تحميل رواية أغلال لعنتهُ بقلم اسراء علي pdf
بقلم اسراء علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ما الحب إلا خيال وجنون، وإنّي لأنبئك بأنّ المحبّ يستحق أن يُلقى به في غرفة مظلمة ويجلد بالسوط شأن المجانين، وأمّا السبب في أن المحبين لا يعاقبون على هذا النحو ولا يشفون من علتهم، فهو أن الجنون أصبح شيئًا مألوفًا حتى ليبتلي به الضاربون بالسياط أنفسهم. طُرقت الباب بخفة ثم دُلفت. ليقابلها رئيسها بالعمل بابتسامته المعتادة والمخيفة، ليس لشئٍ سوى رغبته المجهولة خلفها والغير مريحة أبدًا. ابتسمت كيان بتكلف، ثم تقدمت من مكتبه وقالت بعملية شبه مرحة: "حضرتك طلبتني، أقدر أساعدك بحاجة يا فندم؟" أشار إليها با...
رواية أغلال لعنتهُ الفصل الأول 1 - بقلم اسراء علي
ما الحب إلا خيال وجنون، وإنّي لأنبئك بأنّ المحبّ يستحق أن يُلقى به في غرفة مظلمة ويجلد بالسوط شأن المجانين، وأمّا السبب في أن المحبين لا يعاقبون على هذا النحو ولا يشفون من علتهم، فهو أن الجنون أصبح شيئًا مألوفًا حتى ليبتلي به الضاربون بالسياط أنفسهم.
طُرقت الباب بخفة ثم دُلفت. ليقابلها رئيسها بالعمل بابتسامته المعتادة والمخيفة، ليس لشئٍ سوى رغبته المجهولة خلفها والغير مريحة أبدًا.
ابتسمت كيان بتكلف، ثم تقدمت من مكتبه وقالت بعملية شبه مرحة:
"حضرتك طلبتني، أقدر أساعدك بحاجة يا فندم؟"
أشار إليها بالجلوس، فامتثلت لأمره الصامت، ثم انتظرت حديثه بأعصاب تحترق. ليُشابك هو يده فوق المكتب وقال برزانة:
"تعرفِ إني بعتبرك زي بنتي…"
رفعت حاجبها بريبة، ثم قالت وهي تنظر لابتسامته التي لا يزال محتفظ بها:
"البداية مش عاجباني مستر رفعت."
ضحك رفعت وقال بمرح:
"ليه بس! هو مينفعش أتكلم معاكِ براحة بعيدًا عن الشغل؟!"
أجابت سريعًا:
"ودا لأنك بتخبي وراك كلامك دا خفايا بتخوفني شخصيًا."
عبس بلطف وقال:
"أنتِ قاسية شوية عليا…"
حكت كيان جبينها بتعب، ثم رفعت عيناها السوداء إليه لتردف بابتسامة ممتعضة:
"تمام، حضرتك تأمرني بإيه!"
اتسعت ابتسامته، فتأكدت شكوكها لنيته الخفية، ولكنها لم تتحدث. بل تركته يبدأ حديثه بنبرة راجية:
"حوراء؟"
قطبت جبينها وتساءلت بغرابة:
"خير! مالها حوراء؟"
تنهد بتعب وقال:
"والدتها وأنا هنسافر فترة علاجية عشان مرضها…"
بهت وجهها، ثم تساءلت وهي تشعر بشيء حاد يُغرز بقلبها:
"هي حوراء متعرفش لسه؟"
نفى رفعت قائلاً:
"لأ متعرفش ولا هتعرف أبدًا، مش هتتحمل يا كيان، هتروح فيها وأنا مش هستحمل اللي هيحصلها…"
مدت يدها لتضعها فوق يده المجعدة وهتفت بلطف:
"متقلقش إن شاء الله هتخف وترجع أحسن من الأول."
"ودا أكتر حاجة بتمناها…"
ساد الصمت لعدة ثوانٍ قبل أن تقطعه كيان بسؤالها:
"طيب وإيه دخلي أنا بحوراء؟"
أخذ نفسًا عميقًا وأجاب:
"هتاخديها معاكِ في الأجازة اللي طلبتيها، هتقضيها معاكِ مش هقدر أأمن عليها مع حد غيرك."
أشارت إلى نفسها وتساءلت:
"غيري أنا!"
أومأ بتأكيد وأردف:
"أيوة أنتِ وبس، عارف إني هقدر أعتمد عليكِ ومش هتخذليني أبدًا يا كيان."
اتسعت عيناها بصدمة قليلًا قبل أن تقول بحرج:
"دا شرف ليا وأكيد حضرتك عارف بس آآآ…"
قاطعها رفعت بتوسل:
"أرجوكِ يا كيان، قرايبها هيكلوها حية…"
صمتت لا تجد ما تقوله. تذكرت هي ما قصه عليها سابقًا عن عائلته وما يريدونه منه، الشركة وأملاكه فقط. إذًا تزوجت حوراء من أحد أبناء أعمامها، لذلك لم تستطع الرفض لتلك الفتاة الصغيرة التي لم تتخطى حاجز العشرين. فابتسمت وقالت:
"تمام أصلًا كدا كدا هحتاج حوراء معايا في حفلة الخطوبة، أنا معنديش إخوات بنات…"
ارتسم الامتنان على وجه رفعت، ثم أردف ببشاشة:
"مبروك بالمناسبة، رشاد شاب رائع ومكافح أحسد أي بنت هتتجوزه."
غمغمت بخجل فطري:
"شكرًا جدًا…"
نهضت كيان لتصافح رفعت قائلة بهدوء:
"ألف سلامة على حرم حضرتك، أتمنى ترجعلكوا بالسلامة."
"شكرًا يا كيان، بتمنالك ديمًا الأفضل، لأنك تستحقيه…"
***
نظر خلفه إلى الباب الذي أُغلق خلفه لتو، ثم ابتسم بشراسة اكتسبها أثناء طوال تلك الثلاث سنوات. رابتًا على كتف صديقه الذي خرج منذ قليل وأردف بصوته القوي:
"مبروك الخروج يا وحش…"
ابتسم صديقه، ذلك الذي خاض معه شجارات ومعارك طاحنة، فبالداخل البقاء للأقوى. ثم هتف بسعادة وهو يتنفس بقوة:
"أخيرًا دُقت طعم الحرية، ياااه الواحد مكنش عايش يا جدع جوه."
رد هو بشرود:
"عندك حق، بس بتبقى مُرة جدًا لما متلاقيش اللي مستنيه، مستنيك."
نظر إليه صديقه مطولًا، ثم تساءل بينما هو يسير باتجاه دراجة البخارية الواقفة خلفه:
"هي مكنتش مستنياك! هي اتجوزت ولا إيه؟!"
ضحك ساخرًا:
"لأ هربت، هربت وكل اللي سابته نظرتها المرعوبة اللي بصتلي بيها قبل لقاءنا الأخير."
"عدا أد إيه على الحادثة دي يا قُتيبة!"
تقدم قُتيبة ليأخذ من صديقه آدم حقيبته، ثم ثبتها فوق المقعد الخلفي وأجاب بنبرة لا تنم عن شئ:
"ست سنين، تلاتة قضيتهم أنا مُجبر بعيد عنها في السجن وتلاتة التانين اختارتهم هي برضاها."
صعد قُتيبة الدراجة وتبعه آدم لينطلق، قبل أن يسأله:
"وليه مرجعتهاش ليك!"
"معرفش هي فين ومحدش بيقولي هي فين، وكأنهم أما صدقوا يفرقونا."
"طب وليه أنت مدورتش عليها بنفسك؟!"
قابله الصمت، ليبتسم آدم بإشفاق، ثم أردف بتقرير:
"أنت خايف مش كدا!"
ساد الصمت لعدة لحظاتٍ أخرى قبل أن يجيب قُتيبة بصوتٍ غريب، متباعد:
"خايف! أه خايف، خايف ألاقيها وألاقي نفس النظرة، نفس نظرة الرعب…"
توقفا أمام الشاطئ، ليترجل قُتيبة، تبعه آدم، وخلعا نعليهما، ثم سارا فوق الرمال الصفراء، ليُكمل الأول:
"نظرة دي بتطاردني في كل لحظة، حتى في كوابيسي، خايف وقت أما أقابلها تقولي إنها بطلت تحبني، إنها اختارت تتخلى عني بإرادتها…"
جلس آدم فوق الرمال وجذب قُتيبة، ثم أردف وهو ينظر أمامه إلى المياه الزرقاء:
"بس هي كذبت عشانك، شهادتها الزور هي اللي خلتك بره السجن دلوقتي، أنت بره بسبب كذبتها…"
تلاعب آدم بالرمال، ثم نظر إلى صديقه وأكمل بنبرة ذات مغزى:
"واللي تعمل كدا تفتكر مش هتستمر بحبك؟"
رد بشك:
"كانت صغيرة، مشاعرها هتتغير من غير شك."
هز آدم كتفيه وقال ببساطة:
"وممكن لأ، هي اتربت على إيدك يا قُتيبة، فمستحيل مشاعرها تتغير بسهولة، ولو شكيت في كدا يبقى أنت معندكش ثقة فيها من الأساس، وقبلها ثقة في اللي زرعته فيها…"
لم يصله إجابة سوى تنهيدة عميقة محملة بالكثير. آدم يعرف الكثير عن قُتيبة، كلاهما خاضا الكثير معًا من أجل البقاء على قيد الحياة، وماضيه كان الأكثر قسوة على الإطلاق، وفي الوقت ذاته الأجمل على الإطلاق.
نظر إلى قُتيبة الذي ربت على ركبتهِ، ثم أردف:
"يلا مراتك مستنياك، أنا أقنعتها بصعوبة متجيش عشان تستقبلك."
"طيب، يلا…"
***
سارت برواق الشركة ورأسها يعمل دون هوادة. الآن وبعد غياب دام ست سنوات، ستعود إلى نقطة البداية. المكان الذي هربت منه سابقًا، ولكن الذكريات ظلت تطاردها بشراسة، مقسمة ألا تدعها تنسى مطلقًا، مقسمة ألا تنساه.
"كيان؟"
انتفضت على الصوت الرجولي الآتي خلفها، لتلتفت إليه، فوجدته رشاد، شاب يسبق سنواتها الثلاث وعشرون بثلاث سنوات، وجهه بشوش مبتسم، جسده نحيل مقارنة بـ.
هزت رأسها بقوة تنفض صورته التي لا تنفك تتجسد أمامها، ثم ابتسمت ونظرت إليه قائلة بلطف:
"إزيك رشاد؟"
ابتسم وقال براحة:
"بخير، بقيت أحسن لما شوفتك."
"شكرًا…"
حكت جبينها بتوتر قبل أن ترفع رأسها مجددًا حينما سألها بشك:
"المُدير وافق على إجازتك!"
أومأت قائلة:
"أه، بس بعد عناء طويل."
ضحك هو وأردف:
"هو يحبك."
ضحكت هي الأخرى وهتفت:
"عارفة، بس هو ساعات كتير بيخرجني عن شعوري."
"بس أنتِ عارفة معزتك عنده، عشان كدا الموضوع يستحق شوية تعب…"
أومأت، ثم ساد الصمت المتوتر مرةً أخرى حتى أردف هو بصوت أجش، خافت:
"هاجي بكرة مع والدتي، عشان أطلبك…"
لا تعلم لمَ أصابتها تلك القبضة الثلجية وجثمت فوق صدرها. لا تشعر بالسعادة كأي فتاة يرغبها شاب كـ رشاد، وسيم يتسم بالرجولة ويمتلك أخلاقًا عالية تتمناها أي فتاة، إلا أنها لم تشعر بالسعادة مطلقًا. يبدو أنها تنتظره.
أخفضت وجهها، فتناثرت خصلاتها تُخفي وجهها الجامد، والذي فسره رشاد كخجل ليبتسم، ثم أردف محمحمًا:
"تمام مش هكسفك أكتر، أنا همشي دلوقتي، وهبقى أتصل بيكِ نتفق على معاد عشان أقدر أجي."
أجابت بخفوت ميت:
"تمام، هسـ هستناك…"
سمعت غمغمة لم تتضح ما هي، ثم صوت خطواته تبتعد، لتزفر هي براحة كبيرة. والثقل بدأ يزداد بشراسة مقلقة، إلا أنها قررت التخطي، لن تستطيع المضي قدمًا إلا بتلك الطريقة.
أجبرت ساقها على التحرك لتعود إلى منزلها وحزم حقائبها.
***
في اليوم التالي.
"متخافيش يا ماما منستش الدوا."
"ومتيشيشي تحطي هدوم تقيلة، الجو برد جدًا يا حوراء…"
تنهدت حوراء بتعب وهي تنظر إلى والدتها التي تحزم حقيبتها هي الأخرى معها. لا تفهم سر إبعادها مع كيان. أجل، مسافران من أجل أمور العائلة والتي تكرهها كثيرًا، فهي تعلم نوايا أقربائها، ولكنهم لم يتركوها قبلًا.
وضعت آخر قطعة ثياب، ثم أغلقت الحقيبة لتردف بابتسامة ضعيفة:
"أنا معرفش أنتوا بتفكروا في إيه، بس هثق فيكوا…"
اقتربت والدتها منها وربتت على وجنتيها ثم قبلتها وقالت بحنو:
"لازم تثقي يا روحي…"
عانقتها حوراء بشدة، وكذلك فعلت والدتها، ليقطع لحظتهما صوت رفعت والدها:
"متعمليش مشاكل يا حوراء. كيان عندها أمور شخصية وعندها حاجات مهمة وأنتِ عارفة، فخليكِ عاقلة…"
رفعت حوراء حاجبها وأردفت بغيظ:
"وهي دي كلماتك الأخيرة وأنت بتودع بنتك!"
أجابها هو بنبرة ذات مغزى:
"ودا لأني عارفك أكتر من صوابع يدي…"
ابتعدت حوراء عن والدتها لتتجه إليه، ثم وقفت أمامها هاتفة بشقاوة:
"تمام يا صاحب المنزل.. يلا هات بوسة عشان كيان زمانها على وصول…"
ابتسم رفعت رُغمًا عنه، لترتفع حوراء على أطراف أصابعها، ثم أودعت وجنة أبيها قبلة رقيقة كشفتيها الصغيرتين وقالت:
"بحبك يا بابا، متتأخروش عشان هتوحشوني أكتر ما بحبكوا…"
كان دور رفعت ليودع جبينها الأبيض قبلة، ثم قال وهو يحاوط وجنتيها بكفيه المجعدين:
"متقلقيش يا حبيبتي، أنتِ عارفة مقدرش أعيش من غيرك…"
ابتسمت حوراء باتساع، وقبل أن ترد كان بوق سيارة يصدح أسفل الشرفة، ليسحب رفعت نفسًا عميقًا ثم هتف بجدية:
"تمام يلا عشان كيان وصلت، وافتكري يا حوراء، إبعدي عن المشاكل."
"فهمت سيدي…"
جذبت حقيبتها وتحركت إلى الخارج، يتبعها رفعت وزوجته المريضة بصمت متألم.
بالأسفل، وقفت كيان تتكئ إلى سيارة الأجرة تنتظر خروج حوراء والسيد رفعت. تلك الليلة المؤرقة التي قضتها ما بين الصحوة والغفوة، كابوسها الذي لم تتغير أحداثه ولو لمرة واحدة، بل يُعاد بتفاصيله المؤلمة والنهاية الشنيعة التي تتمنى أن يعود الزمن لتغيرها.
رسمت على شفتيها ابتسامة عملية وهي ترى حوراء تقترب منها بابتسامة مشرقة عكس خاصتها، لتُعانقها، ثم أردفت الأخيرة:
"هتقل عليكِ بس معلش أنتِ قلبك طيب وهتستحملي…"
ربتت كيان على ظهر حوراء، والتي تصل فقط إلى كتفها، ثم قالت بنبرة هادئة:
"أنتِ زي أختي متخافيش."
رفعت حوراء رأسها وقالت:
"صحيح سمعت إنك هتتخطبي، ألف مبروك يا كيان، هنقضي أوقات حلوة وإحنا بنجهزك يا عروسة…"
ضربتها كيان على جبينها ثم هتفت بغيظ:
"بطلي يا حوراء، أنا عارفة دماغك وبتفكري إيه…"
ضحكت حوراء بخبث، فـ أجبرت كيان لتضحك هي الأخرى، حتى التفتا على صوت رفعت وهو يردف بجدية وصرامة:
"لما توصلوا محطة القطر كلميني يا كيان عشان عارف إن بنتي مش هتتصل، ولما يتحرك ولما توصلوا وآآآ…"
قاطعته كيان قائلة بضحك:
"متقلقش يا مستر رفعت أنا مش عيلة عندها عشر سنين، أقدر أتصرف كويس."
"أُعذري قلقي وخوفي."
ابتسمت بتعاطف قائلة:
"فاهمة متقلقش…"
نظرت إلى ساعتها، ثم قالت وهي تنظر إلى السيدة في حيتها برأسها لتردف وهي تنظر إلى رفعت:
"لازم نتحرك عشان نقدر نلحق القطر…"
عانقت حوراء والديها مجددًا، ثم صعدت السيارة مع كيان، وقبل أن تتحرك سيارة الأجرة، أردف رفعت بقلق:
"خدوا بالكوا من نفسكوا، ومتنسوش تتصلوا بيا…"
أومأت كيان وهي تبتسم باطمئنان، لتنطلق السيارة. ظل رفعت يتابع رحيلها حتى اختفت، ثم توجه إلى زوجته وهتف بنبرة مهمومة وكأن قطعة قد انتُزعت لتوها من قلبه:
"يلا نحضر شنطنا، الطيارة معادها بعد كام ساعة، لازم نستعد…"
***
اتسعت عيناها بفزع مؤلم وهي تجد تلك الجثة تسقط جوارها بعدما تلطخ وجهها ببعض الدماء.
انتقلت تلك النظرة المرتعبة إلى ذلك الذي يقف أمامها يحمل السكين بيده. سكينه الملطخ بدماء غزيرة حتى أنها بدأت تتساقط أرضًا مُحدثة دويًا قاتل، قاتل ومرعب.
وهو يُحدق بها، هيئتها الرثة، الكدمات التي تُغطي وجهها، الخدوش على ساقيها العاريتين، والعبرات الحارقة التي تُلهب وجنتيها الورديتين. نظرته كانت قاسية لا حياة بها، لا تحمل ذرة من المشاعر الإنسانية.
ثم صرخة مدوية مزقت أذنيه، لينتفض فزعًا وهو يفتح مديته ويلوح بها أمامه.
قابله الفراغ. الدماء اختفت وهي تبخرت، وصرختها استُبدلت بصوت آلات ضخمة وبعض المحركات.
مسح حبات العرق الباردة التي تعلو جبينه وأخذ يتنفس بسرعة، ثم أغلق مديته وأعاد وضعها بجيب بنطاله الخلفي. أتاه صوت أحد زملائه بالعمل وهو يردف مازحًا:
"نايم تاني في الشغل، لو عرف صاحب الشغل، هيطردك ومش هيرجعك تاني."
نظر إليه قُتيبة بأعين قاتلة قبل أن يهتف بصوت صخري:
"ملكش دعوة واطلع من دماغي."
هتف زميله بغيظ:
"المرة الجاية هعرف صاحب الشغل وهفتن عليك."
نهض قُتيبة بجسده الضخم وقد بدأت عضلات فكه تتشنج بقوة، ليس لما قاله الشاب ولكن لذلك الكابوس المرعب الذي عاود الظهور بعدما قد بدأ بالاختفاء تدريجيًا. ثم قال بجمود قاتل:
"لو باقي على حياتك.. فامشي من وشي الساعة دي سعيد."
توتر المدعو سعيد، ولكن صرخ بتردد نابع من خوفه:
"آآ.. بتهددني يا قُتيبة؟"
لم يُكلف قُتيبة نفسه عناء الرد، بل أخرج مديته من جديد ولوح بها أمام وجه الآخر، والذي فقد ألوانه، ثم هسهس بفحيح:
"شايفني بهزر؟"
"حد يساعدني…"
تدخل آدم وهو يسحب قُتيبة بعيدًا عنه، ليركض سعيد، ولكن هتف قبل أن يخرج من تلك الغرفة الضيقة:
"أنت مجنون، السجن أثر على مخك."
هدر آدم بصرامة:
"امشي حالًا يا سعيد وإلا أقسم بالله هسيبه يقتلك."
هرول سعيد مبتعدًا، ليدفع قُتيبة صديقه الذي أردف بغضب حقيقي قلما تملكه:
"أنت غبي؟ ولا أنت لسه متخلصتش من العادات دي؟ أنت معتش موجود في السجن تاني، إهدى يا قُتيبة."
لم يرد عليه، بل جذب المديّة من يد آدم الذي انتزعها منه على حين غفلة، وعاود الجلوس فوق الأريكة، ليقترب آدم منه ثم زفر مستغفرًا وهتف بخفوت:
"نفس الكابوس تاني…"
أومأ قُتيبة دون أن يفتح فمه. ليومئ آدم ثم أكمل بغرابة:
"الكابوس دا مجاش ليك من فترة كبيرة، أنا مشوفتكش بتعاني من الحوار دا غير أول الشهور اللي شوفتك بيها."
"معرفش…"
فتح أزرار قميصه المهترئ لتظهر ثيابه الداخلية الضيقة مُظهرة عضلاته المتناسقة، ثم حك مؤخرة عنقهِ وقال بصوت متباعد:
"أنا معرفش إيه اللي حصل واللي بيحصل الفترة دي."
ربت آدم على كتفهِ وقال:
"ممكن يكون بسبب كلامنا امبارح…"
نهض قُتيبة وجذب حقيبته، ثم أردف وهو يفتح باب الغرفة:
"يلا نرجع شغلنا، مش لازم نتأخر…"
***
ضربت بقدميها أرض مدينتها الساحلية بعد غياب دام طويلًا. كان قلبها يكاد يقفز بين أضلعها تاركًا إياها. تُرى هل خرج وعاد إلى حيهم الصغير؟ هل ستراه الآن؟ أم بعد تلك الحادثة قد ترك المكان بعد ما تناقله أهالي الحي!
"هو إحنا وقفنا ليه؟"
تساءلت حوراء وهي تجذب حقيبتها خلفها، ناظرة إلى كيان المتجمدة أرضًا، شاحبة الوجه وكأنها رأت شبحًا.
نظرت كيان إلى حوراء ثم ابتسمت باهتزاز وقالت بخفوت هادئ:
"تعالي فيه مكان لازم نروحُه الأول قبل ما نروح البيت…"
تبعتها حوراء بفضول ثم تساءلت بتعجب:
"هو مش المفروض نروح البيت الأول؟!"
أجابت كيان بعد مدة:
"لأ، المكان دا مهم، وهتحبيه…"
رفعت حوراء كتفيها ببساطة وهي تمط شفتيها، ثم تبعت كيان، والتي بدت وكأنها بعالم آخر، عالم لا يوجد به سواها وسواها.
ركضت حوراء تحلق بها، واضعة يدها فوق قبعتها حتى لا تطير مع الرياح، ثم تساءلت بفضول غير قادرة على قمعه:
"رايحين فين يا كيان؟ مش هتجاوبيني!"
نظرت إليها كيان مبتسمة ابتسامة لم ترها حوراء قبلًا، جعلت فمها يفغر بإنبهار:
"هنروح شط البحر…"
بعد دقائق قليلة، كانتا تقفان فوق الرمال أمام البحر الأزرق الشاسع أمامها. المياه الدافئة تُداعب أقدامهم العارية فتُدغدغهما بلطف يُجبرهما على الضحك.
لاعبت حوراء الماء بقدمها ثم قالت بسعادة:
"المكان هنا جميل جدًا وقت الغروب، كان هيفوتك المنظر دا…"
أومأت كيان مبتسمة، والرياح تُداعبها برقة، وثوبها الأبيض يتطاير حولها، فـ أكسبها هيئة حورية البحر الهاربة، ولكنها تحمل بداخلها قصة حزينة، لا أن تبحث عن أميرها.
التفتت على صوت الأطفال القادمة خلفها وهما يتضاحكان بصوت عالٍ. وما أن لمحها أحدهم حتى صرخ بسعادة وهتف:
"رجعت.. كيان رجعت يا صحابي…"
ضحكت كيان والأطفال يلتفون حولها بسعادة، بينما حوراء تقف مبتعدة تُحدق بهم بإنبهار سعيد.
"مين البنت الجميلة؟!"
سألت فتاة صغيرة وهي تُشير إلى حوراء، لتُجيب كيان مبتسمة:
"دي صاحبتي…"
حياها الأطفال، ثم عاود آخر سؤالها:
"هتفضلي هنا!"
"أيوة، شوية."
عبست طفلة وقالت:
"ليه؟ أنتِ وحشتينا…"
تنهدت كيان بحرارة، كيف تشرح لهم ما يختلج داخل قلبها المُمزق، كيف تُخبرهم أنها تُحب هذا المكان وتمقته بـ الوقت ذاته! كيف لها المجئ من الأساس؟ هذا المكان بخوائه وصوت الرياح القوي يُرعبها كما لم يفعل من قبل. من قبل كان هذا المكان ملجأ وجنة بالنسبة لها، ولكن كل هذا تهدم ذات يوم.
أخرجها من شرودها يد طفلة تسحب ثوبها، لتتساءل كيان بابتسامة واسعة:
"في إيه يا حبيبتي!"
"تعالي نلعب."
رفعت حاجبها وتساءلت:
"دلوقتي؟ مش الوقت اتأخر!"
حركت رأسها نافية وقالت:
"لأ، إتبقى لينا نص ساعة عما نرجع البيت…"
تقدمت حوراء منها وهي تضحك بإشراق وشقاوة، ثم قالت:
"رغم إني تعبانة، بس هلعَب معاكوا."
هتفت طفلة بصوتها الرفيع:
"بس عاوزة آخد بوسة الأول وحشتني، كيان وحشتني أوي."
"وأنا."
"وأنا كمان."
"وأنا كمان مش هاخد ولا إيه!"
ضحكت كيان بقوة. كانت تفتقد ذلك الدفء والبراءة. كيف لها أن تكره ذلك المكان وأولئك الأطفال؟
لذلك نهضت وقذفت نعليها، ثم ركضت وهي ترفرف ثوبها الطويل، حافية القدمين، تضحك بقوة رادفة وهي تنظر إلى الأطفال من خلفها:
"اللي هيعرف يمسكني الأول، ف هياخد جايزته…"
والجائزة كانت قبلة، قالتها وهي تشير إلى وجنتها علامة على إعطاء قبلة، وحين استدارت اصطدمت بجدار صلب، قوي، وكِلابيّن حديدين يُحيطان خصرها. وصوتًا لم تسمعه منذ سنوات يردف بصوته العميق بمكر:
"دلوقتي أنا مسكتك، ينفع آخد جايزتي؟!"
رواية أغلال لعنتهُ الفصل الثاني 2 - بقلم اسراء علي
توسعت عيناها بقوة، أوشكت على الاستدارة بينما جسدها كله تجمد، كما تجمدت الدماء بعروقها، كأن قلبها عجز عن ضخ الدماء، بل توقف عن النبض.
عاد لينبض بسرعة مجنونة وهي تراه أمامها بكل طلته وعبثيته اللتين أوقعاها يومًا. همجيته وجسده الضخم بضراوة يحتوي جسدها الضخم دون ملامسته، ولكن كفه الدافئ يتخرق ثيابها ويصل إلى جسدها، فيتسلل الدفء إلى قلبها مذيبًا الثلوج التي عملت جاهدة على تكوينها حوله. ليأتي هو وبـ لحظة يُلقي كل هذا بعرض الحائط.
نظرت إلى عيناه الحبيبتين لتجدها تلمع باشتعال، اشتعال تعرفه جيدًا، ولكنها الآن غير قادرة على تحمله. لذلك رفّت بجفنيها، ثم جمعت أقسى ما تحمله من غضب وإشمئزاز لتهدر:
"أبعد إيدك القذرة دي عني."
لم يجب قتيبة، بل ظل يحدق بها بذات الاشتعال حتى اقترب منها وهمس بنبرة ذات مغزى:
"إيديا بقت قذرة عشانك يا روحي."
صرّت على أسنانها، ثم حاولت التملص منه، ولكن وجدت يديه تعتصر خصرها بقوة، حتى أوشكت على فصله عن جسدها. لتعلم أنه في أقصى حالات ضبط النفس وأنها أصابت وترًا حساسًا لديه ومؤلم بشكل شنيع.
عادت للحديث من بين أسنانها وهي ترمقه بشراسة:
"قولت أبعد إيدك عني."
ابتسم قتيبة وقال بتسلية:
"رجعتِ تاني بعد هروبك من سنين."
"أكيد مردتش عشانك يعني، ويلا إبعد عني."
عيناه اللتان نظرت إليهما بنظرات لم ينظر بها إلى غيرها أربكتها وجعلت القشعريرة تغزو جميع أنحاء جسده.
تنحنت وأدارت وجهها، ليلمح قتيبة حوراء الواقفة تحدق بهما بغرابة. ليبتسم بعبث وأردف بصوت عالٍ:
"من الواضح إنك جبتِ ضيوف معاكِ."
التفتت إليه سريعًا لتجده يحدق بحوراء بتدقيق أصابها بالغضب، لتهدر:
"كفاية بص عليها."
أبعد عينيه عن حوراء لينظر إلى سوداويها وأردف غامزًا إياها:
"بتغيرِ؟"
"رفعت حاجبيها بدهشة ثم أجابت: أنت بتحلم."
"ليهتف هو دون تردد: وأنتِ كدابة."
مع ارتفاع حاجبيها صاحبه، توسعت عيناها بتعجب لثقته، لترد عليه بعناد:
"مش كدابة."
"هتف مرة أخرى بقوة: لأ كدابة، لسانك مبيقولش حاجة غير الكذب ديمًا."
"جأرت بحدة: مبكدبش، وكفاية بقى وقاحتك دي. كمان مش بس لساني هي اللي بيكذب، لأ دي كمان عيني بتكذب، عشان كدا مش مصدق نظرة الكره اللي ببصلك بيها دي."
كان يعلم مقصدها ويعلم بعمق لن يصل إليه سواه، أنها تنظر إليه باشتياق حاد كاد يمزقهما معًا. لذلك هتف بصوت عذب:
"لأ، عينيكِ متعرفش الكدب أبدًا، هي بتعكس اللي جواكِ يا كيان، حتى روحك بقدر أشوفها من عينيكِ، حتى لو جسمك اللي بيرتجف بين إيديا، عينيكِ مش هتقدر تعملها أبدًا."
اقترب منها وهمس بصوت خفيض ولكنه محمل بعاطفة:
"أنا اللي علمتك إزاي تبصلي، فـ مش هتقدري أبدًا تضحكي عليا بالكلام الأهبل دا."
حديثه صحيح ومؤلم، يلسع كسوط يهبط على جروحها فيُلهبها. لتخفض وجهها وهي تهمس بجمود حتى لا يرى تعابير وجهها المكدومة:
"بلاش النرجسية اللي فيك دي، أنا نسيتك من زمان، معتّش في ذكرياتي يا قتيبة، أنا خرجتك من قلبي زي ما خرجتك من عقلي."
لم يتأثر بما تقوله، بل ابتسم ابتسامته الجميلة وأردف بثقة ونرجسية كما تدعي:
"أنا سبت فـ روحك أثر مسبتوش فـ جسمك، عشان كدا عمرك ما هتقدري تنسيني يا كيان، عمري ما هطلع لا من قلبك ولا من عقلك."
همت تفتح فمها للحديث، ولكنه أكمل بقوة:
"أنا دمغت روحك قبل جسمك فـ كدبك دا هو أكبر كدبة سمعتها منك."
ألهب غضبها بلحظة واحدة، لتصرخ بغضب وهي تضرب كتفه:
"أنت هتكدب! أنت عمرك ما لمستني، متعملش فضيحة عشان توصل لحاجة فـ دماغك."
رد هو بهدوء:
"ومين قال إني بكذب؟ مين اللي مسك إيدك وخدك للمدرسة أول يوم؟ مين اللي مسكتِ فيه ومرتضيش تدخليها من الخوف عشان هتكونِ لوحدك وأنا مش معاكِ؟ مين هو اللي حضنك؟ مين اللي قعد وراكِ فـ الفصل عشان يخفف عنك خوف أول يوم مدرسة؟ مين اللي شافك لحظة بلحظة وأنتِ بتكبري قُدامه وبتنضجي كـ بنت من غير أما يجرؤ حتى إنه يلمسك؟ الفاكهة المحرمة زي ما بيقولوا، الفاكهة اللي ياما زارتني فـ أحلام، أحلام بس وأنا مستني إنها تتحقق، أحلام عمرك ما هتفكري كُنتِ بتعملي إيه فيها أحلـ آآآ…"
وضعت كيان يديها على فمهِ، لتشعر بارتِعاش شفتيه أسفل كفها. لتبعدهما سريعًا قبل أن تردف بتوتر:
"بس كفاية، أرجوك يا قتيبة كفاية."
قال قتيبة بحرارة:
"أنتِ بقيتِ ملكي، دمغتك كل شبر فيكِ، أنتِ بقيتِ ملكي فـ بقيتِ متحرمة على غيري."
تنفست بسرعة عالية، وأحداث ذلك اليوم المرعب تعود تفاصيله، وذكرى صراخ والدته وهي تنعتها بالفاجرة، عاودت النشوب بقلبها كحريق.
ثوانٍ كل ما استغرقته ثوانٍ لتشتعل سوداويها بلهيب زاد من سواد عيناها، وبقوة حلت حصار أصابعه عنها وهدرت بقسوة:
"مش صح أبدًا يا قتيبة، أنا هكون لغيرك، بكرة زميلي فـ الشغل هيتقدم ليا، وأنا هقبل، واحد غيرك هيديني الأمان اللي أنت حرمتني منه."
تجاهلت مطارق قلبها لذلك السواد المخيف المنبعث من عينيه إليها، والتفتت إلى حوراء تهدر بصوت مبحوح:
"يلا بينا نرجع يا حوراء، بلاش نعمل فضايح أول يوم، أو كفاية فضايح لحد كدا."
كان قتيبة جامد الحركة، عاجز عن الحديث، ولكن عيناه والجحيم المنبعث منها جعلته في هيئة خطرة لشيطان فار من الجحيم. ليقصف صوته الجهوري بغلظة سوداء، مميتة:
"أُقسم بـ اللي خلقني وخلقك لأقتله وأقتلك قبل ما ياخد حقي، هتندمي يا كيان."
كان صوته يقصف من خلفها ليجعل جسدها ينتفض خوفًا. إنها تعلن الحرب وتعلم أنها خاسرة.
***
"حوراء أنا مش هجاوب على أي سؤال تسأليه، فـ عشان خاطري متسأليش عن حاجة أنتِ عارفة إني مش هجاوبك عليها."
ابتلعت حوراء لسانها صامتة، لا تنكر أن ذلك الضخم أثار بها الرعب أيضًا. كيف لعصفور مثل كيان أن تكون يومًا ما حبيبة هذا الـ… التنين.
ضحكت حوراء لوصفها لقتيبة بالتنين. فـ نظرت كيان إليها رافعة حاجبها ثم تساءلت بشك:
"بتضحكِ ليه؟"
ارتفعت ضحكات حوراء قبل أن تردف وهي تجر حقيبتها خلفها:
"كنت بسأل نفسي، إزاي عصفورة زيك تحب تنين زي قتيبة دا كدا."
ابتسمت كيان لحديث حوراء، ولكنها عادت تكشر عن أنيابها وقالت بحدة طفيفة:
"متقوليش عنه تنين، وإيه حبيته دي! أنا محبتش حد ولا بحب حد."
سارت على نهج قتيبة وهي ترد:
"كدابة، حقيقي أنتِ أكتر كدابة فاشلة شوفتها فـ حياتي."
حكت كيان جبينها وقالت بتعب متجهة إلى مقهى راقٍ بالقرب من حيهم:
"طيب ممكن تبطلي كلام! أنا معنديش حيل للمناقشة معاكِ."
"أوكيه، زي ما أنتِ عاوزة."
حدقت بها كيان بنظرات ضيقة، ولكنها لم تتحدث، بل دلفت إلى المقهى لتتساءل حوراء بفضول:
"هو إحنا رايحين فين؟"
أجابت كيان ببساطة:
"هندخل جوه."
دلفت وتبعها حوراء لتتجمد واقفة، مذهولة بل مأخوذة بما تراه. بمنتصف المقهى وبين الطاولات وعلى أنغام الموسيقى الغربية، وجدت ذلك الرجل ذو الشعر البني يراقص فتاة صغيرة تشبه ملامحه من حيث لون الشعر والابتسامة المرتسمة على وجهيهما.
تشبه قصة الأميرة "سندريلا" حيث تراقص أميرها بالحفل، ولكن هذه المرة بطلة القصة طفلته على الأرجح. تضع قدميها فوق خاصته وتتحرك معه في خطوات بطيئة ومدروسة.
توقفت الألحان وتوقف معها الزمان لحظات وهي تصفق بحرارة، وكأنه مشهد نادر صعب التمثيل كما فعل الجميع.
نظرت إلى كيان التي ابتسمت بحنو بالغ ثم هتفت بصوت عالٍ وهي تتجه إليهما:
"عُميّر؟!"
نظر عُميّر باتجاه الصوت لتتسع ابتسامته أكثر وهو يرى شقيقته تركض باتجاهه، ليقابلها بالمنتصف ثم رفعها ودار بها عدة مرات قائلًا باشتياق:
"قردتي الصُغيرة، وحشتيني أوي يا كيان."
عانقته كيان بقوة، دافنة وجهها بصدره وهتفت بحشرجة:
"وأنت كمان يا حبيبي، وأنت أكتر."
أبعدها قليلًا عن صدره ثم حاوط وجهها وأردف بمشاكسة:
"من وقت أما تيتة عرفت إنك جاية لأ وفيه عريس، و هي ماشية توزع شربات على أهل المنطقة كلها، مسابتش حد، ومش بس كدا دي قالت لهم فتحي النجار على لون الأوضة اللي هي عاوزاه."
ردت كيان بيأس:
"هي كانت فاقدة الأمل فيا لدرجة دي؟ عمومًا أنا متوقعتش أقل من كدا."
"عمتو مش هتسلم عليا أنا كمان ولا إيه؟!"
انحنت كيان إلى الصوت الطفولي وحملتها ثم قبلتها عدة قبلات وهتفت بابتسامة واسعة:
"ودا معقول يعني؟ دا أنتِ وحشتيني كتير كتير، أكتر كمان من بابا حتى."
عانقتها الصغيرة بقوة ليهتف عُميّر وهو يتنزعها من كيان:
"يلا يا أسيل كملِ واجبك، الاستراحة خلصت."
أومأت بحماس وقالت:
"هخلصه كله وأقعد مع عمتو كيان، وحتى كمان هنام معاها فـ الأوضة النهاردة."
"تمام يا ستي، بس دلوقتي يلا حلِ واجبك."
التفت عُميّر فجأة جهة وقوف حوراء لترتبك الأخيرة وتسقط ما بيدها. فـ عاود النظر إلى شقيقتهِ وهتف:
"جبتيها معاكِ!"
هتفت بقلة حيلة:
"أعمل إيه؟ مقدرش أسيبها وبعدين أنا شرحتلك الوضع، باباها اللي هو مديري طلب مني."
ابتسم عُميّر وهو ينظر إلى حوراء وأردف بعطف:
"فعلًا هياكلوها، هي بسكويتة ناعمة."
تغيرت نظرات عُميّر إلى أخرى عبثية وهي تمسح على جسدها الصغير. فـ ضربته كيان بيدها في كتفهِ وهدرت بتحذير:
"بلاش بصاتك دي عشان خاطري، البنت أمانة عندنا ها!"
رد عليها ببراءة:
"وأنا بس عملت إيه؟ أنا عاوز أتأكد من سلامتها، هو دا اللي يهمني، أو يهمنا عمومًا."
غمغمت باستنكار:
"ليها حق مراتك متستحملش وتسيبك، والله عندها حق."
"بتقولي إيه يا بت أنتِ!"
أجابت بابتسامة صفراء:
"ولا حاجة يا حبيبي، ويلا لازم أمشي."
تحركت كيان ولكن عُميّر لحقها بل سبقها وأردف بنعومة ماكرة:
"طب ومش واجب أحيي ضيفتنا ولا دي تبقى عيبة فـ حقنا."
حاولت كيان اللحاق به، ولكنه كان قد وصل إلى حوراء والتي كانت تجمع ما سقط منها أرضًا. ليساعدها عُميّر فـ تمتمت بخجل مبتسمة:
"شكرًا جدًا يا أستاذ آآ"
"عُميّر، اسمي عُميّر الجيار، الأخ الكبير لكيان الجيار."
مدّ يده لتنظر إليها حوراء أولًا ثم رفعت نظراتها إليه، فوجدته يبتسم ابتسامة غير مريحة ولكنها صافحته قائلة بتردد:
"حوراء رفعت رسلان."
رد بصوت عالٍ:
"مدير كيان؟ دا شرف كبير لينا إن بنت مدير كيان هتقعد فـ بيتنا المتواضع."
غمغمت كيان من بين أسنانها:
"دا على أساس إنك متعرفش يا سي عُمير!"
توجست حوراء منه، لذلك سارعت بجذب ما بيدها وقالت بسرعة:
"شكرًا، دا بس من ذوق حضرتك."
ثم حولت أنظارها إلى كيان التي تضع إصبعيها السبابة والوسطى على جبينها وباقي كفها يخفي وجهها المحبط، وأردفت:
"هو مش المفروض نمشي ولا إيه؟"
أومأت كيان إليها وهي تتنهد بيأس، لتتحرك حوراء بسرعة ثم تبعتها الأولى قبل أن تضرب صدر شقيقها وهمست بحدة:
"مستر رفعت سبهالي عشان قرايبها مياكلوهاش، فـ بليز متاكلهاش أنت، ممكن؟!"
كبح عُميّر ضحكة عابثة وأومأ لها، لترحل كيان بعد أن رمقته بشر تحذيري.
بينما أردف وهو يتأمل سير حوراء المرتبك وخصلاتها التي تتطاير دون مُعيق بعد أن نزعت قبعتها:
"إزاي بس أمنع نفسي عن النعيم بعد أما واحدة سابتني فـ النار؟!"
***
"وبعد الوقت دا كله، رجعتِ أخيرًا يا كيان، وحشتيني يا بنتي."
احتضنت كيان جدتها بقوة ثم هتفت ضاحكة:
"وأنا أكتر، والآن رجعت خلاص."
"مش هسمحلك تمشي تاني أبدًا، هتفضلي جنبي على طول."
تعاطفت لجشرجة صوت جدتها، فـ قبلت جبينها وأردفت بحب:
"متقلقيش يا تيتة أنا هقعد هنا فترة طويلة، ومش هغيب عليكوا كدا مرة تانية."
جذبتها كيان لتجلس فوق الأريكة، لتنظر ثريا ذات الجسد النحيل والكهولة تظهر على ملامحها المجهدة إلى حوراء المبتسمة بسعادة ثم أشارت لها لتتقدم قائلة:
"تعالي يا حبيبتي، ما شاء الله جميلة ورقيقة زي البسكويت."
ابتسمت حوراء بخجل ومالت تعانق ثريا، بينما ضحكت كيان، فـ سألتها جدتها وهي تلكزها بعصاها:
"بتضحكِ على إيه؟"
هتفت كيان من بين ضحكاتها:
"أنتِ وحفيدك مش مختلفين عن بعض."
قطبت حوراء جبينها بعدم فهم، بينما ثريا ضحكت بخبث، لتتساءل:
"قصدك إيه يا بت؟"
ردت كيان:
"ولا أي حاجة يا حبيبتي، هو جدو فين بالمناسبة؟"
أجابت ثريا بمصمصة:
"وهيكون فين يعني؟ بيلعب شطرنج مع صحابه فـ القهوة فـ منطقة جنبنا."
أومأت كيان ولتجذبها ثريا معانقة إياها ثم هتفت بحماس ونبرة ذات مغزى:
"يلا أوام إحكيلي عن العريس، والله مكنتش مصدقة وكنت هعمل وليمة لأهل المنطقة كلها، حتى عمامك مصدقوش."
"أنتِ بتلفي وبتدوري حوالين الموضوع دا من الأساس يا تيتة."
ضربتها ثريا وقالت:
"يلا يا بت أنتِ بلاش كلام فاضي، إحكيلي كل حاجة."
ابتسمت كيان بسعادة لتضم نفسها إلى ثريا، تناست مؤقتًا لقاءها القاتل مع قتيبة حتى تختلي بنفسها وتفكر بتهديده، ثم هتفت بصوت متباعد:
"مبدئيًا هو زميلي فـ الشغل، كان معجب بيا من فترة، وقبل شهرين طلب مني آخد معاد معاكوا عشان يطلبني منكوا، مؤدب جدًا، طموح، ووسيم جدًا يا تيتة زي ما أنتِ عاوزة وكمان شيك يعني مش زي شباب الأيام دي."
"حمستيني يا بت يا كيان، اسمه إيه!"
"رشاد."
ساد الصمت لتقطب كيان جبينها بتساؤل عما قالته خطأ، إلا أنها تفاجأت بإبعاد ثريا لها وهتفت بعصبية:
"قومِ يا بت، قومِ من وشي مش عاوزة أشوفك يلا."
غمغمت بغرابة:
"إيه اللي حصل بس يا تيتة قوليلي!!"
ضربت ثريا الأرض بعصاها ثم هدرت بحدة:
"بعد كل الصبر دا هتتجوزي واحد اسمه رشاد! والله لو كنت أعرف إن اسمه رشاد مكنتش وافقت من الأساس."
أغمضت كيان عيناها بنفاذ صبر ثم هتفت من بين أسنانها:
"وهو أنتِ سمعتِ مميزاته الأولى ولا دي ملفتتش نظرك؟"
"وبوظها اسمه، اسمه حتى ميشفعش."
ردت كيان بنفاذ صبر:
"بالله عليكِ دا اسمه إيه دا؟"
همهمت ثريا ببؤس:
"كنت عاوزة اسمه يكون تامر مثلًا."
انفجرت حوراء بالضحك ولم تستطع كيان منع نفسها، ثم أردفت بمرح:
"حاضر هقوله يغير اسمه من عنيا."
ضيقت ثريا عينيها وقالت:
"و بتهزري كمان بنت سعيد! يلا قومِ من وشي، مفيش جواز."
عبست كيان فجأة ثم قالت وهي تعتدل بجلستها:
"دا هزار دا ولا بجد؟"
نهضت ثريا ثم تحركت وهي تتكئ بعصاها لتقول بصوت جدي:
"لأ بجد، اتصلي بيه وقوليله إننا، لأ أنا بس اللي مش موافقة."
تابعت كيان تحرك جدتها حتى اختفت داخل أحد الغرف، ثم نظرت إلى حوراء التي تحول وجهها إلى أحمر وقالت وهي تشير بإبهامها إلى مكان اختفاء جدتها:
"أنتِ سمعتِ هي قالت إيه؟"
أجابت حوراء ضاحكة:
"هي مضايقة عشان العريس اسمه رشاد."
"يا ربي، ياربي على المصيبة الجميلة دي."
تكلمت حوراء بصدق:
"جدتك جميلة أوي يا كيان."
أومأت كيان بشرود وهي تبتسم ثم أردفت وهي تنهض:
"تعالي هاخدك أوريكِ أوضتك، هو البيت مش كبير يعني عشان تتوهي فيه."
أومأت حوراء وتساءلت:
"طب هتعملي إيه مع جدتك؟"
أجابت كيان بشقاوة:
"جدو أحسن جد هيحلها."
***
ضرب قتيبة المرآة التي أمامه محطمًا إياها وتسبب بجرح قبضته. تأفف آدم ونهض يجذبه بعيدًا عن الحطام وقبل أن يحطم باقي الغرفة، ثم قال بحدة وهو يدفعه إلى الفراش:
"كفاية عصبية بقى، كفاية يا قتيبة عشان تعرف تفكر."
هدر قتيبة باشتعال:
"الغبية، الغبية دي تتجرأ و تقولي كدا! هتتجوز واحد تاني، أُقسم بديني ما هيحصل."
جذب آدم منشفة وبللها بالماء ثم قذفها بوجه قتيبة ليردف بجدية وهو يجلس جواره:
"أنت عارف إنها بتكدب عليك، إيه لازمة العصبية والبهدلة دي كلها؟!"
"لأ مكنتش بتكدب، نظرة عينيها كانت بتتحداني، وفي الحالة دي أنا متأكد إنها مكنتش بتكدب."
مسح قتيبة الدماء عن قبضته ولف المنشفة حول جرحه، ليتساءل آدم:
"طب والحل! هتعمل إيه يا قتيبة؟"
أجاب قتيبة بهدوء عكس العاصفة التي افتعلها منذ قليل:
"حاليًا مش هعمل أي حاجة."
رفع آدم حاجبه وأردف:
"دا أنا فكرتك هتخرب الدنيا باللي عملته دا."
وأشار إلى تلك الفوضى التي عمت، لينظر إليه بصمت تام، ثم مسح قتيبة على مؤخرة عنقه، ثم قال وهو ينظر إلى وجهه المشوه بالمرآة المهشمة وكأنه مسخ شوهته الحادثة وثلاث سنوات خلف القضبان:
"لو عملت كدا هخسرها، سبني أفكر فـ حل."
غمغم آدم:
"أنت شوفتني مسكتك؟"
سمعه قتيبة ليرمقه بنظرة ساحقة تفاداها آدم وهو يجلي حنجرته بحرج، ثم بعد وقت قصير سمعا صوت طرقات وتبعها صوت زوجة آدم:
"آدم العشا جهز، يلا اطلعوا."
تمتم آدم بالموافقة ثم ربت على ركبتهِ وأردف:
"يلا ناكل دلوقتي وبعدين نفكر."
أومأ قتيبة لينهض آدم وهو يتبعه، ثم فتح الباب ليجد زوجته تقف أمامهما رافعة حاجبها، تعقد ذراعيها أمام صدرها، تضرب بقدمها الأرض.
توجس آدم، ولكنه حين التفت ونظر إلى الغرفة ابتسم بريبة. وقبل أن يتحدث، فاجأته زوجته قائلة بتحذير:
"هتنضفوا الكركبة اللي عملتوها دي بعد الأكل، أنا مش الخدامة بتاعتكوا."
أومأ آدم، بينما قتيبة هز رأسه ضاحكًا، فـ نظر إليه صديقهِ بتحذير، ليصمت، فـ رفع ذراعيه باستسلام.
تحركت زوجة آدم وقالت بجدية:
"وبلاش حركات السجن دي تعملوها هنا، الهمجية مش هتنفع معايا، المفروض يكونوا أعادوا تأهيلكوا."
دفع آدم قتيبة أمامه وهمس بغضب:
"شوفت! شوفت عملت إيه؟"
قطب قتيبة جبينه وتساءل بعبثية:
"هو إيه اللي حصل بالنسبة لنغمتك إنك مسيطر فـ البيت!"
ضحك آدم ووضع يده حول رقبة صديقه وأردف بشقاوة:
"دا لما أكون مش غلطان، مش زي اللي أنت هببته من شوية."
غمزه آدم بعبث وأكمل وهو يضع يده على صدرهِ:
"وبعدين في حاجات تانية برضو أنا مسيطر فيها."
"هتقتلك مراتك لو سمعتك."
ضحكا بقوة ثم أكملا طريقهما إلى طاولة العشاء.
***
اتكأت بظهرها إلى الحائط ثم نظرت بطرف عينها إلى المحيط، لتجد الحارسين جالسين يحتسيان الشاي ويتسامران، دون أن ينتبها إلى الحراسة.
ضحكت بصوت خفيض، ثم تحركت على أطراف أصابعها وهمست:
"أنت لازم تغير الأمن بتاعك يا صاحب الشركة."
كانت تعرف جيدًا أماكن تواجد آلات التصوير المراقبة، والبقع التي لا تستطيع الوصول إليها، لذلك استغلت تلك النقط وتسللت إلى داخل الشركة.
كانت الأجواء هادئة تمامًا في ذلك الوقت المتأخر من الليل، ولكنها حقًا تحتاج إلى ذلك الهدوء.
غفلت عن آلةٍ ما، فـ التقطت صورة غير واضحة لها، ولكنها أكملت طريقها حتى وصلت إلى مكتب رب العمل. فتحت الباب ودلفت بهدوء.
استخدمت مصباحها اليدوي لتُنير الغرفة دون إحداث شبهات. بحثت عن الخزينة حتى وجدتها أسفل المكتب.
انحنت واستخدمت معداتها لتفتح الخزينة بعد ثلاثين دقيقة. مسحت حبات العرق الباردة وقالت بحبور:
"شكرًا يا جاري على دروسك المجانية، بقيت محترفة."
فتحت الخزينة لتشهق بانبهار وهي تجد ذلك الكم الكبير من المال. لتردف باستنكار:
"كل دي فلوس؟ و بتبخل على بابا بحقه ومعاشه بتاع التقاعد؟"
فتحت حقيبتها السوداء وبدأت بوضع الأموال بها، ثم أكملت بشماتة:
"يبقى فعلًا تستحق السرقة."
***
وترجل هو من سيارته الأنيقة وتوجه إلى محيط الشركة، وما أن رآه الحارسان حتى اعتدلا بجلستهما ثم نهضا ليُقوما بتحيته.
توقف أمامهما يُحدق بهما مليًا ثم قال بصرامة:
"مخصوم من مرتبكوا بسبب الإهمال دا، وأما أشوف هتشتغلوا صح ولا همشيكوا."
ثم تركهما وصعد ليجلب بعض الأوراق المهمة والتي نسيها صباحًا. بينما بالخارج تذمر أحد الحارسين:
"ليه ديمًا بيجي فـ الوقت المتأخر دا؟ دي تالت مرة يعملها."
"وكل مرة يمسكنا وإحنا سايبين الحراسة ومبنتعظش."
صعد درجات السلم فـ هو يكره المصاعد حتى وصل إلى مكتبه. توقف قليلًا وهو يرى ظلًا يتحرك خلف ضوء ضعيف، ليضع هاتفه ومفاتيحه بجيب بنطاله وفتح الباب ببطء ودلف.
تحرك ببطء وحذر وهو يبحث بعينه عن ذلك الظل، ليجده يركض سريعًا باتجاه باب المرحاض.
تحرك هو أسرع وأعاق وصول الظل إليه، حيث أمسك السارق من خصره بيد والأخرى فوق صدره، ثم هدر بصوت جهوري:
"أنت مين؟"
تلوى الجسد بين يديه ليضغط بيده على جسدهِ مانعًا هروبه. ولكن هل يملك المذكر نهدين؟ توسعت عيناه بدهشة، فاق منها على صوت صراختها:
"إبعد إيدك يا مُتحرش، إبعد إيدك يا حقير، سبنييي."
تلكأ وكأنه يتأكد من ملمس ما أسفل يده، لتركل الفتاة ساقه بقدمها ثم هدرت بصراخ حاد:
"يا سافل يا مُتحرش بس إوعى إيدك، والله هقتلك لو مسبتنيش."
تفاجأ وسريعًا أبعد يده عن صدرها وأحاط خصرها حتى لا تهرب، ليحملها بيدٍ واحدة، ثم أشعل ضوء هاتفه وأنار القليل من وجهها، فـ ظهرت بعض ملامح وجهها الأنثوية، وليهتف بتعجب:
"أنتِ حرامية مش حرامي!"
تلوت من بين يديه ولكنه كان يحكم الطوق حولها، لتصرخ هي بغضب ناري:
"هو فيه جنس تالت وأنا معرفش! نزلني يا مُتحرش."
دفعها إلى الحائط وأمسك يديها واضعًا إياهما فوق رأسها وقيدهما. ثم كَبّل ساقيها أيضًا وهدر بعدما استعاد وعيه:
"أنتِ غبية ولا بتستعبطي؟ جيتِ تسرقي وعاوزاني أسيبك!"
هتفت بعصبية:
"ملكش أنت دعوة، دا بيني وبين صاحب الشركة، والآن سبني أمشي."
"لأ مش هسيبك، وكمان هتصل بالبوليس يشوفلك حل أنتِ ولسانك."
اتسعت عيناها بخوف حقيقي وهي تراه يُخرج هاتفه ويعبث به. سيضيع مستقبلها إن فعل.
رواية أغلال لعنتهُ الفصل الثالث 3 - بقلم اسراء علي
لا تفكر أنك تستطيع أن توجه الحب في مساره، فالحب إن وجدك جديراً به هو الذي يوجه مسارك.
نظرت بـ هلع إلى يدهِ التي تتلاعب بـ الهاتف، ثم رفعت عيناها إليه وهتفت بـ توتر:
- آآآ أنـ آآآ أنت بتعمل إيه؟
رفع عيناه عن هاتفه إليها ثم أجاب بـ تهكم:
- أنتِ شيفاني بعمل إيه؟
صرخت فجأة بـ حدة أذهلته:
- متتصلش، متتصلش بـ البوليس.
وضع الهاتف بـ جيب بنطاله ثم كمم فاها وإقترب بـ خطورة منها وهمس:
- أنتِ واخدة بالك موقفك صعب أد إيه! واعية لخطورة موقفك اللي بيسمحلك تصرخِ فـ وشي كدا؟ وبعدين متصلش ليه!
حركت رأسها بـ كِلا الجانبين تنفض يده ثم أردفت بـ توتر عاد يتملكها من جديد:
- أنا مش حرامية، على الأقل مسرقتش بغرض دنئ.
إصطنع الذهول وقال:
- بجد! وأنا مالي و مال نيتك و لا غرضك، أنتِ دخلتِ من غير إستئذان وسرقتِ فلوس متخصكيش، يبقى دي اسمها سرقة.
هدرت بـ غضب:
- بطّل تقول سرقة و مش سرقة.
وأخذت تتلوى بين يديهِ بـ شراسة حتى كادت أن تقسط، فـ جأر بـ صوتٍ جهوري مُتهكم:
- كفاية حركة و لا رقبتك هتتكسر.
- ملكش دعوة، أنا عاوزة أكسرها عشان أخلص منك.
- بس أنا مش عاوز، لسه بينا كلام طويل لأ ولذيذ نتكلم فيه.
تنفست بـ صوتٍ عال وهي تُحدق به بـ عينين تلمعان كـ القطط، لينتظرها هو حتى هدأت ثم أردف:
- خلاص خلصتِ فترة جنانك؟
ظلت تُحدق به بـ شراسة حتى أومأت بعد قليل على مضض، ليُبعد وقاص جسده عنها قليلًا وهتف:
- أنا هسيبك دلوقتي، بس لو كان عندك ذرة عقل صغيرة مش هتحاولي تهربِ، أظن إنك مش هتعرفِ تخرجِ من ممر الشركة أصلًا.
تشنجت عضلات فكها بـ صورة واضحة و مُسلية، لتعود و تومئ بـ نزق، فـ إبتعد عنها و نظر إلى الحقيبة المفتوحة و المبلغ الكبير الموضوع بها ثم تساءل:
- ودلوقتي سؤالي بقى، ليه بتسرقِ فلوس متخصكيش؟
- صرخت بـ حنق: قولتلك مسرقتش.
حدق بها وقاص بـ نظرات مُدققة، طويلة و غامضة، لتُبعد عيناها عنه ثم غمغمت بـ صوتٍ ضعيف:
- اممممم، تقدر تقول إني سارقة نبيلة، و بسرق لهدف نبيل مش عشان مرض أو حاجة.
رفع وقاص حاجبه بـ ذهول لم يستطع السيطرة عليه وإتكئ إلى المكتب خلفه ثم عقد ذراعيه القويين أمام صدرهِ، ليستاءل هو بـ تسلية واضحة بـ عينيهِ الماكرين:
- تمام، وإيه هو غرضك يا ست السارقة النبيلة!
ضيقت عيناها بـ حنق من سُخريته الواضحة عليها، ولكنها لم تهتم بل رفعت أنفها بـ شموخ ذاهل لعينيهِ الداكتين بـ لون العقيق وهتفت بـ ثقة مُطلقة:
- بابا كان بيشتغل فـ الشركة هنا، ومُكافأة تقاعده مخدهاش، يعني متصرفتش، لأ و بكل بجاحة بيقولوا إننا ملناش أي مُستحقات، معنى إيه الكلام دا غير إنهم شركة نصابة!
إرتفع حاجبه بـ ذهول قبل أن يتحدث بـ بُطء:
- ممكن يكون مُدير الشركة ميعرفش اللي حصل.
حينها صدرت عنها ضحكة حتى أدمعت عيناها ثم هتفت بعدها بـ هجوم عنيف:
- تاخد التقيلة! اللي كان بيتكلم هو المُدير نفسه.
رفع يده وقال وهو يضع الأُخرى على صدرهِ:
- أُقسملك إنه مكنش يعرف.
- إنتفخت أوداجها بـ شراسة هاتفة: وأنت إيه اللي مخليك متأكد كدا!!
تجاهل سؤالها وبادلها بـ آخر وهو يرمق المبلغ الطائل أمامه:
- مُستحقات والدك عبارة عن خمسة و عشرين ألف جنيه، طب والمية و خمسين ألف التانين دول لإيه!
تلك الإبتسامة والثقة التي تتحدث بها بل وهي ترفع أصابعها الصغيرة تُعدد أمامه جعلته في حالة عدم إستقرار لتلك المخلوقة الصغيرة التي تُحدثه، بل وإنبهار غبي لشخصٍ تخطى مرحلة المُراهقة مُنذ زمن بل وغزا الشيب فوديه:
- جارتي بنتها تعبانة ومحتاجة فلوس عشان تعالجها وتعمل لها عملية، وجار برضو ليا عليه ديون ولازم يسددها وإلا هيتحبس، وعنده بنات صُغيرة بس مفيش حد ياخد باله منهم، وأخيرًا عندي جارتي صاحبتي أمها غارمة محتاجة بس كام ألف جنيه عشان تخرج.
إنتهت لترفع كتفيها بـ بساطة ثم أردفت بـ أعين بريئة كـ جروٍ صغير لا حيلة له:
- شوفت بقى! أما بس خليت صاحب الشركة يكسب ثواب من غير أما يعرف.
هز رأسه موافقًا وأردف:
- فعلًا أنتِ سارقة لهدف نبيل.
إعتدلت كِنانة بـ وقفتها ثم قالت بـ تحفز:
- شوفت بقى تاني! يلا هات الفلوس و خليني أمشي.
ضرب وقاص يدًا بـ أُخرى ثم هتف بـ تعجب ذاهل:
- أنتِ بتطلبِ مني تاخدي الفلوس و تمشي؟ أنتِ شربتِ حاجة قبل أما تيجي هنا ولا إيه عشان أبقى فاهم؟
تأففت كِنانة وقالت:
- دي مُستحقات بابا ومُساعدة صغيرة لأهل منطقتي، صدقني الكام ألف دول مش هيأثروا فـ ثروة الغني دا.
صمت وقاص صمتًا غامضًا قبل أن يُغلق الحقيبة و يمدها إليها لتأخذها هي بـ ذهول ثم أردف بـ نبرةٍ غامضة كـ صمتهِ:
- تمام تقدري تمشي، بس هنتقابل تاني عشان تسددي دينك.
قطبت جبينها وقالت:
- مفهمتش!
إبتسم وقاص بـ تسلية ثم تقدم منها لتتراجع حتى فتح الباب خلفها وقال بـ عبث:
- هتعرفِ في الوقت المناسب، ودلوقتي لازم تمشي وإلا اللي هتتمسكِ.
حدقت به كِنانة بـ عدم إرتياح ولكنها تحركت قبل أن يأتها صوته:
- في باب خلفي تقدري تهربِ منه، الحارسين اللي على البوابة الرئيسية فايقين حاليًا.
غمغمت كِنانة بـ غرابة عن ذلك الرجل الغريب والذي يبدو أنه يكن شيئًا ما لها، إلا أنها أسرعت الهروب فـ كيف سيتعرف عليها بـ تلك الإضاءة الضعيفة و تسللها وسط آلات التصوير المُراقبة دون أن تلتقطها!
- المُهم أني خرجت كويسة، وأكيد معايا الفلوس.
و بـ الداخل كان وقاص يُحدق بـ كفيهِ اللذين تنعمان بـ ملمس جسدها الطري ليبتسم إبتسامة عابثة لم يكن يظن أنه يمتلك واحدة ثم هتف بـ خُبثٍ وهو ينظر إلى حاسوبه الشخصي:
- دلوقتي بقى نشوف مين هي سارقتنا الشابة.
عادت كِنانة مُنهكة القوى، خائرة العزيمة والرُعب يتملكها حد النُخاع فـ ذلك السمج قد رآها، ولكنها لا تظن أنه تعرف عليها والفضل يعود لوالدها الذي أخبرها عن الشركة وآلات التصوير المُراقبة.
أغلقت الباب ونزعت حقيبتها ثم نزعت نعليها بـ الظلام. كادت أن تتوجه إلى غُرفتها ولكن الأنوار أضاءت لتجد والدها جالس بـ إنتظارها.
إبتلعت كِنانة ريقها بـ صعوبة ثم إبتسمت بـ توتر وقالت بـ غمغمة:
- مساء الخير يا بابا.
لم يُبادلها والدها التحية بل سأل بـ صرامة مُباشرةً:
- كُنتِ فين يا كِنانة؟
- أجابت سريعًا: وهكون فين يعني يا بابا! فـ الشركة طبعًا.
نظر والدها إلى ساعة الحائط والتي تدق دلالةً على تجاوزها الثانية عشر بـ خمسٍ عشر دقيقة وأردف:
- فـ الشركة لحد نص الليل!
حكت جبينها بـ أصابعها وردت:
- أنت عارف المُدير بتاعي بيرمي الشُغل عليا ويجري، دي مش أول مرة أتأخر فيها فـ الشُغل.
- بس المرة دي موضوع التأخير دا كان مُبالغ فيه جدًا.
قبضت على حقيبة الظهر بـ قوة ثم همهمت بـ تعب حقيقي:
- بابا، أنا هلكانة من الشُغل، وهقولك على كُل التفاصيل بكرة، وبكرة أصلًا هيكون يوم مزحوم، بعد إذنك بقى.
تنهد والدها بـ قلة حيلة وأردف:
- تمام، كلامنا مخلصش هنا.
أومأت كِنانة بـ فتور ثم إنحنت تُقبل وجنة أبيها وقالت بـ صوتٍ عذب:
- تصبح على خير يا أحلى أب.
- وأنتِ من أهل الخير يا قلب أبوكِ.
ربت رسلان على يد إبنته لتتركه هي و دلفت تاركة إياه ينظر أمامه بـ شرود و يُغمغم داخله بـ قلق:
- يارب متكونيش عملتِ مُصيبة، وشك بيقول إنك عملتِ حاجة كبيرة يا كِنانة.
في صباح اليوم التالي، توجه أمام غُرفة صديقه ليجد صوته على غير العادة غاضب و جهوري جعل العاملين بـ الشركة ينظرون إلى الباب بـ فضول، فـ نظر إليهم نظرة تحذيرية وهدر بـ صوتٍ عال:
- يلا كُل واحد يرجع على شُغله.
توتر العاملين وعادوا جميعًا إلى أشغالهم، بينما هو حدق قليلًا بـ زرقاويهِ إليهم يطمئن على سير العمل ثم طرق الباب و دلف دون أن ينتظر رد صديقه.
تفاجأ من ملامحهِ المُنذرة بـ خطر قد لا يستطيع السيطرة عليه و أمامه المُدير المالي لشركة يقف مُنكس لأرسهِ بينما الأول يجأر:
- لأ طبعًا سيادتك يا حرامي مُختلس ***، أنا سألتك قبل كدا أنت إديت المُحالين للمعاش مُستحقاتهم المالية، وأنت بـ كُل بجاحة قولتلي "أكيد يا وقاص باشا".
غمغم المُدير المالي قائلًا بـ خفوت:
- و دا اللي عملته يا فندم.
قذف وقاص بعض الأوراق بـ وجههِ وهدر بـ صوتٍ غليظ:
- كداب، الدليل على كدبك أهو يا حرامي، بُصله كويس.
صمت يلهث بينما صديقه يقف جوار الباب يتكئ إليه دون حديث و يُتابع ما يحدث، حتى أكمل وقاص حديثه بـ صوتٍ صخري لا يقبل الجدال:
- هتسلم عُهدتك لسكرتيرة و هتطرد من مكانك، ومن غير قرش واحد من مُستحقاتك، كفاية اللي إختلسته.
إرتمى وقاص إلى مقعدهِ ثم أشار إلى المُدير بـ يدهِ وغمغم بـ جمود:
- ودلوقتي إمشي من وشي قبل ما أرتكب جريمة و أوسخ إيدي بـ دمك القذر.
تحرك المُدير المالي بـ خطىٍ ثقيلة ثم نظر إلى الواقف جوار الباب وهمس بـ توسل:
- عُبيدة باشا، مُمكن تقوله يسامحني المرة دي.
رد عُبيدة بـ لامُبالاة:
- مقدرش أعملك حاجة، أنت المرة دي إتخطيت حدودك، و دلوقتي غور من هنا.
إنتظر حتى أغلق الباب خلفه ثم إتجه إلى وقاص وجلس أمامه ليردف وهو يقذف نظارته الشمسية:
- إيه اللي حصل؟
مسد وقاص مُنحدر أنفه بـ قوة وغمغم بـ صوتٍ ثقيل:
- اللي سمعته، البيه مُختلس، بيسرقني ومفكرني مش هعرف.
ضحك عُبيدة وقال:
- وأنت عرفت منين؟ أنت عُمرك ما إهتميت قبل كدا.
إرسمت إبتسامة مُتسلية على وجههِ ونظر إلى شاشة حاسوبه الشخصي، فـ كانت صورة لتلك السارقة غير واضحة قليلًا ولكنها كافية لمعرفة هويتها، ثم عاود النظر إلى عُبيدة الذي ينظر إليه بـ حاجب مرفوع بـ ريية وهتف بـ نبرةٍ مُتسلية:
- خلينا نقول فيه عصفور قالي كُل حاجة.
إزدادت ريبة عُبيدة وهو يرفع حاجبه الآخر ثم هتف بـ تعجب:
- عصفور ولا عصفورة؟
- مش مُهم، المهم أن العصفورة دي خلتني أكتشف إختلاس المُدير.
حك عُبيدة ذقنه النامية بـ خفة ثم قال وهو يتلاعب بـ أوراقٍ ما أمامه:
- أنا معرفش أنت بتفكر فـ إيه بس، وقاص يا صاحبي أنت أخيرًا هتقع.
ضحك وقاص وقال:
- تفتكر؟
- لأ أنا مُتأكد.
حدق وقاص بـ صورتها مرةٍ أُخرى ثم هتف بـ جدية وهو ينظر إلى صديقهِ بـ إهتمام:
- عاوز أسماء المُحالين على المعاش في الفترة الأخيرة.
ضيق عُبيدة عيناه وتساءل:
- وليه كدا فجأة من غير مُقدمات!!
- أجاب وقاص بـ غموض قليل: عاوز ألاقي حد مُعين كدا.
حدق عُبيدة بـ صديقهِ طويلًا دون تعابير واضحة إلا أن وقاص قابلها بـ برود غير مُبالي، ليتنهد الأول و يومئ بـ صمت، ثم تساءل بعدة عدة دقائق:
- مين اللي هيمسك مكان المُدير المالي؟
- سيبك منه دلوقتي.
غامت عيني عُبيدة قليلًا ولكنه لم يُظهر إحباطه بل نهض وأردف بـ غمغمة:
- تمام يا صاحبي، أنا همشي دلوقتي، أشوفك بعدين بقى.
- أشوفك بعد الشُغل، هنسهر النهاردة عندي.
شدد وقاص على كلمى صديقي لتصل معناها واضح إلى عُبيدة الذي إبتسم بـ إصفرار ثم رحل.
كانت تسير بـ الحي وهي تقرأ عُلبة الدواء الخاصة بها دون أن تنتبه إلى ما حولها، لتشهق بـ فزع حقيقي حينما جذبتها يد رجولية خشنة إلى إحدى الطُرقات الضيقة والخالية من المارة.
كادت أن تصرخ بـ هلع ولكنه وضع يده على فمها يُكممه ثم همس بـ شراسة مُحذرة:
- متصرخيش وإلا هقطع لسانك، سامعة!!
أومأت حوراء بـ هلع وهي تنظر إلى ملامحهِ المُنذرة بـ الشر على الرغم من هدوءها، ثم تساءلت بعدما أبعد يده عن فمها:
- أنت عاوز إيه مني؟
- أجاب بـ إستهجان: مش عاوز منك أنتِ حاجة، أنا عاوز منها هي.
قطبت جبينها وتساءلت بـ غباء:
- عاوز من مين بالظبط؟
- وهتكون مين يعني بـ ذكائك دا؟!
أغمضت حوراء عيناها بـ تعب من ذلك الهمجي الذي قابلته قبل يومين بـ الشاطئ، ثم عاودت فتحها لتجده يُناظرها بـ حاجب مرفوع لتقول هي بـ إبتسامة مُتملقة:
- أسمعني يا أخ أنت، ملكش دعوة بـ كيان نهائي، هي هتتجوز حد تاني بيحـ…
إبتلعت حروفها وهي تجد نظرته تشتد قساوة بـ سواد مُرعب ليتحدث قُتيبة بـ فحيح:
- إتجرأي بقى وكملي كلامك يا حلوة.
- هتفت سريعًا: مقدرش أتجرأ وأكمله.
إبتعد قُتيبة عنها ليضع يده بـ خصرهِ ثم هتف بـ تهديد:
- قوليلى، الحيوان دا هيجي أمتى؟
- دون تردد أخبرته: هيجي بكرة الساعة سبعة بالظبط.
إبتسم إبتسامة شريرة وهمس:
- طيب تمام يا كيان، هخليه يطلبك من أخوكِ الروحي.
نظرت إليه حوراء بـ ذعر وإبتلعت ريقها بـ توتر ثم تساءلت بـ براءة:
- هو أنت بتحب كيان فعلًا!!
نظر إليها بـ تفاجؤ وكأنها باغتته بـ سؤال إجابته ليست صعبة ولكنه لا يجيد قولها، بل لا يُريد قولها فـ يُصبح معناها باهت، لا قيمة له. ورغم ذلك إرتمست نظرة غامضة لم تفهمها وأجاب بـ شرود وكأن حوراء غير موجودة بل يُحدث نفسه:
- بحبها؟؟.. الكلمة دي متجيش حاجة جنب الحق اللي بملكه فـ كيان.
فغرت حوراء شفتيها بـ إنبهار طفولي بل وإشتعلت النجوم بـ عينيها قبل أن تهمس بـ تساؤل:
- وسيبتها ليه كُل الفترة دي!
- أجاب قُتيبة بـ بساطة: كُنت بقضي فترة عقوبة.
قطبت جبينها وتساءلت بـ عدم فهم:
- قصدك إيه؟
- رد بـ نفاذ صبر: كُنت فـ السجن خلاص فهمتِ؟
شهقت بـ عدم تصديق ولكنها غمغمت بـ غباء:
- كُنت بتعمل إيه هناك؟
رفع حاجبه وأجاب بـ سُخرية:
- كُنت بحاول أسمّر شوية، أصل المنطقة هنا مبتوفرش حاجات الأغنية دي هنا.
حمحمت بـ حرج ثم أردفت بـ صوو خفيض، مُتردد:
- مش قصدي، أقصد دخلت ليه!
- هتف بـ قسوة:ملكيش دعوة يا بسكوتة، دي حاجات الكُبار، العيال اللي زيك ميدخلوش فيها.
ذمت حوراء شفتيها بـ تذمر ولكنها هتفت بـ حماس على الرغم من عبوس ملامحها:
- أنا بجد، really يعني كُنت ناوية أساعدك.
أخفضت وجهها تصطنع البؤس ثم غمغمت بـ نبرةٍ حزينة أتقنت نغمتها:
- بس أنت اللي مش عاوز، لأ وكمان بتقولي إني عيلة صغيرة، وطالما أنا عيلة صغيرة فـ أنا مش هدخل ولا هساعدك فـ حاجات الكُبار دي.
حدق قُتيبة بها بـ شك رافعًا حاجبيه حتى كادا أن يُلامسا منابت شعره، إلا أنه تنهد ثم تساءل وهو يتخلل بـ أصابعهِ بـ خُصلاتهِ:
- يا شيخة!!! وهتعملي كدا إزاي إن شاء الله؟
رفعت وجهها إليه وملامحها الطفولية تتحول لأُخرى خبيثة ثم عضت شِفاها السُفلى وأردفت وهي ترفع ذقنها بـ ترفع:
- أنت مش قولت دي حاجات كُبار؟
تأفف قُتيبة بـ ضيق ثم هدر بـ نفاذ صبر وهو يضرب الحائط جوارها فـ أطلقت صرخة فزعة:
- بلاش لعب العيال دي يا شاطرة، وإلا دشدشت جسمك الجميل بـ إيدي.
ضمت حوراء يديها تُخفي صدرها ثم هتفت بـ شراسة:
- مُتحرش.
غمز قُتيبة بـ عبث وقال:
- مشوفتيش التحرش على أصوله يا بسكوتة.
تخضبت وجنتي حوراء بـ خجل ثم تأففت تُخرج نفسها من ذلك الموقف المُحرج وهتفت:
- دلوقتي نرجع لموضوعنا الأصلي مُمكن، بكرة هكون على تواصل معاك، هات رقم تليفونك.
- معاكِ ورقة فاضية؟
هزت رأسها نافية ثم رفعت عُلبة الدواء وأجابت بـ براءة:
- مش معايا غير العلبة دي.
حدق بها قُتيبة مليًا لتضيق عيناه بـ شك و دهشة عندما قرأ اسم الدواء والذي تستعمله والدته نفسه:
- هي دي لـ أبوكِ؟
حركت رأسها نافية ثم أجابت تتعجب طريقة حديثه:
- بابا؟! لأ دي بتاعتي.
غمغم بـ دهشة:
- إزاي عيلة زيك يكون عندها سُكر!
رفعت كتفيها بـ بساطة وقالت:
- ربنا عاوز كدا، هنعترض! وبعدين هو من الدرجة التانية يعني مش خطير أوي، المفروض أحافظ على أنواع الأكل اللي باكله، وأخد الدوا فـ معاده ومتأخرش.
تثاقلت أنفاسه قليلًا و سيطر عليه شعور كئيب إلا أنه طردته و هو يجذب كفها ثم أخرج قلم و دون رقم هاتفه وغمغم بـ خشونة:
- متنسيش تكلميني، هكون فـ الشُغل و عاوز تقارير مُفصلة عن كيان، كُل حاجة بتعملها و بتكلم مين يكون عندي أول بـ أول.
نظرت حوراء إلى يدها وقالت بـ إبتسامة واسعة ثم قبضتها:
- أوكيه مش هنسى، ودلوقتي سبني عشان تأخرت جدًا.
إبتعد قُتيبة عنها ليفسح لها المجال لترحل وما أن إبتعدت حتى ناداها وهتف بـ خشونة:
- متنسيش الدوا بتاعك يا بسكوتة.
إبتسمت حوراء بـ خجل ثم أومأت ولوحت إليه لتركض إلى الطريق العام من جديد.
وضعت رجاء آخر طبق فوق الطاولة و من ثم توجهت إلى غُرفتهِ لتدعوه إلى الطعام، لتفتح الباب فـ وجدته مُستلقي فوق الفراش يُحدق بـ أسورة جلدية قديمة، ساكنًا لا يعي دلوف والدته.
ظلت صامتة بعض الوقت و هي تعلم لـ مَنْ تلك الأسورة، إنها تخصه بـ الطبع، ولكن من إشترتها لم تكن سوى كيان، تلك العلقة التي ظهرت بـ حياتهِ و أبت الإختفاء فـ ظلت خلفهُ حتى فقدت هي زوجها و إبنها و هو فَقَدَ روحه و مُستقبله.
ضربت الباب بـ خفة عله ينتبه لوجودها ثم قالت بـ نزق:
- مالك مسهم فـ البتاعة اللي فـ إيدك كدا ليه و لا كأنها دهب!
قبض قُتيبة على الإسوارة ثم إعتدل بـ جلستهِ قائلًا من بين إسنانهِ:
- ولا دهب و لا حاجة، بس ليها ذكرى.
هتفت صارخة:
- ذكرى زي الزفت، مش ناوي تطلع البت دي من دماغك!
فتح قبضته و نظر إلى الإسوارة ثم وضعها بـ الدرج المُجاور لفراشهِ، كانت هدية بسيطة من فتاة إعتاد الإعتناء بها حتى باتت كـ نبض ثانٍ له لا يقوى على الحياة من دونهِ، هي تعلم كم كان مولعًا بـ تلك الأشياء الشبابية في فترة مُراهقته، رغم أنها تكره تلك الأشياء إلا أنها أحضرتها لأجله، وهو ذلك يكفيه، أنها فعلت و تفعل كُل ذلك لأجله.
نهض قُتيبة من إستلقاءه ثم جلس و فرك فروة رأسه قائلًا بـ تنهيدة ملل:
- لأ مش ناوي أطلعها من دماغي.
إستشاطت رجاء غضبًا و هدرت:
- مش ناوي! ليه يا خويا مفيش إلا هي ولا إيه!
- و بـ هدوء مُغيظ أجاب: أه مفيش إلا هي.
ضربت رجاء فخذيها و هتفت بـ حدة:
- البت دي عملالك عمل ربطاك بيه.
ذمت قُتيبة فمه بـ نفاذ صبر ثم هتف بـ إستياء ناهضًا و هو يقترب منها:
- هي رابطة جاموسة! إيه الكلام اللي يحرق الدم دا!
أشاحت بـ يدها و قالت:
- مفيش تفسير تاني غير كدا، لما تبقى واكلة عقلك لدرجادي يبقى عاملة عمل و لا مش عاملة؟
نزع قُتيبة كنزته البيتية و إرتدى قميص أسود ثم هدر هو الآخر و قد بدأ صبره بـ النفاذ:
- أنا بقالي كم سنة طالع من السجن و كل يوم بسمع الزفت دا، أنتِ مبتزهقيش يا ست رجاء! إرحميني شوية.
إقتربت هي خطوة منه ثم قبضت على ساعده تُديره إليها هاتفة بـ جنون هي الأُخرى:
- لأ مبزهقش، ومش هزهق لحد أما تطلعها من نفوخك.
أبعد قُتيبة يدها عنه بـ رفق و أكمل إغلاق قميصه ثم هسهس بـ خفوت خطير:
- وهي مش هتطلع، ولا ناوي أطلعها نهائي.
صرخت بـ صوتٍ عال:
- هتخسر إيه تاني بسببها! خسرت مُستقبلك وأبوك بسببها وهتخسرني بسببها.
مط قُتيبة شفتيه و قال بـ برود مُفاجئ:
- لو عندك حل طلعيها، بس أنتِ اللي هتخليني أخسرك مش هي، إبعدي عنها و عني و فكري فـ حاجة أفيد.
إلتقط حاجياته الشخصية و خرج من الغُرفة تتبعه تتساءل بـ غضب:
- رايح فين و سايب البيت!
غمغم بـ قنوط:
- سايبلك البيت و نازل الشُغل جايز تعرفِ تفكري.
- والأكل!
نظر إلى الطعام قبل أن يخرج:
- مش طافح.
أغلق الباب خلفه تاركًا رجاء تُحدق في إثرهِ بـ جمود أسود نابع من ذكريات أكثر سوادًا وسببها هي، إنها أغلال تُقيد عنقه فـ تجعله عاجزًا عن التنفس و هو يسعد بـ ذلك الإختناق.
بينما هبط قُتيبة الدرج يكاد يلتهم طريقه قبل أن يقف أمام البوابة القديمة راكلًا حصوة سببت هروب هرة جعلته يُحدق في هروبها بعيدًا عنه و تذكر هروب كيان منه، بل هروبها منه و منها و من ماضٍ سيجعل من حياتهما بصمة لا تُنسى.
كيان، إنها تعوق كُل تفكير يقوده بعيدًا عنها، يُريدها و بـ شدة إنها مُلكه، له و فقط كما أنها لن تصلح لغيره، لن يدع آخر يسلبها منه حتى و إن إضطر إلى إختطافها بعيدًا و حبسها في قفص حتى تستسلم و تعترف بـ أنها لا تزال تُحبه.
مرض صعب يُشفى منه، و ألم لذيذ يسعد كُلما نبض قلبه به، كُلما لسعه بـ سياط الإشتياق، كُلما أراد أن يراها فـ يجدها تتجسد بـ أحلامهِ فيتنعم بما حرمته منه.
فـ أخبريني بـ ربك كيف أهرب منكِ، و أنتِ هي كُل الطُرق.
رواية أغلال لعنتهُ الفصل الرابع 4 - بقلم اسراء علي
رفعت نظارتها السوداء فوق خصلاتها النحاسية ثم وقفت قليلًا تتأمل المقهى. لم يتغير مذ التقيته به أول مرة، ذلك المكان الذي شهد ولادة عشقهما وشهد أيضًا انفصالهما.
تنهدت بثقل ثم أخذت نفسًا عميقًا وقررت الدلوف بثقة مهتزة. لتُقابلها عدد لا بأس به من الناس في هذا الوقت من الصباح. ثم بحثت بعينيها عنه فوجدته بأحد الطاولات البعيدة عن المدخل.
إبتسمت إيزيل بحنين وهي تُحدق به، جالسًا يدون الملاحظات وخصلاته البنية تُعاند فتقع فيرفعها بأصابعه بملل. ضحكت هي وهمهمت بشجن:
"عِد كام مرة قولتلك تحلق شعرك؟ هو جميل وجذاب بشكل بشع الحقيقة…"
تقدمت تجاه طاولته تقرع بحذائها الأرضية المثقلة حتى وقفت أمامه دون حديث، تترك لعيونها متعة باتت محرمة عليها من النظر إليه وبداخلها رغبة عنيفة في مداعبة خصلاته التي تضايقه وكم هي عشقتها!
بينما هو منهمك بتدوين بعض الملاحظات والحسابات الخاصة بالمقهى، حتى داهمه عطر مألوف يعرفه كما يعرف صاحبته، ممتزجًا بكبريائها وعجرفتها اللامحدودة. وذلك المزيج يكفي لإشعال روحه بذكريات صعب أن تُمحى.
فورًا رفع أنظاره لتمتلئ عيناه برؤياها. وإمتزجت عاطفة الاشتياق بشعور مُريب من النفور يتعجب وجوده من الأساس. ذلك الإحساس الذي جعلهما في لحظة واحدة أن يمزقا كل ما يجمعهما معًا.
قابلته هي بابتسامتها الخلابة، الباردة كعادتها. وبدأت هي الحديث بمزاح رقيق:
"طالما مضايقك إحلقه، سايبه ليه!"
إبتسم عُميّر ومرر يده من بين خصلاته ثم أردف بنبرةٍ عابثة:
"مستحيل، دا عامل جذب خطير للبنات."
غمغمت إيزيل بضيق:
"بلاش مُراهقة يا عُميّر، أنت أب لبنت."
ضحك عُميّر وقال:
"متقلقيش أنا مبتخطاش الحدود، عارف حدودي كويس…"
مال عُميّر تجاهها ثم رمقها بنظرةٍ ذات مغزى وهتف بتلاعب:
"ولا أنتِ لسه بتغيري؟!"
لم تجفل إيزيل ولم تتراجع بل طالعته ببرود صقيعي يثير الغيظ:
"بغير! وهغير ليه! بلاش الثقة دي، أنت مش محور الكون…"
أخفى عُميّر انفعالاته وصمت ينتظرها تكمل. فأكملت بنفاذ صبر وهي تضرب الأرض بحذائها:
"فين أسيل؟"
وضع عُميّر يديه في جيبي بنطاله ثم أردف وهو يشير برأسه إلى غرفةٍ ما:
"نايمة."
إتسعت عيناها وهدرت بتعجب حاد:
"هي مراحتش المدرسة النهاردة!! هي مراحتش النهاردة ليه؟ وليه أصلًا تسيبها هنا!"
لم تدع له مجال ليجيب بل تحركت بخطوات غاضبة إلى الغرفة. قبل أن يلحق بها عُميّر وأمسك ذراعها ثم سحبها إلى ممر جانبي بعيد عن الأعين. وهدر هو هذه المرة بغضب:
"أسكتِ، مترفعيش صوتك هنا تاني يا إيزيل، مش هتبطلي تعملي الحركات دي!"
هتفت هي بوجهه بعناد:
"لأ هرفع صوتي زي ما أنا عاوزة، معتش موجود الرابط اللي كان بيجبرني على إحترامك…"
تحولت خضراوية إلى أخرى خطيرة وهو يرمقها بتلك النظرة النارية. ثم هتف وهو يتقرب منها بخطورة أكبر من خطورة عينيه:
"مش الرابط هو اللي بيخليكِ تحترمي الشخص يا إيزيل، بالعكس أنا بفكر إن دا سببه أخلاقك المعدومة…"
دفعت إيزيل صدره تمنعه عن التقدم أكثر ثم هتفت من بين أسنانها:
"إبعد يا عُميّر و متتخطاش حدودك معايا…"
تجاهل أمرها القوي واقترب أكثر حتى التصق بها. ثم رفع يده وبطرف إصبعه تلاعب بخصلاتها القريبة من عينيها وشفتيها ليهمس وعيناه ترسمان ملامحها بقوة:
"إحنا وصلنا للحال دا إزاي؟ ليه كل ما نتقابل نتخانق!"
ألصق عُميّر جبينه بجبينها فأصبحت أنفاسها المتسارعة مأسورة بأنفاسه. ثم أكمل بذات الهمس:
"جاوبيني، رُدي عليا و قوليلي بعدنا عن بعض ليه!"
عضت إيزيل شفاها السفلى. هي أيضًا لا تدري لم انفصلا، انفصالهما كان غريب وبمواعد أغرب. الجميع يشهد على قصة حبهما الملحمية لذا طلاقهما كان صدمة كبيرة.
أخرجت نفسًا حار لفح وجهه ثم ابتسمت وهمست بحرارة:
"قول أنت يا عُميّر، جاوبني أنت المرة دي!"
********************
توقفت أمام المقهى الخاص بعُميّر وتردد كثيرًا بالدخول. تُريد أن تراه وبشدة. تلك الانتفاضة التي تُصاحبها ما أن تقع عيناها عليه منذ أمس فقط؟ إنها تعيش مراهقتها ولا شيء غير ذلك. تنجذب إلى ذلك الثلاثيني الرائع. عليها أن تتوقف عن المراهقة فهو يكبرها بالكثير.
تنهدت بثقل ثم قررت العودة. ولكن لجسدها رأي آخر إذ أخذتها ساقيها إلى الداخل باستسلام ودون مقاومة تُذكر.
توسعت عيناها بدهشة عندما وجدت نفسها بالداخل لتتوقف بالمنتصف هامسة بصدمة:
"هو أنا بعمل إيه هنا؟ كُنت عاوزة أرجع البيت، فـ ليه واقفة قُدام الكافيه؟"
بحثت عنه بعينيها علها تجده ولكنها لم تفعل. أصابها الإحباط لعدم رؤيته والراحة لأنها لم تره. وحين قررت الالتفات والعودة وجدت نادلًا ما يتحدث ببشاشة وابتسامة لبقة:
"أقدر أساعدك بحاجة يا آنسة؟"
تسمرت حوراء قليلًا أمامه، كان طويلًا يقاربها بالعمر، وسيم إلى حد مذهل بعينين غريبتين بوهج أكثر غرابة. عاود الشاب سؤاله بابتسامة أكثر اتساعًا عن ذي قبل وهو يجدها تحدق به بذهول:
"في حاجة يا آنسة؟"
خرج السؤال من فمها دون إرادة:
"أنت اسمك إيه؟"
خرجت قهقهة صغيرة من بين شفتيه قبل أن يجيبها باحترام:
"نوح، اسمي نوح يا آنسة."
هزت رأسها بتفهم وقالت:
"لايق عليك فعلًا…"
عاود نوح القهقهة وهو ينظر إليها بنظرات مدققة دون أن تكون جارحة ثم هتف بلباقة:
"مُجاملة حلوة من آنسة جميلة زيك."
ردت مندفعة:
"لأ بجد، أنت فعلًا اسمك لايق عليك…"
ضحك نوح بجاذبية غير متعمدة ثم أومأ وكأنه يحدث طفلة:
"تمام وأنا مصدقك، أنتِ كمان جميلة."
تورّدت وجنتيها وردت بخجل:
"مرسيه…"
ساد الصمت ونوح يحدق بها بإستمتاع غريب لم يصحبه بعدما ترك بلده وجاء إلى مصر. والآن يقف أمام تلك الـ.. البسكويتة الهشة لا بجد لها وصف سوى ذلك. قصيرة جدًا أو ربما هو الطويل جدًا ولكن بكلتا الحالتين لا تصل قمة رأسها سوى إلى بداية كتفه.
حمْحَم بصوت يكاد يكون عاليًا ثم تساءل وهو يشير إلى أحد زملائه من أجل خدمة الزبائن:
"لحد دلوقتي أنا معرفش الآنسة عاوزة إيه!"
تفاجئت بعبارته وقطبت جبينها تعاود تفسير السؤال ثم أجابت:
"كُنت عاوزة أشوف الأُستاذ عُميّر، هو فين أنا مش لاقياه؟"
أشار إلى ممر وأردف:
"شوفته دخل الطُرقة اللي هناك دي."
أومأت قائلة:
"مرسيه، تاني…"
كادت أن تتجه إلى حيث أشار ولكن يد نوح أوقفتها ثم تساءل بفضول:
"بس هو سؤال، أنتِ مين؟!"
نظرت حوراء إلى يده ثم إلى عينيه ذي الألوان الغريبة وأجابت بتفاجؤ:
"أنا حوراء…"
تفاجئ هو الآخر بإجابتها البسيطة ولكنه ابتسم بهدوء وأكمل:
"اسم جميل جدًا ولايق عليكِ، بس أنا بسألك عن صلتك بالأُستاذ عُميّر لأنه مش مسموح لحد من زوار الكافيه يتحركوا بحرية."
إستدركت قائلة:
"معاك حق، أنا صاحبة أخته وكُنت عاوزاه في موضوع خاص…"
ما هذا الذي تهذي به؟ هي لا تريد شيئًا سوى أن تراه. ولكن ما الذي يجبرها على وضع نفسها بهذا الموقف المحرج؟ بالتأكيد ذلك الشاب يظن بها ظن سيء. إلا أنه لدهشتها أتاها صوته جادًا:
"آسف مكنتش أعرف، تحبِ أوصلك؟"
نفت سريعًا وبتلعثم:
"لأ لأ، أنا هقدر أروح لوحدي…"
أومأ نوح وابتعد عن طريقها لتبتسم حوراء إليه ابتسامة حلوة ثم رحلت. إلا أنها توقفت واستدارت إليه تشكره بابتسامة ونبرتها الرقيقة:
"شكرًا يا نوح…"
ثم استدارت راكضة إلى الممر. بينما وقف نوح بمكانه متسع العينين، فاغر الفم. بينما قلبه ينبض بغرابة وكأنه يتعجب صاحبه. ليضحك وهو يحك مؤخرة رأسه ثم همس بنبرة آسفة بلغته الأم:
"يا ويل نوح من تلك الابتسامة الشقية، متى سأراك مجددًا يا بسكويتة!!"
********************
أغلق الباب خلفه بهدوء ودلف إلى الداخل ثم إلى الممر المؤدي إلى غرفته. قبل أن يوقفه صوت والدته الهادر:
"إفتكرت إن ليك بيت ترجعه! بعد أما مشيت وأنا بتكلم ولا عملت إحترام لأُمك."
رمقه قُتيبة بنظرة يائسة بسخط رغم ما فعلته صباحًا. قبل أن يعود إليها ويُقبل رأسها رادفًا بفتور:
"إزيك يا حاجة رجاء؟ مشوفتكيش بعد أما نكدتِ عليا من كام ساعة…"
أخرجت والدته صوتًا مستنكرًا من بين شفتيها ثم قالت وهي تدير رأسها بعيدًا عنه:
"كويسة يا حبيبي، كويسة، ويا رب كلامي يكون جاب نتيجة…"
نفخ قُتيبة بنفاذ صبر ثم استقام هاتفًا وهو يبتعد عنها:
"أنا داخل أريح ساعة قبل ما أنزل الشغل تاني."
"مش هتاكل؟!"
أجاب بهدوء:
"مليش نفس، إتسدّت من الصبح…"
لم يسمع همهمتها المعترضة ليُكمل طريقه إلى الداخل. قبل أن يقصف صوتها من خلفه بحقد لم تستطع التغلب عليه حتى بعد مرور تلك السنوات:
"سمعت إن البت الـ *** رجعت، مقولتش يعني…"
إستدار إليها قُتيبة سريعًا بملامح خطيرة ليعود بخطى بطيئة ثم سأل بفحيح وهو يحدق بها بنظرة قاتلة:
"أنتِ قولتي على مين *****؟!"
رفعت حاجبها دون أن تتأثر بملامحه الخطيرة أو نظرته التي كادت أن تُرديها حية. ثم أردفت بنبرةٍ مستحقرة:
"ومين غيرها اللي قتلت أبوك بنت الـ..؟!"
رفع قُتيبة إصبعه محذرًا ثم دنى منها وهدر بصوت مكتوم:
"بنت الـ..؟ اسمها كيان، وأنصحك إنك تبدأي تتقبليها عشان هتكون مراتي قريب جدًا…"
إتسعت عيناها بجنون ثم صرخت بحدة وهي تضرب ذراع الأريكة:
"الكلام دا مش هيحصل إلا على جُثتي يا قُتيبة، فاهم؟!"
رفع قُتيبة كتفاه ثم رد ببساطة:
"ربنا يطول في عُمرك يا أُمي، بس حابب أعرفك إني هتجوزها سواء رضيتِ ولأ مرتضيش."
ردت بعدم تصديق:
"بتتحداني يا قُتيبة؟!"
مط شفتاه وقال بسخرية:
"معاذ الله يا ست رجاء، أنا بقولك أنا هعمل إيه، مش طالب منك تحبيها، أنا طالب منك تقبليها، وتقبلي وجودها الحتمي في حياتي…"
دفعته رجاء بيديه ثم نهضت بجسدها الضعيف تواجه جسده الضخم لتهدر بصوت قاسٍ:
"قسمًا بالله لو عملتها يا قُتيبة لهخليها تكره اليوم اللي دخلت فيه البيت دا."
وضع يداه في جيبي بنطاله وهتف بهدوء:
"ساعتها أنا اللي هقفلك…"
نظرت إليه مصعوقة إلا أنها لم تفقد نبرتها القاسية وهي تقف في مواجهته:
"سرها إيه البت دي؟ ماسكة عليك إيه مخلياك كدا! فيها إيه مخليك متمسك بيها كدا؟ مش هي دي اللي قتلت آآآ…"
ضربة قوية على الجدار حتى أنها تسببت بتساقط الطلاء جعلتها تصمت. ثم هدر بصوت جامد ولكنه مرعب يُقر واقع:
"مش هي اللي قتلته، أنا اللي قتلته وأنتِ عارفة دا كويس أكتر من أي حد، زي ما كنتِ عارفة إنها كانت مسألة وقت مش أكتر…"
كانت تنظر إليه بذهول ورعب لتلك النظرة المُميتة بعينه. ولكنها تعلم تمام العلم أنه هو من فعلها. إلا أنها ترفض الاعتراف بل صرخت بجنون:
"هي اللي غوته، وهي اللي غوتك عشان تتحمل ذنبها، وتاخد العقاب بدالها…"
ضحك قُتيبة بقساوة رغم انخفاض صوته إلا أنها كانت هادرة لأذنيها. ثم أردف بصوت صخري:
"بسببها كان زماني لسه مرمي في السجن مستني حكم الإعدام. أنا واقف قدامك بكلمك دلوقتي بسببها، عشان كدا بطلي كرهك وحقدك عليها اللي مالوش لازمة."
هتفت باهتزاز:
"هي آآآآ…"
يعلم جيدًا ما ستتفوه به ليصمتها بإشارة من يده. وأكمل بنبرة متبلدة:
"أنتِ عارفة إنه *** وهي ملهاش ذنب، أنتِ عارفة إنه شيطان وبسببه أنتِ في الحالة دي، شبح ست ولحد دلوقتي بسببه…"
رفع قُتيبة كفها وقبّله بهدوء ثم أردف بابتسامة ساخرة:
"عشان كدا احمدي ربنا إنه غار في داهية ومات، وأنها شهدت زور…"
ثم تركها ورحل عائدًا إلى غرفته تاركًا إياها تعاني من ذلك الشعور الحارق الذي يكوي صدرها. وقد داهمها ألم بمنتصف ظهرها، ألم جسدي ونفسي لم يستطع الزمان مداواته.
********************
تحركت إلى الممر الذي أشار إليه نوح تعض على أناملها توترًا. لمَ أتت إلى هنا من الأساس؟ زفرت بإحباط وقنوط ثم توقفت في مقدمة الممر الشبه مظلم وحدقت بذهول إلى الجسدين المتقاربين وعلى وشك تقبيل بعضهما البعض. لتتسع عينيها إلى ذلك المشهد الذي لا تراه سوى بالتلفاز. فسقط الهاتف من يديها مُحدثًا دويًا عالٍ في ذلك الصمت.
التفت إليها زوجين من الأعين ينظران إليها ما بين الدهشة والإرتباك. لتُغمغم حوراء بارتباك وهي ترف بجفنيها بخجل:
"آآ آسفة مكنتش أعرف إنكوا آآ، إنكوا في وقت خاص، وإني جيت في وقت غلط، آسفة…"
جثت سريعًا تلتقط هاتفها وإلتفتت تهرب. إلا أن صوت خطوات عُميّر ونبرته أوقفاها وهو يردف بشيءٍ من الهدوء:
"تعالي يا حوراء، مفيش حاجة خاصة بتحصل هنا…"
أشار إلى إيزيل التي ترفع حاجبها بصلف تخفي خلفه ارتباك أن يتم التقاطها في مثل ذلك الموقف. ثم هتف بلباقة:
"حوراء دي إيزيل والدة أسيل."
فغرت فمها بذهول وردت دون تفكير:
"طليقتك!!"
صُدم عُميّر قليلًا لرد حوراء وقبل أن يرد سبقته إيزيل بنبرتها المتعجرفة وهي تحدق بحوراء بازدراء طفيف:
"أيوة يا روحي طليقته، الموضوع دا مزعلك في حاجة!"
رفت حوراء بجفنيها وأجابت:
"لا أبدًا مش قصدي، آسفة…"
قيمتها إيزيل بنظرة متحفظة لا تخلو من العجرفة المعتادة ثم أردفت:
"مفيش مشكلة يا حبيبتي، بس خلي بالك من لسانك بيقول إيه، فـ في كتير من الأوقات بيحطنا في مواقف محرجة نوعًا ما…"
ربتت إيزيل على كتفها وهي تتحرك جوارها. بينما عُميّر كان يقف وهو يضع يده على وجهه يتحاشى الموقف كله:
"أنا جاية بكرة يا عُميّر عشان آخد أسيل، بعد إذنكوا لازم أمشي…"
أمسكت إيزيل نظارتها الشمسية ونزعتها لتُمسك بها، حادقة حوراء بنظرة متعالية ورحلت. أما هو وضع يده على فمه ينظر إلى تلك الراحلة بتسلية. ثم عاود النظر إلى الواقفة بذهول وأردف:
"نورتِ المكان يا حوراء…"
نظرت إليه حوراء مجفلة ثم هتفت وهي تضم الهاتف إلى صدرها بتوتر وتلعثم:
"والله العظيم مكنتش أعرف إنكوا مع بعض."
ضحك عُميّر وقال:
"خلاص يا حوراء، الحقيقة كويس إنك جيتِ، لولاكِ كنت عملت عملة غبية…"
لم تغفل عن نظرته الشاردة بمكان وقوفه مع إيزيل. فتساءلت دون تفكير كعادتها:
"لسه بتحبها؟"
لم يجفل عُميّر لسؤالها بل أجاب وهو ينظر إلى عينيها البريئتين:
"معرفش، ساعات بتجيلي أوقات وأبقى عاوز أروحلها وأرجعها ليا حتى لو كان غصب عنها."
"ودا معناه إنك لسه بتحبها."
رفع كتفاه وقال بقلة حيلة:
"يمكن…"
نظرت إليه حوراء بغرابة. ليتنهد هو بحرارة ثم تساءل وهو يعيد خصلاته إلى الخلف:
"تمام، فيه بقى مشكلة؟"
نفت سريعًا بتردد:
"لأ خالص، حبيت أعدي على الكافيه و آآآ…"
عضت لسانها وهي لا تقدر على المتابعة. ليخفض عُميّر رأسه إليها ويحثها على المتابعة بابتسامة:
"وإيه؟"
همست وهي على وشك البكاء خجلًا:
"ولا أي حاجة، أنا عاوزة أروح…"
قهقه عُميّر وأومأ موافقًا حتى لا يسبب لها الخجل أكثر:
"طيب يلا نروح…"
رفعت يدها إليه تمنعه عن القدوم معها ثم قالت بتلعثم:
"لـ لأ خليك، هعرف أروح البيت لوحدي…"
تبسم عُميّر بتعاطف معها ثم وضع يده على ظهرها ودفعها برفق رادفًا:
"أنا كُنت عاوز أرجع البيت عمومًا، فيه حاجة مهمة نسيتها…"
أردفت بخجل وانتفضت مبتعدة عن يده التي على ظهرها. ليتفهم هو وتراجع خطوتين يسمح لها بالتحرك. أما هي لم تكن تهربل بل تركض حرفيًا. فابتسم بتسلية وتبعها.
********************
طرق عُبيدة الباب ودلف ليجد وقاص يتحدث بالهاتف. فأشار إليه هاتفًا بهمس:
"هاجي تاني لما تخلص…"
إلا أن وقاص أشار إليه ليدخل. فدلف بصمت وانتظر حتى يُنهي صديقه الحديث:
"يا سيد هيثم يشرفني طبعًا الشغل معاك…"
تلاعب وقاص أمامه بملف به بعض الأوراق يستمع إلى رد الآخر. ثم أردف هو بابتسامة جدية:
"تمام هكلمك في وقت تاني النهارده، وهبلغك بالتفاصيل بعد أما أناقش مع شريكي."
أتاه صوت الآخر:
"هستناك طبعًا يا وقاص باشا، هيكون تعاون مربح لينا إحنا الاثنين أكيد."
إتسعت ابتسامة وقاص الخبيثة:
"بأكيد، وهيكون مربح بشكل خاص ليا…"
همهم بإنهاء المكالمة ثم قذف الهاتف بإهمال لينظر إليه عُبيدة رافعًا حاجبه بتعجب وهتف بعدم تصديق:
"مش دا هيثم اللي بتكرهه أوي! ودلوقتي هتشاركه؟"
أدار وقاص قلم رصاص وقال بنبرةٍ مبهمة:
"عنده حاجة تخصني."
قطب عُبيدة جبينه وتساءل:
"عنده إيه يخصك؟"
قذف وقاص ملفًا ما ليلتقطه عُبيدة وبدأ يقرأه بتدقيق. لتتسع عيناه مع كل كلمة ثم هتف وهو يغلق الملف بهدوء عكس الصدمة البادية على ملامحه:
"يعني دا اللي كُنت ناوي أصلًا."
"وهيكون إيه غيره؟"
خرجت نبرة عُبيدة حائرة:
"أنا معتش فاهمم يا وقاص، قبل دا جبت المتكبرة دي عشان تكون المدير المالي الجديد من شوية ودلوقتي عاوز تشارك هيثم! هيثم ابن أمه دا؟"
تذكر عُبيدة لقاءه الكارثي مع تلك المتجبرفة والتي أثارت غضبه بشدة. لم يصدق حينما أخبروه أن المدير المالي الجديد قد وصل صباح اليوم بل والأنكى أنها سيدة.
شعور مؤلم من الإحباط والخذلان حاصره. ولكن الأكثر كان الغضب، الغضب لأن تأخذ مكانه سيدة. ليتجه إلى المساعدة الشخصية لوقاص وطلب منها بيانات المدير الجديد.
قرأه بذهول وهو يحدق بكل معلومة تزيد من غيظه. ثم تمتم بصوت حاقد:
"مشتغلتش في أي شركة ولا عندها خبرة وتقوم تحطها المدير المالي؟"
تنفس بغضب وسرعة وعاود يقرأ الاسم مجددًا والذي لم يكن سوى أحد أقرباء وقاص والذي يعلمهم جميعًا. ليُغمغم بغضب حارق:
"عاوز توصل لإيه يا وقاص؟"
جعد عُبيدة الملف وقذفه أسفل قدمه يدهسه بقوة. ثم خطى باتجاه المكتب.
بينما إيزيل بمكتبها تتطلع حولها بابتسامة ساخرة. حقها المسلوب من أعمامها يعود إليها من ابن خالها. يا لسخرية القدر.
التقطت اسمها وحدقت به بشيءٍ من البلادة ثم هتفت بسخرية:
"أنت طيب أوي يا وقاص، مرتضيش باللي عمامي عملوه وعوضتني أنت…"
عادت تضع اسمها فوق المكتب. قبل أن تنتفع زوبعة تدفع الباب بقوة كادت أن تحطمه. ثم صوت خطوات غاضبة تقترب ويدين رجولية تضرب بقسوة على المكتب.
رفعت وجهها بصلف وتمهل بعدما تأملت اليدين الخشنتين اللتين حطتا بوقاحة على مكتبها تضربه بعنف. قبل أن تقول بتمهل بارد:
"مفتكرش إني سمحت إنك تدخل…"
اقترب عُبيدة منها وعلى ملامحه نذير شر ثم أردف بنبرةٍ عنيفة:
"ودا لأني مخبطتش من أساسه."
مطت شفتيها ببساطة وقالت:
"ودّي بيسموها وقاحة…"
قبض عُبيدة يده ثم هدر وهو يلقي بالقطعة الرخامية المدون عليها اسمها المغرور كشخصيتها تمامًا:
"اسمعِ يا هانم، المنصب دا أنا أحق بيه منك."
ردت عليه دون أن تجفل:
"بالعكس أنت مكنتش تستحقه…"
إتسعت عيناه بشراسة لوقاحة ردها المتعجرف قبل أن يقول بتهكم:
"ومن الواضح برضه إنك متستحقهوش أنتِ كمان يا مدام إيزيل…"
أمسكت مقلم أظارفها وراحت تعبث به قبل أن تسأله بابتسامة باردة كالجليد وهي تتأرجح بمقعدها:
"وأنت عرفت منين؟ دا أول يوم شغل ليا…"
إعتدل بوقفته ووضع يديه في جيبي بنطاله ثم هتف بخبث وهو يرمق خصلاتها النحاسية:
"دا لأني عارف إن وقاص بنفسه هو اللي وصى بيكِ مش شطارة منك، خاصةً إني هشتغل مع واحدة نرجسية زيك."
ردت مصححة:
"عندي…"
قطب جبينه وتساءل:
"نعم؟"
رفعت عيناها العسليتين ببطء ثم اتكأت بمرفقها فوق المكتب وراحة يدها راحت تدعم وجنتها الناعمة. ثم ابتسمت بلطف بارد وهي تقول:
"أنت هنشتغل عند…"
إنتفخت أوداجه غيظًا وتجمعت الشعيرات الحمراء حول حدقيته الزرقاوين. إلا أنه هدأ نفسه وأردف بابتسامة تماثل برودة ابتسامتها:
"أنتِ وقحة."
أومأت برأسها وهي لا تزال على وضعيتها وقالت:
"عارفة…"
إنها تشبه دمية الباربي ولكنها باردة ومقيتة. كان يكرهها مذ أن علم أنها ستصبح مديرة المالية الجديدة بل ورئيسه بالعمل. والآن بعد أن حظي بشرف مقابلتها أصبح يمقتها.
إنحنى عُبيدة يلتقط اسمها ثم وضعه بأناقة فوق مكتبها تحت أنظار إيزيل الهزلية. ثم قال وهو يبتسم ابتسامة قاتلة:
"هرميكِ برة الشركة دي قريب، لأن المكتب دا حقي يا معدومة الروح…"
إستدار عنها يرمقها بنظرات تحقيرية نجحت في إغاظتها. ثم رحل وهو يصفق الباب بعنف لتهدر هي من خلفه:
"يا وقح يا قليل الأدب، أنا هدفعك التمن…"
عاد عُبيدة من شروده وأردف بهدوء لا يملكه بعد ذلك اللقاء العنيف مع تلك الباربي:
"مش هتناقشك كتير يا وقاص لأن حقيقي بقيت بتعمل حاجات ملهاش تفسير."
إبتسم وقاص ثم قال وهو يمد يده بورقة:
"زي عملتي د مثلًا!"
تناول منه عُبيدة الورقة وحدق بها بأعين على وشك الاستدارة وبشرة اختفى لونها. قبل أن يصرخ وهو يضرب بالورقة فوق سطح المكتب:
"اللي بتعمله دا اسمه جنان…"
********************
في مساء اليوم التالي.
الجميع يجلس بغرفة الاستقبال يتحدثون بجميع الأمور. بينما كيان تجلس بمكانٍ بعيد نسبيًا عن رشاد ووالدته والتي أظهرت حبور كبير برؤيتها تفكر فيما تفعله.
ظهور قُتيبة السريع بعد عودتها أثقل كاهلها واضطربت جميع حواسها وقراراتها. والآن تعترف أنها على وشك ارتكاب جريمة شنيعة بحق نفسها وبحق رشاد وأخيرًا بذلك الذي ملك قلبها.
إنتفضت مجفلة على صوت والدة رشاد وهي تبتسم:
"روحتِ فين يا عروسة؟"
إبتسمت كيان بمجاملة وأردفت:
"مروحتش في حتة، بس سرحت شوية."
تولت جدتها الحديث:
"يظهر إنها بتفكر في رشاد ابننا، شاب ما شاء الله عليه مكنتش متوقعة يكون بالجمال والأخلاق دي…"
إبتسم رشاد ثم نظر إلى كيان التي تقابلت نظراتها معه. وفي تلك اللحظة أيقنت أنها لن تقدر على المضي قدمًا بذلك الزواج. ولكن بالوقت ذاته تريد التخلص من لعنته القاتلة.
أما حوراء كانت جالسة جوار كيان ولكنها أمسكت هاتفها وأرسلت رسالة على تطبيق رسائل "الواتس آب" إلى قُتيبة:
"إلحق عروستك، رشاد سرق قلب جدتها وشكلهم هيوافقوا."
وأتبعت عبارتها وجه تعبيري يدل على الفزع. ثوان قليلة مرت وهي تجد الرسالة قد تم قراءتها ثم ظهر أنه يكتب. لحظات ووصلها رده:
"إياكِ تسيبهم يتكلموا مع بعض، أنا جايلك حالًا."
أرسلت هي وجه تعبيري غامز يدل على أنها ستعتمد خطة تمنع خلوتهما معً.
لم تكد تمر دقائق والحديث قد بدأ يتجه إلى الجدية والذي يخص أمور الخطبة وغيره. فوضعت حوراء يدها على صدرها تهمس بفزع:
"أنت فين يا قُتيبة حبيبتك هتتسرق منك قدام عينيك…"
لم تكد تُنهي عبارتها حتى سمعوا فجأة صوت طرقات عنيف على الباب. لتنتفض هي بفزع. لقد أتى، كانت تعلم أنه سيأتي ولكن ليس بتلك السرعة، ليس اليوم على التحديد.
نهض شقيقها وعلى وجهه إمارات الغضب والضيق. يبدو أنه هو الآخر يعلم هوية الطارق. إلا أن صوت الجدة أوقفته وهي تقول بابتسامة:
"خليك أنت يا عُميّر، سيب بنت خالتك تشوف مين الضيف الرذل دا…"
نهضت الفتاة الصغيرة وفتحت الباب لتشهق بصدمة وهي ترى ذلك الحائط البشري يقف أمامها بعضلاته المتحفزة وملامحه المتجهمة بغضب مُريب. ولكن الفتاة تشجعت وقالت بتردد:
"آسفة، مش هنعرف نستضيفك، دي مُناسبة عائلية."
إبتسم بريبة:
"منا هنا عشان كدا…"
أبعدها بخفة ودلف ببرود جمد الدماء بعروقها. كانت عيناه الصقريتين تأسر خاصتها في تواصل بدا أبدي بالنسبة لها.
إزدردت لعابها بتوتر بليغ حتى أصدر صوتًا وهي تنفي برأسها كي يبتعد. ولكن ابتسامته كانت تتسع شيئًا فشيئًا حتى وصل وجلس جوارها ثم هتف بنبرةٍ خبيثة وهو ينظر إلى الضيف:
"إيه دا معقول أختي هتتخطب من غير أما أتعزم! لأ زعلت يا كيان…"
أردفت الوالدة بحسن نية وهي تدقق مليًا في هيئته الضخمة بهمجية تليق بتلك الحارات القديمة:
"بجد؟! كيان مقالتش إن ليها أخ تاني!"
نظر إليها لتنتفض بخوف. ثم عاود النظر إلى السيدة البسيطة أمامه وأردف بجمود:
"شكل كيان بتنسى كتير الأيام دي، مدة بعدها عن بيتها هنا خلاها تنسى أخوها الروحي…"
تنفست كيان بسرعة قبل أن تنهض قائلة بتلعثم:
"أنا حاسة إني داخت، هروح الحمام، عن إذنكوا…"
إختفت كيان بداخل الممر المؤدي إلى المرحاض لتضع يدها فوق المقبض. وقبل أن تحركها كانت يد غليظة تمنع خاصتها من فتح الباب وصوتًا هامس جوار أذنها يهمس بمكر:
"بنتي حبيبتي غلطت، لازم تتعاقب صح و لا إيه؟"
لا وقت للخوف عليها مواجهته والآن. لذلك استدارت بقوة تداركها بابتسامة لعوبة. ثم هدرت كيان بغيظ:
"أُستاذ قُتيبة أنا مش بنتك، مكنتش خلفتني و نستني…"
إتسعت ابتسامته الشريرة وهو يقترب أكثر ثم هتف بنبرةٍ هادئة ولكنها عميقة وهو يتلاعب بخصلاتها الناعمة:
"هي صحيح أمك اللي خلفتك الله يرحمها، بس أنا…"
صمت عن قصد ليودع جبينها قبلة تحمل مشاعر أبوية أكثر منها حميمية. ثم أكمل بصوت هامس:
"أنا اللي ربيتك، فـ مش من حق حد ياخدك مني من غير إذني، اللي مش هتطوليه في حياتك يا كياني…"
إنه محق هو من قام بتربيتها ولا يحق لأحد أخذها منه. حتى هي غير مسموح لها. على الرغم من راحتها لتواجده إلا أن ذلك الجزء النافر والكاره له تغلب عليها لتردف بعدائية:
"إمشي أنت ملكش مكان هنا، هتخطب لحد غيرك و هكون لحد غيرك، وهقول كمان بحبك لغيرك يا قُتيبة…"
لم يسمح لها لتكمل بل كمم شفتيها الطرية ثم هتف بتهديد مخيف على الرغم من نعومة نبرته:
"همحي شفايفك اللي مدوقتش طعم النوم بسببهم لمدة طويلة قبل ما حد يلمسهم، هما حقي…"
ضغط بيده فوق شفتيها ودنى بخطورة دون أن يلمسها حقًا. ثم هسهس بحرارة:
"زي التُفاحة المُحرمة بالظبط، قُدامي ومش عارف ألمسك، فـ قوليلي كدا إزاي هسمح لحد غيري ياخدهم وياخدك مني…"
تنفست بسرعة وأنفاسها الساخنة تضرب كفه. فتنقبض على شفتيها يتحكم في تلك الوحوش الجائعة والتي تريد أن تنقض عليها وتدمغها باسمك.
إلتفتا على صوت حمحمة أنثوية رقيقة. فوجدا حوراء تقف على مسافة وقالت بتردد:
"قُتيبة أنت لازم تمشي حالًا، عُميّر غير قابل لسيطرة عليه وممكن يجي هنا، جدته هي اللي منعاه يجي هنا عشان متحصلش فضيحة قدام الضيوف…"
رفع قُتيبة حاجبه ثم أردف وهو يحدق بحوراء وبثوبها الأزرق اللامع وكأنها تأنقت هي الأخرى استقبالًا لذلك السمج بالخارج:
"مش دي اسمها خيانة برضو؟ إتشيكتِ أنتِ كمان! هو مش أحنا في نفس الفريق؟!"
تطلعت حوراء إلى كيان التي تناظرها بذهول بتوتر. ثم أردفت بتلعثم بعدما أيقنت أن كيان علمت ما خططا له:
"آآآ، دا اسمه تمويه يا أُستاذ قُتيبة…"
قهقه قُتيبة بصوت عميق ثم أكمل تحديقه بها وقال بتلاعب:
"بس لايق عليكِ يا بسكوتة."
تمتمت حوراء بخجل:
"مرسيه…"
إتسعت عيني كيان بذهول قوي وهي ترى حديثهما الحميمي وتباسطهما معًا بل وثناءه على ثوبها وتحديقه المدقق بها. مما أثار غضب كيان فدفعته بصدره هادرة بصوت حاد:
"كفاية عن نظراتك اللي بتعريها دي."
غمزها بعبث ثم أردف بنبرة ماكرة:
"نظراتي مبتعريش غيرك يا حبيبتي…"
صمت بـ خجل وهي لا تجد ما ترد به. فدنى قُتيبة وهمس بصوت أجش:
"ياريت أعرف أخزق عينه الـ… اللي شافك وشاف حقي، اللي هاخده منك في بيتي…"
إبتعد عنها وحدق بملامحها المشدوهة وعيناها المهتزة بعدم تركيز. فابتسم لتأثيره الذي لا يزال فعال عليها:
"أُقسم بالله دي نهايتك يا ***…"
صرخت حوراء وهي ترى عُميّر قادم بملامح قاتمة. ملامح لم ترها من قبل ويمسك بيده سكين وهو ينوي قتل قُتيبة. لقد رأت رغبته بعينيه. اليوم أيقنت أن هناك دماء ستُراق.
رواية أغلال لعنتهُ الفصل الخامس 5 - بقلم اسراء علي
إلتفت إليه قُتيبة بـ تكاسل ثم نظر إلى السكين بـ يدهِ و إبتسم قائلًا:
- إيه التطور الرهيب دا! صاحب الكافيه الراقي المُحترم ماسك سكينة لـ *** زيي!
تقدم عُميّر منه وهدر بـ صوتٍ ساحق:
- هقتلك يا عديم الشرف…
رفع عُميّر السكين إلى أقصى إرتفاع مُتجاهلًا صُراخ كيان وهَمّ أن يطعن قُتيبة إلا أن حوراء إعترضت طريقه صارخة بـ فزع:
- بلاش يا أُستاذ عُميّر كدا غلط و جنان
حدق بها بـ أعين قاتلة ثم هسهس بـ فحيح:
- إبعدي عن طريقي وإلا أُقسم بالله هقتلك معاه…
إتسعت عيني حوراء بـ رهبة وعدم تصديق ولكنها لم تتحرك من مكانها، وقبل أن يُعيد حديثه صوت ضربة قوية على الأرض و صوت رجولي ضعيف يهدر بـ عنفوان بما يسمح له سنه:
- إحترم نفسك يا عُميّر، إحنا مبنمسكش سكاكين لضيوفنا…
ثم حدق ذلك الكهل بـ قُتيبة الذي إعتدل بـ وقفتهِ وبادله التحديق فـ أكمل بـ إزداء:
- حتى لو كان حقير، أو قذر زي اللي واقف وراك…
أخفض عُميّر السكين لتتنفس حوراء و كيان الصعداء ثم غمغم بـ صوتٍ قاس:
- حاضر يا جدي…
صوت ضحكة إنفلتت من بين شفتي قُتيبة لتلتفت إليه كيان بـ جنون صارخة بـ حدة:
- يا غبي بتضحك على إيه! يلا إمشي من هنا…
لم يلتفت إليها قُتيبة بل أكمل تحديقه بـ الرجل ثم أردف ساخرًا:
- الدُنيا دي عجيبة، الراجل اللي رباني هو اللي ناداني بـ الحقير، و القذر…
تحفز عُميّر لضربه ولكن نظرة واحدة من جدهِ أسكتته ليُكمل قُتيبة وهو يتوجه إليه مُتخطيًا الجميع بـ نبرةٍ صخرية، لا حياة بها:
- رغم أنه عارف نوع القرف اللي تربيت فيه و رغم ده مطلعتش زيه…
إبتلع الرجل ريقه والذي بدا مُر كـ العلقم فـ قُتيبة مُحق و لِمَ لا وهو من كان يُحاول إنتشاله من تلك القذارة:
- أُقسم بالله هيجي يوم و أقتله
هتف جده بـ صوتٍ مُنهك:
- بس يا عُميّر كفاية، كفاية إنه يبعد عن حياتنا مش عاوزين أكتر من كدا
جأر عُميّر بـ إعتراض:
- بس آآآ
قاطعه جده قائلًا بـ نبرةٍ باترة:
- قُلت كفاية، دلوقتي لازم نفكر فـ عُذر نقوله للناس اللي مشت دي…
حكت كيان جبينها بـ إعياء وقالت بـ فتور:
- مفيش مُشكلة يا جدو، هحاول أفكر فـ خل …
أومأ السيد حلمي و رحل بينما ظل ثلاثتهم واقفين بـ الممر قبل أن يستدير عُميّر بـ أعين نارية يُحدق بـ حوراء وهمس بـ صوتٍ مُرعب:
- و دلوقتي يا آنسة حوراء، الكلب دا يعرفك منين و إزاي!
تراجعت حوراء بـ رُعب وهي تُحدق حولها علها تجد مخرج ولكن عُميّر كان قد حاصرها فـ هتفت كيان بـ قوة:
- إبعد عنها يا عُميّر ملكش دعوة بيها…
إلا أنه كان كـ الأصم لم يستمع لها بل كانت عيناه مُثبتة على حوراء والتي أردفت وهي تُمسك طرفي ثوبها:
- هددني لما روحت الصيدلية أجيب الدوا بتاعي، ثم إني مكنتش أعرف إنه هيعمل حاجة مجنونة زي دي
صر على أسنانهِ وأردف بـ صوتٍ مكتوم:
- و ليه مقولتليش يا غبية!
أخفضت رأسها لتدلى خُصلاتهِا مُخفية تعبيراتها الواجمة فـ تدخلت كيان ساحبة حوراء خلفها ثم قالت بـ قوة:
- كفاية يا عُميّر، هي ملهاش ذنب، و يلا حُط السكينة دي مكانها بلاش شُغل شوارع فـ البيت…
رمق عُميّر حوراء بـ نظرةٍ أخيرة قبل أن يستدير و يرحل، بينما كيان تنهدت وقالت بـ عتاب:
- أنا معرفش أنتِ عملتِ كدا ليه، بس أنا مش هعرف أعمل حاجة أصلح بيها اللي حصل
همهمت حوراء بـ كئابة:
- آسفة…
أحست كيان بـ الذنب لتبتسم رُغمًا عنها ثم قالت وهي تربت على ذراعها:
- متعتذريش حبيبتي، دي مشاكل ملكيش دعوة بيها…
أومأت بـ تفهم لتضع كيان يدها على كتفها ثم أرشدتها إلى غُرفتها وقالت:
- تعالي هتنامي معايا النهاردة فـ الأوضة…
***
تفاجئ بـ تلك اليد التي أغلقت باب السيارة قبل أن يصعدها فـ إلتفت ليجد ذلك الجسد الضخم يقف مُحاصرًا إياه، رفع بصره ليجد قُتيبة وعيناه القاتمة تنظر إليه بـ عُنف مُقِلق ثم تساءل بـ غرابة:
- أفندم! فيه مُشكلة يا أُستاذ ؟
وضع قُتيبة يديه بـ خصره دافعًا بـ سُترته الثقيلة إلى الخلف و حدق به مُطولًا دون أن يُجيب فـ تعجبت والدة رشاد إلا أنه أجاب بـ النهاية بـ هدوء مُخيف:
- أه و كبيرة كمان، متجيش هنا تاني
رفع رشاد حاجبه وتعجب قائلًا:
- نعم!!
ربت قُتيبة على صدرهِ ثم عدّل ياقة سُترته و هتف بـ إبتسامة سمجة:
- اللي سمعته يا حبيب أُمك، مش عايز أشوف خلقتك دي هنا تاني…
إرتفع حاجب رشاد الآخر وأردف بـ نبرةٍ قوية:
- و أنت بقى مين عشان تأمرني مجيش؟
أجاب قُتيبة بـ بساطة:
- مش حد مُهم، بس دي نصيحة أخوية، أصلي خايف رجلك تتكسر و متعرفش تمشي عليها تاني
كشر رشاد عن أنيابهِ وهدر بـ حدة:
- أنت بتهددني؟
قهقه قُتيبة وهو يضم قبضته أمام فمهِ ثم هتف بـ مُزاحٍ قاتم:
- معاذ الله يا أُستاذ، دي نصيحة أخوية مش أكتر، متخدهاش على صدرك أوي كدا…
تقدمت والدة رشاد من قُتيبة ثم سحبت إبنها بعيدًا عنه وهدرت موجه حديثها إلى الأول:
- اسمع يا بلطجي أنت، إحنا عدينا دخولك البيت من غير إستئذان، بس إنك تهدد إبني! أهو دا اللي مش هعديه
رد قُتيبة بـ دهشة:
- من غير إستئذان! إزاي بس و أنا خبطت الباب و فتحتلي أمورة صغيرة كدا؟
كتم رشاد غضبه فـ أكمل قُتيبة حديثه وهو يلوح لهما مُبتعدًا:
- و أنصحك تاخد تاكسي، أصل عيال المنطقة أشقية أوي و بيحبوا يفرقعوا كوتشات أي عربية غريبة، شقاوة عيال بقى…
فغرت والدة رشاد فمِها بـ إنشداه ثم نظرت إلى الإطارات المُفرغة و هتفت بـ عدم تصديق:
- الراجل دا يا مجنون يا مجنون، ما هو مفيش حد طبيعي يعمل كدا…
بينما رشاد كانت عيناه مُثبتة على ظهر قُتيبة بـ جمود ثم غمغم بـ شك:
- أكتر من أخ ها؟ تمام يا كيان بينا كلام طويل…
***
- عُبيدة، مُديرك وقاص بره مستنيك فـ الصالون…
ذم عُبيدة شفتيه بـ عدم رضا لكلمات والدته التي إلقتها الآن، كيف له أن يأتي عقب ما حدث أمس صباحًا بـ الشركةضرب على فخذهِ بـ غيظ ثم نهض بـ تكاسل إلا أن صوت وقاص سمره مكانه حيث أردف بـ مزاح:
- إحنا مش عايزين نرهق السيد عُميّر، دا بقى ليه هيبة أكبر مني فـ الشركة…
فُتح الباب و دلف منه وقاص ولكن قبل أن يدلف، قَبّل جبين والدة عُبيدة و أكمل حديثه بـ ذات النبرة المازحة:
- وأنا وقاص بس من غير مُدير يا ست الكل، ولا نسيتِ!
ردت مندفعة بـ إستنكار:
- مش وقاص بس و أنت مزعل إبني كدا
ضحك وقاص وأردف:
- مكدبتش لما قولتلك إنك إبن أُمك، أهي بتكرهني أهي عشان إبنها حبيب قلبها زعلان مني و كأنه خطيبتي مثلًا…
زفر عُبيدة بـ نفاذ صبر و إتجه جاذبًا وقاص إلى الداخل ثم قال لوالدته بـ عبوس:
- مُمكن كُوبايتين شاي من إيدك الحلوة دي…
وضع وقاص يداه بـ جيبي بِنطاله ثم هتف بـ شقاوة لبِقة:
- يا ريت يكون عشا يا ست أُم عُبيدة، فـ بسبب زعله مني مكلتش من إمبارح
ردت عليه والدة عُبيدة وهي تغلق الباب بـ قنوط:
- هسممك ياض أنت…
ضحك وقاص ثم إلتفت إلى صديقهِ و أردف بـ مرح:
- والدتك بتتصرف و كأنها حماتي
تساءل عُبيدة بـ جدية:
- جاي هنا ليه؟
وضع وقاص يده على صدرهِ ثم قال وهو يتصنع التأثر و الحُزن لما قاله:
- و دي طريقة تكلم بيها حد جاي يصالحك! صحيح جاي إيدي فاضية بس قلبي مليان حنان…
رفع عُبيدة حاجبه و لم يُجارِ وقاص في مزحته، ليردف بـ نبرةٍ جادة:
- وقاص، أنا مبهزرش…
تنهد وقاص ثم جلس فوق المقعد الذي كان يجلس عُبيدة فوقه و حدق بـ ورق العمل الذي كان بين يدي صديقه ثم هتف:
- حتى وأنت زعلان بتشتغل! مبتصعبش عليك نفسك!!
هدر عُبيدة بـ تحذير:
- وقااااص!!!
رفع وقاص يداه بـ إستسلام وقال:
- طيب طيب متتعصبش و تزعق كدا…
ربت وقاص على المقعد جواره ثم أردف بـ جدية هذه المرة:
- تعالى إقعد
رد عليه بـ جمود:
- ماليش مزاج
إقعد يا عُبيدة و متبقاش عيب عنده خمس سنين…
زفر عُبيدة بـ ضيق ثم توجه جالسًا راميًا بـ ثقلهِ كله حتى تحرك المقعد لذلك الجسد الضخم، ليبتسم وقاص بـ تسلية قبل أن يتنحنح قائلًا:
- إيه بقى اللي زعلك إمبارح، و خلاك تمشي من غير أما تديني فُرصة أشرحلك؟
هدر عُبيدة بـ حدة:
- و هو الجنان دا ليه تفسير؟
أومأ وقاص مُؤكدًا:
- المُتهم برئ حتى تثبت إدانته…
رفع عُبيدة حاجبه بـ عدم إقتناع ليُكمل وقاص حديثه وهو يضع ملفًا ما فوق الطاولة والذي لم يلحظه الأول مُنذ البداية:
- و قبل بس أما توديك لحتة غلط و تستنتج حاجة هبلة، أنا معملتش دا عشان أرضيك بعد أما إديت منصب المُدير المالي لحد تاني
عقد ذراعيه أمام صدرهِ وتساءل:
- أومال إيه؟
إبتسم وقاص وقال:
- دا حقك يا سي عُبيدة…
إنتفض عُبيدة واقفًا بـ غضب ثم هدر بـ جنون وعيناه تتسعان بـ غضب:
- مش حقي، بالله عليك أنت سامع بوقك بيقول إيه؟
نظر إليه وقاص بـ هدوء بالغ، مُثير للإعصاب قبل أن يُعاود الربت على المقعد وأردف بـ ذات الهدوء:
- إقعد بس و هدي جنانك دا، متكسرش بيتك كمان كفاية مكتبي و اللي بـ المُناسبة وكأن إعصار ضربه بعد نوبة جنانك اللي حبستها كُل السنين دي و جيت تطلعها عنجي…
حدق به عُبيدة بـ عناد ولكن وقاص لم يتأثر بل هتف هذه المرة بـ تحذير جدي:
- إقعد و بلاش تقلق والدتك على الفاضي…
مسح عُبيدة على وجههِ بـ نفاذ صبر ثم أذعن لِمَ قاله وقاص وجلس، بينما هدر بـ همسٍ غاضب:
- موقفي مش هيتغير يا وقاص…
ربت وقاص على ظهر صديقهِ المحني و هتف بـ إبتسامة وهو ينظر إلى المكتب البُني داكن اللون القديم:
- المكتب دا يشهد على الأقلام اللي كلتها على قفايا منك بسبب الدراسة…
حانت من عُبيدة نظرة إلى المكتب ليبتسم هو الآخر بـ حنين ثم أردف بـ قهقهة صغيرة:
- قولي أعمل إيه؟ إستيعابك كان قليل، هو مكنش قليل بس لأ و كُنت بتبص من الشباك مستني بنت الجيران اللي كُنت بتحبها أيام مراهقتك…
ضحك وقاص بـ قوة ثم أردف من بين ضحكاتهِ:
- رغم إنها كانت أكبر مني، بيتهيقلي أدك أو قُريب منك و بعدين مكنتش بحبها أنا كُنت بعمل كدا عشان أضايقك
إتسعت إبتسامة عُبيدة وقال:
- لأ و كُنت مُتأكد أوي إنها بتحبني و هي بتخرج فـ البلكونة بتاعتها عشان تشوفني مش أكتر…
ضحك وقاص و أكمل مُؤكدًا وهو يضرب على فخذهِ بـ شفقة و كأنه يرثي حالتها:
- ياريتك صدقت وقتها و إتجوزتها، بدل أما تتجوز الخرتيت اللي هي متجوزاه…
إختنق عُبيدة من كثرة الضحك ليربت وقاص على ظهرهِ و أكمل حديثه:
- أنا كبرت و إتربيت فـ الحتة دي و عارف كُل شارع فيها، و والدك الله يرحمه كان أب تاني ليا لما فقدت بابا و هو اللي رباني…
خفتت ضحكات عُبيدة ونظر إلى وقاص والذي هتف بـ شرود:
- والدك كان بيشتغل عند والدي، و لما بابا مات و حاول عمامي يسرقوا الشركة، والدك هو اللي رجعها و وقف قُدامهم، و أنت كملت طريق والدك و حافظت على الشركة فـ الوقت اللي أنا فشلت فيه…
تبسم وقاص وتراجع بـ مقعدهِ ثم نظر إلى صديقهِ وأكمل:
- كُل لما أقع بلاقيك جنبي، بتساندني و تقويني عشان أحارب و أحافظ على حقي، و تيجي أنت فـ الآخر و تتنازل عن حقك! لأ مش هسمحلك يا عُبيدة
نفى عُبيدة قائلًا:
- أنت عارف إنه مش حقي
رد وقاص بـ قوة:
- لأ دا حقك، إتأخرت و الحمد لله إني إتأخرت، لو كُنت عملتها بدري كُنت فعلًا ضيعت حقك
هتف بـ حنق:
- بطل تقول الكلمة دي كُل شوية…
مد وقاص يده وإلتقط الملف و فتحه ثم وقع بـ آخر الورق و مدّه إلى عُبيدة رادفًا بـ تأكيد قوي:
- عشان هو حقك، و هفضل أقول الكلمة دي لحد أما تسلم بـ الأمر الواقع، وقع على الورقة يا عُبيدة أنا محتاجك…
نظر عُبيدة إلى الورق و الذي به إقرار بـ أن بعض أسهم الشركة تنتقل إليه بـ اسمه ثم إلى وقاص وهتف بـ يأس:
- الأسهم دي هتعمل بينك و بين عمامك و ولاد عمامك حرب و كُره
مط وقاص شفتيه وقال:
- رغم إن الشركة دي مش من حقهم، بس أنا واثق إنك هتحارب معايا زي ما حاربت عشاني قبل كدا…
لم يُحرك ساكنًا فـ وضع وقاص الورق فوق ساقيهِ ثم هتف بـ مرح:
- يا عم إيدي وجعتني، مد إيدك دا و لا كأني بديك مُخدرات…
لم يبتسم عُبيدة لمزحة صديقه فـ تنهد وقاص وقال بـ صوتٍ هادئ:
- مش هجبرك توقع فـ اللحظة دي، بس فكر كويس عشان مش هقبل الرفض…
أخرج عُبيدة نفسًا حار ليربت وقاص على ساقهِ ثم قال وهو ينهض:
- المُهم دلوقتي أنا جعان و عاوز آكل، طاقتي خلصت و أنا بصالح خطيبتي…
ثم خرج وقاص و إتجه إلى والدة صديقه التي نظرت إليه بـ نصف عين فـ ضحك وقال:
- متقلقيش يا حماتي هصلح غلطتي و أجيب المأذون حالًا…
قذفته بـ عبوة الملح ليلتقطها ضاحكًا بـ صوتٍ عال لتهدر بـ قنوط وهي تتجه إلى المطبخ:
- قليل الأدب…
ولكنها إبتسمت لتلك الصداقة التي دامت لسنوات كانت بدايتها دروس الكيمياء التي كان يأخذها عند عُبيدة تحت توصية من زوجها ودامت إلى الآنبينما داخل الغُرفة ظل عُبيدة جالسًا يُحدق بـ الورق بـ غضب قبل أن يهدر بـ نزق وهو يقذف الورق بعيدًا:
- هيودي نفسه فـ داهية الحمار دا…
***
لم يكن عليها مُسايرته من الأساس الآن الجميع غاضب منها حتى كيان، لم تستطع النوم بـ الغُرفة معها فـ قررت العودة إلى غُرفتهاوليتها لم تفعل ذلك المنزل قديم، تلك البيوت القديمة الكبيرة حتى النوافذ خشبية من الأرابيسك القديم، على الرغم أنها أحبت المنزل بـ غُرفهِ العديدة ولكنها غيرُ قادرة على العودة إلى غُرفتها بـ تلك الممرات الكثيرة و الظلام الدامسزفرت بـ قنوط و أردفت بـ حيرة وهي تلتفت حولها:
- هرجع لباب الشقة يمكن أقدر أوصل للأوضة…
تحركت إلى الممر الذي به غُرفة كيان ثم بحثت بـ عينيها بـ تدقيق علها تستطيع الرؤية في هذا الظلام حتى وجدت المزهرية التي عرفتها موضع غُرفتهاتوقفت بـ طريق عودتها إلى الغُرفة وهي تُبصر ظل قادم من إتجاه الممر الذاهبة إليه.. تسمرت مكانها حتى تتعرف على صاحب ذلك الظل وقد عرفت من هو حينما إقترب منها و تبينت ملامحهإتسعت عيناها بـ صدمة وهي ترى ذلك الضخم أمامها، ما باله ذلك الوقح! ألا يعلم أن غريبة سكنت معه المنزل فـ يحتشم ويتحفظ بـ ثيابهِ ولو قليلًا، حيث كان يرتدي سروال قصير ما قبل الرُكبة من اللون الأخضر الداكن يعلوه مبذل النوم الثقيل، ولكن ما فائدته وهو يتركه مفتوح فـ يُظهر صدره العضلي و معدته المشدودة؟!هي لا تتدعي الفضيلة فـ قد شاهدت مُمثلين ذوي جنسية أجنبية بـ ذلك المشهد ولا تخجل إلا أن الحقيقة مُختلفة تمامًا هما كانت تعتقدمر عُميّر جوارها وهو يبتسم إبتسامة لعوبة وأردف بعدما إرتشف من كوبهِ:
- تصبح على خير يا حوراء…
ظلت رأسها تستدير معه وهي تسير بـ الإتجاه المُعاكس حتى إصطدمت بـ باب غُرفتها لتصدر عنها شهقة إلتفت على إثرها عُميّر قاطبًا لجبينهِ فـ أردفت بـ حرج وهي تضع أُذنها على الباب تتدارك موقفها المُحرج:
- ياربي مش معقول، الباب نبضه ضعيف…
لم تسمع صوته بل صوت خطواته تقترب حتى وقف خلفها واضعًا أُذنه هو الآخر على الباب.. لتتسع عيني حوراء لأقصى مدى مُستشعرة حرارة صدره تلفح ظهرها ثم سمعته يهمس بـ تسلية:
- معاكِ حق، شكل حالته خطيرة جدًا…
تنفست حوراء بـ سُرعة قوية ليبتعد عُميّر عنها فـ إلتفتت هي إليه تُحدق بـ عينهِ الخضراء ثم هتف هو راسمًا ملامح جدية على وجههِ:
- باب أوضتي من فترة كانت عليه الأعراض دي متقلقيش…
أمسك يدها لتنتفض هي بـ فزع إلا أنه وضع بها كوبه الذي كان يرتشف منه ولم يكن سوى أعشاب طبيعية ثم هتف وهو يقترب بـ رأسهِ منها:
- إهدي دلوقتي، و بكرة هتصل بـ واحد صاحبي هو دكتور أبواب شاطر أوي، هيعرف يعالج الحالة…
الآن مد يده وعقد رابطة المبذل يُخفي جسده عن عينيها الخائنتين ليُكمل حديثه وهو يبتعد عنها:
- إشربِ الأعشاب دي مُفيدة جدًا، بترخي الأعصاب و بعدين نامِ، مش عاوزينهم يتهمونا إننا سارقين النوم من عينيكِ الحلوة دي…
نظرت إلى الكوب بـ غرابة ثم إليه وهو يبتعد عنها دون إكتراث، لتضع الكوب سريعًا ثم توجهت إليه:
- أُستاذ عُميّر! لحظة لو سمحت…
توقف عُميّر و إستدار إليها ثم تساءل وهو يُحدق بـ منامتها الزهرية دون خجل:
- عاوزة إيه يا بسكوتة؟ و عُميّر بس بلاش أُستاذ دي
خرج السؤال من فمِها تلقائيًا:
- هو ليه أهل الحي محدش بيقولي غير كدا إشمعنى يعني اللقب دا!
قهقه عُميّر وقال:
- آسفين يا برنسيس، بس دي أول مرة تزورنا بنت أجنبية عن المنطقة
وضعت يدها بـ خصرها و تساءلت بـ فضول مُستنكر:
- و دا ليه يعني!
إنحدرت عيناه رُغمًا عنه إلى خصرها الذي حددته قبضتها الصغيرة وكم أدهشه هشاشته ولينه الفتّاك، لين يجعلك غاضب لعدم لمسه والتحقق منه بـ نفسكنفض تلك الأفكار الوضعية عن رأسهِ ثم أجاب سؤالها وهو يحمد الله في سره لذلك الظلام الذي أخفى عنها ملامحه والتي يُقسم أنها كانت مُشتعلة ويشعر بـ حرارتها الآن:
- يعني مُختلفة عن بنات المنطقة، طريقة لبسك و كلامك حتى رقتك اللي تغيظ و الأهم، أنتِ فعلًا شبه البسكوتة الناعمة…
ضرب قلبها قفصها الصدري بـ عنف و تراجعت بـ خجل تُخفض رأسها ولكن سُرعان ما عاودت رفعه وهمست بـ تلعثم:
- عمومًا، أحم، أنا أنت كُنت عاوزة أعتذر عن اللي حصل قبل كدا…
نظر إلى كفيها اللذين تفركهما بـ توتر فـ لانت ملامحه و إبتسم إبتسامته اللطيفة واللبقة:
- متتأسفيش دا مش ذنبك…
وضع يده على مؤخرة عُنقهِ وحركها بـ حرج ثم أردف بـ نبرةٍ مُعتذرة:
- أنا اللي لازم أعتذر، مكنش لازم أكون قاسي و أقول الكلام دا
إبتسمت حوراء وقالت:
- مفيش مُشكلة كدا كدا أنت معاك حق…
إبتسم عُميّر لإبتسامتها البريئة ثم نظر إلى يدها التي رفعته بـ نية مُصافحته وقالت بـ طفولية:
- صافي يا لبن!
تغضنت زوايا عيناه لإتساع إبتسامته ليرفع يده مُصافحًا إياها وأردف بـ مرح مُتسلي:
- حليب يا قشطة…
تراقص الحماس بـ عينيها لتسحب يدها ثم هتفت وهي تُلوح بـ يدها له:
- أوكيه، تصبح على خير
تصبحي على خير يا بسكوتة…
رفع يده يلوح لها ولكن إتسعت عيناه بـ صدمة و هو يُقرب يده من أنفهِ يتشممها لقد عَلِقَ عطرها الناعم بـ يدهِ!!
***
القذارة!!ليست بـ مُصطلح غريبٍ عليه فـ قد عاش به عُمرًا طويل لم يُنقى منه إلا قريبًالأ يملك من الذكريات التي تُمكنه من العيش كـ إنسان سوي بل تحطمت طفولته وصباه وشبابه أمام عينيه، ولم يكسب شيئًاقبل تلك الحادثة كان شاب جامعي أكمل مسيرته الدراسية التي كللها النجاح بـ طريقة مُبهرة وكأنه يُثبت لنفسهِ أنه قادر على تخطي كُل الصعاب، مواجهة كُل من أقسم على فشله وأولهم والدهذلك الطاغية الذي لم يترك بـ نفس ابنه شئ ليتذكره به حياة سوداء تتخللها بقع دماء شاهدة على عُنف أولد منه شخصية حاول كثيرًا دحضها، إذًا ماذا يفعل أمام قبره الآن؟نظر إلى يده والتي خُيّل إليه أنها لا تزال ملوثة بـ دماءهِ، قد يشعر بـ النفور سابقًا أما الآن فـ هو يشعر بـ فخر يُقيد شعوره بـ الذنبلا يزال يتذكر المشهد وكأنه حدث أمس، السكين الحاد الذي حمله بـ يده و عدد من الطعنات أولها إخترقت ظهره فـ تناثرت الدماء عليهاونظرة عيناه المُلطخة بـ دماءهِ جعلت منه لوحة شيطانية مُخيفة، و بريق الشر الذي يلمع بها جعلها تبدو وكأنها نيران جحيم مُستعرةلن ينسى نظرة والده المصعوقة حينما عَلِمَ هوية طاعنه، ولكن بـ زاوية صغيرة كان يعلم أن ذلك اليوم قادم لا محالة.. وعبارته التي إخترقت أُذنه حتى اليوم"لقد جعلت منك مسخ ستتذكرني ما دُمت حيًا، سأُعذب روحك حتى بعد مماتي"تلك العبارة كانت عبارة عن كابوس يُطارده و بـ الفعل لم يستطع نسيان ما أَلمَ به بـ حياتهِ كلها.. وجعل منه ما هو عليه.. صحيح أنه لم يُصبح مثله ولكن يكفي التشوه الذي ترك أثره بـ داخله فـ أصبح عقيم عن مُداواتهِ:
- حاسس بـ إيه و أنت فـ قبر ضلمة لوحدك من غير أي حد حواليك!!
أمسك حفنة من تُراب القبر و ضغط عليه ثم هدر بـ صوتٍ قاسي، مُرعب:
- قولي بقى لما إتسألت عن اللي عملته فيا و فـ أُمي جاوبت قولت إيه؟! يا ترى عرفت تجاوب و لا ساكت زي دلوقتي و أنت مش عارف تجاوبني!!
رفع يده وترك التُراب الجاف يتناثر تحت تأثير الرياح وجأر بـ صوتٍ بدي كـ فحيح مُرعب:
- جاوبني بقى أنت مبسوط و راضي دلوقتي؟ شايفني بقيت إيه! خيبت ظنك مش كدا
ضرب الأرض بـ قسوة ثم صرخ بـ صوتٍ ساخر، مُتألم:
- مبقتش زيك، كُل اللي شوفته منك مخلنيش زيك جُزء من جبروتك، كُل الفلوس اللي لميتها ضيعتها…
نهض قُتيبة عن الأرض ونفض ثيابه ثم هتف بـ جمود قاتل:
- الفلوس اللي جبتها من الحرام ضيعتها، يمكن يشفعلك دا قُدام ربنا أنت بين إيديه واقف من غير حاجة…
نظر مُطولًا إلى الاسم المحفور فوق القطعة الرُخامية ثم أردف بـ تقزز:
- ياريت كُنت قادر أقرألك الفاتحة بس أنت مزرعتش فيا غير الكُره و الحقد و أنت تستاهل أكتر من كدا…
ثم تركه و خرج من المدفن الخاص بـ عائلتهِ وأغلق البوابة الصدئة ورحل بـ سواد ظن أنه قد ينجلي حينما يُفرغ كراهيته كما إعتاد مُنذ خُروجه من السجن ولكن اليوم لم يحدث
***
إنتفضت مذعورة على صوت هاتفها لتنظر إلى ساعة الهاتف فـ وجدتها قد تخطت الثانية بعد مُنتصف الليلبحثت بـ عينيها عن حوراء فـ لم تجدها لتنهض و تُحدق بـ الهاتف الذي توقف عن الرنين، أضاءت الضوء الخافت جوار فراشها ثم رفعت الهاتف وفتحته لتعلم هوية المُتصل ولكن وجدت رقم غير مُسجلكادت أن تحظر الرقم ولكن عاود الإتصال فـ فتحت و إنتظرت دون رد، والصمت كان ما تلقته من الجهة الأُخرى إلا من صوت هدير أنفاس بدى كـ أعاصير جعل قلبها يتقافز هلعًا عندما علمت هوية المُتصلتسمرت و تصلب جسدها.. لم تكن قادرة على إغلاق الهاتف بل إنتظرت و إنتظرت حتى أتاها صوته الأجش بـ عبث كما عرفته دائمًا:
- لسه زي ما أنتِ يا كياني متغيرتيش، بتستني أبدأ أنا الكلام ديمًا…
تسارعت أنفاسها بـ شدة و شحب وجهها و فقدت القُدرة على الحديث، لتصلها صوت قهقهته التي زلزلت كيانها ثم صوته المُداعب:
- ساكتة ليه يا كياني؟ محتاج أسمع صوتك يمكن أقدر أتغلب على شيطاني
قُـ.. قُتيبة…
همست بها بـ تردد لتسمع صوت تأوه حاد و بعدها صوته الهادر:
- تعرفِ! وحشني أسمع اسمي منك أوي، وحشتيني أوي…
وضعت كيان يدها على صدرها الخافق بـ رُعب ثم تحدثت بـ نبرةٍ جاهدت أن تخرج ثابتة وليست مُتذبذبة:
- قُتيبة دا ميصحش، مينفعش تتصل بيا فـ الوقت دا، أنا كمان هتخـ…
هدر بـ صوتٍ جهوري أخرسها، يمنعها من الحديث صوت أفزعها وجعلها تنتفض مذعورة:
- إخرسي و إلا والله هدبحك، أنتِ مش هتكونِ لغيري أبدًا، طول ما فيه فـ صدري نفس…
لم تعرف هل خرج صوت تأوها المتوجع أم لا ولكن ما تعرفه أنها شعرت بـ زلزلة عنيفة تضرب جسدها فـ تُثمِل روحها ليُكمل بـ نبرةٍ مُميتة، و مُخيفة:
- أيوة إتوجعي، و هتتوجعي أكتر لما أكسرلك عضمك، عضمة عضمة…
شهقت كيان وهي تضع يدها على فمها فـ أكمل قُتيبة حديثه بـ صوتٍ مُرعب:
- كُنت عاوز أكسر وشه الأمور دا قُدام عينيكِ و فـ بيتك، بس جدك و جدتك إحترمت وجودهم و إحترمت إنهم ربوني، كفاية إنه مش هيعتب المنطقة دي تاني…
إختفى كُل الرعب وحل مكانه الغضب لتنهض على ركبتيها فوق الفراش وهدرت بـ حدة:
- عملتله إيه؟
أجابها بـ تسلي مجنون:
- معملتش، مطوتي هي اللي قامت بـ الواجب
صرخت بـ حنق و غضب:
- قولي حالًا يا قُتيبة عملت إيه!
إهدي يا كياني، أنا بس فرغت كوتش عربيته مش جريمة كبيرة…
زفرت بـ راحة فـ أكمل قُتيبة قائلًا بـ صوتٍ غريب:
- أنا معتش قاتل…
فغرت فمُها بـ ذهول وشحب وجهها أكثر ثم همست بـ تعثر:
- مش مش قصدي
أجاب بعد صمتٍ طويل:
- عارف…
ساد الصمت قليلًا فـ حكت كيان جبينها و تساءلت بـ إعياء:
- عايز يا قُتيبة؟
لم يُجيب سريعًا بل صمت و صمت حتى أردف بـ حرارة و نبرةٍ متوسلة:
- عاوز أحضنك و يا حاجة من الأتنين يا أحضنك لحد أما أكسر عضمك، يا إما أدمغك بيا، أدمغ روحك بيا…
صُدمت كيان و توقف قلبها عن النبض ثم عاود النبض بـ سُرعة مُخيفة حينما أكمل حديثه:
- إفتحي الباب، هحضنك بس و أمشي، دا اللي محتاجه فـ الوقت دا
رواية أغلال لعنتهُ الفصل السادس 6 - بقلم اسراء علي
قفزت عن الفراش لتنهض واقفة على قدميها المرتعشتين ثم هدرت بصوتٍ قوي ولكنه خفيض:
- أنت اتجننت يا قُتيبة؟
أجابها ببساطة وهدوء:
- لأ لسه شوية…
كادت كيان أن تخرج من غرفتها إلا أنها أحجمت جماح غضبها، لتتحرك بالغرفة ذهابًا وإيابًا قائلة بغضب:
- أنت بتعمل إيه قدام العمارة؟ عاوز تفرج الجيران عليا!
تنهد وأجاب ببساطة مغيظة ونبرةٍ هادئة أكثر إغاظة:
- لأ مش واقف قدام العمارة، أنا واقف قدام بابك.
همست بعدم فهم:
- أنت إيه!!
رد بنفاذ صبر:
- أقسم بالله لو مخرجتيش دلوقتي يا كيان لأكسر الباب وأسحبك زي البقرة من وسطهم وأحضنك واللي يحصل يحصل…
فغرت فمها بذهول ودهشة لذلك التهديد وهي تعلم أنه قادر على فعلها، وضعت يدها على وجهها وهمست بنبرةٍ حادة:
- أنت غبي وحيوان.
قهقه قُتيبة وقال:
- أنتِ لسه عارفة حالًا! افتحي يا كياني.
ردت بصوتٍ أكثر حدة:
- بلاش هزار تقيل شبه دمك وامشي يا قُتيبة.
أردف بعناد:
- أنا حلفت خلاص، مش همشي يا كياني ولا أنتِ عاوزاني أصوم تلات أيام!
زفرت بغضب قبل أن تتوجه إلى خزانتها تسحب وشاحًا تضعه فوق منامتها الضيقة وهي تتمتم بقنوط:
- أنت غبي وأنا أغبى منك…
فتحت باب غرفتها بهدوء وحدقت بالظلام المحيط بها تبحث عن أحدهم ولكن السكون هو ما كان يحيط بها لتزفر براحة ثم سارت على أطراف أصابعها حتى وصلت إلى باب الشقة.
سحبت أحد المفاتيح المعلقة بجوار الباب ثم فتحته بحذر وخرجت لتجد قُتيبة يجلس فوق درجات السلم ما يضيء الظلام حوله هو وهج لفافة التبغ، منكس الرأس وتشعر بانحناء ظهره.
انقبض قلبها شفقةً عليه، لا يزال هذا الشخص يؤثر بها بزاوية عميقة من قلبها حتى وإن كانت تكرهه، أهي حقًا تكرهه أم هذا ما تحاول به إقناع قلبها؟ لولاه لما كانت قابعة أمامه تنعته بالقاتلة.
تنهدت بحرارة ثم توجهت إليه وهبطت درجتين حتى تقف أمامه وانتظرت حتى يتحدث ولكن لا شيء لتتأفف هي بضيق ثم هدرت بصوتٍ مكتوم:
- أنا هنا أهو يا سيدي…
رفع رأسه بتكاسل ثم ابتسم ببطء وأردف:
- عارف، عارف إنك واقفة هنا من أول ما خرجتِ.
رفعت حاجبها وتساءلت:
- طيب، حضرتك عاوز إيه بقى؟
فاجأها برده:
- أنتِ بتولعي النار في قلبي زي ما نار الحرب بتولع وأكتر…
ارتجف بدنها وتوقف قلبها لعدة ثوان، ولم تشعر بوهج عينيها الذي أضاء العتمة حولها، شعرت بالبرودة حولها لتشدد الوشاح حول جسدها وتحتضنه بقوة، ليُكمل هو راميًا اللفافة أسفل قدمها:
- ديمًا كنت عايز أقولك كدا طول الفترة اللي كنت فيها في السجن، ولما خرجت كنتِ هربتِ، فمرضتش ألحقك وأدور عليكِ عشان عارف كويس أوي إنك هترجعي عشاني.
همست بتحشرج:
- بس أنا مرجعتش عشانك.
رد ببساطة تقريرية:
- لأ رجعتِ عشاني، أنتِ بس اللي بتحاولي تقنعي نفسك بالعكس…
صدمها رده ليس لسرعته ولكن لأنه حقيقة حديثه، تلون وجهها بالأحمر القاني ولكنها حمدت ربها على الظلام المحيط بهما، تلعثمت بالحديث لتصمت ثم عاودت الكلام بموضوعٍ آخر:
- لسه مبطلتش تدخن! التدخين مضر على فكرة…
ثم دهست اللفافة لتسمع قهقته الخافتة، ابتسمت كيان دون إرادة منها وتساءلت بجدية:
- جيت هنا ليه يا قُتيبة!
خفتت قهقهته وتلاشت ابتسامته لينظر إلى الأعلى ثم هتف بصوتٍ قاتم:
- زرت قبره…
الصوت الذي أطبق على المكان كان خانقًا، ومقززًا. تنتابها قشعريرة مؤلمة حينما تتذكر ذلك اليوم أو حينما يأتي بسيرة والده ليُكمل حديثه متغاضيًا عن العاصفة التي ضربتها بمقتل:
- مقدرتش أقرأ له الفاتحة، مقدرتش أسامحه، ومش بس بسببك لأ دا كمان بسببي…
لا تعرف هل خرج صوت أنينها المذبوح أم صدى صوته المدوي بقلبها إلا أنها هتفت بارتعاش:
- ينفع، ينفع تمشي! عشان خاطري…
نهض قُتيبة على حين غرة وأمسك بذراعيها دافعًا إياها إلى الحائط ثم هدر بنبرةٍ قاتلة على الرغم من الألم المحيط بهما:
- عشان خاطري أنتِ حرريني من ذنبي، حرريني بيكِ يمكن ألاقي الراحة…
تفاجأت بهجومه ولكنها ضربت صدره وهتفت بنبرةٍ متألمة:
- ومين اللي يحررني من اليوم دا! أنا مدبوحة يا قُتيبة، أنا عاوزة أكتر منك أتحرر من اللي فات.
وضع جبينه فوق جبينها وهتف:
- أنا وأنتِ هنحرر بعض، وأنتِ عارفة دا كويس أوي.
حاولت التملص منه قائلة:
- فوق يا قُتيبة، أنا معتش البنت المراهقة اللي كنت تعرفها، ولا أنت لسه الشاب الطايش اللي كنت أعرفه، إحنا اتغيرنا تمامًا، إحنا الاتنين مقيدين بعض بماضي بيقتلنا وبس.
هتف صارخًا:
- بس أنا متغيرتش، لسه زي ما أنا، وأنتِ لسه جوايا زي ما أنتِ…
صمت فجأة وهي نظرت إليه بصدمة صامتة، وفجأة قهقه قُتيبة بشر ثم هدر وقبضته تشتد حول ذراعيها حتى تألمت:
- أنتِ طلعتِ أنانية أوي يا كياني، عاوزة تهربي وتسبيني لوحدي!
همت بالحديث ولكنه لم يسمح بها حين تحولت نظرته إلى شيطانية ونبرته اشتدت بعنف قاتل:
- بس لأ، أقسم بالله العظيم ما هيحصل، حتى لو اضطريت إني أخدك بأكتر طريقة ***، تتخيلها…
تقافز الخوف من عينيها مرعبًا وتصاعدت ضربات قلبها بقساوة مؤلمة ليُكمل بـ ذات النبرة:
- وأنتِ عارفة إني أعرف أعملها وأعمل أكتر من كدا، وأنا مش هصبر كتير يا كيان، مش هسيبك لغيري طالما فيا نفس.
صرخت برعب:
- كفاية تهديد، مش هتعرف تعمل حاجة.
- لأ أعرف، أقسم بالله أقتلك قبل ما حد ياخدك مني، أقسم بربي لأقتل أي حد يفكر يقرب من حقي…
لم تستطع الرد ليودع جبينها قبلة أوشكت على قتلها من شدة حرارة المشاعر الموضوعة بها ثم أكمل بهمسٍ ناعم كالحرير ولكنه يحمل الشر بين طيات نعومته:
- مش هسيبك يا كيان، مبقاش قُتيبة لو مخلتكيش ملكي، هتبقي في حضني غصبن عن عينك، هسرق نفسك اللي بتتنفسيه لو فكرتِ في حاجة غير كدا…
ابتعد تاركًا إياها تسقط جالسة فوق الدرجات القديمة باكية بعنف.
********************
في صباح اليوم التالي:
- فيه إيه يا نوح؟ أنت يا بني مش مركز بقالك يومين…
سأل زميله وهو ينحني ليجمع أشلاء الطبق الثالث عشر، منذ اليوم الذي قابل به حوراء وهو يفقد عقله. يخرج أثناء مناوبته لعله يلمحها، كثيرًا ما يتهور ويتجه إلى منزل رب عمله ولكنه يتراجع بآخر اللحظات. يريد أن يراها وبشدة، لقد احتلت الكثير من تفكيره.
تنهد نوح غير مجيبًا على صديقه الذي ابتسم بخبث وأردف:
- طب قول مين هي؟
قطب نوح جبينه وتساءل بحذر:
- مين إيه؟
- اللي سارقة قلبك وتفكيرك!
غمغم نوح بخشونة:
- مفيش حد سارق مني حاجة…
نهض نوح وتبعه زميله بالعمل ليلقيا الأشلاء بسلة المهملات ثم أمسك ذراعه حينما هم بالابتعاد ليتوقف بتأفف وتساءل:
- عاوز إيه يا مازن! مش واخد بالك إني بشتغل؟
- قول مين هي الأول!
ذم شفتيه وقال:
- قولت مفيش، وياريت تبطل بقى بدل أما أكسر مناخيرك اللي بتحشرها دي، متسمعش عن حاجة اسمها خصوصية!!
ضحك مازن وأردف:
- طيب طيب خلاص متزعلش، كنت حابب أساعدك مش أكتر…
ابتعد نوح عن مازن وجلس على إحدى الطاولات يتلاعب بمئزر زيه الرسمي، يتذكر تفاصيل الأعوام الماضية، كيف ترك بلده الأم وأتى إلى مصر مع والده المريض ليرعاه، ترك عائلته وأتى إلى هنا هاربًا من قيود فرضت عليه للمحافظة على أعمال العائلة.
عاهدت نفسه أن يعمل بجد حتى يستطيع أن يكفل والده وتكاليف علاج والده بعمله البسيط والذي لا يتطلب شهادة جامعية حتى ينهي دراسته.
حتى ظهرت الجنية الصغيرة بحياته، لعبة صغيرة ولكنها فاتنة. تملك أعين لامعة بشقاوة تسلب القلوب، أرادها وأراد أن يعرفها أكثر، كل ما يعرفه أنها حوراء وفقط.
نظر من الزجاج المطل على الخارج ليفقد قلبه صوابه حينما رآها تسير بشرود تنظر إلى الأرض، نهض سريعًا ودون تفكير ليتطلع حوله فلم يجد مازن.
اندفع إلى الخارج. ولحق بها حتى وقف خلفها وناداها باشتقياق لعن نفسه لخروج نبرته بذلك الاشتياق:
- حوراء!!!
رفعت حوراء نظرها سريعًا تبحث عمن يناديها حتى وجدته خلفها، جعدت جبينها بتذكر حتى أشرقت ابتسامتها فسرقت دقاته ثم أردفت:
- نوح!! إزيك عامل إيه؟
أجاب مبتسمًا:
- كويس، بقيت كويس جدًا، إزيك أنتِ؟
- أنا كمان كويسة…
تأرجحت بوقفتها لا تجد ما تقوله ليضع هو يديه بجيبي بنطاله الخلفيين ثم تساءلت وعيناه تدور فوق ملامحها بلهفة:
- على فين كدا الصبح بدري؟
أشارت إلى الشاطئ ثم قالت وهي تنظر إلى نوح:
- هروح الشط شوية.
- ينفع أجي معاكِ؟
نظرت إلى المقهى وقالت:
- عميّر مش هيضايق!
رد وهو يحك رأسه:
- هقول لصاحبي ياخد الشيفت بتاعي…
أومأت مبتسمة ليلوح لها مبتعدًا وقال بابتسامة متحمسة:
- استنيني هنا، مش هتأخر عليكِ.
- أوكيه براحتك…
ركض نوح إلى داخل المقهى لينزع مئزره الأسود ثم ربت على كتف صديقه الذي تفاجئ به وقال:
- خد الشيفت بتاعي وأنا هاخد بتاعك بالليل…
لم يدعه ليرد بل ركض مسرعًا إلى الخارج تاركًا مازن مذهولًا.
عاد إلى حيث تقف حوراء وأردف:
- يلا بينا…
أومأت حوراء وسارت جواره في صمت. كانت هي تنظر أمامها أما هو فـ ينظر إليها بين الحين والآخر حتى استدارت فجأة وسألته:
- أنت مش مصري صح؟
رفع نوح حاجبيه بدهشة قبل أن يبتسم ويجيبها بلباقة:
- لأ مصري، بس والدتي من أصل تركي.
- قولتيلي…
اتسعت ابتسامته وتغضنت ملامحه بسعادة لم يذقها منذ سنوات ثم همهم بصوتٍ منخفض:
- أه صح قولتيلي…
وصلا إلى الشاطئ لتجلس حوراء فوق الرمال ويجاورها نوح ثم سألها:
- أنا حاسس إنك زعلانة شوية! مكنتيش كدا أول مرة شوفتك فيها.
سألته بعفوية:
- ينفع تكون صاحبي!
لم يستطع السيطرة على الذهول الذي أصابه ولكنه أردف برزانة لا يمتلكها:
- أكيد طبعًا.
تنهدت وقالت:
- أنا عملت غلطة، بس مش مقصودة.
رد عليها بهدوء:
- طيب مكنش مقصود ليه زعلانة بقى!
نظرت إليه وقالت:
- مكنتش عاوزة أعمل مشاكل، أنا عارفة إنهم متضايقين مني بس مش عاوزين يبينوا دا…
وضعت وجنتها فوق قبضتها ثم نظرت إلى المياه، ليردف نوح وهو يحدق بخصلاتها المتطايرة:
- عشان هما عارفين إنه مكنش قصدك…
رفعت رأسها فجأة والتفتت إليه ثم تساءلت بتفاجؤ وأمل:
- بجد!
خفق قلبه لتلك النظرة القططية التي ترمقه بها ثم أجاب وهو يحاول إخفاء انفعالاته:
- بجد يا حوراء، أنتِ صغيرة وبريئة وكمان عفوية، وأكيد الكل كان عارف إنه مكنش قصدك.
هتفت بامتنان:
- شكرًا جدًا يا نوح.
"يا ويل قلب نوح منكِ"
تفوه بها مرة أخرى وهو يقر بداخله أن تلك الفتاة ستغير مجرى حياته بالكامل.
أخرجته حوراء من تفكيره وهي تتساءل بفضول:
- أنت عارف مين هو قُتيبة! وتعرف إيه اللي حصل بينه وبين كيان أخت عُميّر؟
أجابها بتفاجؤ:
- معرفش أنا لسه جاي من تلات سنين بس، بس سمعت من أهل الحي إن قُتيبة دا كان في السجن وخرج.
همست بقنوط:
- دا بس!!
أومأ قائلًا بمرح:
- حاولي متكونيش فضولية، لو محدش قالك حاجة يبقى محدش عاوز يقولك، دي حياتهم الشخصية والناس بتحب تحافظ على خصوصيتهم…
********************
طرقت والدته باب الغرفة ثم دلفت لتجدها غارقة بالظلام.. لتتأفف بضيق ثم دلفت وفتحت الستائر والنافذة ليهدر قُتيبة بانزعاج:
- اقفلي الشباك، النهاردة إجازة…
ثم رفع الغطاء فوق رأسه لتسحبه عنه ثم أردفت بقوة:
- فيه حد مستنيك بره.
فتح عينه اليسرى وتساءل:
- مين؟
ردت ببرود:
- معرفش، بيقول أنه يعرفك من أيام السجن…
رفع قُتيبة حاجبه بذهول ثم نهض بتفكير لعله يتذكر ذلك الشخص ولكنه لم يستطع التركيز، لذلك تنهد ونهض يرتدي كنزته الداخلية وفوقها دس كنزة شبه ثقيلة وخرج.
توجه إلى الصالة ليجد ظهر هذا الشخص يواجهه.. مسح قُتيبة على خصلاته وتوجه إليه متسائلًا بخشونة:
- أنت مين!؟
لم يرد الشخص على الفور بل أخذ وقته ثم نهض واستدار قائلًا بسخرية:
- متمدنتش شوية يا بلطجي…
اتسعت عينا قُتيبة قليلًا بانشداه ثم ابتسم وقال بمحبة:
- أرسلان الهاشمي؟!!
تقدم قُتيبة وصافحه بحرارة وكذلك أرسلان الذي تساءل:
- إيه الأخبار! وخرجت من السجن إمتى؟
- من فترة مش طويلة…
أومأ أرسلان بخفوت ثم جلس وكذلك قُتيبة، وساد الصمت وكلاهما يحدق بالآخر حتى دلفت والدته تضع الشاي وبعض الكعك وخرجت دون حديث.
التقط أرسلان كوب شايه بصمت فتأفف قُتيبة وأردف بنفاذ صبر:
- أنا مش عايز أكون قليل الذوق، بس إيه اللي جابك هنا؟
ابتسم أرسلان شبه ابتسامة وقال:
- من يوم ما عرفتك وأنت وقح وقليل الذوق، بس ما علينا، عاوزك في موضوع مهم.
تساءل قُتيبة بجدية:
- وإيه هو الموضوع دا؟
وضع أرسلان كوب الشاي ثم نظر إلى قُتيبة باهتمام وقال بتمهل قاتل:
- شغل، عشانك…
الرد الأوحد الذي حصل عليه أرسلان كان رفعة حاجب قُتيبة دون أن تتغير ملامح وجهه فأكمل بهدوء دون أن يأبه:
- قولتلي في مرة إنك خريج كلية هندسة، مش كدا؟
أجابه قُتيبة بجمود:
- آه، المرة اللي أنت مردتش عليا فيها، وأه متخرج من كلية هندسة قبل ما أدخل السجن على طول.
- يعني!!
صر قُتيبة على أسنانه وهتف:
- يعني إيه مش فاهم؟
أجاب أرسلان ببساطة:
- عاوزك تشتغل معايا…
الآن رفع قُتيبة حاجبه الآخر وبدأت ملامح وجهه يُحلق حولها علامات الاستفهام بكثرة ثم هتف بعدم فهم:
- أنا تخرجت من قسم الميكانيكا، هفيدك بإيه؟
أجاب أرسلان مجددًا ببساطة مغيظة:
- بمجال قسمك.
تساءل قُتيبة بنفاذ صبر:
- خليك واضح أكتر معايا؟
أخرج أرسلان ملفًا صغير ثم وضعه أمام قُتيبة الذي كاد أن يفتحه ولكنه منعه قائلًا بجدية:
- تقدر تقرأه بعدين، بس حاليًا أنا عاوزك تساعدني، هبدأ في بناء مصنع لماركة عربيات…
اعتلت الدهشة ملامح قُتيبة أكثر وتساءل:
- جبت التصريح منين؟
- مش شغلك، المهم إني جبت التصريح ودلوقتي عاوز مساعدتك، هتقدر ولا أشوف غيرك؟
تلكأ قُتيبة بالرد فحثه أرسلان ليتحدث وأردف بقوة:
- اديني إجابة واضحة حالًا.
تنهد قُتيبة وقال:
- تمام، اتفقنا…
أومأ أرسلان برضا ثم نهض ليرحل ولكنه توقف وتساءل بنبرةٍ غريبة:
- أنت عارف مين كبش الفدا بدالي؟
عقد قُتيبة حاجبيه وتساءل:
- مين؟
همس أرسلان بقسوة:
- اللي حطوه وانتُحل شخصيتي…
فغر قُتيبة فمه وبعفوية وضع يده فوق الجرح الغائر الذي أصاب فخذه ليلفت ذلك أنظار أرسلان الذي غامت عيناه بتعبير قاتم قبل أن يجيبه الأول:
- مفضلش كتير، قتلوه على طول.
- اتكلم عنه شوية…
جلس قُتيبة فوق الأريكة ونظر أمامه بشرود ثم هتف بصوتٍ بعيد ولكنه يحمل نغمة قاسية بعض الشيء:
- بعد هروبك من السجن، معداش ليلة ولاقوا بديل، فحبس جديد بعيد عن أي حد يعرف مين هو أرسلان الهاشمي، ولما اتخانقت مع حد في الحبس القديم نقلوني للجديد معاه…
جلس أرسلان أمامه فأكمل قُتيبة وهو يتنهد بحرارة:
- مكنش حد عارف إني أعرف مين هو أرسلان، واختصارًا لكلام كتير، الشاب كان في سنك واعترف إنهم هددوه عشان ينتحل شخصيتك.
أشار أرسلان إلى إصابته وتساءل:
- وأنت إيه اللي حصلك؟
أجاب بلامبالاة:
- لما حاولت أقول الحقيقة، هددوني وإضربت بالجرح دا كتحذير يعني، ولما رجعت من مستشفى السجن عرفت إن أرسلان الهاشمي مات واتشوه بـ
أشار إليه أرسلان بألا يُكمل فصمت قُتيبة هو أيضًا لا يريد التذكر.
نهض أرسلان ثم هتف بجمود قبل أن يرحل:
- اللي حصلك بسببي، وأنا كدا بحاول أعوضك…
أومأ قُتيبة دون حديث وبعد رحيل أرسلان ظل يحدق بتلك الأوراق دون أن يجد القدرة على فتحها.
********************
فتح أرسلان باب المنزل وحدق بالهدوء ليهدر بقلق:
- سديم؟؟
كان صوته هادرًا، الماضي لا يزال يشكل هاجس قوي، يخشى أن يخسر تلك السعادة الوليدة، لا يجب أن يخسرها إنها مكافأة القدر له.
أتته سديم وعلى وجهها إمارات الفزع ثم تساءلت بخوف:
- إيه في إيه يا أرسلان؟ صوتك كان عالي…
اقترب أرسلان منها ثم حاوطها بقوة وهمس بصوتٍ حاد:
- متعمليش كدا تاني.
ربتت على ظهره وهتفت بغرابة:
- أنا كنت فوق، أنت غريب، ليه بتعمل كدا؟
قبّل أرسلان جبينها وهتف بصوتٍ هادئ:
- متاخدش في بالك، فين أرسلان؟
- متعاقب.
رفع أرسلان حاجبه وتساءل:
- نعم؟
هتفت سديم:
- متعاقب يا أرسلان ومش هيروح تمرين السباحة بتاعه…
نزع أرسلان قميصه وألقى به فوق الأريكة ثم تساءل:
- وليه كل دا؟
هتفت سديم بغضب حقيقي:
- الأستاذ الصغير قرر يعاقب المستر بتاعه ويضربه بالسكينة اللي بتفتح بيها رسايلك، وتعرف ليه؟ بيدافع عن مراته المستقبلية…
ثوان مرت حتى تلقت أذنا أرسلان حديث سديم ويترجمه عقله لينفجر بعدها ضاحكًا بقوة غير قادرًا على التوقف، بينما سديم أمامه تفغر فمها بدهشة وهي تراه يضحك بتلك القوة.
ماذا قالت ليضحك هكذا؟ جعدت جبينها بشراسة ثم هدرت من بين أسنانها:
- أرسلان أنت بتضحك على إيه! دي مش حاجة تضحك على فكرة…
استمر أرسلان بالضحك فتأففت سديم بغضب وتخطته متوجهة إلى المطبخ بينما هو يتبعها ثم أردف وهو ينزع قميصه:
- بالعكس دي حاجة مضحكة جدًا.
استدارت سديم بشراسة وهتفت:
- لأ دي حاجة خطيرة وخطيرة جدًا كمان، أنت مسمعتش اللي قولته؟
كانا قد دلفا المطبخ ووقفت أمام الخزانة تستمع إلى نبرته العابثة من خلفها:
- سمعتك كويس جدًا، تحبِ أعيده تاني!
رفعت سديم حاجبها بامتعاض فأردف بنبرةٍ ساخرة:
- أرسلان خد السكينة بتاعتي عشان يضرب الأستاذ بتاعه اللي ضرب البت اللي ماشي معاها، اللي هو هيتجوزها…
عقدت سديم ذراعيها أمام صدرها ولا تزال رافعة حاجبها بامتعاض ثم هتفت بنبرةٍ خطيرة:
- ودي حاجة تضحك يعني!
أجاب أرسلان بهدوءٍ جاد:
- هو لسه طفل يا سديم، متقلقيش مش هيبقى زيي…
أجفلت سديم بصدمة فهي لم تكن تعني ذلك وهو يعي أنها كذلك، ولكن أراد طمأنتها إلا أنه أحزنها، لذلك تنهدت بحرارة واستدارت تحاول إخراج بعض الأطباق من الرف العلوي للخزانة ولكنها لم تنجح.
شهقت بفزع وهي تجد نفسها ترفع من خصرها وصوت أرسلان يهتف بهدوءٍ مزعج:
- هاتِ اللي أنتِ عاوزاه…
رغمًا عنها ابتسمت لتلك الذكرى التي مرت بعقلها في الكوخ الخشبي، الشاهد الوحيد على ميلاد عشقهم، جلبت ما تود ثم هتفت بابتسامة:
- خلاص خلصت…
لم يُنزلها أرسلان على الفور بل قبّل الجزء الظاهر من خصرها ثم أنزلها، لم يسمح لها بالاستدارة حيثُ حاصرها بين أحضانه واتكئ بذقنه على كتفها ثم هتف بصوتٍ خشن:
- كنت عاوز أعملها في أول مرة كنا بالكوخ، فاكرة!
شابكت سديم أصابعها خاصته وابتسمت بحنين ثم هتفت وهي تميل برأسها لرأسه:
- وإزاي أقدر أنسى؟ دا اللي فكرت فيه لما شلتني دلوقتي…
قبّل أرسلان تجويف عنقها وتنهد بحرارة قاتلة جعلت سديم تعقد حاجبيها وتسدير إليه واضعة يدها على وجهه وهتفت باهتمام:
- مالك؟ فيك حاجة متغيرة…
حملق أرسلان بها طويلًا بصمت حتى كادت أن تعيد سؤالها ولكنه أجاب بنبرةٍ غريبة:
- قابلت واحد من اللي كنت أعرفهم في السجن.
همهمت باهتمام:
- وبعدين؟
قست عيناه فجأة وأردف بصوتٍ غليظ:
- حكالي كل حاجة عن اللي حطوه بدالي، ولاد الـ ***…
سافرت قشعريرة مخيفة على طول جسدها ولكنها لم تتحدث بل تركته يكمل:
- واللي قابلته برضو هو كمان اتأذى بسببي، كل اللي دخل حياتي صابته اللعنة…
ربتت سديم على وجنته وقالت بنبرةٍ هادئة ولكنها تبث الاطمئنان:
- كل دا ماضي وأنت ليك حق تعيش، وبالنسبة للشخص اللي قابلته مظنش إنه بيحمل ذنبه، هو مش بيلومك.
- مش محتاج يقولها.
هتفت سديم بجدية:
- كفاية تتوقع الأسوأ يا أرسلان، كل دا انتهى دلوقتي…
ابتسمت وهي تجده قد زفر بعنف ثم تساءلت:
- طب وأنت روحت له دا ليه!
أجاب:
- محتاج أعوضه، دا دين له في رقبتي.
قطبت جبينها وسألته:
- ودا إزاي!
- قبل ما أهرب كان بيحاول يهون عليا، الكلام وحاجات تانية، افتكرته وقولت أساعده، أساعده وأسدد دينه…
لم ترد سديم بل ابتسمت وفقط، أرسلان وإن لم يُظهر مشاعره إلا أنه يتغير ببطء، لا يزال قاسي وغامض ولكن يكفي أنها تعلم أنه يحبها وأنه يحاول لأجلها.
فمن أجلها تغير الشيطان…
********************
في مساء اليوم:
كانت كيان تجلس بفراشها تستمع إلى الأغنيات مع دندنة خفيفة وقد قررت المضي والحديث مع رشاد ولكن تلك الحوراء لا تسمح بذلك وعبارة واحدة تنخر أذنيها حتى الآن:
- أنتِ مش بتحبي رشاد، ولو اتجوزتيه يبقى أنتِ بتخوني الاتنين…
تلك الصغيرة لم تكن تعلم أنها تمتلك ذلك القدر من الحكمة ولكن حديثها صحيح فـ تعود وتتراجع عن قرارها وتقرر أنها ستتصل به لتعتذر.
هي لن تعود إلى قُتيبة ولكنها لن تخون من تتزوجه، حينما تتخطاه ستبدأ حياتها حتى وإن تقدمت بالعمر، قُتيبة جزء لا يتجزأ من ماضيها، الأسود.
وعند ذكر الشيطان، انتفضت على صوت هاتفها حينما صدح بنغمته الصاخبة لترفعه وتنظر إلى رقم هاتفه الذي تحفظه عن ظهر قلب.
تسارعت دقات قلبها وتركت الهاتف دون أن تجرؤ على الرد ليعود ويصدح من جديد ليصمت بعد مدة ويعود ويصدح دون ملل، تعلم إصراره وعناده، لن يصمت حتى ترد.
لذلك رفعت هاتفها وأجابت بتردد ليأتيها رده الساخر:
- أقسمت بيني وبين نفسي لو مردتيش، هاجيلك، بس نجدتِ نفسك.
سألته بنبرةٍ مرتعشة:
- بتصل ليه؟
أتاها صوته:
- عايز أتكلم معاكِ.
هتفت بملل:
- وأنا مش عاوزة أتكلم معاك…
ساد الصمت قبل أن تسمع صوت ضحكاته العميقة ثم سمعت صوته وهو يهتف:
- طب اطلعي من البلكونة نشوف بعض من غير كلام…
انتفضت عن فراشها واتجهت إلى الشرفة تفتحها ثم هدرت وهي تخرج تنظر إلى الشارع الخالي من المارة عداه!!
- أنت بتعمل إيه هنا تاني يا قُتيبة؟
وضع يده في جيب بنطاله وأجاب بارتياح وهو ينظر إليها:
- اللي بعمله ديمًا، جيت عشان أشوفك…
صمتت وهي تبادله التحديق غير قادرة على الإشاحة بعيدًا وكيف ذلك وهي تشعر أن نظراته تخترقها كسهم مسمم فيُدمي روحها ويذكرها بمشاهد قديمة لهما معًا.
قُتيبة كان ولا يزال بروحها يقبض عليها بأفرع خضراء ولكنها ذات أشواك، تعتصرها فـ ينزف قلبها قبل جسدها، ذلك الأخرق أضاع من عمره ثلاثة أعوام من أجلها وهي كذبت لأجله، إن كانا لا يزالان عاشقين فالماضي سيظل حائل بينهما مخلفًا طعمًا مرًا كالعلقم.
- مبترديش ليه يا كياني؟
تنهدت بتعب وقالت:
- عايزني أرد عليك بإيه يا قُتيبة! طرقنا أنا وأنت معتش فيه بينهم مجال يتقابلوا…
اهتز بدنها وارتعش لإجابته والتي وصلها عبر موجات الهاتف هدير أنفاسه والذي بدا كعاصفة أحرقت جسدها بحرارة كلماته:
- يبقى هكسر أي حاجة تمنع طرقنا تتلاقى ولو مفيش طرق، يبقى هخلق طرق جديدة وهجبرها تتلاقى يا كيان…
تمسكت بحاجز الشرفة وتعالت أنفاسها ليُكمل وهو يشير إليها:
- أنتِ ليا لوحدي، أنتِ كنتِ ملكي زمان ومش ناوي أتخلى عنك، مش هتخلي عن جزء مني…
ارتعشت وسارت رجفة بجسدها لحديثه ثم قالت بصوتٍ مرتعش:
- كفاية، أرجوك كفاية أنت عارف إنه مستحيل نرجع زي ما كنا…
هدر بصوتٍ قوي خشيت أن يسمعه جميع من في الحي فـ نظرت حولها تتأكد من خلو الشارع والشرف من أهل الحي:
- لأ أنتِ اللي كفاية يا كيان، أنتِ عارفة كويس أوي إني مش هستسلم عنك.
صرخت بصوتٍ خفيض:
- لأ استسلم وريحني، استسلم وخلاص.
صرخ هو بالمقابل:
- وأنت ليه المفروض أستسلم! ليه عايزاني أستسلم!
أردفت بعدما تجمدت ملامحها بنبرةٍ ناحرة تعلم أنها ستقتله بما ستقول ولكنها تريده أن يستسلم هي وقُتيبة لا حاضر ولا مستقبل لهما معًا:
- أنت قتلت أبوك قدام عيني، يبقى إزاي عايزني أثق في قاتل؟
رواية أغلال لعنتهُ الفصل السابع 7 - بقلم اسراء علي
ظلت تُحدق بـ شاشة حاسوبها الشخصي حتى بعد إنتهاء المقطع التصويري و إظلام الشاشة تماماً.
مصدومة! أجل وكيف لا وهي تجد الدليل القاطع على جريمة السرقة.
إما أن ترضخ له أو تقضي فترة عقوبة لا تعلم متى ستنتهي.
تنهدت بـ ذُعر مع عينين مُتسعتين ثم إرتمت إلى الفراش خلفها مُحدقة بـ سقف غُرفتها و همست بـ حيرة:
- هعمل إيه دلوقتي؟ أنت ناوي على إيه يا مُتحرش أنت!
"عودة إلى وقتٍ سابق"
- يلا يا كِنانة بسرعة، أهم شريك ليا هيجي النهاردة…
صرت كِنانة على أسنانها ثم بـ إبتسامة مُتكلفة:
- و هو مفيش حد غيري يعمل الحاجات دي!
إقترب هيثم منها ثم وضع يديه على كتفها فـ إنتفضت مُبتعدة، إلا أنه أردف دون أن يلتفت لغضبها:
- أنتِ أكتر واحدة مُتميزة و شاطرة عندي.
- لأ أنت كدا بتستغلني.
ضحك هيثم وقال:
- إستحملي يا كِنانة دا شُغلك، ماذا وإلا…
ترك عبارته مُعلقة فـ ضيقت عيناها بـ نفاذ صبر ثم هتفت وهي ترحل بـ خطوات غاضبة:
- دلوع بابي معقول!!
دلفت كِنانة إلى غُرفة الإجتماعات و هي تتبرم قاطبةً على رئيسها.
ليهتف هيثم بـ تحذير:
- سمعتك يا كِنانة، سمعتك و بطلي تشتميني، أنتِ بتشتغلي عندي ولا ناسية!
أشارت له بـ يدها ثم همست بـ إستنكار:
- كدا المفروض أنت اللي تشتغل عندي، لأ و كمان بعمل الشُغل من غير مُساعدة دكتاتوري ظالم...
جلست فوق المقعد المُخصص لها بـ إرهاق كبير، بعد أن أوكل لها رئيس عملها المُدلل مُهمة إعداد قاعة الإجتماعات دون مُساعدة.
ها هي تُنهيها أخيرًا.
القاعة فارغة تمامًا فـ قد أنهت الإعداد في وقتٍ قياسي، لذلك إبتسمت بـ فخر ثم أرجعت رأسها إلى الخلف وتأرجحت قليلًا.
همست كِنانة لنفسها وهي تنظر من أسفل جفنيها إلى زُجاجة المياه الموضوعة أمامها:
- أنا عطشانة من زمان و بسبب الشُغل نسيت أشرب…
إعتدلت بـ جلستها ثم إلتقطت الزُجاجة ورفعتها إلى فمها.
وما أن رفعت رأسها لتشرب حتى علقت المياه بـ حنجرتها ومنها تسللت إلى القصبة الهوائية وهي ترى ذلك الوجه الرجولي يتكئ بـ مرفقيهِ إلى ظهر المقعد ويُحدق بها من علو بـ إبتسامة لعوبة.
سعلت كِنانة الماء باصقة إياه كما خرج الماء من أنفها.
إحمر وجهها وهي تستمر بـ السُعال حتى طفرت العبرات من عينيها.
أما هو سريعًا مد يده إلى عبوة المناديل الورقية وإلتقط بضعةً منها يمسح أنفها وقال بـ قلق:
- أنا كان قصدي أفاجئك، مش أقتلك، أنا آسف …
أمسكت كِنانة يده وهدرت بـ سُعال:
- أنت بتعمل إيه بالله عليك؟ في المواقف اللي زي دي المفروض تمسح دموعي مش مناخيري، كدا اسمه قرف…
هدأ قلقه وهو يرى لسانها لا يكف عن إطلاق السهام، لديها القُدرة على الهجوم حتى وإن كانت بـ حالٍ مزرية كما هي الآن.
ليُجيب ضاحكًا وهو يضع يديه بـ جيبي بِنطاله جملي اللون:
- بتقرأي روايات رومانسية كتير و كدا هتتجنني، غلط عليكِ.
- زمّت شفتيها بـ إمتعاض:
- ملكش دعوة بـ إيه اللي هيجنني، ملكش دعوة…
نهضت كِنانة وأكملت مسح وجهها ثم تساءلت وهي تُحدق به بـ إزدراء:
- بتعمل إيه هنا فـ الشركة!! بتراقبني! ولا ناوي تفضحني فـ مكان شُغلي!
لم يرد وقاص بل ظل صامتًا يُحدق في تفاصيلها التي لم يُساعده ظلام المكتب تلك الليلة في التشرب منه، ولكنه إكتفى بـ ذلك التلامس الجسدي والذي لم يقصده أبدًا ولكنه أسعده تمامًا.
أما الآن فـ ملامحها الشقية تظهر أمامه بـ وضوح يجعلها شهية فـ أعين رجل لم تأسره أُنثى هكذا من قبل.
سنواته التي قاربت على مُنتصف الثلاثين بـ سنتين لم يرَ خلالها فتاة آثرة كـ تلك.
حقًا هو مُلتزم ولكن كِنانة بها من السحر ما يجعله يُبدي أفعال لا تتناسب مع شخصيته.
إتسعت إبتسامته وهو يرى عيناها تضيق بـ شر ثم سألته بـ حنق:
- بـ تفكر فـ إيه؟ و لا مفيش داعي أسأل أكيد بتفكر فـ أول مُقابل لينا يا مُتحرش.
- مطّ شفتيه ورد بـ بساطة:
- هو مش المُقابلة كلها بس لو هتقولي عليا مُتحرش فـ نفتكر أول لحظة فيه بس، و أكتر لحظة حرجة و مُهمة تليق على لفظ مُتحرش…
مال وقاص إليها بـ جزعهِ العلوي فـ لم تستطع التراجع بسبب الطاولة خلفها.
ليهمس هو بـ مكر قُرب وجهها:
- يا حرامية صاحبة الأخلاق الحميدة و النوايا السليمة.
- دفعتُه صارخة بـ إنفعال:
- أنت مين قولي! بتطاردني ليه! ثم إن الفلوس تُخص مُديرك مش تخصك أنت.
- رفع كتفاه وقال:
- فـ الواقع هي فلوسي أنا مش فلوس مُديري لأن أصلًا مليش مُدير، و أحب أعرفك بـ نفسي…
وضع يده على صدرهِ ثم أردف بـ نبرةٍ ماكرة ونظرة مُتسلية:
- اسمي وقاص مُحي الدين، صاحب الشركة و صاحب الفلوس اللي سرقتيها…
أسقطت يداها و فغرت فمها بـ ذهول جعل الدماء تفر من وجهها لتتراجع بـ صدمة قائلة:
- أنت كذاب، أنت بتكدب عليا…
إقترب وقاص منها ثم أخرج بطاقته الشخصية و هتف بـ تسلية:
- دي بطاقتي الشخصية، إتأكدي بـ نفسك لو حابة…
إنتشلت من بين يديه البطاقة و قرأت اسمه و جميع البيانات لتضرب وجهها قائلة بـ فزع:
- ياربي، لأ قول إنك بتهزر!
- أخذ بطاقته وأردف:
- معنديش وقت للهزار يا آنسة حرامية…
إبتلعت ريقها الذي جف من الأساس ثم تساءلت بـ إهتزاز:
- عـ عاوز إيه!
صمت وقاص ثم إقترب منها حتى حاوطها من الأمام و المنضدة من الخلف، يضع يديه حولها متكئاً إلى زجاج الطاولة و إدّعى التفكير هامسًا بـ تسلية:
- يا ترى هعوز إيه من حرامية مُغفلة زيك!
- أجابت بـ حدة مُرتعبة:
- بطّل تقول عليا كدا و إنجز قول عايز إيه مني!
حدق وقاص بـ ملامحها الشهية و بدأ يفقد سيطرته تدريجيًا إلا أنه تمالك نفسه و قال بـ إتزان يُحسد عليه:
- أوكيه بما إنك مُصممة فـ هفهمك، هتشتغلي عندي لحد أما تسددي دينك.
- صاحت بـ إنفعال:
- نعم؟ بتقول إيه؟
وضع إصبعه على شفتيها يمنعها من الإنفعال ثم همس بـ مكر:
- اللي سمعتيه، و بعدين وطي صوتك، أنتِ مش عايزة حد يعرف هنا إنك حرامية ولا إيه!
ضربت يده فـ قهقه وقاص و صمت.
بينما هتفت هي من بين أسنانها:
- بطّل تضغط عليا بـ كلامك دا، و بعدين مش هقدر أسيب شُغلي، المُدير مش هيسمحلي أصلًا…
إبتعد عنها ثم وضع يديه في جيبي بِنطاله و قال بـ نبرةٍ واثقة:
- سيبي الموضوع دا عليا…
كادت أن تعترض ولكنه أوقف حديثها و أكمل مُخرجًا مظروف صغير:
- قبل ما تعترضي، إتفرجي على الفيديو دا فـ البيت و قرري بعدين بلغيني قرارك…
تركها و سحب مقعد ليجلس عليه ثم هتف وهو يتأرجح بـ مقعدهِ:
- و دلوقتي نادي لهيثم مُديرك نبدأ الميتنج.
"عودة إلى الوقت الحالي"
- همست بـ قلة حيلة:
- يعني يا أوافق يا هيرميني فـ السجن، معتش فيه نخوة…
********************
- تمام يا ماما، كونوا بخير بس و أنا مش عايزة أكتر من كدا…
إنتظرت حوراء قليلًا تستمع لحديث والدتها ثم هتفت وهي تضحك:
- متقلقيش مش بعمل مشاكل خاالص، أنا عايشة معاهم نسمة محدش حاسس بيا.
- ضحكت والدتها وقالت:
- حاسة إنك بتكدبِ…
عاودت والدتها الحديث بصرامة حنونة قبل أن تتحدث حوراء:
- متنسيش دواكِ يا حوراء، عايزة أبقى مطمنة.
- إبتسمت حوراء و ردت:
- متقلقيش يا ماما، في. حد كدا مش بيخليني أنسى أبدًا.
- قطبت والدتها جبينها وسألت:
- مين؟ كيان؟
حمحمت حوراء و هي تتذكر تلك الرسائل التي تُرسل من رقم قُتيبة المُسجل يُذكرها بـ دواءها كل نصف ساعة فـ أخبرته أنها تأخده مرتين فقط قبل تناول وجباتها ولكنه لم يتوقف أبدًا.. يتصرف كما لو أنه والدها و هي تسمح له عله يعوضها عن إبتعادهم عنها.
إستفاقت حوراء على صوت والدها لترد هي بـ صوتٍ متوتر:
- جد كيان، حبيبتي مش عايزاكِ تقلقي نفسك خالص، هنا كُلهم واخدين بالهم مني كويس أوي، خصوصًا كيان…
دار حديث طفيف بينما حتى أغلقت حوراء و قررت الوقوف قليلًا بـ الشُرفة.
وضعت فوق كتفيها كنزة صوفية خفيفة و خرجت من غُرفتها و بـ طريقها تذكرت حديث نوح وأنها ذهبت للإعتذار، فـ تفاجئت براحة صدرهم و أنهم لا يُحملونها أي ذنب.
خرجت إلى الشُرفة و حدقت بـ السكون حولها حتى وقعت عيناها على قُتيبة الذي يقف أسفل شُرفة كيان، ينظر إلى أعلى و من طريقة وقوفه يبدو وكأنه يتحفز للإنقضاض على فريسة.
وضعت يدها على شفتيها تمنع شهقة قد تخرج و يستفيق على إثرها عُميّر والذي تقع غُرفته قريبًا من الشُرفة.
بحثت حوراء عن هاتفها ولكنها تذكرت أنها تركته بـ الغُرفة، لذلك توجهت إلى غُرفة كيان تطلب منها أن تجعل قُتيبة يرحل.
إلا أنها وهي تستدير وجدت عُميّر خلفها يسألها بـ إبتسامة:
- بتعملي إيه فـ الوقت المتأخر دا؟ الجو بارد…
وقفت حوراء أمامه كـ الصنم عيناها مُتسعتان من الصدمة و تسارعت نبضات قلبها، من طرف عيناها نظرت إلى حيث يقف قُتيبة فـ وجدته لا يزال كما هو بل و صوته قد بدأ يصلها.
شهقت فـ رفع عُميّر حاجبه و تساءل بـ حيرة:
- إيه في إيه مالك؟
تلعثمت بـ البداية إلا أنها أحاطت نفسها وهتفت بـ توتر قد بلغ منها مبلغه:
- حسيت بـ البرد دلوقتي، ممكن ندخل!
خطوة واحدة و عُميّر سيرى قُتيبة و قبل أن يقترب دفعت حوراء بـ نفسها عليه ليختل توازنه فـ سقط وهي فوقه.
تأوه عُميّر بـ خفوت بينما حوراء كانت مُتجمدة من الصدمة.
فعلتها و إرتمائها فوقه و يده المُلتفة حول خصرها بـ عفوية جعلت منها لوحة مُلهمة لتعابير الصدمة المُرتسمة بـ أبهى طلةٍ لها.
و عُميّر يضع يده الأُخرى على جبينه يُدلكه ثم بعدها نظر إلى حوراء، لأول مرة يراها بـ هذا القُرب، بشرتها البيضاء الصافية و جسدها الذي يُلامس جسدها بـ أكملهِ عليه و خُصلاتهِا الكستنائية المموجة شيئًا آخر.
إنها طفلة صغيرة مُقارنة بـ إيزيل، لا تمتلك المقومات التي تجعلها مُغرية كما طليقته ولكن بها ما يجذب أي أحد إليها، إنها و فقط بسكويتة هشة و شهية.
- أنت كويس؟
أجفل من شرودهِ على سؤالها المُتهز كما حدقيتها الكبيرتين تمامًا والذي ميز لونها، قهوة وكأنها مُمتزجة بـ الشيكولاه الذائبة فـ أنتج ذلك المزيج المُهلك.
أجلى عُمير حلقه ثم أجاب وهو يُبعد نظراته العابثة بـ الفطرة عنها:
- أه كويس، أنتِ كويسة؟
- أجابت بـ خفوت:
- أنا اللي وقعت فوقك فوقك…
ضحك عُميّر و عاود النظر إليها ثم هتف بـ مكر وهو يضع يده أسفل رأسهِ:
- و بـ مُناسبة إنك أنتِ اللي وقعتِ فوقي، مش المفروض تقومِ عشان المنظر كدا مش لطيف أبدًا…
توردت وجنتيها بـ خجل و إرتفعت نبضاتها الهادرة قبل أن تُجيب بـ تلعثم:
- بس أنا، مش مـ مش عارفة أقوم.
- سأل بـ غرابة:
- نعم؟
توًا إنتبه ليدهِ التي حاولت حوراء إبعادها عن خصرها فـ أبعد يده بـ ذهول عنها.
لتنهض هي سريعًا مُبتعدة عنه قدر المستطاع.
وكذلك هو نهض يحك عنقه من الخلف و تمتم بـ صوتٍ هادئ:
- آسف.
تلاعبت أصابها بـ خجل وهي تُجيب:
- محصلش حاجة…
أومأ وهي عدلت ثيابها ثم أردف بـ إبتسامة عله يُزيل ذلك التوتر:
- إيه رأيك. تشربِ معايا كوباية الأعشاب؟
- إبتسمت بـ خجل و قالت:
- بس أنت اللي هتحضره.
- إتفقنا…
أشار بـ يدهِ كي تتقدمه فـ تقدمت بـ خطواتٍ متوترة و هو خلفها يُحدق بها بـ ذهول مُبتسم ثم هتف بـ صوتٍ خفيض:
- مش معقول، دي بتشتتك يا عُميّر؟!
********************
ساد الصمت بينهما عدا صوت أنفاسها المُتسارعة، يدها مُنقبضة على الهاتف تأبى تركها وعيناها وكأنها تحت سيطرة نظراته الحارقة فلا تجد القُدرة على إشاحتهما بعيدًا عنه.
كاد الصمت أن يقتلها خوفًا لا منه بل عليه و هي تضربه بـ قسوة، بـ سوطٍ من الذكريات القاتلة.
لتهمس بعدها بـ صوتٍ ميت:
- إمشي يا قُتيبة، معنديش طاقة للجدال أو للخناق معاك…
لم يرد و لم يُشح بـ نظراتهِ عنها بل صمت و ظل يُحدق بها بـ نظراتهِ المُظلمة.
لتزدرد ريقها بـ صعوبة بالغة و هي تستمع لنبضات قلبها المُتزايدة وكأنها تعدو بـ سباق.
إنتفضت كيان على صوت قُتيبة والذي كان جامدًا كـ جمود الصخر، صلب كـ صلابة الحديد ولكنها تعلم أن ذلك الجمود و الصلابة يُخفيان غضب و خوف.
- أنتِ حقيرة…
إتسعت عيناها بـ صدمة و أجفلت لتلك الإهانة والتي لأول مرة ينعتها بـ ذلك.
همت تتحدث بـ صوتٍ متوتر من الغضب:
- إخرس، أنت اللي هـ آآآ-
هدر قُتيبة بـ حدة:
- إخرسي، إخرسي خالص متخلنيش أقول حاجة أندم عليها…
قبض قُتيبة على هاتفهِ يُخفف غضبه حتى لا يخرج عليها و حينها حقًا سيندم لأنه بـ بساطة سيخسرها، فـ أكمل هاتفًا بـ صوتٍ أكثر قسوة من الصخر:
- لأول مرة تخليني أندم على اليوم دا، لأول مرة تخليني أندم إني كُنت هناك عشانك، و لأول مرة يا كيان أحس إني عايز أكرهك…
تمسكت بـ حاجز الشُرفة بـ قوة ناشبة أظافرها بها.
فـ أكمل قُتيبة حديثه بـ جمود قاتل:
- مكنتيش بـ القسوة و الجحود دا، ليه مُصرة توجعيني!
- همست بـ إهتزاز:
- أنت قتلت أبوك بسببي…
أجفلت كيان على صوت ضحكته المُرعبة و أقربها إلى السُخرية.. وهذا ما يجعلها مُرعبة.
إنتظرته حتى هدأ ثم إستمعت لحديثهِ:
- يبقى دا وهم لازم تفوقي منه…
تجمدت مكانها وهي تفغر فاها بـ صدمة ثم همست بـ عدم تصديق:
- قصدك إيه؟
وصلها صوته هادئ:
- اللي سمعته، مكنتيش غير آخر قشة قضمت ضهري فـ خلتني أتحرك يا كياني…
الآن تعلم ما معنى التناقض، جزء منها يشعر بـ الراحة لأنها لم تكن سبب رئيسي في موت والده و جزء آخر يشعر بـ الإحباط لعدم كونها بـ هذه الأهمية بـ النسبةِ له فلم يقتل والده لأجلها.
عاود قُتيبة الضحك ثم هتف بـ سُخرية مقيتة:
- إيه خير! ليه حاسة بـ الإحباط؟ يمكن عشان فكرتِ إني قتلته من الأول بسببك بس!!
قهقه بـ سوداوية و أردف مُكملًا بـ نبرةٍ سوداء:
- أنتِ فاكرة إني بقتل لأي سبب! و لا قتلت لأني حابب أقتل! هي دي فكرتك عني! مجرد حيوان بقتل عشان مجنون!
تداركت كيان نفسها لقد ساقها خيالها إلى ما هو أبعد من حد المعقول، فـ إعتدلت ثم قالت بـ صلابة وهي تتجه إلى الداخل:
- إمشي يا قُتيبة، معتش فيه حاجة أسمعها…
توقفت ثم إستدارت وعادت إلى الشُرفة لتردف وهي تضع عيناها عليه وتدعو الله بـ داخلها ألا تخذلها قوتها:
- أنت شيلت ذنب كبير عن كتفي، ذنب كان بيقتلني كُل يوم بس دا خلاص إنتهى هنا، و دا الحاجة الوحيدة اللي هشكرك عليها و بس…
أغلقت الهاتف و رمقته بـ نظرةٍ أخيرة قبل أن تدلف مُغلقة الشُرفة خلفها ثم إرتمت على الفراش تبكي بـ قوة.
بينما بـ الأسفل حدق قُتيبة بـ الهاتف بـ نظرات ساخطة، سوداء و هو يستعيد جُزء من الماضي بـ عقلهِ.
"عودة إلى وقتٍ سابق"
بعد عودته إلى الحي بحث بـ عينيه عنها بـ المكان الذي إعتادا اللقاء به ولكنه لم يجدها، فـ ركل الحصى بـ غضب و همس بـ صوتٍ ساخط:
- بتضحكِ عليا يا كيان! بتخلفي معادنا! تمام. متلوميش غير نفسك بقى…
مر أمامه طفل يعرفه جيدًا فـ أوقفه و تساءل:
- أنت شوفت كيان يا مُعاذ؟
- أجاب مُعاذ وهو يُشير إلى البعيد:
- أيوة شوفتها، كانت مع عمو شاهين ركبت عربيته معاه و طلعوا برة المنطقة بس معرفش راحوا فين…
قطب قُتيبة جبينه قبل أن تتسع عيناه بـ هلع ليترك الطفل و يركض سريعًا لقد وقعت بـ يد والده الذي حذره مُسبقًا بـ الإبتعاد عنها قبل أن يُبعدها عنه قسرًا، تُرى هل نَفذَ تهديده!
ركض وهو يعرف وجهته جيدًا دون أن يتوقف حتى تخدرتا ساقيه إلا أنه لم يتوقف، كان يلهث بـ صوتٍ عال جعل المارين ينظرون إليه بتعجب حتى وصل إلى البناية التي بها أحد الشقق الخاصة بـ ملكية والده.
صعد الدرج كل درجتين معًا حتى وصل إلى الشقة، لم ينتظر إخراج المفتاح بل دفع الباب بـ كتفهِ عدة مرات حتى كُسر ثم هدر بـ صوتٍ قوي:
- كيااااان!!
سمع صُراخها يأتي من أحد الغُرف و كأنها بين فكي أسد:
- حد يساعدني…
كانت عروقه نافرة بـ درجة مُرعبة وعيناه بها جحيم أسود مُستعر فـ ركض ولكنه توقف حينما صادف سكين.
لم يُفكر مرتبن بل إلتقط السكين و ركض يدفع باب الغُرف بـ ساقهِ و ليته لم يرَ ما رآه.
"عودة إلى الوقت الحالي"
عاد من ذاكرته على صوت هاتفه يفيد بـ وصول رسالة على أحد التطبيقات الخاصة بـ المُراسلة ليجدها حوراء تقول بها بـ وضوح:
"إمشي من هنا يا قُتيبة، عُميّر لو شافك. مش هيسيبك غير و هو قاتلك يا قُتيبة"
إبتسم قُتيبة رُغمًا عنه ثم بعث هو الآخر بـ رسالتهِ المُعتادة:
" متنسيش الدوا يا بسكوتة"
وضع قُتيبة الهاتف بـ جيب بِنطاله ثم نظر إلى شُرفتها مُجددًا ليهمس بـ إنفعال:
- ياريتك مرجعتيش يا كيان، ياريتك ما رجعتِ و ألاقي كُل الكُره و القرف دا من نصيبي…
ركل حصى صغير ثم تابع طريقه و بـ داخلهِ يهمس:
- أنا مش عايز أكرهك…
********************
- سايب شُغلك و بتتفرج على إيه؟
سأل نوح صديقه وهو يضع كوب فارغ على الطاولة الخاصة بـ موظفين المقهى والذي بدا وكأنه مُهتم بـ شئٍ بالغ الخطورة.
لم يرد عليه صديقه ليعود و يسأله نوح ملوحًا بـ يدهِ أمام وجههِ عله يلفت أنظاره إليه:
- يا بني آدم أنا بكلمك.
زفر الآخر بـ غيظٍ وقال:
- بس أسكت يا نوح، خليني أشوف إيه اللي هيحصل…
تساءل نوح وهو ينظر في إتجاه نظر صديقه لعله يرى ما الشئ المُهم الذي يسترعى إنتباهه لهذه الدرجة:
- و هو إيه اللي بيحصل؟
توقفت أنظاره عند تلك الطاولة، مشهد مُعتاد بين شابٍ و فتاة يجلسان بـ كُل رُقي وحتى الشجار المُعتاد راقي جدًا حتى كاد يشك أنه شجار من الأساس، الفتاة تجلس تُعطيه ظهرها وكأنها تأبى أن يراها أحد الآن بـ إنها تبكي.
ذمّ نوح شفتيه وقال بـ سُخرية و لا تزال أنظاره عالقة بـ تلك الطاولة:
- بلاش اللي بتعمله دا، كدا اسمه شُغل بنات و بعدين دي مش أول مرة تحصل.
- هتف صديقه بـ إمتعاض:
- طالما مش مُتهم روح شوف شُغلك و سيبني أنا أكمل فُرجة…
حرك نوح رأسه بـ يأس ثم هَمّ بـ الرحيل إلا أن صوت أنثوي أستوقفه ليستدير فـ يجد أنها تلك الفتاة بـ الطاولة المُراقبة من قِبل صديقه.
إتسعت عيناه بـ دهشة وهو يرى فتاة بـ الكاد تمت الواحد و العشرين من العُمر، بيضاء البشرة، و سمراء العينين بـ شكل مُبهر وكأنك تُحدق بـ السماء ليلًا تملأها النجوم اللامعة، حاجبان معقودان بـ أناقة و بـ نبرةٍ تفيض قوة و رقة بـ الوقت ذاته.
- جرسون، بعد إذنك…
إقترب نوح بـ سكونٍ تام ثم رسم إبتسامة مُهذبة على شفتيهِ وأردف:
- إتفضلي يا هانم، تؤمري بـ إيه؟
رفعت الفتاة فنجان قهوتها إلى نوح فـ إلتقطه منها ثم قالت:
- فنجان قهوتي برد، ينفع تبدله بـ واحد تاني سُخن؟
- أكيد طبعًا يا فندم، لحظة بس.
- إبتسمت الفتاة وقالت:
- لو سمحت متتأخرش…
أومأ نوح ثم سُرعان ما إنسحب و بدأ في إعادة تحضير فنجان القهوة.
ضربه صديقه بـ كتفهِ و هتف بـ خُبث:
- جميلة مش كدا! ياريت كُنت أنا، حظك فـ رجلك مع البنات كُل واحدة أجمل من التانية…
لم يرد نوح وآثر الصمت ليتأفف الآخر ثم قال بـ ضيق:
- يا صاحبي إتعلم الهزار شوية، متبقاش قفل كدا تمام!!
- و دا لأني غريب فـ بلد مش بلدي و مش سهل ألاقي شُغل، عشان كدا حاول تتعلم تفصل ما بين الشُغل و الهزار يا صاحبي…
إلتقط نوح فنجان القهوة ثم عاد إلى الطاولة ولكن قبل أن يقترب سمع صوت الرجل يهتف بـ صوتٍ عال و نبرةٍ وقحة:
- أنتِ عارفة أصلًا أنا وافقت أخطب واحدة زيك ليه! بس عشان جميلة لا أكتر و لا أقل و بالمرة أستمتع شوية…
تردد نوح في التقدم لذلك وقف قليلًا من الوقت عل ذلك الوقح يتوقف عن إهانة خطيبته إلا أنه لم يتوقف بل قال بـ فظاظة:
- أنتِ متعرفيش خاتم خطوبتك كلفني أد إيه، على الرغم إنك. متستحقيهوش…
رفعت الفتاة حاجبها صامتة دون أن تتحدث فـ أكمل بـ برود:
- و بعدين مين أنتِ عشان تحاسبيني سواء خُنتك أو لأ! أنتِ فاكرة إن ليكِ الحق أصلًا تدخلي! أنتِ مجرد واحدة مقبلش بيها حد فـ شفقت عليها و خطبتها…
إمتعضت ملامح نوح بـ إشمئزاز و تقزز من تلك الشخصية وكيف يُمكن لفتاة أن تتحمل كُل تلك الإهانة في سبيل الحُب؟ إن كانت هي ستتحمل فـ إنه لن يفعل لذلك تقدم و كان على وشك الرد إلا أن الفتاة أخذت فنجان القهوة و قالت بـ هدوء لا يتناسب مع ما يحدث:
- شكرًا…
قربت الفنجان من فمها تتحسس حرارته فـ إبتسمت ثم رفعت أنظارها إلى الذي يجلس أمامها وسألت بـ برود صقيعي:
- خلاص كدا خلصت كلامك؟
- أجاب بـ نزق:
- أيوة…
أومأت بـ رأسها ثم دون أي مُقدمات سكبت محتوى الفنجان بـ وجههِ ليصرخ بسبب الحرارة ناهضًا بـ فزع.
أما نوح تراجع بـ دهشة أصابته كما أصابت جميع من بـ المقهى.
وهى، إلتقطت حقيبتها الأنيقة و وضعتها فوق كتفها ثم هدرت بـ صوتٍ على الرغم من هدوءهِ إلا أنه جعل القُشعريرة تُصيبه و تُصيب نوح:
- أنا مين؟ هتعرف لما نتقابل المرة الجاية فـ المحكمة، بـ النسبة للخاتم!!
نزعته من إصبعها ثم ألقت به بـ سلة المُهملات بـ دون أن يرف لها جفن و قالت بـ سُخرية:
- بنصحك تبيعه عشان تعرف تعيش بعد كدا و أنت عارف ليه، و من اللحظة دي متفكرش إنك بتمن عليا بـ خطوبتك بيا فـ أنا خلاص معتش بحبك يا حيوان، مكنتش أول مرة خيانة و لا هتكون الأخيرة و بصراحة مليت…
ثم رحلت و صوت حذاءها يضرب الأرض بـ أنوثة فتاكة و بـ قوة مُخيفة لأُنثى قررت الإنتفاضة.
ملامح وجه نوح كانت تشي بـ سعادة كبيرة وهو يرى تلك. الصفعات التي نالها أثقلت قلبه قبل قلبها.
إلتفت على صوت الرجل و هو يركض وراء الفتاة و يُناديها:
- ايفا!! ايفا إستني هنا متمشيش، أنا لسه مخلصتش كلامي…
اسم غريب، أتى صوت صديقه من خلفهِ وهو يحتضن نوح ثم قال بـ مُشاكسة:
- واو عجبتني بصراحة، مفكرتش إنها مُمكن تعمل كدا، اسمها غريب ممكن متكنش مصرية!
- و أنت مالك يا أخي؟
- رفع صديقه كتفاه وقال:
- لا مفيش حاجة، بس اسمها مش مصري و مش لايق على حجابها…
ايفا!! إنها حواء.
رواية أغلال لعنتهُ الفصل الثامن 8 - بقلم اسراء علي
قضيت الكثير من وقتي، بل وقتي كله في محاولة ترميمها، ولكنها هي من هدمتني.
وضع الأوراق فوق المكتب بعدما انتهى من قراءتها ثم وقعها، هاتفًا:
"وصليهم لمستر وقاص، خليه يبص عليهم بصة أخيرة وتعالي تاني."
أومأت الفتاة ثم رحلت بهدوء.
ليضع عبيدة يده خلف رأسه وتراجع متأوهًا، يتأرجح بمقعده:
"مذ أن تسلم منصبه الجديد وبدأ العمل يتزايد ويتراكم بطريقة مخيفة."
ليبتسم وهو ينظر إلى أنحاء مكتبه الواسع:
"هو ده اللي كنت عاوز أوصله! طلعت غلطان، كل ما بتترقى كل ما الشغل يزيد على دماغك."
سمع طرقات، ليعتدل بجلسته ثم حمحم يجلي حنجرته، قائلاً:
"اتفضل."
دلفت المساعدة الشخصية ثم وقفت بتهذيب وهتفت:
"الآنسة ايفا هنا يا مستر عبيدة."
قطب جبينه وتساءل:
"إيه اللي جابها هنا؟"
أشار إلى المساعدة وهتف بصرامة:
"دخليها بسرعة."
خرجت المساعدة لثوان ثم أتت ايفا، لينهض عبيدة بقلق ممسكًا بذراعيها، هاتفًا:
"حصلك حاجة انتِ أو ماما؟"
حركت رأسها نافية:
"متقلقش، محدش فينا حصله حاجة، إحنا كويسين."
"اومال مالك؟ وشك عامل كدا ليه؟!"
ابتعدت ايفا عن مرمى ذراعيه ثم توجهت إلى الأريكة تجلس عليها، وهو تبعها صامتًا.
ثم هتفت بنبرة مهتزة، على الرغم من طاقتها المضنية ليخرج صوتها عاديًا، غير متأثرًا بما حدث:
"أنا انفصلت عنه."
قطب عبيدة جبينه وسأل بعدم تركيز:
"عن مين؟"
شدت قبضتها وقالت:
"هيكون مين! خطيبي."
ثانية مرت قبل أن تنحل تقطيبة عبيدة ويحل محلها ابتسامة واسعة مع انفراج أساريره التي أنبأتها مدى سعادته، ليقول مهللاً:
"ألف مبروك والله، يا حبيبي ألف مبروك، ربنا نجاك منه."
وجد أن عينيها تلمع أنذرته ببكاء سيحدث، فصمت وانتظرها تنفجر، ولكن لا شيء.
كانت صامتة تبكي في صمت، منتظرة أن يلومها شقيقها على اختيارها الذي لطالما أبدى رفضه الصريح له.
إلا أن عبيدة خيب آمالها حينما هتف بهدوء رزين غرضه مؤازرة شقيقته:
"زعلانة ليه يا ايفا! يا حبيبتي راح قرد يجي غزال، وبصراحة اللي راح كان قرد قرد، كان عاجبك فيه إيه!"
رفعت رأسها إليه سريعًا ثم سألته بذهول باكي:
"مش هتلومني! مش هتقولي دا نتيجة اختيارك!"
ابتسم عبيدة ابتسامة خفيفة تملؤها عطف كبير، ليضع يده على كتفها جاذبًا إياها إليه ثم هتف بصوت خفيض محبب النبرة:
"مقدرش ألوم بنت ماشية ورا قلبها، كنتِ صريحة معايا ومرضيتيش تقعي في الغلط فجيتيلي واخترتي إنك متمشيش في الغلط وجه يتقدم، رغم رفضي الصريح ليه بس مقدرتش أزعلك."
تنهد بصوت لم يصلها وهو يتذكر ما أن رآه، شاب طائش غير جدي بالمرة، يعلم أن شقيقته ستعاني منه، ولكن كلما نظر إليها وجد عينيها تتلألأ فخشى كسرها والأخطر أن يتركها لذلك الشاب، فاتخذ قراره أنه سيراقب ويتصيد له الأخطاء ولن يدع ايفا له أبدا، وسيتركها تعلم من هو الذي.
أمامه.
بعد مدة أردف مكملًا:
"ورغم كدا مكنتش هسيبك تتجوزيه نهائي، هو كان طمعان يا ايفا وانتِ قلبك عماكِ عن الحقيقة دي، بس أبوكِ الله يرحمه وصاني عليكِ فواجبي أدعمك في كل خطوة وأحميكِ حتى لو ده عكس رغبتي، بس عمري ما كنت هسيبك ليه أبدا ولا هزعلك."
أمسك ذقنها ورفع رأسها إليه ماسحًا عبراتها ثم أكمل مبتسمًا:
"وكويس إنها جت منك أنتِ، أنتِ الكسبانة يا حبيبتي أوعي تزعلي عليه."
مسحت وجنتها بظهر يدها وقالت:
"مش زعلانة عليه، أنا زعلانة على نفسي، إزاي كنت غبية ومعمية كدا."
هتف عبيدة موضحًا:
"ما قولنا الحب بيعمي عن العيوب، وانتِ زيك زي أي ست ماشية بفطرة الحب والمشاعر عكس الراجل."
تنهدت ايفا صامتة تنظر إلى الأمام، بينما هو في داخله يحمد الله أنها تركته، لقد كان ذلك الحمل يجثم على قلبه.
وبعد قليل قال عبيدة مداعبًا:
"أنا خلصت شغل، تيجي نعدي على أمك ونروح ناكل بره ونتفسح! بقالنا زمان معملنهاش!"
قالت ايفا بتعب:
"مش قادرة والله، بلاش النهاردة."
نهض عبيدة وجذب يدها قائلًا بنبرة مشاغبة وابتسامة جميلة تزين ملامح وجهه التي تشبه والدهم إلى حد كبير:
"محدش قالك إني أنا الكبير وهتسمعي كلامي! يلا بلاش دلع."
ضحكت ايفا بخفوت وأومأت ليجذبها إليه أكثر، وحينما كانا على وشك الخروج، سمعا طرقًا وبعدها دخول، تلك العدوة التي يكرهها عبيدة كثيرًا، تمشي بثقة وكبر واضحين تجعلاه يريد ضرب رأسها بالحائط، إلا أنه آثر تمالك أعصابه.
حولت ايزل أنظارها بين عبيدة وايفا برفعة حاجب تدل على الاستنكار ثم قالت ببرود صقيعي:
"سوري، مكنتش أعرف إني بقاطع وقت خاص."
رد عليها عبيدة بتهكم مغيظ:
"واديكِ عرفتِ، يلا اتفضلي بعد إذنك."
ولكنها لم تهتز حينما أردفت بنفس برودها:
"مش جاية حب تطفل، بس مستر وقاص طلب مني موافقتك انت على الميزانية دي."
ثم مدت يدها بالأوراق، ليلتقطها هو حادقًا ايزل بنظرات ضيق ثم إلى الأوراق ورفع حاجبه، تلك الأمور لا تستدعي موافقته من الأساس، فيكفي أن يوافق وقاص عليها، ولكنه يفهم خطته جيدًا، وقاص يريد إصلاح سوء الفهم بينهما عن طريق تلك الأمور، ولكن صديقه لا يعلم أنه يكرهها هي لشخصها وليس لأنها أخذت منصبًا كان يستحقه.
إلا أنه لم يظهر ذلك بل ترك ايفا وأخذ القلم ووقع ثم أعطاها الأوراق قائلًا متقمصًا برودها:
"كان ممكن تبعتي أي حد، مش لازم انتِ."
هتفت بنبرة عادية:
"كنت مع وقاص في المكتب وطلب مني كمدير مش كحد قريبي."
تعمدت رفع الألقاب التي كانت تضعها حينما تواجه عبيدة معها مستخدمًا "أنتِ" لذلك أرادت ردها بهدوء وهو فهم ما ترمي إليه، فابتسم وعاود محاوطة شقيقته وقال بنزق:
"بعد إذنك عشان عطلتينا."
ابتسمت ايفا بتوتر لتلك الأجواء الباردة التي جعلت جسدها يقشعر، ولكن ايزل لم تبادلها الابتسامة، فادار وجهها بعيدًا تكتم ضحكتها حينما أردف عبيدة بوقاحة:
"متنسيش تقفلي باب المكتب وراكِ وانتِ خارجة."
كان يريد استفزازها تلك الوقحة، ولكن ايزل كانت هادئة لدرجة تثير الغضب، فتبعت خروجه دون أن تغلق الباب قائلة وهي تمر جوارهما:
"شغل أطفال في الشركة! مكنتش متوقعة إن وقاص بيختار بيبهات مش ناس ناضجة."
وعبيدة لم يرد إلا أنها قد استفزت ايفا التي كادت أن ترد ولكن شقيقها منعها قائلًا بنبرة جامدة:
"سيبك منها، دي عندها مرض غريب اسمه الوقاحة ملوش علاج."
هتفت ايفا:
"مستفزة، مستحملها إزاي!"
ابتسم عبيدة من زاوية فمه وقال:
"نفسي طويل."
الحرب ليست على أشدها، والممتع بها أنها حرب باردة، فهو يجيد الربح في تلك المعارك ويبدو الخسارة من نصيبها.
***
أنهت حوراء من صنع شطائر خفيفة واتجهت إلى غرفة كيان التي رفضت تناول الإفطار بل ورفضت الخروج من غرفتها، وظن الجميع أنها مريضة، عداها فهي تعلم ما حدث أمس، وبالطبع الأمر له علاقة وثيقة بقدوم قتيبة أسفل شرفتها.
طرقت الباب وانتظرت حتى أتى صوت كيان تقول بصوت مبحوح يدل على مدة طويلة قضتها في البكاء:
"قولت مش جعانة."
أجابتها حوراء:
"مش جاية عشان تاكلي، عاوزة أطمن عليكي."
أتاها صوت كيان:
"أنا كويسة يا حوراء، امشي."
تنهدت حوراء وأعادت في رأسها ما أعدته قبلًا لكي لا تخطئ، فقالت بأول جملة:
"مش همشي إلا لما تفتحي، يا إما هروح لجدو وأعرفه كل حاجة."
كانت حوراء تستعد لرد كيان عليها وتعد إجابتها مسبقًا، إلا أنها ذُهلت حينما فتحت الباب وسألتها بنفس النبرة المبحوحة وأنف أحمر ناهيك عن تورم جفنيها:
"تقوليله على إيه! وبعدين أنتِ قولتِ مش جاية عشان الأكل!"
دفعتها حوراء بمرفقها لتدخل ثم قالت وهي تضع الشطائر فوق الفراش وجلست جوار الطعام:
"الأكل عشاني مش عشانك، ودلوقتي تعالي نتكلم."
تأففت كيان ثم أغلقت الباب واقتربت تجلس جوار حوراء، تضم ركبتيها إلى صدرها، فتساءلت حوراء وهي تلتقط شطيرة دون أن تأكل منها:
"قوليلي بقى، قتيبة كان هنا امبارح ليه! وإيه اللي حصل خلاكِ تعيطي كدا!"
نظرت إليها كيان مذهولة وسألت:
"عرفتِ منين!!"
أكلت من الشطيرة ثم قالت بفخر وهي تبتلع ما في فمها:
"شوفتوا تحت أوضتك وأنقذتك من عمير."
"نعم!!"
أومأت حوراء برأسها ثم مدت يدها بالشطيرة لكيان التي أخذتها دون وعي وقالت:
"كان معدي صدفة وأنا واقفة في بلكونة الصالة، وأنا اللي منعته يشوفك."
أومأت كيان هذه المرة ثم قضمت الشطيرة دون وعي أيضًا، فابتسمت حوراء التي ضربت كتف الجالسة بجوارها وهتفت متسائلة:
"ها إيه اللي حصل!"
تنهدت كيان وقالت بشرود:
"زي كل مرة، اتخانقنا."
تنهدت حوراء بحزن، كلاهما يجرحان الآخر ولكنهما لا يستطيعان التخلي عن بعضهما، تستطيع كيان التخلي عنه وتركه نهائيًا ولكنها تأبى تركه، إنها تحبه وبشدة، ورشاد لم يكن سوى سبيل ضعيف لتوهم نفسها أن قتيبة قد كان ماضيًا وولى، وتلك الحمقاء لا تعلم أنه ماضيها وحاضرها ومستقبلها، أو ربما تعرف وتأبى الاعتراف، وفي كلتا الحالتين هناك ما يمنعها من التقدم نحوه وفضولها! ستستمع إلى نصيحة نوح ولا تسأل، فانتظرت كيان لتبوح بما يجیش بداخلها.
تركت كيان الشطيرة ثم مالت برأسها ووضعتها فوق ركبتيها وهتفت بنبرة بائسة:
"بس أنا جرحته المرة دي، قولت حاجة مكنش ينفع أقولها."
سألتها حوراء بهدوء:
"كان قصدك ولا غصب عنك!"
هبطت عبرة خائنة:
"مكنش قصدي، كنت عاوزاه ييأس مني، مش عاوزاه يحط أمل على وهم."
ربتت حوراء على ظهرها وصمتت تنتظر كيان لتكمل، ولكنها آثرت البكاء في صمت، لتقول هي:
"وهو فعلًا وهم يا كيان ولا أنتِ بتحاولي تقنعي نفسك!"
هتفت شاردة بحديث أمس:
"مش عارفة، بس اللي أعرفه."
رفعت رأسها ومسحت وجهها المتورم ثم هتفت مكملة:
"إني بكرهه، بس مش عايزاه يكرهني."
رفعت حوراء حاجبها وقالت باستنكار:
"بس دي أنانية."
ردت كيان مؤكدة:
"عارفة، بس مش عارفة أعمل غير كدا."
حدقت بها حوراء مذهولة ولكنها لم تعقب، بل خطر على بالها سؤال كان يجب أن تسأله لها من قبل:
"وأنتِ فعلًا بتكرهيه!"
وكأن سؤال حوراء صدمها فجعلها تفغر فمها والصدمة ترتسم على وجهها، وسؤالها يطوف داخل ثنايا عقلها، هل تكره قتيبة حقًا؟ أم تكره ما حدث ذلك اليوم؟
تكره أن يكون هو قاتل أبيه، مشاعرها في فوضى تامة، تارة تكره نفسها لمَ أصابه بسببها وتارة تكرهه لأنه لطخ يده بالدماء، وتارة لا تكره أحدهما بل تكره الظروف التي وضعتهما في خانة الكره.
أغلقت فمها ولم ترد، فقط اكتفت بالتحقيق الفارغ بحوراء التي قالت بشبه ابتسامة:
"مش محتاجة تجاوبي يا كيان، الإجابة أنتِ عارفاها."
عاودت وضع رأسها على ركبتيها وأدارت وجهها بعيدًا عن حوراء وأجابت بهمس لم يصل حتى إلى أذنها:
"يمكن."
مسحت حوراء على ظهرها ووضعت رأسها عليه ثم قالت بنبرة هامسة ولكنها جدية:
"بس اللي أعرفه يا كيان إنك متسمحيش لقتيبة إنه يكرهك."
لم ترد كيان، فأكملت حوراء حديثها:
"ولازم تعوضيه على اللي قلتيه."
همست كيان متسائلة:
"تفتكري."
ابتسمت حوراء:
"جدًا."
***
الخطأ الخامس؟ لا ربما السادس أو السابع، لا يدري فقد توقف عن العد، ولكن هذا يفوق الحد الذي يتوقعه، لذلك ترك آدم ما في يده ثم اتجه إلى حيث قتيبة وقال بهدوء وهو يأخذ ما في يده:
"الغلطات دي هتودينا في داهية، سيب اللي في إيدك واستريح."
ولكن قتيبة لم يمتثل لما يقوله آدم وقبض على الآلة هاتفًا بصوت قاتم جعل صديقه يتراجع بدهشة:
"متشدش حاجة من إيدي كدا تاني عشان متزعلش."
تفاجأ آدم من هجومية صديقه، فقد كان أمس في حالة جيدة، أما اليوم فكأن أحدهم قد آذاه بشدة، قتيبة قلما أظهر غضبه واستياءه على الرغم من أنه سريع الغضب، ولكن كان يستطيع السيطرة عليه.
أما ما يراه الآن فما حدث قد نال منه وبشدة، لذلك آثر آدم تركه وعاد إلى عمله الأول وهو يراقب قتيبة عن كثب، وما توصل إليه أن كيان هي سبب تلك الحالة.
تنهد وبدأ عمله من جديد ثم سأله بغية تغيير الحديث وإبعاد تفكير قتيبة عما حدث:
"عملت إيه في الكلام اللي قالك عليه زميلك في السجن ده!"
تأخر قتيبة في الرد حتى ظن آدم أنه لن يرد عليه، فتنهد بحرارة وصمت مكملًا عمله حتى آتاه صوت صديقه بعد مدة طويلة جعلته ينسى ما سأله من الأساس:
"لسه مردتش عليه، يومين وهرد."
أخذ آدم برهة حتى فهم عما يتحدث عنه قتيبة ثم هتف وهو يتحدث بحماس زائف:
"كويس، خير يا عم متبقاش تنسانا."
لم يجاره قتيبة في الحديث بل سبحت أفكاره في ذلك الوادي الذي يكرهه، أمس وكلمتها له "قاتل" تردد صداها في أذنيه وكانت كوقع سوط عليه، لم يظن أنها ستنطق بما اقترفته يده لأجلها، بل لأجله أولًا ثم لأجلها، لقد سئم وكره حياته وكيف يعيش، والده كان غير سوي النفس، كان كريه قاتم القلب كما كانت ملامحه تمامًا.
لم يكن يتحدث معه بل كانت يده هي ما تفعل، لقد عاش طفولة بائسة، كره المنزل وكره البقاء فيه، والدته كان يرى به آثار التعنيف كل يوم وكان ينال هو الآخر نصيبه عند عودته من المدرسة.
حاول والده كثيرًا ليجعله يترك تعليمه ولكن رفض رفضًا تامًا، فكان عقاب والده له أن يعمل ويدر عليه بالمال لعله يزهد ويفشل في تعليمه، إلا أن قتيبة خذله، فعمل وتعلم ونجح، وكان من الممكن أن يصبح مهندسًا ذا شأن، إلا أن ذلك اليوم حال بينه وبين مستقبل باهر كان ينتظره.
والمضحك بالأمر أنه لم يندم بل شعر وكأنه تحرر، وكأنه ذاق الحرية أخيرًا بعد سنوات من الأذى الجسدي والنفسي، بعد أشياء كثيرة وجد فيه موت والده الخلاص، فكيف لها أن تنعته بالقاتل؟
لن ينسى ذلك المشهد وهو يقتحم الغرفة ووالده كان يجثم فوقها ممزقًا ثيابها، فلم يتمالك نفسه، كان ذلك المشهد القشة التي قصمت ظهر البعير والفتيل الذي أشعل شياطينه ليقتله.
ذلك اليوم أراد إخباره عن تخرجه بتقدير عال وسيبحث عن عمل يليق به ليستطيع العيش معها ويتزوجها كما خططا من قبل.
"عودة إلى وقت سابق"
جأر قتيبة بصوت عال ولم يدع المجال لشاهين أن يلتف بل انقض عليه وطعنه طعنة نافذة في ظهره، كانت وكأنها طعنة الخلاص، وحينما التفت والده رأى وجه قتيبة الأسود بنيران اشتعلت وكان هو السبب في اشتعالها.
صدمة ثم بصقة دماء تناثرت على وجه كيان قبل أن يقول بصوت متهدج:
"كنت عارف إنك هتعملها في يوم."
وقع على الفراش وقتيبة يحدق به بنظرات سوداء شديدة الظلمة، فضحك شاهين ببطء وقال ساخرًا:
"بس مكنتش أعرف إنك هتعملها عشان خاطر واحدة."
وانقطعت أنفاسه، وانقطاعها كان بمثابة إشارة انطلاق ليتحرر قتيبة، ولكن حينما نظر إلى عيني تلك الملقاة فوق الفراش تضم كنزتها الممزقة، كانت تحدجه بخوف وكره، كان مزيج قاتل ما بين الرعب وعدم التصديق، وكأنها رأت قتيبة آخر عمن كانت تعرفه.
هنا وعلم أن تلك الطفلة التي تربت على يده قد كرهته ورأت نفسه المشوه.
وهو ظل كلاهما يحدقان بالآخر حتى تجمع الجيران على صوت صرخة قتيبة وجاءت الشرطة وانتهى مستقبل حلم ببناءه معها.
"عودة إلى الوقت الحالي"
جملته التي سمعها فقط هو وحده قبل أن تنقطع أنفاسه:
"لقد جعلت منك مسخًا ستتذكرني ما دمت حيًا، سأعذب روحك حتى بعد مماتي."
وكان محقًا، إنه مسخ ولا يزال يتذكره وهذا ما يكرهه.
جأر قتيبة وهو يلقي آلة حديدية بقوة بالأرض ثم ركلها بعيدًا واستحالت ملامحه إلى سوداء قاتمة بشدة، وعلى إثر تلك الصرخة القوية التي برزت لها عروق نحره التفت آدم مصعوقًا واقترب من صديقه سريعًا وأمسك به قائلًا بصوت جهوري قلق:
"مالك يا قتيبة اهدى هتودي نفسك في داهية."
حاول قتيبة التملص من آدم ولكن لم يستطع، فـ هو الآخر قد بنى جسدًا قويًا في السجن ليحكم الطوق حوله، ثم قام بعرقلته ليسقط أرضًا وهو معه ثم هتف بنبرة عالية لجعل قتيبة يفيق:
"اهدى يا بني، اهدى وبلاش جنان أنت في الشغل."
يحمد الله أن آلات المصانع بالخارج تعمل بصوت عال جدًا، فلم يسمعه أحد، وذلك الذي بين يديه لا يهدأ، رغم أن آدم يمسكه بقوة، ولكن قتيبة كانت به قوة غريبة كأنه ممسوس.
كاد أن يمسك قطعة حديدية ويضربه بها، ولكن خشي أن يقتله بها، فتركه يخرج ما به والقلق يعتريه على صديقه وخوفًا أن يدخل أحدهم ويراهما على هذه الحالة فيتسبب بطردهما معًا.
بعد أن مضى وقت بدأ قتيبة يهدأ وحالته تعود، فقط لأن قواه قد خارت، وآدم لا يزال ممسكًا به لم يتركه، ثم سأله بحذر:
"قتيبة أنت كويس!"
جاءه صوت قتيبة أسود، مخيف على الرغم من خفوته:
"سبني."
إلا أن آدم رفض، فقال وهو يحرك رأسه نفيًا بإصرار:
"مش هسيبك غير لما ترد عليا."
زفر قتيبة وأومأ على مضض، فأردف آدم بعناد البغال:
"اسمعك بتقولها."
هتف بجمود:
"هكسر إيدك لو مسبتنيش."
هنا وتأكد آدم أن صديقه عاد ليتركه ببطء، فنهض قتيبة منتفضًا وأخذ آلة العمل وعاد إلى عمله من جديد، فـ أمسكه آدم من كتفه وقال بهدوء:
"خد باقي اليوم أجازة، شكلك تعبان."
دفع قتيبة يده وقال:
"لأ، وابعد عني."
زم آدم فمه ولكن لم ييأس، فقرر سؤاله والحذر لم يفارقه:
"الحالة دي بسبب كيان!"
عندما التفت إليه قتيبة شهق آدم من نظرته له، كانت وكأن الشياطين تلبسته فجعلت من ملامحه أشد سوادًا ورعبًا، فتراجع إلا أن الأوان قد فات، فقبض عليه ثم لكمه بقوة طرحته أرضًا ثم جأر بصوت أشد سوادًا وقتامة:
"ابعد عني السعااادي ومتجبش سيرتها."
لم يدع له المجال حتى ليومئ، فقد قذف قتيبة الآلة بالقرب منه ثم ترك الغرفة التي يعملان بها ورحل مغلفًا وراءه أجواء عكرة ومخيفة كملامحه منذ قليل.
***
بعد يوم طويل من العمل عاد إلى المنزل مرهقًا، وخاصة حينما فاجأته ايزل بغضبها، ايزل تغضب؟ وكان سبب الغضب بالطبع عبيدة.
ضحك وقاص، كلاهما لا يطيقان بعضهما البعض وكأنهما عدوان حقًا، تنهد وصعد إلى المنزل، وقبل أن يفتح الباب وصلته رسالة نصية من هيثم، فترك مفاتيحه وجلس على الدرج وابتسامته تتسع.
أجرى اتصالًا مع هيثم الذي أجاب عليه دون أن يلقي التحية مازحًا:
"والله لولا معزتك عندي مكنتش وافقت على الطلب ده."
قهقه وقاص وقال:
"عارف، بس استحمل بقى."
سمع صوت ضحكات هيثم من الجانب الآخر وانتظره حتى هتف متسائلاً:
"إشمعنى كنانة يعني! فيه موظفين أحسن منها."
أجاب وقاص بمراوغة:
"كنانة ذكية وسهل أتعامل معاها، وكدا كدا هتاخد المساعدة بتاعتي."
سأله هيثم:
"ذكية وسريعة؟ أنت واخد أحسن موظفة عندي."
هتف بخبث:
"مش كان فيه موظفين أحسن منها!"
صمت هيثم قليلًا ثم قال بصراحة جعلت وقاص يصمت هو الآخر بعد حديث الآخر:
"كنانة مش أحسن موظفة من حيث المكانة، بس هي بتعمل شغلها كويس وبتعمل كل اللي بينطلب منها، والأهم من كدا إنها مبتعملش مشاكل ولا ليها علاقات تبوظ الشغل."
ساد الصمت من جهة وقاص الذي ابتسم وقال بعد لحظات:
"كويس إنها ملهاش علاقات، مش عاوزها تقولي بعد مدة هسيب الشغل عشان هتجوز."
هتف هيثم سريعًا:
"هي مش كدا أبدًا."
قطب واص جبينه بتعجب ثم سأل بشك يتمنى أن يكون ظنه في غير محله:
"شكلك تعرفها جدًا صح!"
ضحك هيثم وقال:
"كنت معجب بيها قبل ما أمسك الشركة مكان والدي، بس هي رفضت وقالتلي إنها مانعة العلاقات في الشغل."
تقطيبة صغيرة تدل على انزعاج لا يعلم مصدره هي كل ما ظهر عليه، ليصمت ويستمع إلى المتبقي من حديث هيثم:
"رغم إني حاولت كتير بس كانت بترفض، فاستسلمت وبعدين أقلمت مشاعري على كدا، يمكن لما تروح عندك تبقى فرصة كويسة إنها تغير رأيها."
صر وقاص على أسنانه ولم يرد، بل آثر الصمت على لا يخرج صوته بعدائية غير مبررة كما هي حالته الآن، لِمَ الغضب! ليردف بعد قليل باقتضاب:
"أنا هقفل عشان مشغول حاليًا، نتكلم بعدين، سلام."
لم ينتظر وقاص رده بل أغلق الهاتف ونهض ليفتح الباب ويدخل المنزل، تاركًا الذي على الجهة الأخرى ينظر إلى الهاتف بتعجب.
حينما دخل وقاص المنزل وجد والدته تجلس في انتظاره، ليبتسم هو مقتربًا منها على حين غفلة ثم عانقها قائلًا:
"وحشتيني يا ست الحبايب."
صرخت والدته بفزع ثم وضعت يدها على قلبها قائلة بلوم:
"بسم الله الرحمن الرحيم، خضتني يا وقاص."
قهقه وتناسى السؤال الذي يحوم في عقله ليستدير حول الأريكة وجلس جوار والدته وسألها مازحًا:
"اللي واخد عقلك عني! بتفكري في مين!"
ضربت كتفه وقالت:
"وأنا هفكر في مين غيركم يعني!!"
رفع وقاص رأسه وقبّل جبين والدته ثم قال بابتسامة حانية وصادقة:
"ربنا يخليكِ لينا يا ست الكل."
ربتت على يده وحل الوجوم على وجهها من جديد، ليُمسك يدها ويسألها باهتمام:
"قوليلي إيه اللي شاغلك!"
نظرت إليه والدته وهمت بالحديث ولكنها لم تجد ما تقوله، فأغلقت فمها مجددًا، ليحثها وقاص على الحديث قائلًا بصوت جاد:
"متفكريش كتير، خير!"
عضت شفتيها السفلى وقالت بتردد:
"الموضوع يخص أخوك."
اعتدل وقاص في جلسته واستدار إليها ثم سأل باهتمام وجدية أكبر:
"خير ماله! حد عمله حاجة!"
تنهدت وبعد صراع طويل مع نفسها قبل مجيئه تُخبره أم لا، فحسمت ذلك الصراع بإخباره لتقول بصوت خفيض:
"هو اللي عمل يا وقاص."
هتف بنفاد صبر:
"طب ما تقولي بدل التوتر ده."
أومأت والدته وقصت عليه ما رأته وما حدث، لتجد وقاص معالمه قد وجمت وصمت ينظر إلى الأمام دون حديث أو رد فعل واضح، لتهتف والدته بتوتر:
"بالله عليك ما تعمل حاجة يا وقاص، أنا معرفتش أعمل إيه ولو كلمت عمامك بدل ما يتصرفوا هيقطموا فيك ويقتلوا أخوك."
تساءل وقاص بنبرة غير مفهومة:
"ومحكتيش من زمان ليه يا أمي!"
أجابت بتهدج:
"أنت هتعمل إيه ولا إيه! وخوفت يحصل بينك وبين أخوك حاجة."
حك وقاص جبينه بإعياء ثم هتف قائلًا بصوت جاد وثقيل:
"مين اللي باقي ليكوا بعد بابا الله يرحمه!"
ردت والدته سريعًا وهي تربت عليه:
"أنت يا حبيبي طبعًا بعد ربنا، ربنا ما يحرمنا منك."
ليقول بصرامة:
"يبقى أي حاجة تحصل في البيت ده مسئولة مني مش من حد تاني، وبالنسبة لأسعد أنا هتصرف."
هم وقاص لينهض لتُمسك والدته بيده قائلة برجاء:
"بالله عليك ما تعمله حاجة."
ربت على يدها وقال بمعالم غير مقروءة:
"متقلقيش يا ست الكل، خشي أوضتك وأنا هتصرف معاه."
ترددت والدته وفتحت فمها تنوي الحديث إلا أنه قال بصرامة دون أن ينظر لها:
"قومي خشي أوضتك يا ماما ومتخافيش يلا."
أومأت ونهضت تدخل غرفتها، وهو توجه إلى غرفة شقيقه وقبل أن يدخل، أحنى رأسه وحركها بنفي وكأنه خُذل أو ربما كان التقصير منه، إلا أنه فتح الباب على حين غرة ليجد أسعد يجلس وكأنه في انتظاره، وما أن فتح حتى نهض وعلى وجهه ملامح الخوف.
***
هنا أول مكان التقاها به، وهنا أول مرة يعترف بحبه لها، وهنا أخبرها أنه ينوي زواجها، وهنا تعاهدا معًا، ولكن كل ذلك أصبح سرابًا، سرابًا لا يراه سوى في أحلامه، حتى أحلامه تحولت إلى كابوس مخيف.
لا طفولة ولا صبا ولا شباب، لقد خسر كل شيء، حتى هي خسرها، ولكن لا ينوي التخلي عنها كما لم يتخل عن حلمه في التعليم، لن يتركها تنسل من بين أصابعه وتصبح سرابًا كطفولته.
هنا كان يهرب حينما يصاب والده بنوبة جنون فيُطيح بمن أمامه، في ذات يوم كان والده قد تناول تلك العقاقير المخدرة وفقد السيطرة على نفسه، فضرب والدته وضربه، كان طفلًا يبلغ من العمر ست سنوات فقط، ضرب بحزام وترك أثرًا على جسده.
وهذه المرة هرب من براثن أبيه وخرج إلى البحر، لن ينسى ذلك اليوم فقد كان يبكي بشدة ويعتقد أنها آخر مرة بكى بها، هرب إلى الشاطئ وجلس فوق الرمال يبكي بقوة كطفل تائه لا يجد والديه ولا أحد يعلم أنه يتمنى ألا يجده والده.
حينها التقى جد كيان، ذلك الرجل الوحيد الذي يعرف معاناته وكم عانى هو ووالدته من عنف لم يجد من ينجدهما منه، جلس جواره وربت على ظهره، في البداية خاف وابتعد، إلا أن ذلك العجوز ابتسم وقال:
"متخافش يا حبيبي، أنت تايه!"
أومأ الصبي بلا، فرأى العجوز آثار التعنيف على جسده فصمت مشفقًا عليه، ليجلس جواره وحاوره كثيرًا ثم داوى جراحه بما يملك، لينهض قتيبة ماسحًا وجهه قائلًا:
"شكرًا."
رد العجوز عليه بابتسامة طيبة:
"العفو، تحب تيجي معايا!"
ظهرت علامات الخوف والرفض على وجه قتيبة وقال نافيًا:
"لأ، هيموتني لو حد عرف."
"هو مين!"
أجاب بقنوط:
"بابا."
ويندم أنه أطلق عليه والده، لك يكره في حياته أحد كما كره ذلك الشخص، لقد عذبه في حياته وأيضًا يعذبه في موته، ألن ينتهي هذا الكابوس!
يريد العيش، يريد أن يخرج من تلك الحلقة المفرغة، لم يصبح مثله ولكن ترك بداخله أثرًا لن يندمل ما حيا أبدًا.
أمسك حصى صغيرة وألقى بها بالماء ثم رمى بجسده إلى الخلف ليرتمي فوق الرمال الباردة، الوقت قد بدأ في الغروب وهو ترك العمل دون حرف، يبدو أن اليوم كان آخر يوم له بالعمل.
أخرج هاتفه وأجرى اتصالًا برقم قد ترك له حتى آتاه الصوت من الجهة الأخرى:
"وصلت لقرار!"
أجاب قتيبة بوضوح:
"آه."
نظر إلى امتداد البحر حيث تلتقي المياه بالسماء وقال:
"موافق."
"حلو، تعالى بكرة نتفق."
ثم أغلق الهاتف ونظر مجددًا إلى حيث ما كان ينظر، التقاء السماء بالبحر، متى سيلتقي بها كما يلتقي هذين المستحيلان!
"مش عايز أكرهك، لأ أنا خايف أكرهك يا كيان."
مسح على خصلاته وشدها بقوة وأمسك حفنة من الرمال ورفع يده ثم تركها لتسقط وعاود قائلًا وكأنه يذكر نفسه بألا يكرهها:
"خايف أكرهك."
وهي من بعيد تقف لتراه جالسًا، كانت تشعر بما يشعر به، صراع ووحدة تستطيع التنبؤ بهما من جلسته، لطالما كان قتيبة أيسر لغز تستطيع فهمه وأصعب لغز لا يستطيع أحد فهمه، بينهما ليس ماضٍ فقط، بل حياة شاركتها معه، عرفتها به، أول من أمسك يدها وعرف كيف تضحك معه.
أول من نطقت اسمه فشعرت أنها وحدها من تملكه ولا أحد غيرها، قتيبة كان الأب والحبيب، أول حبيب وآخرهم، حتى وإن لم تكن معه فهو الحقيقة الوحيدة في حياتها، الحقيقة الوحيدة التي تعرفها ولا شيء غيره.
تقدمت منه تنوي الاعتذار عما قالت، تعلم أنها قد جرحته بقوة، لا تعرف ما مدى توتر علاقته مع أبيه، ولكن طوال مدة تواجدهما معًا لم يذكر اسم والده أو يخبرها بشيء عنه، وهذا يدل على أن قتيبة يكره والده.
فركت يدها وتقدمت حتى وقفت خلفه وسمعت عبارته الأخيرة:
"خايف أكرهك."
كادت أن تشهق من فرط صدمتها، هذا أكثر ما تخشاه، لا تريده أن يكرهها.
رواية أغلال لعنتهُ الفصل التاسع 9 - بقلم اسراء علي
و إني والله لو خُيرت بينها و بين العالم لإخترتها رُغمًا عن أنف العالم…
نبضاتها تستطيع سماعها بـ وضوح و كأنها في سباقٍ يقطع الأنفاس، كانت تقف و كأنها على حافة الإنهيار من هاوية شديدة العُمق لا يظهر لها نهاية.
أما تكن تعلم أن هذا ما ستشعره حينما تسمع تلك الكلمة، أنه يخشى كُرهها، هي فقط من يحق لها الكُره.
لذلك وجدت نفسها تتقدم خطوة واحدة منه ثم هتفت بـ قوة و كأنها تردع عقله عن أي فكر يودي بهما معًا.
"إوعى تكرهني، مش من حقك تكرهني…"
رأت تصلب عضلات ظهره و التي تحركت أسفل ثيابه الضيقة تشي بـ صدمته لوجودها، أو رُبما صدمة لِمَ سمعته منها و تلك الأنانية التي تُقطر من حروفه.
لم يبدُ عليه أنه سيكلف نفسه عناء الرد أو الإستدارة لها فـ تركها تقف خلفه و قلبها يوشك على التوقف عن العمل.
و ذلك أثار غيظها فـ دون وعي ركلت حفنة من الرمال بـ ظهرهِ صارخة.
"سمعتني! مش من حقك تكرهني…"
إستدار بـ رأسهِ إليها و عينيه تُطلقان الشرر فـ تراجعت بـ خوف.
ثم بحثت عن أحدهم و لكنها لم تجد أحد في الشاطئ الخالي لتعود بـ نظرها إليه.
فـ خرجت شهقة حينما وجدته ناهضًا أمامها يقول بـ صوتٍ قاتم دون أن يلمسها.
"بس دي أنانية منك يا كياني…"
لم تجد ما تُجيب به، أنانية! أجل هي أكثر شخص أناني قد تراه إذا ما كان هو المعني بـ الأمر.
على الرغم من كُرهها له إلا أنها تعشقه و هذا ما يجعلها تكرهه.
لقد قتل، و أمامها و مع ذلك تتلمس له العُذر، تسمح له بـ الدفاع عن نفسهِ و لكنه يأبى الحديث، يأبى إخبارها أي شئ.
فقط هي الأكثر وضوحًا كما كانت من قبل.
تقدم منها قُتيبة و أظلمت ملامحه ثم هتف و هو يضع يديه في خصرهِ بـ نبرةٍ جامدة.
"ليه مسموحلك تكوني أنانية و أنا لأ!..."
رفعت نظرها إلى عينيهِ التي تنظر إليها بـ عتابٍ جاف إلا أنها لا تزال تحتويها و تفيض بـ الحُب.
ثم قالت بـ صوتٍ خفيض، باهت لا ينتمي إلى تلك الثائرة.
"أنا بس اللي أكرهك…"
إجابة لا تتعلق بـ السؤال أبدًا، فـ خرجت منه قهقه سوداء أجفلتها.
ليهز رأسه و قام بـ تغيير سؤاله.
"برضو ليه منك حقك تكرهيني و أنا لأ!..."
فتحت فمها تنوي الرد و لكن إن هتفت بـ شئ فـ سيجرحه لذلك أغلقت فمها مرةً أُخرى.
و هو فهم ما تختلج به نفسها فـ ضحك ساخرًا و قال هازئًا بـ صوتٍ قاتم، أسود كـ نظراتهِ.
"قوليها سكتِ ليه!..."
حركت كيان رأسها بـ رفض.
ليُمسك قُتيبة ذراعيها و يهزها صارخًا بـ صوتٍ عال.
"قوليها"
حركت رأسها نافية بـ قوة و صرخت هي أيضًا:
"لأ…"
أدارها في إتجاه البحر و هزها بـ قوة أكبر و جأر بـ حدة جعلتها تُغلق جفنيها بـ شدة خوفًا منه.
"بقولك قوليها…"
و كانت هي مُصرة على الرفض و هو كان إصراره أكبر حينما جأر بـ صوتٍ جمدها أرضًا.
"قوليها يا كياان"
صرخت و هي مُغلقة عينيها:
"قاتل…"
ضحك قُتيبة بـ سوداوية ثم دفعها لتسقط فوق الرمال قبل أن تأتي موجة لتُغرقها.
ثم إنسحبت على إستحياء لتترك كيان وحدها تبكي، تضرب الرمال صارخة بـ حدة.
"ليه خلتني أقولها ليه!..."
جثى قُتيبة بـ ركبةٍ واحدة و إبتسم إبتسامة مُخيفة من حُزنها و مقتها.
ثم هتف موضحًا بـ نبرةٍ هادئة إلا أنها كانت تحمل ألمًا زاد من جدة بُكاءها.
"عشان دا اللي جواكِ يا كيان، عشان دي النُقطة السودة اللي مش ناوية تنسيها…"
قبض على ذقنها و رفع رأسها له ثم أكمل و نبرة صوته تقتم.
"و دي الحقيقة اللي غصب عنك هترضي بيها…"
دفعت يده بعيدًا عنها و كذلك أبعدت وجهها الدامع عنه.
لتأتي من خلفها موجة أُخرى تُغرقهما معًا و صوت تلاطم الأمواج هو ما يكسر السكون بينهم.
تنهد قُتيبة و جلس أمامها غير عابئ بـ إتساخ ثيابهِ بـ الرمال و الماء التي تُبلله و ظل صامتًا أمامها، يُحدق بها فقط.
كانت تبدو لوحة مصنوعة من الألم و الخوف و الكُره إلا أنه لا يستطيع كُرهها.
"هترضي بيها يا كيان…"
نظرت إليه بـ تعجب ليُكمل مؤكدًا و هو يومئ بـ رأسهِ.
"أنا الحقيقة الوحيدة اللي فـ حياتك و اللي مش هسمحلك تضيعيها"
سألت بـ توجس:
"قصدك إيه!"
إبتسم بـ تهكم و أجاب.
"قصدي عارفاه كويس و مع ذلك هقولك…"
إقترب قُتيبة منها بـ رأسهِ ثم همس بـ خُبثٍ خطير و كأنه يؤكد لها حقيقة أنها مُلكه و لن تكون لأحدٍ غيره.
"إنك هتكوني ليا، إني مش هسمح لحد ياخدك، و لا هسمحلك تنسيني…"
بكت كيان أمام إصرارهِ الرهيب و قالت بـ يأسٍ أكل قلبها.
"بس دا وجع"
أردف مؤكدًا بـ قسوة:
"و أنا راضي بيه…"
دهشة و صمت حلا عليها، لن يتركها أبدًا ما دامت حية و عليها أن تُسلم رايتها البيضاء له.
تعلم يقينًا أن قُتيبة لن يسمح لها بـ الهروب حتى و إن ماتت سيتبعها، ذلك الحُب السام بينهما يقتلها بـ بُطء و هو لا يعلم، بل يعلم و لكنه يأبى الإعتراف.
قُتيبة كان حُلمها في كل وقت رأته به و حُلم كُل فتاةٍ، كان ذلك الشاب صاحب الجاذبية في حيهما، ملامحه الخشنة و وسامته المُخيفة أكثر ما يجذبان الفتيات له.
لم يكن بـ تلك العضلات قبلًا و لكن كان جسده مقبولًا.
كان عليها أن تصمت و تُخفي غيرتها و هي ترى الفتيات يتوددن إليه، كان عليها أن تتحمل كُل ذلك من أجلهِ فقط فـ كانت تعرف أنها من إختارها قلبه.
لم يُخبرها صراحةً أنه يُحبها فـ قُتيبة لا يعرف معنى تلك الكلمة و لكن يكفي أنه حينما ينظر إليها تجد أنها الأُنثى الوحيدة في عينيهِ.
و حتى الآن كيان هي الأُنثى الوحيدة و تعلم أنه لن يكون هُناك غيرها، و هذا ما يجعلها تتمسك بـ ذلك الخيط الضعيف حتى لا تنسى ذلك الحُب، حتى لا تتشوه تلك المشاعر بـ تلك الحادثة.
لم يخرج منها رد فـ هتف هو واقفًا.
"قومي روحي، الوقت هيتأخر…"
كان الليل قد حلَّ بـ الفعل فـ نهضت بـ صمت دون النظر إليه، تنفض ثيابها من الماء و الرمال و تقدمت تنوي الرحيل.
و لكن قُتيبة أعاق طريقها، فـ رفعت عينيها إليه بـ حدة تنوي الصُراخ.
إلا أنها شهقت حينما وجدت نظراته سوداء، ليست كتلك مُنذ قليل و لكن تلك النظرات التي إعتادتها قبلًا، ينظر إليها فقط دون القُدرة على لمسها.
فـ تراجعت أكثر خوفًا مما قد يُقدم عليه و الشاطيء من حولهما فارغ.
"عـ عايزة أمشي"
هتف بـ جمود:
"إستني هنا…"
كادت أن تعترض و لكنه قد تركها بـ الفعل و ذهب إلى بائع مر صُدفا ليبتاع منه عباءة غريبة الشكل واسعة بـ شدة، رُسم عليها طاووس بـ ألوان زاهية إستطاعت رؤيتها حتى من ذلك البُعد و لون العباءة كان كارثي.
إقترب قُتيبة منها و ناولها العباءة لتقول بـ إشمئزاز.
"مش هلبس العباية دي، إيه اللون دا!..."
كان اللون "فسفوري" يؤلم العين، بغيض الشكل، يُشبه تلك العباءات التي ترتديها فتيات الحي.
أما قُتيبة قد ألقى العباءة بـ وجهها و قال بـ صوتٍ ساحق رغم أن نبرته خرجت عابثة.
"هتلبسيها لو مش عايزاني أغتصبك هنا"
أمسكت بها قبل أن تقع و قالت بـ حدة.
"حيوان"
إبتسم مُتهكمًا من زاوية فمه و قال.
"عشانك بس، أنتِ اللي بتحركِ غرايزي…"
يجب أن ترتدي تلك العباءة و ترحل من هُنا، ما يحدث الآن خطير و الأكثر خطورة إن ظلت معه.
فـ إرتدت العباءة و قالت بـ توتر.
"أنا همشي…"
تركها تسبقه بـ عدة خطوات ثم وضع يديه في جيبي بِنطاله و إبتسم ثم تبعها و قال بـ صوتٍ عال ليصلها بـ وضوح.
"لما نتجوز هاتي عبايات من دي، عايزك تزغللي عيني كدا…"
و ردها كان ركضًا سريعًا أوشكت على الوقوع بسبب الرمال و هو من خلفها يُتابعها.
و إستنتج أنه لا يستطيع أن يكرهها.
*******************
وقف أسعد مُنتصبًا أمام شقيقهِ الذي دلف صامتًا ينظر إليه و عينيه يعلم أنها تسبر أغواره.
فـ أحنى رأسه في خجل.
تنهد وقاص و جذب مقعد خشبي يجلس عليه في وضع مُعاكس و قال بـ جمود صخري.
"طبعًا عارف أنا جايلك ليه!..."
لم يرد أسعد عليه و الخجل بل الخزي جعل لسانه معقود و لكنه أومئ في إيماءة بسيطة.
إلا أن وقاص هدر.
"سمعني صوتك"
رد أسعد بـ صوتٍ خفيض.
"عارف"
تمتم وقاص.
"عملت إيه؟…"
تلجم أسعد و لم يستطع الرد على شقيقهِ الأكبر رغم سنواته العشرين و لكن وقاص كان هو الأب بعدما توفى والده في سنٍ مُبكر.
ليقول بـ خفوت و خجل.
"أنت عارف"
أومأ و قال.
"بس حابب أسمع منك…"
رفع أسعد وجهه إلى أخيهِ و في عينيه نظرة توسل لكي لا يُجبره على البوح بما فعل.
إلا أن وقاص كان من القسوة، رفض أن يُظهر حنانه في مثل هذا الموقف و إنتظره ليقول.
"مش هقدر"
حينها صرخ وقاص.
"و لما أنت مش قادر تعترف بـ القرف اللي عملته، بتعمله ليه من الأول!..."
لم يرد أسعد، لم يجد ما يرد به على شقيقهِ الذي أكمل و هو يضرب المقعد الجالس عليه.
"قصرت معاك فـ إيه عشان تعمل كدا! قصرت فـ إيه فـ تربيتك! بقى دا جزاتي إني وثقت فيك…"
ضرب وقاص المقعد من جديد و هتف بـ خيبةِ أملٍ واضحة.
"مكنش لازم أديك الثقة دي من الأول"
هتف أسعد مُدافعًا.
"ما كل صُحابي بيعملوا كدا…"
حينها فَقَدَ وقاص أعصابه لينهض ضاربًا المقعد ثم إقترب من شقيقهِ و هدر بـ حدة أفزعت أسعد.
"أنت غبي! مالك و مال صُحابك! هُما عشان بيعملوا الحرام فـ تستحله أنت! يعني بقى عادي تعمله عشان الكُل بيعمله"
"إنتفض أسعد قائلًا:ما أنت مانعني من كُل حاجة و مانعني أرتبط حتى و مش عارف أمشي مع أي بنت بسببك…"
لكزه وقاص في كتفهِ و هدر بـ صوتٍ جهوري يُخفي خلفه صدمة.
"و أنا مانعك ليه! تحكم مثلًا و لا عشان أفرض سيطرتي عليك! مش دا عشان أطلعك راجل يا أُستاذ و جاي تلومني دلوقتي!..."
صمت أسعد أمام صراخ أخيه المُحق، لطالما كان وقاص في ظهرهِ و معه يُسانده في كُل خطوة، كان يُريده رجلًا لأجل والدته و لأجل نفسه و لكنه حاد عن الطريق و إتجه إلى ذلك المنحدر فـ أثم بـ مُحرمات.
أصدقاءه يفعلون ما يحلوا لهم أما هو فـ كان ينأى عنهم حتى سخروا منه فـ أراد تحديهم أنه يستطيع فِعل ما يفعلونه فـ بدأ بـ مُشاهدة الأفلام الإباحية ثم تناول السجائر التي قطعًا تحمل المُخدرو اليوم إكتشفته والدته و هو يُشاهد إحدى هذه الأفلام مُستعينًا بـ سجائر إستعارها من أحد أصدقاءه و حينها فقط عَلِمَ فداحة ما فعل.
إنتفض على صوتِ أخيه الذي كاد أن يصم الآذان و لكنه يعلم أن تلك الحدة كانت من فرط صدمته.
"كُل اللي أنت فيه دا بسببي، أنا اللي خليتك بني آدم و جاي تقولي صُحابي!"
قبض أسعد على يدهِ و قال.
"أنا آسف، والله غلطة و مش هكررها…"
تنهد وقاص و ضغط على مُنحدر أنفهِ يُهدئ إنفعالاته ثم قال بـ نبرةٍ إنخفضت حدتها.
"دا مش غلط دا ذنب، وإبعد عن صُحابك، الصاحب اللي يشد صاحبه للحرام و الغلط ميبقاش صاحب، دا شيطان، الصاحب هو اللي يشد صاحبه للطريق الصح"
همهم أسعد.
"أنت مش فاهمني، أنت مش فـ سني عشان تعرف، أنا مليش غيرهم صُحاب…"
ذم وقاص فمه بـ عدم رضا و جلس ثم جذب أسعد يجلس جواره فوق الفراش و قال بـ هدوء.
"أنا متولدتش كبير و بشعر أبيض كُنت فـ سنك يا أسعد شاب زيك و عدى عليا صُحاب زيك صُحابك و مريت بـ نفس اللي مريت بيه، بس الفرق اللي بيني و بينك إني إخترت أخاف من ربنا و أخاف على أهلي، أه مليش أخوات بنات بس فكرك مش مُمكن تترد بعدين!..."
إستمع أسعد بـ حرص فـ أكمل وقاص حديثه.
"كان مُمكن أشرب سجاير زي باقي الشباب اللي فـ سني بس عارف إن طريق السجاير هيوديني لحاجة أبعد منها، عشان كدا كُنت ببعد عن أي حاجة مُمكن تخليني فـ يوم أروح فـ سكة مرجعش منها"
همهم أسعد و قد فهم ما يرمي إليه وقاص.
"أنت كبير و مش فاهم طيش الشباب"
رد وقاص مُستنكرًا.
"أنت ليه محسسني إني مواليد كُفار قُريش، الفرق بينا ستاشر سنة بس…"
إبتسم أسعد و لكن سُرعان ما أخفى إلا أن وقاص قد لمحه فـ أردف مُكملًا ليصل إليه ما يقصده.
"أنا تعبت فـ تربيتك يا أسعد عشان أطلعك راجل وقت مكنش موجود تخلي بالك من أُمك، مسبتكش ترتبط مش عشان أنا مُعقد بس عشان أعلمك تحافظ على بنات الناس اللي مش لعبة و ربنا يباركلك فـ اللي هتبقى مراتك و بناتك، الغلط و الحرام مبيتجملش…"
عانقه أسعد بـ قوة و قال بـ صدقٍ لمس وقاص بـ شدة.
"آسف والله يا وقاص، مش هعمل كدا تاني و هدعي ربنا يغفرلي، بس متزعلش مني أنت أبويا"
ربت وقاص على ظهرهِ و قال.
"لما تحس بـ ندمك تجاه ربنا هبقى أقولك مش زعلان…"
نهض أسعد و فتح أحد أدراج مكتبه و أخرج سجائر و أعطاها لوقاص قائلًا بـ خجل.
"أحم دي سجاير الحشيش، إتصرف فيها و أوعدك والله مش هعمل كدا تاني…"
أخذها وقاص و إحساسين يطوفان داخله ما بين الحُزن لفعلة شقيقه و الفخر لتلك المبادئ التي وضعها فيه فـ تراجع فورًا عن أخطاءه، ليضعها في جيبه.
ثم مدّ يده وقال بـ صرامة.
"هات مفاتيح الموتوسيكل بتاعك"
فزع أسعد وقال.
"لأ ليه! أنت عارف بحب الموتوسيكل دا أد إيه"
هتف وقاص.
"دا عقابك و لما أحس إني رجعت أثق فيك هرجعه…"
توسله أسعد كثيرًا و لكن رفض وقاص أن يرضخ له فـ أعطاه المفتاح ليقول قبل أن يخرج.
"أنا عارف إنك مكسوف من أُمك، بس روح راضيها و إتأسفلها، أُمك متستحقش منك كدا…"
قرأ وقاص الخجل على ملامح شقيقه و خزيه الواضح، يستحق ذلك، يستحق ذلك الخزي حتى يتعلم كيف يعود إلى الله.
تركه و خرج ليأته رسالة نصية على هاتفهِ جعلته يتعجب بـ إبتسامة.
"لازم نتقابل"
ليخرج بعدما أرسل يرد بـ مكان اللقاء، سيستمتع كثيرًا بـ لقاءهِ مع السارقة النبيلة.
********************
ترجل وقاص من سيارتهِ عند مكان الإلتقاء الذي حددته هي بعدما إعترضت على ما حدده هو، ليضحك و هو يقول باحثًا عنها بـ عينيهِ في الأرجاء.
"مُشكلتها إنها مُسلية جدًا…"
وجدها تجلس على إستراحة صغيرة أمام البحر في مكانٍ بعيدًا عن أعين البشر فـ إقترب منها و من خلفها همس بـ خُبثٍ.
"لو حد شافنا فـ المكان المقطوع دا هيفكر غلط…"
صرخت كِنانة بـ فزع و تراجعت لتسقط عن المقعد و لكنه امسكها ليقول ضاحكًا.
"المشاهد دي بتتكرر كتير…"
دفعته كِنانة و إعتدلت بعدما إستعادت توازنها ثم قالت بـ قنوط.
"دا عشان أنت مُتحرش و بتصطاد فـ الماية العكرة"
إلتف وقاص و جلس جوارها قائلًا.
"أنتِ اللي طلبتِ نتقابل مش أنا"
همهمت بـ قرف.
"عشان ربنا إبتلاني بيك مش أكتر…"
حرك وقاص رأسه يائسًا منها و من شخصيتها الغريبة و لكنه ضحك و قال مُعتدلًا.
"مش أنا اللي قولتلك إسرقي يا حرامية…"
نظرت له كِنانة بـ إشمئزاز و أدارت رأسها بعيدًا.
ليُخرج تنهيدة و بعدها سأل.
"طلبتِ نتقابل ليه! قررتِ يعني!..."
عقدت ذراعيها أمام صدرها و كل هجومها طار مع الرياح حينما سألته بـ توتر و أعين زائغة.
"لو عملت عكس اللي أنت عايزه هتسلم الفيديو للبوليس!"
مط شفتيه وقال بـ بساطة.
"دا بديهي"
زفرت و قالت بـ رجاءٍ يائس.
"طب مفيش حل وسط!..."
حرك وقاص رأسه نافيًا بـ صمت لتُخرج زفيرًا أشبه بـ النشيج و إنتظرها حتى قالت بـ قلة حيلة.
"إعتبرني أختك و أُستر عليا"
رفع حاجبه و قال بـ إستنكار.
"أستر عليكِ!..."
أومأت كِنانة بـ تأكيد ليرد وقاص مذهولًا بـ مُزاح.
"أستر عليكِ لما يكون بينا حاجة، بس دا دين عليكِ"
"يا سيدي في أكتر من طريقة لدفع، بلاش دي"
ضرب كفًا بـ آخر و قال.
"يا بنتي هو أنا همشي معاكِ فـ الحرام! دا أنتِ هتشتغلي عندي…"
إلتفتت إليه كِنانة بـ جسدها كُله ثم هدرت بـ شراسة و هي تُشيح بـ يدها في كُل الإتجاهات.
"ما دي المُشكلة"
قطب جبينه و تسائل.
"طب معلش فهميني إزاي!"
أجابت و شراستها تشتد.
"سكرتيرة و مُدير مُتحرش مش محتاجة فقاقة…"
صمت، و صمت ثم الصمت، الدهشة جعلت لسانه معقود و كأن عقله قد عجز عن ترجمة ما تقول حتى تسنى له الرد بعد عدة لحظات تحت نظراتها التي ترميه بها و كأنه نيران حية.
"معلش عيدي تاني كدا اللي قولتيه!"
نهضت كِنانة و قالت.
"اللي فهمته، و لعلمك أنا عارفة إنك بترسم على علاقة حرام و تخليني عشيقة المُدير السرية…"
حقًا لقد أكلت الروايات عقلها فـ لم يبقَ بها عقل لتُفكر هذا التفكير الأحمق، لذلك مال وقاص إلى الأمام و ضرب على رُكبيتهِ ضاحكًا بـ قوة.
لتعقد كِنانة حاجبيها بـ غضب شرس ثم هدرت سائلة.
"بتضحك على إيه!..."
أشار إليها وقاص في إشارة لتنتظر حتى يفُرغ من ضحكه ثم قال ساخرًا بـ مُزاحٍ.
"أؤكدلك إنها هتكون علاقة حلال"
أشارت بـ يدها و قالت.
"شوفت،شوفت غرضتك الزبالة زيك بان…"
زفر وقاص و قد بدأ الغضب ينتابه ثم نهض على حين غُرة جعلها تتراجع خوفًا و إنكمشت كـ قِطةٍ ضالة.
ليقول بـ تحذير و نبرةٍ خرجت شديدة الصرامة و القوة.
"أول حاجة أتعلمِ تعدلي لسانك و تحترمي اللي هيكون مُديرك، لأني مش هسمح بـ طولة لسانك دي كتير"
إستعادت شراستها و قالت.
"متسمحش، و عشان تتقي شر لساني، إبعد عني…"
وضع وقاص يديه في جيبي بِنطاله و قال بـ ثقة واضحة و لكنها خبيثةٍ في دواخلها.
"معنديش مانع أبعد عنك"
إنفرجت أساريرها و قالت.
"ما طلعت ابن حلال أهو! مخوفني ليه، سلام عليكم…"
كادت أن ترحل و لكن وقاص قبض على رسغها يجذبها إليه ثم أكمل مُتخابثًا و كأنه لم يسمع ما تقول.
"بس على شرط، هتسددي دينك بـ طريقتي فـ ليلة واحدة"
شهقت و هتفت صارخة.
"يا حيوان يا مُتحرش و ديني لأفضحك"
ضحك و قال.
"حقك، و حقي إني أحبك يا حرامية…"
ضيقت عينيها بـ شر و ذمت شفتيها ذلك الحقير لن يتركها و شأنها و من الأفضل لها أن تُسايره حتى تجد مخرجًا من ذلك المأزق الذي وضعت نفسها به.
"بذمتين، يعني اللي يرضيك إني إشتغل عندك"
أومأ قائلًا.
"أيوة"
"لمدة أد إيه!"
مط شفتيه و أجاب.
"لحد أما تسددي اللي عليكِ…"
لم تجد ما ترد به فـ أكمل هو مُستغلًا صمتها بـ عبثية مُتأخرة.
"و عشان أثبت حُسن نيتي، هنسى أي إساءة و نبدأ من جديد…"
ترك يدها لتُقربها من صدرها و أكمل هو مازحًا.
"شوفتِ حظ زي حظك دا! مُدير ينسى إهانة موظفة"
هتفت بـ إشمئزاز مُستنكر.
"قليل البخت يلاقي العضم فـ الكرشة"
سألها بـ غرابة مُتعجبة.
"يعني إيه اللي قولتيه دا!"
هتفت.
"يعني حظي زفت…"
ضحك وقاص، إنها عشوائية و مُمتعة.
إبتعدت كِنانة قائلة من بين أسنانها.
"بكرة هقولك هشتغل إمتى"
نفى قائلًا.
"بكرة هتيجي تستلمي الشُغل"
ردت بـ عناد.
"مش بـ مزاجك سلام…"
إستدارت ترحل فـ هتف وقاص من خلفها و هو يعاود وضع يده في جيبي بِنطاله.
"هنشوف بكرة بـ مزاج مين…"
و لـ غدٍ حديثٍ آخر.
*********************
أغلق قُتيبة باب الشقة خلفه و ما إن إستدار حتى وجد والدته تقف خلفه.
ليرفع حاجبه بـ إنزعاج و قرر عدم الحديث فـ لا طاقة له للجدال معها.
إلا أنها لم تدعه فـ هتفت بـ حدة.
"كُنت فين يا باشا كُل دا، الساعة داخلة على واحدة"
رد قُتيبة دون أن يستدير.
"و أنتِ إيه اللي مسهرك للوقت المتأخر دا!..."
تقدمت منه رجاء تقبض على ساعده و تُديره إليها قائلا بـ صوتٍ شبه عال.
"مستنية البيه إبني يرجع، اللي مفكر البيت لوكاندة"
تمتم قُتيبة بـ جفاء.
"صوتك عالي و الناس نايمة، الصُبح نتكلم…"
إستدار قُتيبة ينوي الرحيل و لكنها منعته صارخة بـ حدة.
"مفيش صُبح، هنتكلم دلوقتي عن صرمحة كُل يوم ورا الصايعة دي، و كُل من هب و دي يتكلم"
ضرب الحائط المُتشقق جواره و هدر.
"الدنيا ليل و مش عايز وجع دماغ، طلعيها من دماغك عشان ترتاحي…"
تحرك قُتيبة خطوتين و لكن رجاء تحركت و وقفت أمامه تُعيق رحيله و بـ صوتٍ أعلى من صوتهِ هدرت.
"لأ مش هرتاح غير لما تطلعها أنت، خدت إيه منها غير وجع الدماغ! خدت إيه غير السجن و القرف و مُستقبلك اللي ضاع!..."
حينها إنفجر قُتيبة بـ جنون فـ هدر بـ صوتٍ جهوري يُقطر حقدًا لم يستطع التخلص منه.
"مُستقبل إيه اللي بتتكلمي عنه! و سجن إيه دا! دا كان حُرية بالنسبالي أنا مش زيك"
شهقت صارخة بـ حدة.
"بعد ما تعبت عشانك و إستحملت ذُل و قرف جاي تقولي مش زيي!"
ضحك قُتيبة بـ سوداوية و قال.
"ياريتك ما إستحملتِ، ياريتك مشيتِ و سبتيه مكنتش بقيت كدا، مكنتش قتلته و دخلت السجن…"
ضرب قُتيبة طاولة خشبية ليسقط ما عليها و جأر بـ نبرةٍ يائسة بـ قتامة مُخيفة تحمل بـ داخلها ألم طفل و شاب.
"متحاسبيهاش، حاسبيه هو و أنتِ قبلهم"
وضعت يدها على صدرها و سألت بـ تهدج مشدوه.
"أنا!"
أكمل بـ نفس النبرة.
"أيوة أنتِ، كُل يوم ضرب و إهانة و عليا أتفرج و أسمع ألفاظ بقت جُزء مني، كُل تعذيب شكل و ذُل عشان راحته و مزاجه…"
تراجعت رجاء بـ صدمة، لم ينسَ قُتيبة الطفل ما حدث مُنذ. سنوات عديدة.
فـ أكمل و نبرته تزداد حدة و سواد.
"إتربيت على الحشيش و البيرة و قرف و كان لازم أستحمل لما يكون شارب، و أنزل أشتغل عشان يصرفه على قرفه، و أنتِ رضيتِ بالذُل، كُنتِ إمشي و خُديني على الأقل كُنت هلاقي سبب بجد أشتغل عشانه…"
أشار إليها بـ سبابتهِ ثم أكمل و كأنه يتهمها بـ كُل شئ حدث له.
"لو كُنتِ مشيتِ مكنتش قتلته، مكنتش هلومك والله ما كنت هلومك، على الأقل كان مُمكن يجي يوم أقدر أسامحه"
همست رجاء باكية.
"إستحملت عشانك، فكرتك نسيت"
ضحك بـ سواد مُرعب و قال.
"للأسف أحب أقولك إن كُل ضربة و كُل شتيمة محفورة فـ دماغي مش قادر أنساها، كُنت بكره رجوعه للبيت و أدعي ربنا ميشوفنيش، كُل دا إتحفر و مش راضي يطلع…"
تركها قُتيبة و إستدار يرتدي حذاءه ثم ألقى قُنبلته الأخيرة قبل أن يرحل تاركًا رجاء في بئر الصدمة.
"قتلته عشان كان لازم يموت، و اللي بتلوميها دي كان عاوز يغتصبها قبل ما أقتله…"
قبل أن يُغلق الباب إلتفت إليها و هتف بـ نبرةٍ جامدة بها من الألم ما جعلها تنهار باكية بعد رحيلهِ.
"و أحب أقولك إنها كرهتني عشان قتلته…"
و أغلق الباب ليدوي صوته في المنزل و الذي تحول إلى صحراءٍ قاحلة بعدما كانت ساحة معركة تُديره حرب الذكريات القاتمة.
********************
كان عليه أن يهرب إلى ملاذهِ و كانت دائمًا و أبدًا هي ملاذه.
أخرج هاتفه و أجرى إتصالًا بها، ليأته ردًا منها بعد مرتين و صوتها خرج مبحوح إثر النوم.
"صدقني مش هطلعلك المرة دي…"
سمع صوت الفراش يهتز بـ عُنف حينما هتف بـ صوتٍ لم يتعرف عليه بـ نفسهِ.
"أنا محتاجلك بجد يا كيان"
أتاه صوتها مُرتعش.
"إمشي يا قُتيبة، مش هقدر أعملك حاجة"
هتف بـ توسل.
"وجودك كفاية…"
صوته كان غريب يُقطع نيّاط القلب، هل هذا قُتيبة؟ العابث المجنون؟
هل هو ذلك الشخص الذي كانت تركن إليه حينما تضيق بها الأيام؟
قبضت على الهاتف بـ قوةٍ و قالت بـ نبرةٍ مُرتعشة و حصونها تتهدم أمام توسله.
"وجودي مش هيعمل حاجة"
هتف.
"بالعكس، وجودك كُل حاجة…"
إنه يُربكها و يهدم حصونها، قُتيبة لا يصل إلى تلك الحالة سوى في الغضب الشديد أو اليأس و بُؤرة لا تعلم كيف سقط فيها و كيف تُخرجه منها، و الآن هو في مزيج منهم.
تنهدت و صمتت ليقول هو بـ صوتٍ خفيض، جاف.
"هستناكِ فـ المكان اللي كُنا بنتقابل فيه لما أجيلك…"
و أغلق الهاتف دون أن يدع لها فُرصة، قد يظهر ذلك و كأنه أمر و لكنه طلب أشبه بـ التوسل.
لم تستطع كيان الإفاقة مما حدث على الشاطئ ها هو يعود لها طالبًا وجودها.
فـ خرجت مذعنة بعد إلحاحه الطويل و العنيد و كذلك المُعتاد بـ إثارة ضجة أو رُبما فضيحة.
ثم صعدت الدرج بـ خفة حتى لا يسمعها أحد من الجيران حتى وصلت إلى آخر الدرج المؤدي إلى عِلية البناية.
لتجده يجلس بـ إهمال فوق أحد الدرجات يُدخن لُفافة تبغ ضوئها الوحيد الذي يشع وسط هذه العتمة و هيئته همجيه بـ قميص أسود مفتوح أزراره و أكمامه مرفوعة تبرز بعض الجروح التي حصل عليها بـ سجنهِ.
لتهدر كيان بـ غضب رغم خفوت صوتها.
"إسمع يا قُتيبة مش كُل مرة تهددني عشان تقولي إخرجِ عاوز أشوفك…"
تنهد قُتيبة ناظرًا لها من خلف سحابة ثم زفر أنفاسه المُعبقة بـ دُخان التبغ ثم هتف بـ هدوء غريب.
"إقعدي"
"أنت مجنون…"
كان مُنهك إلى حد يصعب عليه الحديث و مُشاكستها فـ جذب يدها يُجلسها جواره لتشهق كيان بـ تفاجؤ.
و لكن قبل أن تتحدث وجدته يضع رأسه فوق كتفها، و للغرابة شعرت بـ ثقل ما يحمله و كأنها كما يقول قطعةٍ منه فـ تشعر بما يمر به، و تتألم لما يُؤلمه.
ألم. يتخللها بـ القدر الكافي ليجعلها تشعر هكذا؟ لتكون قطعة منه! كـ ضلع تحديدًا يربت على قلبهِ! ندبة لن يمحوها الزمان و لن يستطيع هو تخطيها.
صمتت و إنتظرت حديثه و لكنه كان صامتًا و إحتراق اللُفافة يزداد حتى كاد أن يصل إلى إصبعيهِ فـ يحرقها.
فـ تجذبها كيان سريعًا و أطفئتها قائلة بـ. عتاب قاسي.
"هتتحرق"
و كان صوته خاوي حين قال.
"إتحرقت من زمان…"
تجمد جسدها و تجمدت معها الكلمات ليرفع قُتيبة رأسه ثم نظر إليها و أكمل بـ ذي النبرة الخاوية.
"إتحرقت اليوم دا، و دوستِ على الحرق لما مشيتِ و إتخليتِ عني"
همست بـ إهتزاز.
"ليه بتفتح الموضوع دا دلوقتي؟"
ضحك قُتيبة بـ قساوة و قال.
"هو متقفلش عشان يتفتح…"
أدار رأسها إليه بـ إصبعيهِ نفسهما اللذين كانا يُمسكان اللُفافة ثم أكمل و إبتسامة خشنة، حادة وهو ينظر إلى عينيها.
"الحرق وجعه بيروح بس بيسيب ندبة إثرها بيوجع أكتر من الحرق…"
لن تنسى وهو لن يدعها تنسى، كُلما حاولت يأتي و يُذكرها، ذكرى ليلة مُظلمة يحوم في الأرجاء، و الذنب يقتلها كما قتل والده أمامها، كان قاسي، و وحش، وحش فُك أسره فـ أول من قتله هو سجانه.
إرتعش جسدها و شحب وجهها إلا أنها لم تُبعد عينيها عنه بل ظلت مُحدقة به، تُعاتبه، تتوسله، تُخبره النجاة.
فـ أجابها وهو يقترب منها.
"داويني يا كيان، فـ إيدك خلاصي"
همست و هي تمنع بُكاءها.
"مش هقدر يا قُتيبة، معنديش حاجة أقدمها ليك"
"لأ فيه…"
قالها و إبتسامته تنحني بـ ألم و بـ يدهِ الأُخرى وضعها على صدرها، موضع قلبها الذي. ينبض بـ جنون.
ثم قال.
"دي، قدميلي قلبك"
همست بـ ألم يُماثل ألمه.
"قُتيبة…"
إقترب و قَبّلها كما يأمل و كما أراد و لكن ليست كما أرادت هي، قُبلتها التي أرادتها طفولية و ذات رومانسية حمقاء أما قُبلته فـ كانت جائعة، مُتعطشة لها، تتوق إلى المزيد و هو لن يتوقف فـ قد أطلقت سراح الوحوش داخله.
بـ يدهِ الأُخرى حاوط وجهها و تعمق أكثر، و هي لم تمنعه بل وضعت كفها الصغير فوق ساعده العضلي و هبطت دمعة حائرة، أكثر ألمًا و حُزنًا.
لقد تعبت و ملت الهروب.
و كان مذاق أول قُبلة لهما مالحًا بـ طعم الألم.
دفعته كيان ماسحة شفتيها بـ صدمة و كادت أن ترحل و لكنه قبض على ذراعيها و هدر بـ خفوت أخافها.
"مش هقدر أسيبك بعد أما دوقت اللي إتحرمت منه"
ضربته و حاولت الفرار منه.
"قُتيبة بلاش جنان وسبني…"
وضع جبينه فوق جبينها بـ القوة و قال بـ نبرةٍ مُخيفة.
"الجنان إني أسيبك يا كياني…"
كان يُريد عناقها.
كان يُريد تكرار ما فعله.
كان يُريد أخذها و الهرب.
كان يُريد أن يُقبلها من جديد.
و لكنه يعلم إن فعل لن يستطيع إيقاف شرهه و طمعه تجاهها.
فـ أبعدها عنه دون أن يتركها ثم هتف بـ تهدج واضح يشي بـما يحدث داخله من حروب و براكين يمنع ثورانها.
"هنتجوز يا كيان، و هتكوني كياني لوحدي، و بـ رضاكِ أو غصب عنك هترضي بيا…"
نهض و أنهضها معه ثم أكمل و هو يُمسك ذراعيها يمنع فرارها و عينيه تُحدق في عينيها الخائفة.
"أنتِ عارفة إنك مش هتعرفِ تكوني لغيري، و اللي فـ قلبك مش هتعرفِ تديه لغيري…"
إقترب منها و همس بـ خُبثٍ يحمل مشاعر تعلمها جيدًا، قُتيبة قد نفذ صبره و سيحين موعد، موعدهما و في داخلها تعلم أن تلك النهاية الطبيعية لهما.
"أنا سيبت زمان جواكِ أثر معرفتيش تمحيه، و سيبت دلوقتي جُزء مني فـ روحك مش هيطلع غير بـ طلوع روحك…"