الفصل 2 | من 90 فصل

رواية اغصان الزيتون الفصل الثاني 2 - بقلم ياسمين عادل

المشاهدات
20
كلمة
2,503
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 2%
حجم الخط: 18

ظل صوت صنبور المياه مستمرًا لفترة من الزمن، حتى استيقظت على صوته المزعج، فتأففت وهي ترفع رأسها من أسفل الغطاء، ونظرت نحو دورة المياه بنظرات محتقنة لتهمس بـ: –إيه كل ده!! .. ده أنا معرفتش أنام ساعتين على بعضهم! توقف صوت المياه فجأة، فتنهدت وهي تترك ثقل رأسها من جديد على الوسادة، وأطبقت جفونها وهي تتأوه بتألم بالكاد شعرت به في أنحاء من عظامها: –آه! .. منه لله هد حيلى.

دقيقة واحدة، وكان "حمزة" يخرج من دورة المياه مرتديًا ثيابه النظيفة. مسح الماء عن شعره الفوضوي، ثم وقف أمام المشجب ليضع المنشفة، قبل أن يدنو من المرآة العريضة. فتح مجفف الشعر وبدأ يخلص رأسه من برودة المياه المنعشة، فسرق ما بقى من عينيها من بقايا النعاس. همت تعتدل من نومتها، واستندت على ركبتيها وهي تردف بـ: –مش كنت تستنى لما أصحى يا كوكي عشان تعمل كل الدوشة دي!! .. ده أنا منمتش طول الليل بسببك!

لم ينتبه لها، ولم يعرها أدنى اهتمام، فتلوت شفتيها بانزعاج وغمغمت بـ: –هو أطرش ولا إيه؟ أغلق "حمزة" مجفف الشعر وتركه جانبًا، ثم بدأ يمشط شعره بشكل متميز. ترك الفرشاة، أغلق زر القميص، تأكد من حزام الخصر، ثم مسح على بشرة وجهه الحليقة حديثًا، والتفت ليقول دون النظر إليها: –يلا عشان تنزلي معايا يابسبوسة. قطبت جبينها باستفهام، وتساءلت مرتابة: –هو أنا مش هقعد أستناك هنا ولا إيه؟

رفع بصره نحوها أخيرًا، بعد وقت طويل من التجاهل المتعمد، ثم ابتسم وهو يرد بثبات غير متشكك: –أكيد لأ. ثقته في الإجابة دفعتها لأن تسأل دون تروٍ أو تفكير: –ليه؟؟ مش أنا بقيت مراتك والمفروض أستناك هنا لحد ما ترجع؟ كأنها نزعت فتيل قنبلة موقوتة، كانت تتأهب للانفجار بأية لحظة. ارتكزت عيناه الثاقبة عليها، وحملت تعابيره الغامضة معاني بثّت الرعب في نفسها دون أن يتفوه بكلمة، فتداركت الأمر فورًا وعادت تصحح خطأها فورًا:

–آ.. حتى لو عرفي يعني، قصدي إني بقيت على ذمتك و…… –ششششش. قطعت صوته في الحال، ورأته يخرج وثيقة الزواج العرفي من جيب بنطاله، مزق ورقة الزواج العرفي لقصاصات صغيرة، ثم نثرها في الهواء وتلك الابتسامة المريبة تتراقص على محياه، وهتف بنبرة أقرب للعدائية: –كده خلاص، أنا معرفكيش، ولا كأني شفتك ولا عرفتك. كتمت شهقة متفاجئة من صنيعه المباغت، واتسعت أحداقها حينما كان يتابع حديثه العنيف، قاصدًا التحقير من شأنها، لئلا تنسى

من تكون ومن أين أتى بها: –أوعى تكوني نسيتي نفسك يابت! مرات مين؟؟ ، أنتي مرات حمزة القرشي!! .. مش عشان ضربنا ورقتين عرفي في الضلمة تخلي أحلامك تسرح بيكي، أصحي. سحب هاتفه وأشار لها كي تنهض: –فزّي (أسرعي) قومي خلينا نخلص، أنا مش فاضيلك. هرعت من مكانها وهي تستر عُريها بقطع من الثياب، بعدما رأت منه وجهًا مظلمًا قد يحط عليها حط الكوابيس المرعبة، وسرعان ما دلفت لدورة المياه لتنفيذ أمره. جلس "حمزة" على حافة الفراش،

وغمغم بسخط منزعج: –قال إيه… مراتي! *** تراكمت عليها الأعمال، بعدما تغيبت أمس عن عملها في مكتب المحاماة الخاص بـ "عناني الحكيم"، وحينما عادت، وجدت ما تركته قد تضاعف لملفات أخرى أكثر وأكبر. رفعت "سُلاف" تلك الملفات غير المهمة سطح مكتبها، وخرجت كي تلحقهم بالأرشيف الخاص بالمكتب، كي تتخلص من هذا التكدس المزاحم على مكتبها، فتصادفت بأستاذها في طريقها يقول: –عملتي إيه امبارح ياسُلاف؟؟

.. خلصتي إجراءات جواز السفر اللي أخدتي عشانه إجازة؟ فأجابته برسمية منضبطة: –آه يامستر عناني، شكرًا لحضرتك. فأشار نحو مكتبه وهو يقول: –لما تخلصي عايزك في مكتبي. فأومأت برأسها: –حاضر. استبقها نحو غرفته، فلم تتأخر عن اللحاق به، مستشعرة بذلك وجود أمر يهمها. أغلقت الباب كما أمرها، وجلست قبالته تسأل: –خير يامستر عناني؟ لم يدخر "عناني" سؤاله المرتاب، بعدما لاحظ بنفسه تبدل حالتها منذ يومين:

–عايز أسألك، ليه اعتذرتي عن القضية بتاعة أشرف مع إنها مضمونة 100%. برعت في إخفاء ذلك التوتر الذي تسلل لنواجذها، وبدت فاترة أكثر من اللازم وهي تجيب: –مش عايزة أدخل قضية ممكن تكون تقيلة عليا وأنا لسه في بداية حياتي، أنا سمعت إن اللي ماسك القضية دي حد تقيل جدًا، تقريبًا صلاح القرشي! أومأ "عناني" رأسه بالإيجاب، وأصر على إظهار نقاط القوة مشيرًا لـ:

–آه هو، بس أنا قولتلك القضية مضمونة، الولد ابن النائب اتمسك متلبس، يعني القضية في جيبنا. ابتسمت "سُلاف" بتكلف، وقد منعت بصعوبة نفسها من أن تنفعل أو تخضع لغضبها الأهوج، الذي سرعان ما يتفشى بكامل حواسها لمجرد ذكر "صلاح القرشي" أو ولده أو أمرًا يخصهم، وأزالت خصلة انسالت على وجهها بالخطأ، لتقول بإصرار لم يتزحزح عن مكانه: –آسفة يافندم، أعفيني من القضية دي، في محامين كتير غيري وأفضل مني، أنا لسه متدربة.

لكنها واجهت إصرار مستميت من "عناني"، محاولًا إقناعها برأيه: –بالعكس، أنتي أثبتي نفسك خلال فترة قصيرة جدًا، لكني مندهش من إصرارك المرة دي رغم بساطة الأمر. نهض "عناني" عن مكانه متابعًا: –صلاح من أقوى منافسينا ياسُلاف، وأنا حابب واحدة زيك في قوتك وذكائك تكون ضمن الفريق اللي جمبي، مش كفاية تكوني مجرد محامية في مكتب عناني، الأهم تكوني من الفريق الخاص بيا.. فهماني! وتابع توضيحاته بتصريح خطير للغاية، قلما اعترف به:

–هقولك حاجة مش كتير بقولها لأي حد.. صلاح أغلب طرقه شمال، وابنه زيه. دنى "عناني" منها، انحنى قليلًا عليها، وتابع مخفضًا صوته قليلًا: –ابنه طلع أوسخ منه كمان، عارفه التلميذ اللي بيغلب أستاذه؟؟ .. ده بالظبط اللي حصل مع صلاح وابنه. انتصب "عناني" في وقفته، وختم حديثه عنهم بـ: –حمزة ألعن في الشر من أبوه، على الأقل صلاح ليه حدود، إنما حمزة لأ.

تظللت عيناها بلمعانٍ متحفز، وكل مشاعرها المتقدة التي تخفيها لأعوام طويلة كانت تتضاعف يومًا بعد يوم. أحست وكأن صدرها الذي حمل كل تلك المشاعر لسنوات لم يعد قادرًا على الصبر لأكثر من ذلك، كأنه يعلم أن الوقت قد حان للقاء، ولكي يدفع كل مدانٍ دينه. ***

تنهدت وهي تترك مشروب الفاكهة جانبًا، وجلست باديًا على ملامحها التحير. نظرت نحو تلك السيدة التي تجاوزت الخمسين من عمرها، لكنك حين تنظر من هناك ترى سيدة لم تتعد الثلاثين، حافظت على لياقتها ونضارتها فبقيت كالغصن اليانع. ابتسمت "أسما" بتودد وهي تسألها: –مالك ياميان؟؟ .. شكلك بيقول في حاجة عايزة تقوليها! داعبت "ميان" أظافرها الصناعية (أكليرك) وهي تسأل بتردد مختنق: –هو حمزة حياته كلها ضايعة في الشغل كده يا طنط؟؟

.. ده فاضل أيام على الفرح وهو حتى مش مكلف نفسه ييجي معايا نتفرج على القاعة بعد ما اتجهزت! بررت "أسما" انشغال ولدها الدائم بدفاع مستميت: –حمزة بيبني نفسه ياميان، وعمل اسم عظيم خلال فترة قصيرة، دورك تقفي جنبه وتدعميه، أكيد مش هيفضل جنبك طول الوقت.. ما انتي شايفة أونكل صلاح، على طول مش معايا وأنا عمري ما أيدته ولا وقفت في طريقه زي الستات الزنانة. استنكرت "ميان" مطلب "أسما" غير المباشر بتحرير ولدها قليلًا:

–بس إحنا بنمر بفترة أهم حاجة فيها الاهتمام! قطبت "أسما" جبينها بغير رضا، وأردفت بـ: –ده كلام تافه جدًا ياميان، كبري دماغك شوية وبلاش تنكدي على حمزة.. بلاش كمان تفضلي مكشرة كده لما ييجي! بدت حازمة بعض الشيء، وهي تلفت انتباهها لتجاعيد وجهها وثنايات بشرتها الحزينة، والتي لم ترق لها، فسرعان ما انتبهت "ميان" وتنازلت عن تلك التعابير والإيماءات الموحية، لتستمع إلى صوته يأتي على مقربة منها: –ميان! .. وحشتيني.

التفتت لتراه ينحني صوبها، يقبل وجنتها قبل أن يردف بـ: –كنت هكلمك حالًا. ثم نظر لوالدته: –مساء الخير ياست الكل. تبسمت "أسما" في وجهه: –مساء الخير يا حبيبي، غير هدومك عقبال العشا ما يجهز.. ميان هتقعد معانا على العشا النهاردة. –حالًا. أسرع ليصعد إلى غرفته، كي يتخلص من تلك الأمسية التي أُجبر عليها، بينما كانت "أسما" تحثها على ضرورة التقرب منه، لئلا يحس فتورًا منها:

–قومي أسأليه عايز يشرب إيه بعد العشا، أنا مش هفهمك كل حاجة بنفسي ياميان، لازم تكوني أذكى من كده. هزت "ميان" رأسها بتفهم، ونهضت لتلحق به، حينما كانت "أسما" تنتقل للمطبخ، كي تعطي أوامرها للطباخ بتجهيز العشاء. دخلت "ميان" غرفته بعدما أذن لها، فوجدته بالفعل قد أنهى تبديل ملابسه خلال لحظات قليلة، تبعثر شعره فشكل ملامحًا أخرى أكثر وسامة، ابتسمت مطيلة النظر إليه، وعبرت عن إعجابها بـ: –أول مرة أشوفك منعكش! .. شكلك حلو.

ضحك "حمزة" وهو يمسح على شعره بكلا كفيه، ثم نظر إليها وهو يدنو ببطء ماكر ليقول: –مش حاجة جديدة عليا، أنا حلو في كل حالاتي. طالت ذراعه خصرها، فشهقت فجأة وهو يجتذبها لصدره، اضطربت مشاعرها وهي تحس بأصابع يده التي تلمس جلد ذراعها، واقشعرت مع استشعارها لملمس شفتيه على وجنتها: –أنا صابر بالعافية، لو عليا أخلي الفرح دلوقتي مش بعد أسبوع. ذمت على شفتيها بتحرج شديد، وهي تحس بسخونة هائلة تنبعث من حشاياها: –حمزة آ… مينفعش كـ….

لم يوليها فرصة الرفض، قطعت شفتيه طريق لسانها، وأخرس صوتها بقبلة فريدة سرقت شتاتها المضطرب، لتقع مستسلمة بطواعية كاملة، غارقة في حب ذلك الرجل الذي تعشقه، ذائبة كذرة من السكر في الماء، ضاع أثرها وبقى حلو مذاقها. ***

مدفأة ضخمة قديمة للغاية، تعود لأزمنة قد ولت ومضت، حتى إنها لم تعد متواجدة إلا بشكل نادر. كان يجلس أمامها على مقعده المتحرك، يغطي نصفه السفلى بغطاء أسود خفيف. عقله شاردًا بشكل ملفت للانتباه، حتى إنه لم يشعر بقدومها إلا عندما وقفت أمامه، وحجبت عنه رؤية نيران المدفأة، فرفع بصره نحوها فجأة: –سُلاف! .. جيتي امتى؟ –دلوقتي.. اتعشيت؟ حرك المقعد خاصته ليتراجع للخلف، ثم أجاب بنفس الجمود المعتاد: –مستنيكي.. عملتي إيه النهاردة؟

كانت تعلم إلام يشير سؤاله بالتحديد، فأجابت عليه دون تطويل: –رفضت القضية نهائيًا، أنا مش هغامر دلوقتي بظهوري قدام صلاح وابنه. تفهم "مصطفى" رغبتها، وأكد على صحة خطواتها التي تخطوها نحو ذلك المصير المجهول: –صح، خليها تمشي زي ما اتفقنا. استمعت لصوت نهنهة لرضيع يأتي من الداخل، فسألت على الفور: –زين أخد الرضعة بتاعته؟ فأجاب "مصطفى" وهو يقود مقعده نحو غرفته: –آه. أحست بشيء غير طبيعي به، فلحقت به ووقفت أمام مقعده،

لتسأل بإسترابة: –مالك ياعمي؟؟ فيك حاجة متغيرة؟ كأن غليان صدره قد طفح على وجهه، فاحمرت بشرته فجأة وهو يجيبها بصراحة مطلقة: –مش قادر أتحمل، صبر السنين اللي فاتت كوم وصبر أيام كوم تاني ياسُلاف، قلبي بيتقطع جوايا كل يوم يابنتي! جلست أمامه القرفصاء، ووضعت كفها على كفه قائلة بتوعد: –كله هيمر ياعمي، اللي جاي انتصار وبس، عهد عليا.. بس اصبر عشان تيجي زي ما رسمتها. تعالى صوت بكاء الصغير "زين"، فانهى "مصطفى" ذلك الحوار مؤقتًا:

–شوفي ابنك وبعدين نكمل كلام، أنا مستنيكي في أوضتي. فاستقامت بوقفتها وأسرعت تدخل لصغيرها، كان يتحرك بعشوائية شديدة بداخل فراشه الصغير، وبكاؤه لم يهدأ قط إلا بعد رؤيتها، بدأ يسكن رويدًا رويدًا، فتمكنت "سُلاف" من رؤية عيناه الحمراء ووجنتيه المتوهجة أثر البكاء، حملته لحضنها، وضمت ذراعيها عليه برفق ليّن وهي تهمس بـ: –خلاص أهدى، أنا جيت خلاص.

سكن الرضيع بين ذراعيها، فمسحت الدموع عن وجهه الصغير وهي تبتسم له بحنان لا يراه منها غيره وحده، وهمست له بوعد صادق: –هانت يازين، كل حق هيترد لأصحابه، وأنت كمان لك حق هيجيلك.. مامي عمرها ما هتنسى حقك أبدًا، حتى لو كان تمن حقك ده.. الموت…

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...