الفصل 2 | من 26 فصل

رواية أغلال لعنتهُ الفصل الثاني 2 - بقلم اسراء علي

المشاهدات
21
كلمة
4,515
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 8%
حجم الخط: 18

توسعت عيناها بقوة، أوشكت على الاستدارة بينما جسدها كله تجمد، كما تجمدت الدماء بعروقها، كأن قلبها عجز عن ضخ الدماء، بل توقف عن النبض.

عاد لينبض بسرعة مجنونة وهي تراه أمامها بكل طلته وعبثيته اللتين أوقعاها يومًا. همجيته وجسده الضخم بضراوة يحتوي جسدها الضخم دون ملامسته، ولكن كفه الدافئ يتخرق ثيابها ويصل إلى جسدها، فيتسلل الدفء إلى قلبها مذيبًا الثلوج التي عملت جاهدة على تكوينها حوله. ليأتي هو وبـ لحظة يُلقي كل هذا بعرض الحائط.

نظرت إلى عيناه الحبيبتين لتجدها تلمع باشتعال، اشتعال تعرفه جيدًا، ولكنها الآن غير قادرة على تحمله. لذلك رفّت بجفنيها، ثم جمعت أقسى ما تحمله من غضب وإشمئزاز لتهدر: "أبعد إيدك القذرة دي عني." لم يجب قتيبة، بل ظل يحدق بها بذات الاشتعال حتى اقترب منها وهمس بنبرة ذات مغزى: "إيديا بقت قذرة عشانك يا روحي."

صرّت على أسنانها، ثم حاولت التملص منه، ولكن وجدت يديه تعتصر خصرها بقوة، حتى أوشكت على فصله عن جسدها. لتعلم أنه في أقصى حالات ضبط النفس وأنها أصابت وترًا حساسًا لديه ومؤلم بشكل شنيع. عادت للحديث من بين أسنانها وهي ترمقه بشراسة: "قولت أبعد إيدك عني." ابتسم قتيبة وقال بتسلية: "رجعتِ تاني بعد هروبك من سنين." "أكيد مردتش عشانك يعني، ويلا إبعد عني."

عيناه اللتان نظرت إليهما بنظرات لم ينظر بها إلى غيرها أربكتها وجعلت القشعريرة تغزو جميع أنحاء جسده. تنحنت وأدارت وجهها، ليلمح قتيبة حوراء الواقفة تحدق بهما بغرابة. ليبتسم بعبث وأردف بصوت عالٍ: "من الواضح إنك جبتِ ضيوف معاكِ." التفتت إليه سريعًا لتجده يحدق بحوراء بتدقيق أصابها بالغضب، لتهدر: "كفاية بص عليها." أبعد عينيه عن حوراء لينظر إلى سوداويها وأردف غامزًا إياها: "بتغيرِ؟ "رفعت حاجبيها بدهشة ثم أجابت: أنت بتحلم."

"ليهتف هو دون تردد: وأنتِ كدابة." مع ارتفاع حاجبيها صاحبه، توسعت عيناها بتعجب لثقته، لترد عليه بعناد: "مش كدابة." "هتف مرة أخرى بقوة: لأ كدابة، لسانك مبيقولش حاجة غير الكذب ديمًا." "جأرت بحدة: مبكدبش، وكفاية بقى وقاحتك دي. كمان مش بس لساني هي اللي بيكذب، لأ دي كمان عيني بتكذب، عشان كدا مش مصدق نظرة الكره اللي ببصلك بيها دي." كان يعلم مقصدها ويعلم بعمق لن يصل إليه سواه، أنها تنظر إليه باشتياق حاد كاد يمزقهما معًا.

لذلك هتف بصوت عذب: "لأ، عينيكِ متعرفش الكدب أبدًا، هي بتعكس اللي جواكِ يا كيان، حتى روحك بقدر أشوفها من عينيكِ، حتى لو جسمك اللي بيرتجف بين إيديا، عينيكِ مش هتقدر تعملها أبدًا." اقترب منها وهمس بصوت خفيض ولكنه محمل بعاطفة: "أنا اللي علمتك إزاي تبصلي، فـ مش هتقدري أبدًا تضحكي عليا بالكلام الأهبل دا." حديثه صحيح ومؤلم، يلسع كسوط يهبط على جروحها فيُلهبها. لتخفض وجهها وهي تهمس بجمود حتى لا يرى تعابير وجهها المكدومة:

"بلاش النرجسية اللي فيك دي، أنا نسيتك من زمان، معتّش في ذكرياتي يا قتيبة، أنا خرجتك من قلبي زي ما خرجتك من عقلي." لم يتأثر بما تقوله، بل ابتسم ابتسامته الجميلة وأردف بثقة ونرجسية كما تدعي: "أنا سبت فـ روحك أثر مسبتوش فـ جسمك، عشان كدا عمرك ما هتقدري تنسيني يا كيان، عمري ما هطلع لا من قلبك ولا من عقلك." همت تفتح فمها للحديث، ولكنه أكمل بقوة: "أنا دمغت روحك قبل جسمك فـ كدبك دا هو أكبر كدبة سمعتها منك."

ألهب غضبها بلحظة واحدة، لتصرخ بغضب وهي تضرب كتفه: "أنت هتكدب! أنت عمرك ما لمستني، متعملش فضيحة عشان توصل لحاجة فـ دماغك." رد هو بهدوء: "ومين قال إني بكذب؟ مين اللي مسك إيدك وخدك للمدرسة أول يوم؟ مين اللي مسكتِ فيه ومرتضيش تدخليها من الخوف عشان هتكونِ لوحدك وأنا مش معاكِ؟ مين هو اللي حضنك؟ مين اللي قعد وراكِ فـ الفصل عشان يخفف عنك خوف أول يوم مدرسة؟

مين اللي شافك لحظة بلحظة وأنتِ بتكبري قُدامه وبتنضجي كـ بنت من غير أما يجرؤ حتى إنه يلمسك؟ الفاكهة المحرمة زي ما بيقولوا، الفاكهة اللي ياما زارتني فـ أحلام، أحلام بس وأنا مستني إنها تتحقق، أحلام عمرك ما هتفكري كُنتِ بتعملي إيه فيها أحلـ آآآ…" وضعت كيان يديها على فمهِ، لتشعر بارتِعاش شفتيه أسفل كفها. لتبعدهما سريعًا قبل أن تردف بتوتر: "بس كفاية، أرجوك يا قتيبة كفاية." قال قتيبة بحرارة:

"أنتِ بقيتِ ملكي، دمغتك كل شبر فيكِ، أنتِ بقيتِ ملكي فـ بقيتِ متحرمة على غيري." تنفست بسرعة عالية، وأحداث ذلك اليوم المرعب تعود تفاصيله، وذكرى صراخ والدته وهي تنعتها بالفاجرة، عاودت النشوب بقلبها كحريق. ثوانٍ كل ما استغرقته ثوانٍ لتشتعل سوداويها بلهيب زاد من سواد عيناها، وبقوة حلت حصار أصابعه عنها وهدرت بقسوة:

"مش صح أبدًا يا قتيبة، أنا هكون لغيرك، بكرة زميلي فـ الشغل هيتقدم ليا، وأنا هقبل، واحد غيرك هيديني الأمان اللي أنت حرمتني منه." تجاهلت مطارق قلبها لذلك السواد المخيف المنبعث من عينيه إليها، والتفتت إلى حوراء تهدر بصوت مبحوح: "يلا بينا نرجع يا حوراء، بلاش نعمل فضايح أول يوم، أو كفاية فضايح لحد كدا."

كان قتيبة جامد الحركة، عاجز عن الحديث، ولكن عيناه والجحيم المنبعث منها جعلته في هيئة خطرة لشيطان فار من الجحيم. ليقصف صوته الجهوري بغلظة سوداء، مميتة: "أُقسم بـ اللي خلقني وخلقك لأقتله وأقتلك قبل ما ياخد حقي، هتندمي يا كيان." كان صوته يقصف من خلفها ليجعل جسدها ينتفض خوفًا. إنها تعلن الحرب وتعلم أنها خاسرة. *** "حوراء أنا مش هجاوب على أي سؤال تسأليه، فـ عشان خاطري متسأليش عن حاجة أنتِ عارفة إني مش هجاوبك عليها."

ابتلعت حوراء لسانها صامتة، لا تنكر أن ذلك الضخم أثار بها الرعب أيضًا. كيف لعصفور مثل كيان أن تكون يومًا ما حبيبة هذا الـ… التنين. ضحكت حوراء لوصفها لقتيبة بالتنين. فـ نظرت كيان إليها رافعة حاجبها ثم تساءلت بشك: "بتضحكِ ليه؟ ارتفعت ضحكات حوراء قبل أن تردف وهي تجر حقيبتها خلفها: "كنت بسأل نفسي، إزاي عصفورة زيك تحب تنين زي قتيبة دا كدا." ابتسمت كيان لحديث حوراء، ولكنها عادت تكشر عن أنيابها وقالت بحدة طفيفة:

"متقوليش عنه تنين، وإيه حبيته دي! أنا محبتش حد ولا بحب حد." سارت على نهج قتيبة وهي ترد: "كدابة، حقيقي أنتِ أكتر كدابة فاشلة شوفتها فـ حياتي." حكت كيان جبينها وقالت بتعب متجهة إلى مقهى راقٍ بالقرب من حيهم: "طيب ممكن تبطلي كلام! أنا معنديش حيل للمناقشة معاكِ." "أوكيه، زي ما أنتِ عاوزة." حدقت بها كيان بنظرات ضيقة، ولكنها لم تتحدث، بل دلفت إلى المقهى لتتساءل حوراء بفضول: "هو إحنا رايحين فين؟ أجابت كيان ببساطة:

"هندخل جوه." دلفت وتبعها حوراء لتتجمد واقفة، مذهولة بل مأخوذة بما تراه. بمنتصف المقهى وبين الطاولات وعلى أنغام الموسيقى الغربية، وجدت ذلك الرجل ذو الشعر البني يراقص فتاة صغيرة تشبه ملامحه من حيث لون الشعر والابتسامة المرتسمة على وجهيهما. تشبه قصة الأميرة "سندريلا" حيث تراقص أميرها بالحفل، ولكن هذه المرة بطلة القصة طفلته على الأرجح. تضع قدميها فوق خاصته وتتحرك معه في خطوات بطيئة ومدروسة.

توقفت الألحان وتوقف معها الزمان لحظات وهي تصفق بحرارة، وكأنه مشهد نادر صعب التمثيل كما فعل الجميع. نظرت إلى كيان التي ابتسمت بحنو بالغ ثم هتفت بصوت عالٍ وهي تتجه إليهما: "عُميّر؟! نظر عُميّر باتجاه الصوت لتتسع ابتسامته أكثر وهو يرى شقيقته تركض باتجاهه، ليقابلها بالمنتصف ثم رفعها ودار بها عدة مرات قائلًا باشتياق: "قردتي الصُغيرة، وحشتيني أوي يا كيان." عانقته كيان بقوة، دافنة وجهها بصدره وهتفت بحشرجة:

"وأنت كمان يا حبيبي، وأنت أكتر." أبعدها قليلًا عن صدره ثم حاوط وجهها وأردف بمشاكسة: "من وقت أما تيتة عرفت إنك جاية لأ وفيه عريس، و هي ماشية توزع شربات على أهل المنطقة كلها، مسابتش حد، ومش بس كدا دي قالت لهم فتحي النجار على لون الأوضة اللي هي عاوزاه." ردت كيان بيأس: "هي كانت فاقدة الأمل فيا لدرجة دي؟ عمومًا أنا متوقعتش أقل من كدا." "عمتو مش هتسلم عليا أنا كمان ولا إيه؟!

انحنت كيان إلى الصوت الطفولي وحملتها ثم قبلتها عدة قبلات وهتفت بابتسامة واسعة: "ودا معقول يعني؟ دا أنتِ وحشتيني كتير كتير، أكتر كمان من بابا حتى." عانقتها الصغيرة بقوة ليهتف عُميّر وهو يتنزعها من كيان: "يلا يا أسيل كملِ واجبك، الاستراحة خلصت." أومأت بحماس وقالت: "هخلصه كله وأقعد مع عمتو كيان، وحتى كمان هنام معاها فـ الأوضة النهاردة." "تمام يا ستي، بس دلوقتي يلا حلِ واجبك."

التفت عُميّر فجأة جهة وقوف حوراء لترتبك الأخيرة وتسقط ما بيدها. فـ عاود النظر إلى شقيقتهِ وهتف: "جبتيها معاكِ! هتفت بقلة حيلة: "أعمل إيه؟ مقدرش أسيبها وبعدين أنا شرحتلك الوضع، باباها اللي هو مديري طلب مني." ابتسم عُميّر وهو ينظر إلى حوراء وأردف بعطف: "فعلًا هياكلوها، هي بسكويتة ناعمة." تغيرت نظرات عُميّر إلى أخرى عبثية وهي تمسح على جسدها الصغير. فـ ضربته كيان بيدها في كتفهِ وهدرت بتحذير:

"بلاش بصاتك دي عشان خاطري، البنت أمانة عندنا ها! رد عليها ببراءة: "وأنا بس عملت إيه؟ أنا عاوز أتأكد من سلامتها، هو دا اللي يهمني، أو يهمنا عمومًا." غمغمت باستنكار: "ليها حق مراتك متستحملش وتسيبك، والله عندها حق." "بتقولي إيه يا بت أنتِ! أجابت بابتسامة صفراء: "ولا حاجة يا حبيبي، ويلا لازم أمشي." تحركت كيان ولكن عُميّر لحقها بل سبقها وأردف بنعومة ماكرة: "طب ومش واجب أحيي ضيفتنا ولا دي تبقى عيبة فـ حقنا."

حاولت كيان اللحاق به، ولكنه كان قد وصل إلى حوراء والتي كانت تجمع ما سقط منها أرضًا. ليساعدها عُميّر فـ تمتمت بخجل مبتسمة: "شكرًا جدًا يا أستاذ آآ" "عُميّر، اسمي عُميّر الجيار، الأخ الكبير لكيان الجيار." مدّ يده لتنظر إليها حوراء أولًا ثم رفعت نظراتها إليه، فوجدته يبتسم ابتسامة غير مريحة ولكنها صافحته قائلة بتردد: "حوراء رفعت رسلان." رد بصوت عالٍ: "مدير كيان؟ دا شرف كبير لينا إن بنت مدير كيان هتقعد فـ بيتنا المتواضع."

غمغمت كيان من بين أسنانها: "دا على أساس إنك متعرفش يا سي عُمير! توجست حوراء منه، لذلك سارعت بجذب ما بيدها وقالت بسرعة: "شكرًا، دا بس من ذوق حضرتك." ثم حولت أنظارها إلى كيان التي تضع إصبعيها السبابة والوسطى على جبينها وباقي كفها يخفي وجهها المحبط، وأردفت: "هو مش المفروض نمشي ولا إيه؟ أومأت كيان إليها وهي تتنهد بيأس، لتتحرك حوراء بسرعة ثم تبعتها الأولى قبل أن تضرب صدر شقيقها وهمست بحدة:

"مستر رفعت سبهالي عشان قرايبها مياكلوهاش، فـ بليز متاكلهاش أنت، ممكن؟! كبح عُميّر ضحكة عابثة وأومأ لها، لترحل كيان بعد أن رمقته بشر تحذيري. بينما أردف وهو يتأمل سير حوراء المرتبك وخصلاتها التي تتطاير دون مُعيق بعد أن نزعت قبعتها: "إزاي بس أمنع نفسي عن النعيم بعد أما واحدة سابتني فـ النار؟! *** "وبعد الوقت دا كله، رجعتِ أخيرًا يا كيان، وحشتيني يا بنتي." احتضنت كيان جدتها بقوة ثم هتفت ضاحكة:

"وأنا أكتر، والآن رجعت خلاص." "مش هسمحلك تمشي تاني أبدًا، هتفضلي جنبي على طول." تعاطفت لجشرجة صوت جدتها، فـ قبلت جبينها وأردفت بحب: "متقلقيش يا تيتة أنا هقعد هنا فترة طويلة، ومش هغيب عليكوا كدا مرة تانية." جذبتها كيان لتجلس فوق الأريكة، لتنظر ثريا ذات الجسد النحيل والكهولة تظهر على ملامحها المجهدة إلى حوراء المبتسمة بسعادة ثم أشارت لها لتتقدم قائلة: "تعالي يا حبيبتي، ما شاء الله جميلة ورقيقة زي البسكويت."

ابتسمت حوراء بخجل ومالت تعانق ثريا، بينما ضحكت كيان، فـ سألتها جدتها وهي تلكزها بعصاها: "بتضحكِ على إيه؟ هتفت كيان من بين ضحكاتها: "أنتِ وحفيدك مش مختلفين عن بعض." قطبت حوراء جبينها بعدم فهم، بينما ثريا ضحكت بخبث، لتتساءل: "قصدك إيه يا بت؟ ردت كيان: "ولا أي حاجة يا حبيبتي، هو جدو فين بالمناسبة؟ أجابت ثريا بمصمصة: "وهيكون فين يعني؟ بيلعب شطرنج مع صحابه فـ القهوة فـ منطقة جنبنا."

أومأت كيان ولتجذبها ثريا معانقة إياها ثم هتفت بحماس ونبرة ذات مغزى: "يلا أوام إحكيلي عن العريس، والله مكنتش مصدقة وكنت هعمل وليمة لأهل المنطقة كلها، حتى عمامك مصدقوش." "أنتِ بتلفي وبتدوري حوالين الموضوع دا من الأساس يا تيتة." ضربتها ثريا وقالت: "يلا يا بت أنتِ بلاش كلام فاضي، إحكيلي كل حاجة." ابتسمت كيان بسعادة لتضم نفسها إلى ثريا، تناست مؤقتًا لقاءها القاتل مع قتيبة حتى تختلي بنفسها وتفكر بتهديده،

ثم هتفت بصوت متباعد: "مبدئيًا هو زميلي فـ الشغل، كان معجب بيا من فترة، وقبل شهرين طلب مني آخد معاد معاكوا عشان يطلبني منكوا، مؤدب جدًا، طموح، ووسيم جدًا يا تيتة زي ما أنتِ عاوزة وكمان شيك يعني مش زي شباب الأيام دي." "حمستيني يا بت يا كيان، اسمه إيه! "رشاد." ساد الصمت لتقطب كيان جبينها بتساؤل عما قالته خطأ، إلا أنها تفاجأت بإبعاد ثريا لها وهتفت بعصبية: "قومِ يا بت، قومِ من وشي مش عاوزة أشوفك يلا." غمغمت بغرابة:

"إيه اللي حصل بس يا تيتة قوليلي!! ضربت ثريا الأرض بعصاها ثم هدرت بحدة: "بعد كل الصبر دا هتتجوزي واحد اسمه رشاد! والله لو كنت أعرف إن اسمه رشاد مكنتش وافقت من الأساس." أغمضت كيان عيناها بنفاذ صبر ثم هتفت من بين أسنانها: "وهو أنتِ سمعتِ مميزاته الأولى ولا دي ملفتتش نظرك؟ "وبوظها اسمه، اسمه حتى ميشفعش." ردت كيان بنفاذ صبر: "بالله عليكِ دا اسمه إيه دا؟ همهمت ثريا ببؤس: "كنت عاوزة اسمه يكون تامر مثلًا."

انفجرت حوراء بالضحك ولم تستطع كيان منع نفسها، ثم أردفت بمرح: "حاضر هقوله يغير اسمه من عنيا." ضيقت ثريا عينيها وقالت: "و بتهزري كمان بنت سعيد! يلا قومِ من وشي، مفيش جواز." عبست كيان فجأة ثم قالت وهي تعتدل بجلستها: "دا هزار دا ولا بجد؟ نهضت ثريا ثم تحركت وهي تتكئ بعصاها لتقول بصوت جدي: "لأ بجد، اتصلي بيه وقوليله إننا، لأ أنا بس اللي مش موافقة."

تابعت كيان تحرك جدتها حتى اختفت داخل أحد الغرف، ثم نظرت إلى حوراء التي تحول وجهها إلى أحمر وقالت وهي تشير بإبهامها إلى مكان اختفاء جدتها: "أنتِ سمعتِ هي قالت إيه؟ أجابت حوراء ضاحكة: "هي مضايقة عشان العريس اسمه رشاد." "يا ربي، ياربي على المصيبة الجميلة دي." تكلمت حوراء بصدق: "جدتك جميلة أوي يا كيان." أومأت كيان بشرود وهي تبتسم ثم أردفت وهي تنهض: "تعالي هاخدك أوريكِ أوضتك، هو البيت مش كبير يعني عشان تتوهي فيه."

أومأت حوراء وتساءلت: "طب هتعملي إيه مع جدتك؟ أجابت كيان بشقاوة: "جدو أحسن جد هيحلها." *** ضرب قتيبة المرآة التي أمامه محطمًا إياها وتسبب بجرح قبضته. تأفف آدم ونهض يجذبه بعيدًا عن الحطام وقبل أن يحطم باقي الغرفة، ثم قال بحدة وهو يدفعه إلى الفراش: "كفاية عصبية بقى، كفاية يا قتيبة عشان تعرف تفكر." هدر قتيبة باشتعال: "الغبية، الغبية دي تتجرأ و تقولي كدا! هتتجوز واحد تاني، أُقسم بديني ما هيحصل."

جذب آدم منشفة وبللها بالماء ثم قذفها بوجه قتيبة ليردف بجدية وهو يجلس جواره: "أنت عارف إنها بتكدب عليك، إيه لازمة العصبية والبهدلة دي كلها؟! "لأ مكنتش بتكدب، نظرة عينيها كانت بتتحداني، وفي الحالة دي أنا متأكد إنها مكنتش بتكدب." مسح قتيبة الدماء عن قبضته ولف المنشفة حول جرحه، ليتساءل آدم: "طب والحل! هتعمل إيه يا قتيبة؟ أجاب قتيبة بهدوء عكس العاصفة التي افتعلها منذ قليل: "حاليًا مش هعمل أي حاجة." رفع آدم حاجبه وأردف:

"دا أنا فكرتك هتخرب الدنيا باللي عملته دا." وأشار إلى تلك الفوضى التي عمت، لينظر إليه بصمت تام، ثم مسح قتيبة على مؤخرة عنقه، ثم قال وهو ينظر إلى وجهه المشوه بالمرآة المهشمة وكأنه مسخ شوهته الحادثة وثلاث سنوات خلف القضبان: "لو عملت كدا هخسرها، سبني أفكر فـ حل." غمغم آدم: "أنت شوفتني مسكتك؟ سمعه قتيبة ليرمقه بنظرة ساحقة تفاداها آدم وهو يجلي حنجرته بحرج، ثم بعد وقت قصير سمعا صوت طرقات وتبعها صوت زوجة آدم:

"آدم العشا جهز، يلا اطلعوا." تمتم آدم بالموافقة ثم ربت على ركبتهِ وأردف: "يلا ناكل دلوقتي وبعدين نفكر." أومأ قتيبة لينهض آدم وهو يتبعه، ثم فتح الباب ليجد زوجته تقف أمامهما رافعة حاجبها، تعقد ذراعيها أمام صدرها، تضرب بقدمها الأرض. توجس آدم، ولكنه حين التفت ونظر إلى الغرفة ابتسم بريبة. وقبل أن يتحدث، فاجأته زوجته قائلة بتحذير: "هتنضفوا الكركبة اللي عملتوها دي بعد الأكل، أنا مش الخدامة بتاعتكوا."

أومأ آدم، بينما قتيبة هز رأسه ضاحكًا، فـ نظر إليه صديقهِ بتحذير، ليصمت، فـ رفع ذراعيه باستسلام. تحركت زوجة آدم وقالت بجدية: "وبلاش حركات السجن دي تعملوها هنا، الهمجية مش هتنفع معايا، المفروض يكونوا أعادوا تأهيلكوا." دفع آدم قتيبة أمامه وهمس بغضب: "شوفت! شوفت عملت إيه؟ قطب قتيبة جبينه وتساءل بعبثية: "هو إيه اللي حصل بالنسبة لنغمتك إنك مسيطر فـ البيت! ضحك آدم ووضع يده حول رقبة صديقه وأردف بشقاوة:

"دا لما أكون مش غلطان، مش زي اللي أنت هببته من شوية." غمزه آدم بعبث وأكمل وهو يضع يده على صدرهِ: "وبعدين في حاجات تانية برضو أنا مسيطر فيها." "هتقتلك مراتك لو سمعتك." ضحكا بقوة ثم أكملا طريقهما إلى طاولة العشاء. *** اتكأت بظهرها إلى الحائط ثم نظرت بطرف عينها إلى المحيط، لتجد الحارسين جالسين يحتسيان الشاي ويتسامران، دون أن ينتبها إلى الحراسة. ضحكت بصوت خفيض، ثم تحركت على أطراف أصابعها وهمست:

"أنت لازم تغير الأمن بتاعك يا صاحب الشركة." كانت تعرف جيدًا أماكن تواجد آلات التصوير المراقبة، والبقع التي لا تستطيع الوصول إليها، لذلك استغلت تلك النقط وتسللت إلى داخل الشركة. كانت الأجواء هادئة تمامًا في ذلك الوقت المتأخر من الليل، ولكنها حقًا تحتاج إلى ذلك الهدوء. غفلت عن آلةٍ ما، فـ التقطت صورة غير واضحة لها، ولكنها أكملت طريقها حتى وصلت إلى مكتب رب العمل. فتحت الباب ودلفت بهدوء.

استخدمت مصباحها اليدوي لتُنير الغرفة دون إحداث شبهات. بحثت عن الخزينة حتى وجدتها أسفل المكتب. انحنت واستخدمت معداتها لتفتح الخزينة بعد ثلاثين دقيقة. مسحت حبات العرق الباردة وقالت بحبور: "شكرًا يا جاري على دروسك المجانية، بقيت محترفة." فتحت الخزينة لتشهق بانبهار وهي تجد ذلك الكم الكبير من المال. لتردف باستنكار: "كل دي فلوس؟ و بتبخل على بابا بحقه ومعاشه بتاع التقاعد؟ فتحت حقيبتها السوداء وبدأت بوضع الأموال بها،

ثم أكملت بشماتة: "يبقى فعلًا تستحق السرقة." *** وترجل هو من سيارته الأنيقة وتوجه إلى محيط الشركة، وما أن رآه الحارسان حتى اعتدلا بجلستهما ثم نهضا ليُقوما بتحيته. توقف أمامهما يُحدق بهما مليًا ثم قال بصرامة: "مخصوم من مرتبكوا بسبب الإهمال دا، وأما أشوف هتشتغلوا صح ولا همشيكوا." ثم تركهما وصعد ليجلب بعض الأوراق المهمة والتي نسيها صباحًا. بينما بالخارج تذمر أحد الحارسين: "ليه ديمًا بيجي فـ الوقت المتأخر دا؟

دي تالت مرة يعملها." "وكل مرة يمسكنا وإحنا سايبين الحراسة ومبنتعظش." صعد درجات السلم فـ هو يكره المصاعد حتى وصل إلى مكتبه. توقف قليلًا وهو يرى ظلًا يتحرك خلف ضوء ضعيف، ليضع هاتفه ومفاتيحه بجيب بنطاله وفتح الباب ببطء ودلف. تحرك ببطء وحذر وهو يبحث بعينه عن ذلك الظل، ليجده يركض سريعًا باتجاه باب المرحاض. تحرك هو أسرع وأعاق وصول الظل إليه، حيث أمسك السارق من خصره بيد والأخرى فوق صدره، ثم هدر بصوت جهوري: "أنت مين؟

تلوى الجسد بين يديه ليضغط بيده على جسدهِ مانعًا هروبه. ولكن هل يملك المذكر نهدين؟ توسعت عيناه بدهشة، فاق منها على صوت صراختها: "إبعد إيدك يا مُتحرش، إبعد إيدك يا حقير، سبنييي." تلكأ وكأنه يتأكد من ملمس ما أسفل يده، لتركل الفتاة ساقه بقدمها ثم هدرت بصراخ حاد: "يا سافل يا مُتحرش بس إوعى إيدك، والله هقتلك لو مسبتنيش."

تفاجأ وسريعًا أبعد يده عن صدرها وأحاط خصرها حتى لا تهرب، ليحملها بيدٍ واحدة، ثم أشعل ضوء هاتفه وأنار القليل من وجهها، فـ ظهرت بعض ملامح وجهها الأنثوية، وليهتف بتعجب: "أنتِ حرامية مش حرامي! تلوت من بين يديه ولكنه كان يحكم الطوق حولها، لتصرخ هي بغضب ناري: "هو فيه جنس تالت وأنا معرفش! نزلني يا مُتحرش." دفعها إلى الحائط وأمسك يديها واضعًا إياهما فوق رأسها وقيدهما. ثم كَبّل ساقيها أيضًا وهدر بعدما استعاد وعيه:

"أنتِ غبية ولا بتستعبطي؟ جيتِ تسرقي وعاوزاني أسيبك! هتفت بعصبية: "ملكش أنت دعوة، دا بيني وبين صاحب الشركة، والآن سبني أمشي." "لأ مش هسيبك، وكمان هتصل بالبوليس يشوفلك حل أنتِ ولسانك." اتسعت عيناها بخوف حقيقي وهي تراه يُخرج هاتفه ويعبث به. سيضيع مستقبلها إن فعل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...