الفصل 1 | من 90 فصل

رواية اغصان الزيتون الفصل الأول 1 - بقلم ياسمين عادل

المشاهدات
23
كلمة
1,600
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 1%
حجم الخط: 18

"نقطة النهاية لا تُنهي الأشياء، قد تكون بداية أعتى من سابقتها، أو إنها بالفعل بداية غير قابلة للشك."

كانت الأجواء حارة للغاية، رغم كونه منتصف أيار، إلا أن أشعة الشمس التعامدية تسلطت على الأرض، مُحدثة بذلك توهجًا في درجات الحرارة التي تقافزت لما بعد السبعة وثلاثين درجة مئوية. كانت تجلس في المقعد المجاور لمقعد القيادة بداخل السيارة الفارهة، لم تبالِ بالحرارة الخارجية وهي تنعم بمكيف الهواء بالسيارة، أثناء تطلعها لفساتين الزفاف من أرقى بيوت الأزياء بالعاصمة، حتى تبهر الجميع في الحفل المرتقب. التفتت إليه لتلقي

عليه نظرة خاطفة وهي تسأله: -حمزة، إيه رأيك في الفستان الشامبين ده! تحركت عيناه بالاتجاه الذي تشير صوبه، وخطف نظرة غير مهتمة من أسفل نظارته، قبل أن يجيب: -حلو. قطبت جبينها بانزعاج، وسألته بشيء من الضيق: -أنت مش مهتم ليه ياحمزة! .. ده المفروض فرحنا كمان ٣ أسابيع! ابتسم بمجاملة، وهو يلتفت بكامل رأسه نحوها، ثم مسح على وجنتها ملاطفًا إياها، بعد أن أظهر لها إهمالًا غير متعمد:

-سوري ياحببتي، دماغي فيها ١٠٠ حاجة مع بعض.. وبعدين أنا واثق في ذوقك.. يعني اختاري اللي يعجبك وأنا معاكي. أغلقت هاتفها الذي كانت تتفحص الفساتين من خلاله، ثم أردفت بـ: -بابي كان عايز يتكلم معاك، هتيجي النهاردة بالليل؟ طرق "حمزة" بأصابعه على المقود، ونظر حوله بقنوط، وقد أزعجته إشارة المرور التي ظلت على وضعيتها المزدحمة لأكثر من عشر دقائق، فتجاهل سؤالها وهو يعقب بشأن هذا الأمر: -بقت حاجة زفت يعني، كل ده إشارة مرور ليه!

نفخ متذمرًا، ثم التفتت رأسه ليجيب عليها: -أنا مشغول جدًا بالقضية اللي ماسكها اليومين دول ياميان، أفوق بس وهاجي للباشا. تعمقت "ميان" في النظر إليه، بعينيها الزرقاء التي أشبهت أمواج عروس البحر المتوسط، ثم سألته بشغف، لسماع الجواب الذي سيرضي غرورها: -مبسوط ياحمزة؟ ارتخت تعابير وجهه في لحظة واحدة، كأنه إنسان آخر تمامًا، ونظر إليها وهو يردف بـ:

-طبعًا ياحببتي، أنا مستني الوقت اللي هتكوني فيه معايا للأبد، اليوم اللي هتبقى فيه على اسم حمزة القرشي. تبسمت بدلال، وهي تحيد برأسها عنه، فمسحت يده على شعرها: -ومش هيكون في كسوف بينا زي دلوقتي كده.

ضحكت "ميان" وهي تنظر نحوه، وقبل أن ترد كانت تعابيرها يغزوها الوجوم، وعيناها ترتكز على تلك المرأة التي تقف بجوار السيارة، وتضع كفها المتلطخ على زجاج السيارة لتفسد لمعانه، فالتفت "حمزة" برأسه ينظر، إلام تحدق هي بعينيها وكل هذا الذهول يعتريها، حتى صدمه رؤية تلك الغريبة، ففتح زجاج السيارة على الفور، ونظراته المستهجنة تتردد على وجهها وهو يصيح فيها: -أنتي عبيطة ولا بتستعبطي!! فسألته بتبجح، وعيناها ترنو إليه بنظرات غريبة،

حملت مغزى مبهم: -أديني أي حاجة يابيه. رمقها شزرًا، وأشار لها باحتقار، ليقول: -غوري من قدامي أنتي عكرتي مزاجي، وإياك إيدك تلمس الإزاز مرة تانية. صافرة انفتاح الإشارة كانت بمثابة طوق النجاة لهم، فأغلق "حمزة" زجاج السيارة وشرع يقتاد سيارته بعجل بعدما فسد مزاجه كليًا، وعيناه تنظر إليها عبر المرآة الجانبية، حيث ظلت في محلها دون حراك، وبشكل متصلب جعله يرتاب بشأنها، لكنه تجاهل التفكير بالأمر، بعدما تجاوز الأمر -حسب ظنه

-، دون أن يعلم إنها كانت مجرد بداية، بداية لحكاية ستبدأ برؤيتها صدفة، صدفة مرتبة ومخطط لها من قبل. ***************************** فتح "صلاح القرشي" علبة السجائر الفضية الفاخرة، ووضعها أمام ذلك الرجل المهيب، الذي حمل بين طيات ملامحه وقارًا وهيبة، وابتسم بتودد وهو يقول: -أتفضل يامعالي الباشا، مجيتك لحد هنا النهاردة شرف ليا وللمكتب كله. سحب "كامل حداد" سيجارة من بين المعروض، فأشعلها له "صلاح" بقداحته، ثم أردف "كامل" وتلك

النبرة الخشنة ترافق صوته: -أنا عايز المسألة دي تخلص بأسرع وقت ياصلاح، البت المفعوصة دي مش لازم تاخد حاجة من ابني.. هو اتجوزها عرفي يومين وخلصنا وأخد اللي هو عاوزه وخلصنا. تنحنح "صلاح" وهو يجلس على رأس مكتبه، ومنع ابتسامته المستخفة من الظهور أمام "كامل"، لئلا يتبين عليه تعابير الشماتة:

-المشكلة مش في الورقة العرفي ياباشا، دي البت تبلها وتشرب عليها ميه.. المشكلة إن البيه الصغير اتعدى عليها بالضرب وهي راحت حررت محضر ضده. تغضن جبين "كامل" قبل أن يترك نزعة غضبه تنفجر منه، فتدارك "صلاح" الأمر على الفور وعرض عليه خطته دون إطالة: -بس بسيطة، أنا هعرف ألين دماغ البت وأخليها تتنازل، ومش هتسمع غير الخبر اللي يعجب معاليك. تناول "صلاح" هاتفه وبدأ يجري اتصالًا وهو يقول:

-حمزة هيخلص الموضوع في ٢٤ ساعة، ولا تشغل بالك. —على جانب آخر —لم يتوقف هاتفه عن إرسال إشعارات المكالمات الفائتة، بينما هو على غير دراية أو شعور به، اندمج كليًا في السباحة بداخل مسبحه الداخلي الكبير، المكان بالكامل مغطى بالزجاج، بجانب مساحة عريضة خصصت للمشروبات، تضم مبرد صغير لحفظ الأطعمة والشراب، وأرجوحة كبيرة على بعد مترين من المسبح، ومقاعد ممتدة مريحة للاسترخاء.

صعد "حمزة" برأسه من أسفل المياه، مسح على شعره بعدما نفضه، وسبح نحو أحد الحواف، ليستمع إلى صوت مدير أعماله المقرب وهو يبلغه بـ: -تليفونك بيرن بقاله شوية ياحمزة، صلاح باشا مبطلش اتصال. صعد "حمزة" عبر الدرج المعدني، تناول منشفة عريضة مسح بها على جسده، وأمره بالرد نيابة عنه: -رد عليه يانضال، قوله في اجتماع. بالفعل نفذ "نضال" الأمر، وأجاب على الفور: -أيوة ياباشا، أستاذ حمزة عنده اجتماع دلوقتي.. دقايق ويكلمك.

كان صوت صياح والده مسموعًا إليه، لكنه لم يهتم حتى، جلس على المقعد وتناول مشروبه البارد دون اكتراث، حينما كان "نضال" يحاول جاهدًا أن يهدئه قليلًا: -متقلقش ياباشا، هيكلمك على طول.. حاضر.. سلام. والتفت ينظر إلى "حمزة" ليجده على هذه الحالة الهادئة -والمثيرة للاستفزاز -كل مرة بسمع أنا الكلام اللي ملهوش لازمة! ترك "حمزة" كأس المشروب خاصته، وهتف بـ:

-المفروض تكون اتعودت على أبويا خلاص يانضال، متكبرش الموضوع.. هو عايزني عشان موضوع ابن الحداد، وأنا قولتله هتصرف، ملهاش لازمة الزن.. أنا خلقي ضيق اليومين دول. فاستهجن "نضال" تعبيره، واستبدله بمعنى آخر أكثر ملائمة: -تقصد على طول خلقك ضيق.. ما علينا. نهض "نضال" عن جلسته، وسحب حقيبة اليد خاصته ليقول: -أنا ماشي، هعدي المكتب وأروح بعدها. رمقه "حمزة" بنظرات عابثة، وسأله: -إيه؟! .. هتقابل البت بتاعتك النهاردة!

لاحت ابتسامة متفائلة على وجه "نضال"، غطت بدورها على تعابير العبوس والضيق، ليجيب بحماس: -آه. وقف "حمزة" عن جلسته، وسحب (تي شيرت) أسود كي يرتديه وهو يقول: -مش هتعرفني عليها بقى!! فانزعج "نضال" على الفور، وتشددت نبرته وهو يجيب بحزم قاطع: -لأ طبعًا هو أنا عبيط!! ثم إنها مش شبه البنات اللي تعرفهم ولا فيها منهم.. دي حاجة تانية خالص. ضحك "حمزة" مستخفًا: -خلاص ياعم متخافش أوي كده، أنا عمري ما أخون صاحبي.

ثم صاحبت الجدية تعابيره وصوته، وهو يتطرق للحديث عن العمل: -روح على المكتب، هتلاقي رضوى محضرة لك ملفات القضايا اللي ليها جلسات الأسبوع ده، أنا عايز أقفل كل القضايا المفتوحة قبل ما آخد إجازة شهر العسل. تحرك "نضال" من مكانه مستعدًا للمغادرة، وهو يردف بـ: -ماشي، أشوفك بالليل. **********************************

ذلك الزر المميز جدًا، والذي لا يتخلى عنه في أغلب قمصانه التي يرتديها. "حمزة".. زر منقوش بالعربية البارعة الجذابة، وبشكل مميز يجتذب الأنظار. وضعه "حمزة" كنهاية لطيفة بعدما أنهى ارتداء ملابسه للخروج هذا المساء، ثم نظر لساعة الحائط قبل أن يغمغم بـ: -عالله أفلت من بابا الليلة دي! لم يلبث أن ينهي عباراته المتمنية، حتى وجد أبيه يقتحم الغرفة فجأة، وملامحه لا تخلو من تعابير الحنق البالغ، وهو يردف مستنكرًا:

-هو أنا هتحايل عليك ولا إيه ياحمزة!! . من ساعة ما مسكت مكتب منفصل وبقى ليك شغلك بعيد عني وأنا مش عارف أتلم عليك. ذم "حمزة" على شفتيه قبل أن يسأل: -هي ماما فين؟؟ .. شكلها مش هنا النهاردة! تغضن جبين "صلاح" بانزعاج مفرط، فابتسم "حمزة" وهو يدنو منه ليقول: -أنا هحل المسألة من جذورها زي ما أنت عارف يا أبو صلاح، متقلقش.. بس سيبني ألاقي الوقت المناسب. نفخ "صلاح" وقد بدأ الغضب يتمكن منه، وأفضى عما يجول في ذهنه:

-كامل وجعلي دماغي، وأنا مش ناقص دوشة اليومين دول.. أنا ماسك قضية كبيرة ويهمني أخرج المتهم منها بأقل الخساير. تلوت شفتا "حمزة" وقد تعرف على القضية فورًا: -قصدك قضية ابن جاد؟ فانفجر "صلاح" صارخًا فجأة: -هو بعينه!! جاد نائب برلمان وراجل ثقيل، وعمره ما اتأخر عننا في حاجة. مطّ "حمزة" شفتيه معبرًا عن عدم إعجابه بالأمر، ثم أردف بتذمر: -بس ده شروع في قتل، واتمسك متلبس! فرك "صلاح" كفيه سويًا، ورمقه بنظرة حملت كثيرًا

من المعاني: -هنلاقي حل، بس أنت فكر مع أبوك. أومأ "حمزة" برأسه قبل أن يتحرك: -من عيوني يا أبو صلاح، بس سيبني أحرر دماغي من عفاريتها الأول عشان مزاجي مش ولا بد دلوقتي.. سلام. وخرج من الغرفة كي يلحق بسهرته الخاصة، بدون أن ينزعج لأي سبب. وصل لمكانه المفضل، ذلك المقهى الراقي الذي أشبه حانات الليل -في تقاليده الفاجرة

-، شمل ببصره الثاقب الطاولات ليجد رفيقه، حتى وقعت عيناه عليه يجلس مع صديقته التي لا يحبها "حمزة" أبدًا، فـ سار نحوه مغمغمًا: -وبعدين في البت التنحة دي! سحب المقعد وجلس أعلاه، وقد وزع نظراته المنزعجة على كلاهما: -أزيك يا راغب.. افتكرتك لوحدك! ترك "راغب" مشروبه البارد ليقول: -إيه أخرك يا حمزة؟ .. ده أنا كنت ماشي. فـ سلط "حمزة" عيناه على "سحر" وهو يتعمد التحقير في نظراته: -وأنا كمان على بالي أمشي الحقيقة.

تأففت "سحر" بانزعاج، ونهضت متلكئة وهي تردف بـ: -صاحبك كل مرة يديني وش مش اللي هو! .. أنا ماشية يا بوبي. مدد "حمزة" ظهره للخلف وقد ارتاح قليلًا من تواجدها الغير مرغوب فيه: -يا ريت. قطب "راغب" جبينه بعد انصرافها، وسدد نظرات مستنكرة لرفيقه قائلًا: -مش فاهم مش عجباك في إيه؟ .. ما هي شبه كل اللي أنت اتجوزتهم! -إيه يا عم ما تحكي للناس بالمرة!! .. خلص وشوف لنا حاجة نشربها، أنا مزاجي زفت.

لم تسمح له حالته بأن يرى جيدًا، أو يدرك إنه محط أنظار من إحداهن. كانت تجلس على مسافة مقبولة، تسمح لها رؤيته بوضوح، راقبته عبر المرآة الصغيرة التي تنظر إليها وكأنها تضبط طلاء شفاهها، وتفكيرها الخبيث يتجول بداخل رأسها لتجد الطريقة التي تذهب إليه بها. أغلقت المرآة وتركتها بالحقيبة، ثم نظرت للنادل وأشارت إليه كي يقترب، ثم أمرته بـ: -عايزة واحد مياه باردة بشرايح الليمون، بس مش هتقدمه هنا. التفتت رأسها نحو طاولته،

ثم هتفت قائلة: -هتقدمه لـ حمزة، حمزة القرشي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...