | من 26 فصل

رواية أغلال لعنتهُ الفصل الأول 1 - بقلم اسراء علي

المشاهدات
25
كلمة
3,908
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 4%
حجم الخط: 18

ما الحب إلا خيال وجنون، وإنّي لأنبئك بأنّ المحبّ يستحق أن يُلقى به في غرفة مظلمة ويجلد بالسوط شأن المجانين، وأمّا السبب في أن المحبين لا يعاقبون على هذا النحو ولا يشفون من علتهم، فهو أن الجنون أصبح شيئًا مألوفًا حتى ليبتلي به الضاربون بالسياط أنفسهم. طُرقت الباب بخفة ثم دُلفت. ليقابلها رئيسها بالعمل بابتسامته المعتادة والمخيفة، ليس لشئٍ سوى رغبته المجهولة خلفها والغير مريحة أبدًا. ابتسمت كيان بتكلف، ثم تقدمت من مكتبه

وقالت بعملية شبه مرحة: "حضرتك طلبتني، أقدر أساعدك بحاجة يا فندم؟ أشار إليها بالجلوس، فامتثلت لأمره الصامت، ثم انتظرت حديثه بأعصاب تحترق. ليُشابك هو يده فوق المكتب وقال برزانة: "تعرفِ إني بعتبرك زي بنتي…" رفعت حاجبها بريبة، ثم قالت وهي تنظر لابتسامته التي لا يزال محتفظ بها: "البداية مش عاجباني مستر رفعت." ضحك رفعت وقال بمرح: "ليه بس! هو مينفعش أتكلم معاكِ براحة بعيدًا عن الشغل؟! أجابت سريعًا:

"ودا لأنك بتخبي وراك كلامك دا خفايا بتخوفني شخصيًا." عبس بلطف وقال: "أنتِ قاسية شوية عليا…" حكت كيان جبينها بتعب، ثم رفعت عيناها السوداء إليه لتردف بابتسامة ممتعضة: "تمام، حضرتك تأمرني بإيه! اتسعت ابتسامته، فتأكدت شكوكها لنيته الخفية، ولكنها لم تتحدث. بل تركته يبدأ حديثه بنبرة راجية: "حوراء؟ قطبت جبينها وتساءلت بغرابة: "خير! مالها حوراء؟ تنهد بتعب وقال: "والدتها وأنا هنسافر فترة علاجية عشان مرضها…"

بهت وجهها، ثم تساءلت وهي تشعر بشيء حاد يُغرز بقلبها: "هي حوراء متعرفش لسه؟ نفى رفعت قائلاً: "لأ متعرفش ولا هتعرف أبدًا، مش هتتحمل يا كيان، هتروح فيها وأنا مش هستحمل اللي هيحصلها…" مدت يدها لتضعها فوق يده المجعدة وهتفت بلطف: "متقلقش إن شاء الله هتخف وترجع أحسن من الأول." "ودا أكتر حاجة بتمناها…" ساد الصمت لعدة ثوانٍ قبل أن تقطعه كيان بسؤالها: "طيب وإيه دخلي أنا بحوراء؟ أخذ نفسًا عميقًا وأجاب:

"هتاخديها معاكِ في الأجازة اللي طلبتيها، هتقضيها معاكِ مش هقدر أأمن عليها مع حد غيرك." أشارت إلى نفسها وتساءلت: "غيري أنا! أومأ بتأكيد وأردف: "أيوة أنتِ وبس، عارف إني هقدر أعتمد عليكِ ومش هتخذليني أبدًا يا كيان." اتسعت عيناها بصدمة قليلًا قبل أن تقول بحرج: "دا شرف ليا وأكيد حضرتك عارف بس آآآ…" قاطعها رفعت بتوسل: "أرجوكِ يا كيان، قرايبها هيكلوها حية…"

صمتت لا تجد ما تقوله. تذكرت هي ما قصه عليها سابقًا عن عائلته وما يريدونه منه، الشركة وأملاكه فقط. إذًا تزوجت حوراء من أحد أبناء أعمامها، لذلك لم تستطع الرفض لتلك الفتاة الصغيرة التي لم تتخطى حاجز العشرين. فابتسمت وقالت: "تمام أصلًا كدا كدا هحتاج حوراء معايا في حفلة الخطوبة، أنا معنديش إخوات بنات…" ارتسم الامتنان على وجه رفعت، ثم أردف ببشاشة: "مبروك بالمناسبة، رشاد شاب رائع ومكافح أحسد أي بنت هتتجوزه."

غمغمت بخجل فطري: "شكرًا جدًا…" نهضت كيان لتصافح رفعت قائلة بهدوء: "ألف سلامة على حرم حضرتك، أتمنى ترجعلكوا بالسلامة." "شكرًا يا كيان، بتمنالك ديمًا الأفضل، لأنك تستحقيه…" *** نظر خلفه إلى الباب الذي أُغلق خلفه لتو، ثم ابتسم بشراسة اكتسبها أثناء طوال تلك الثلاث سنوات. رابتًا على كتف صديقه الذي خرج منذ قليل وأردف بصوته القوي: "مبروك الخروج يا وحش…"

ابتسم صديقه، ذلك الذي خاض معه شجارات ومعارك طاحنة، فبالداخل البقاء للأقوى. ثم هتف بسعادة وهو يتنفس بقوة: "أخيرًا دُقت طعم الحرية، ياااه الواحد مكنش عايش يا جدع جوه." رد هو بشرود: "عندك حق، بس بتبقى مُرة جدًا لما متلاقيش اللي مستنيه، مستنيك." نظر إليه صديقه مطولًا، ثم تساءل بينما هو يسير باتجاه دراجة البخارية الواقفة خلفه: "هي مكنتش مستنياك! هي اتجوزت ولا إيه؟! ضحك ساخرًا:

"لأ هربت، هربت وكل اللي سابته نظرتها المرعوبة اللي بصتلي بيها قبل لقاءنا الأخير." "عدا أد إيه على الحادثة دي يا قُتيبة! تقدم قُتيبة ليأخذ من صديقه آدم حقيبته، ثم ثبتها فوق المقعد الخلفي وأجاب بنبرة لا تنم عن شئ: "ست سنين، تلاتة قضيتهم أنا مُجبر بعيد عنها في السجن وتلاتة التانين اختارتهم هي برضاها." صعد قُتيبة الدراجة وتبعه آدم لينطلق، قبل أن يسأله: "وليه مرجعتهاش ليك!

"معرفش هي فين ومحدش بيقولي هي فين، وكأنهم أما صدقوا يفرقونا." "طب وليه أنت مدورتش عليها بنفسك؟! قابله الصمت، ليبتسم آدم بإشفاق، ثم أردف بتقرير: "أنت خايف مش كدا! ساد الصمت لعدة لحظاتٍ أخرى قبل أن يجيب قُتيبة بصوتٍ غريب، متباعد: "خايف! أه خايف، خايف ألاقيها وألاقي نفس النظرة، نفس نظرة الرعب…" توقفا أمام الشاطئ، ليترجل قُتيبة، تبعه آدم، وخلعا نعليهما، ثم سارا فوق الرمال الصفراء، ليُكمل الأول:

"نظرة دي بتطاردني في كل لحظة، حتى في كوابيسي، خايف وقت أما أقابلها تقولي إنها بطلت تحبني، إنها اختارت تتخلى عني بإرادتها…" جلس آدم فوق الرمال وجذب قُتيبة، ثم أردف وهو ينظر أمامه إلى المياه الزرقاء: "بس هي كذبت عشانك، شهادتها الزور هي اللي خلتك بره السجن دلوقتي، أنت بره بسبب كذبتها…" تلاعب آدم بالرمال، ثم نظر إلى صديقه وأكمل بنبرة ذات مغزى: "واللي تعمل كدا تفتكر مش هتستمر بحبك؟ رد بشك:

"كانت صغيرة، مشاعرها هتتغير من غير شك." هز آدم كتفيه وقال ببساطة: "وممكن لأ، هي اتربت على إيدك يا قُتيبة، فمستحيل مشاعرها تتغير بسهولة، ولو شكيت في كدا يبقى أنت معندكش ثقة فيها من الأساس، وقبلها ثقة في اللي زرعته فيها…" لم يصله إجابة سوى تنهيدة عميقة محملة بالكثير. آدم يعرف الكثير عن قُتيبة، كلاهما خاضا الكثير معًا من أجل البقاء على قيد الحياة، وماضيه كان الأكثر قسوة على الإطلاق، وفي الوقت ذاته الأجمل على الإطلاق.

نظر إلى قُتيبة الذي ربت على ركبتهِ، ثم أردف: "يلا مراتك مستنياك، أنا أقنعتها بصعوبة متجيش عشان تستقبلك." "طيب، يلا…" *** سارت برواق الشركة ورأسها يعمل دون هوادة. الآن وبعد غياب دام ست سنوات، ستعود إلى نقطة البداية. المكان الذي هربت منه سابقًا، ولكن الذكريات ظلت تطاردها بشراسة، مقسمة ألا تدعها تنسى مطلقًا، مقسمة ألا تنساه. "كيان؟

انتفضت على الصوت الرجولي الآتي خلفها، لتلتفت إليه، فوجدته رشاد، شاب يسبق سنواتها الثلاث وعشرون بثلاث سنوات، وجهه بشوش مبتسم، جسده نحيل مقارنة بـ. هزت رأسها بقوة تنفض صورته التي لا تنفك تتجسد أمامها، ثم ابتسمت ونظرت إليه قائلة بلطف: "إزيك رشاد؟ ابتسم وقال براحة: "بخير، بقيت أحسن لما شوفتك." "شكرًا…" حكت جبينها بتوتر قبل أن ترفع رأسها مجددًا حينما سألها بشك: "المُدير وافق على إجازتك! أومأت قائلة:

"أه، بس بعد عناء طويل." ضحك هو وأردف: "هو يحبك." ضحكت هي الأخرى وهتفت: "عارفة، بس هو ساعات كتير بيخرجني عن شعوري." "بس أنتِ عارفة معزتك عنده، عشان كدا الموضوع يستحق شوية تعب…" أومأت، ثم ساد الصمت المتوتر مرةً أخرى حتى أردف هو بصوت أجش، خافت: "هاجي بكرة مع والدتي، عشان أطلبك…"

لا تعلم لمَ أصابتها تلك القبضة الثلجية وجثمت فوق صدرها. لا تشعر بالسعادة كأي فتاة يرغبها شاب كـ رشاد، وسيم يتسم بالرجولة ويمتلك أخلاقًا عالية تتمناها أي فتاة، إلا أنها لم تشعر بالسعادة مطلقًا. يبدو أنها تنتظره. أخفضت وجهها، فتناثرت خصلاتها تُخفي وجهها الجامد، والذي فسره رشاد كخجل ليبتسم، ثم أردف محمحمًا: "تمام مش هكسفك أكتر، أنا همشي دلوقتي، وهبقى أتصل بيكِ نتفق على معاد عشان أقدر أجي." أجابت بخفوت ميت:

"تمام، هسـ هستناك…" سمعت غمغمة لم تتضح ما هي، ثم صوت خطواته تبتعد، لتزفر هي براحة كبيرة. والثقل بدأ يزداد بشراسة مقلقة، إلا أنها قررت التخطي، لن تستطيع المضي قدمًا إلا بتلك الطريقة. أجبرت ساقها على التحرك لتعود إلى منزلها وحزم حقائبها. *** في اليوم التالي. "متخافيش يا ماما منستش الدوا." "ومتيشيشي تحطي هدوم تقيلة، الجو برد جدًا يا حوراء…"

تنهدت حوراء بتعب وهي تنظر إلى والدتها التي تحزم حقيبتها هي الأخرى معها. لا تفهم سر إبعادها مع كيان. أجل، مسافران من أجل أمور العائلة والتي تكرهها كثيرًا، فهي تعلم نوايا أقربائها، ولكنهم لم يتركوها قبلًا. وضعت آخر قطعة ثياب، ثم أغلقت الحقيبة لتردف بابتسامة ضعيفة: "أنا معرفش أنتوا بتفكروا في إيه، بس هثق فيكوا…" اقتربت والدتها منها وربتت على وجنتيها ثم قبلتها وقالت بحنو: "لازم تثقي يا روحي…"

عانقتها حوراء بشدة، وكذلك فعلت والدتها، ليقطع لحظتهما صوت رفعت والدها: "متعمليش مشاكل يا حوراء. كيان عندها أمور شخصية وعندها حاجات مهمة وأنتِ عارفة، فخليكِ عاقلة…" رفعت حوراء حاجبها وأردفت بغيظ: "وهي دي كلماتك الأخيرة وأنت بتودع بنتك! أجابها هو بنبرة ذات مغزى: "ودا لأني عارفك أكتر من صوابع يدي…" ابتعدت حوراء عن والدتها لتتجه إليه، ثم وقفت أمامها هاتفة بشقاوة:

"تمام يا صاحب المنزل.. يلا هات بوسة عشان كيان زمانها على وصول…" ابتسم رفعت رُغمًا عنه، لترتفع حوراء على أطراف أصابعها، ثم أودعت وجنة أبيها قبلة رقيقة كشفتيها الصغيرتين وقالت: "بحبك يا بابا، متتأخروش عشان هتوحشوني أكتر ما بحبكوا…" كان دور رفعت ليودع جبينها الأبيض قبلة، ثم قال وهو يحاوط وجنتيها بكفيه المجعدين: "متقلقيش يا حبيبتي، أنتِ عارفة مقدرش أعيش من غيرك…"

ابتسمت حوراء باتساع، وقبل أن ترد كان بوق سيارة يصدح أسفل الشرفة، ليسحب رفعت نفسًا عميقًا ثم هتف بجدية: "تمام يلا عشان كيان وصلت، وافتكري يا حوراء، إبعدي عن المشاكل." "فهمت سيدي…" جذبت حقيبتها وتحركت إلى الخارج، يتبعها رفعت وزوجته المريضة بصمت متألم.

بالأسفل، وقفت كيان تتكئ إلى سيارة الأجرة تنتظر خروج حوراء والسيد رفعت. تلك الليلة المؤرقة التي قضتها ما بين الصحوة والغفوة، كابوسها الذي لم تتغير أحداثه ولو لمرة واحدة، بل يُعاد بتفاصيله المؤلمة والنهاية الشنيعة التي تتمنى أن يعود الزمن لتغيرها. رسمت على شفتيها ابتسامة عملية وهي ترى حوراء تقترب منها بابتسامة مشرقة عكس خاصتها، لتُعانقها، ثم أردفت الأخيرة: "هتقل عليكِ بس معلش أنتِ قلبك طيب وهتستحملي…"

ربتت كيان على ظهر حوراء، والتي تصل فقط إلى كتفها، ثم قالت بنبرة هادئة: "أنتِ زي أختي متخافيش." رفعت حوراء رأسها وقالت: "صحيح سمعت إنك هتتخطبي، ألف مبروك يا كيان، هنقضي أوقات حلوة وإحنا بنجهزك يا عروسة…" ضربتها كيان على جبينها ثم هتفت بغيظ: "بطلي يا حوراء، أنا عارفة دماغك وبتفكري إيه…" ضحكت حوراء بخبث، فـ أجبرت كيان لتضحك هي الأخرى، حتى التفتا على صوت رفعت وهو يردف بجدية وصرامة:

"لما توصلوا محطة القطر كلميني يا كيان عشان عارف إن بنتي مش هتتصل، ولما يتحرك ولما توصلوا وآآآ…" قاطعته كيان قائلة بضحك: "متقلقش يا مستر رفعت أنا مش عيلة عندها عشر سنين، أقدر أتصرف كويس." "أُعذري قلقي وخوفي." ابتسمت بتعاطف قائلة: "فاهمة متقلقش…" نظرت إلى ساعتها، ثم قالت وهي تنظر إلى السيدة في حيتها برأسها لتردف وهي تنظر إلى رفعت: "لازم نتحرك عشان نقدر نلحق القطر…"

عانقت حوراء والديها مجددًا، ثم صعدت السيارة مع كيان، وقبل أن تتحرك سيارة الأجرة، أردف رفعت بقلق: "خدوا بالكوا من نفسكوا، ومتنسوش تتصلوا بيا…" أومأت كيان وهي تبتسم باطمئنان، لتنطلق السيارة. ظل رفعت يتابع رحيلها حتى اختفت، ثم توجه إلى زوجته وهتف بنبرة مهمومة وكأن قطعة قد انتُزعت لتوها من قلبه: "يلا نحضر شنطنا، الطيارة معادها بعد كام ساعة، لازم نستعد…" ***

اتسعت عيناها بفزع مؤلم وهي تجد تلك الجثة تسقط جوارها بعدما تلطخ وجهها ببعض الدماء. انتقلت تلك النظرة المرتعبة إلى ذلك الذي يقف أمامها يحمل السكين بيده. سكينه الملطخ بدماء غزيرة حتى أنها بدأت تتساقط أرضًا مُحدثة دويًا قاتل، قاتل ومرعب.

وهو يُحدق بها، هيئتها الرثة، الكدمات التي تُغطي وجهها، الخدوش على ساقيها العاريتين، والعبرات الحارقة التي تُلهب وجنتيها الورديتين. نظرته كانت قاسية لا حياة بها، لا تحمل ذرة من المشاعر الإنسانية. ثم صرخة مدوية مزقت أذنيه، لينتفض فزعًا وهو يفتح مديته ويلوح بها أمامه. قابله الفراغ. الدماء اختفت وهي تبخرت، وصرختها استُبدلت بصوت آلات ضخمة وبعض المحركات.

مسح حبات العرق الباردة التي تعلو جبينه وأخذ يتنفس بسرعة، ثم أغلق مديته وأعاد وضعها بجيب بنطاله الخلفي. أتاه صوت أحد زملائه بالعمل وهو يردف مازحًا: "نايم تاني في الشغل، لو عرف صاحب الشغل، هيطردك ومش هيرجعك تاني." نظر إليه قُتيبة بأعين قاتلة قبل أن يهتف بصوت صخري: "ملكش دعوة واطلع من دماغي." هتف زميله بغيظ: "المرة الجاية هعرف صاحب الشغل وهفتن عليك."

نهض قُتيبة بجسده الضخم وقد بدأت عضلات فكه تتشنج بقوة، ليس لما قاله الشاب ولكن لذلك الكابوس المرعب الذي عاود الظهور بعدما قد بدأ بالاختفاء تدريجيًا. ثم قال بجمود قاتل: "لو باقي على حياتك.. فامشي من وشي الساعة دي سعيد." توتر المدعو سعيد، ولكن صرخ بتردد نابع من خوفه: "آآ.. بتهددني يا قُتيبة؟ لم يُكلف قُتيبة نفسه عناء الرد، بل أخرج مديته من جديد ولوح بها أمام وجه الآخر، والذي فقد ألوانه، ثم هسهس بفحيح: "شايفني بهزر؟

"حد يساعدني…" تدخل آدم وهو يسحب قُتيبة بعيدًا عنه، ليركض سعيد، ولكن هتف قبل أن يخرج من تلك الغرفة الضيقة: "أنت مجنون، السجن أثر على مخك." هدر آدم بصرامة: "امشي حالًا يا سعيد وإلا أقسم بالله هسيبه يقتلك." هرول سعيد مبتعدًا، ليدفع قُتيبة صديقه الذي أردف بغضب حقيقي قلما تملكه: "أنت غبي؟ ولا أنت لسه متخلصتش من العادات دي؟ أنت معتش موجود في السجن تاني، إهدى يا قُتيبة."

لم يرد عليه، بل جذب المديّة من يد آدم الذي انتزعها منه على حين غفلة، وعاود الجلوس فوق الأريكة، ليقترب آدم منه ثم زفر مستغفرًا وهتف بخفوت: "نفس الكابوس تاني…" أومأ قُتيبة دون أن يفتح فمه. ليومئ آدم ثم أكمل بغرابة: "الكابوس دا مجاش ليك من فترة كبيرة، أنا مشوفتكش بتعاني من الحوار دا غير أول الشهور اللي شوفتك بيها." "معرفش…" فتح أزرار قميصه المهترئ لتظهر ثيابه الداخلية الضيقة مُظهرة عضلاته المتناسقة، ثم حك مؤخرة عنقهِ

وقال بصوت متباعد: "أنا معرفش إيه اللي حصل واللي بيحصل الفترة دي." ربت آدم على كتفهِ وقال: "ممكن يكون بسبب كلامنا امبارح…" نهض قُتيبة وجذب حقيبته، ثم أردف وهو يفتح باب الغرفة: "يلا نرجع شغلنا، مش لازم نتأخر…" *** ضربت بقدميها أرض مدينتها الساحلية بعد غياب دام طويلًا. كان قلبها يكاد يقفز بين أضلعها تاركًا إياها. تُرى هل خرج وعاد إلى حيهم الصغير؟ هل ستراه الآن؟ أم بعد تلك الحادثة قد ترك المكان بعد ما تناقله أهالي الحي!

"هو إحنا وقفنا ليه؟ تساءلت حوراء وهي تجذب حقيبتها خلفها، ناظرة إلى كيان المتجمدة أرضًا، شاحبة الوجه وكأنها رأت شبحًا. نظرت كيان إلى حوراء ثم ابتسمت باهتزاز وقالت بخفوت هادئ: "تعالي فيه مكان لازم نروحُه الأول قبل ما نروح البيت…" تبعتها حوراء بفضول ثم تساءلت بتعجب: "هو مش المفروض نروح البيت الأول؟! أجابت كيان بعد مدة: "لأ، المكان دا مهم، وهتحبيه…"

رفعت حوراء كتفيها ببساطة وهي تمط شفتيها، ثم تبعت كيان، والتي بدت وكأنها بعالم آخر، عالم لا يوجد به سواها وسواها. ركضت حوراء تحلق بها، واضعة يدها فوق قبعتها حتى لا تطير مع الرياح، ثم تساءلت بفضول غير قادرة على قمعه: "رايحين فين يا كيان؟ مش هتجاوبيني! نظرت إليها كيان مبتسمة ابتسامة لم ترها حوراء قبلًا، جعلت فمها يفغر بإنبهار: "هنروح شط البحر…"

بعد دقائق قليلة، كانتا تقفان فوق الرمال أمام البحر الأزرق الشاسع أمامها. المياه الدافئة تُداعب أقدامهم العارية فتُدغدغهما بلطف يُجبرهما على الضحك. لاعبت حوراء الماء بقدمها ثم قالت بسعادة: "المكان هنا جميل جدًا وقت الغروب، كان هيفوتك المنظر دا…" أومأت كيان مبتسمة، والرياح تُداعبها برقة، وثوبها الأبيض يتطاير حولها، فـ أكسبها هيئة حورية البحر الهاربة، ولكنها تحمل بداخلها قصة حزينة، لا أن تبحث عن أميرها.

التفتت على صوت الأطفال القادمة خلفها وهما يتضاحكان بصوت عالٍ. وما أن لمحها أحدهم حتى صرخ بسعادة وهتف: "رجعت.. كيان رجعت يا صحابي…" ضحكت كيان والأطفال يلتفون حولها بسعادة، بينما حوراء تقف مبتعدة تُحدق بهم بإنبهار سعيد. "مين البنت الجميلة؟! سألت فتاة صغيرة وهي تُشير إلى حوراء، لتُجيب كيان مبتسمة: "دي صاحبتي…" حياها الأطفال، ثم عاود آخر سؤالها: "هتفضلي هنا! "أيوة، شوية." عبست طفلة وقالت: "ليه؟ أنتِ وحشتينا…"

تنهدت كيان بحرارة، كيف تشرح لهم ما يختلج داخل قلبها المُمزق، كيف تُخبرهم أنها تُحب هذا المكان وتمقته بـ الوقت ذاته! كيف لها المجئ من الأساس؟ هذا المكان بخوائه وصوت الرياح القوي يُرعبها كما لم يفعل من قبل. من قبل كان هذا المكان ملجأ وجنة بالنسبة لها، ولكن كل هذا تهدم ذات يوم. أخرجها من شرودها يد طفلة تسحب ثوبها، لتتساءل كيان بابتسامة واسعة: "في إيه يا حبيبتي! "تعالي نلعب." رفعت حاجبها وتساءلت: "دلوقتي؟ مش الوقت اتأخر!

حركت رأسها نافية وقالت: "لأ، إتبقى لينا نص ساعة عما نرجع البيت…" تقدمت حوراء منها وهي تضحك بإشراق وشقاوة، ثم قالت: "رغم إني تعبانة، بس هلعَب معاكوا." هتفت طفلة بصوتها الرفيع: "بس عاوزة آخد بوسة الأول وحشتني، كيان وحشتني أوي." "وأنا." "وأنا كمان." "وأنا كمان مش هاخد ولا إيه! ضحكت كيان بقوة. كانت تفتقد ذلك الدفء والبراءة. كيف لها أن تكره ذلك المكان وأولئك الأطفال؟

لذلك نهضت وقذفت نعليها، ثم ركضت وهي ترفرف ثوبها الطويل، حافية القدمين، تضحك بقوة رادفة وهي تنظر إلى الأطفال من خلفها: "اللي هيعرف يمسكني الأول، ف هياخد جايزته…" والجائزة كانت قبلة، قالتها وهي تشير إلى وجنتها علامة على إعطاء قبلة، وحين استدارت اصطدمت بجدار صلب، قوي، وكِلابيّن حديدين يُحيطان خصرها. وصوتًا لم تسمعه منذ سنوات يردف بصوته العميق بمكر: "دلوقتي أنا مسكتك، ينفع آخد جايزتي؟!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...