الفصل 39 | من 25 فصل

رواية اجنبية بقبضة صعيدي الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم نور زيزو

المشاهدات
27
كلمة
3,909
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 156%
حجم الخط: 18

بحب يا مازن، ما أنت بتحب وعاصم بيحب واللي بتحبهم بنات على فكرة. هتحللوه عليكم وتحرموه عليا. بحب يا مازن ومعملتش حاجة غلط. بالعكس يا أخويا أنا جايه أجولكم بحب عشان تفكروا فيا هبابة كيف ما بتفكروا فى حج اللى مات. فكروا فى حج اللى عايش وياكم ولا مستنين لما أموت عشان تفكروا فى حجي واللى أنا عايزاه.

قالتها "هيام" بحزن شديد وألم يجتاح قلبها ويحرق صدرها. حاول "مازن" أن يتحدث معارضًا حديثها لكن أوقفه يد "عاصم" التى رفعها أمامه بمعني أن يتوقف ولا يحادثها. نظر "مازن" إلي والدته الجالسة أمامه بعد أن أستمعت لما حدث من أبنتها وقال بنبرة جادة ولهجة قوية:

أمي فكري هبابة بهيام. هيام حاسة أن كل اللى يهمنا هو سارة اللى راحت وهى ولا ليها جيمة وعوزة عندنا. أن جيتي للحج أنا كمان خوفت. خوفت أن يحصل حاجة من عند ربنا ويصيبها أذى لا قدر الله ووجتها هنفضل مقهورين العمر كله أنها راحت منين. بالنسبة ليا كفاية أنها مسمعتش لحد وحفظت على ثجتنا فيها يا أمي. هيام تستاهل تعيش وتفرح زى أى بنى أدم عايش.

لم تعقب "مفيدة" علي حديثه وظلت صامتة تتساءل كيف تفرح وتغمرها السعادة وهناك قطعة من روحها لم تنال حقها ويعاقب من سفك دماء طفلتها. تنهد "مازن" بحيرة ممزوجة بالعجز من تغيير رأي والدته. خرج من الغرفة صامتًا بعد أن أوصل لها حديث "هيام". سار فى البهو متجهًا للسلالم لكن صوت "عاصم" أستوقفه وهو يقول: مازن، تعال أنا عايزك.

نظر "مازن" لـ "عاصم" بقلق شديد من رغبته فى الحديث معه. أتجه إلى المكتب خلفه ورأي "عاصم" يبعثر شعره الأسود بيده بحيرة مرتدى بنطلون رمادي وتي شيرت أسود اللون. سأل "مازن" بفضول: خير. أنا بجلج لما بما بتعوزني. ضحك "عاصم" بخفة ثم قال: أجعد أنا خليت حلا تعملينا أتين جهوة. أتسعت عيني "مازن" على مصراعيها بدهشة وقال بذهول أصاب نبرته قبل ملامحه وحركاته اللإرادية: مين؟ حلا!! هي ناجية جصرت فى حاجة. مالك يا مازن؟

ضحك "مازن" بسخرية من أمر هذه الفتاة وقال بتهكم شديد: ما عاذ الله يا كبير. هي مرتك وعلي عيني ورأسي لكن أنا ممستغنيش عن عمري. مرتك!! دى مبتعرفش تعمل الرضعة لولدها هتعملي جهوة. تبسم "عاصم" على زوجته البلهاء لكنه ممتن لكل محاولة تفعلها من أجل التعلم ويثق أنه سيأتي يوم وتستطيع فعل ما تريده. قال بنبرة دافئة تليق بالحديث عن محبوبته ومدللته:

على الأجل بتحاول. وإياك يا مازن تجول حاجة لما تيجي. تشرب جهوتك من غير ولا كلمة ويكون أحسن لو شكرتها. نظر "مازن" للجهة الأخري وبدأ يتمتم بكلام غير مفهوم فسأله "عاصم" بحدة: بتجول حاجة؟ رأسه مصطنع البسمة ثم قال: لا سلامتك. إن شاء الله تجول الكلمتين اللى عندك جبل ما الجهوة تيجي. خش فى الموضوع يا عاصم دوغري.

تبسم "عاصم" على تهرب أخاه من شرب فنجان قهوة صنعته بيديها أم هو يشرب ويأكل كل ما تقدمه فى صمت بل يدفع ثمن قهوته أو وجبته لها حبًا ودلالًا. تحدث "عاصم" مع "مازن" يخبره عن هذه المرأة ومحاولة إختطاف "مصطفي" لطفله لينظر "مازن" له بجدية وقال مشتعلًا من الغضب: وأنت هتهمله أكدة وتكتفي بجوازي من خيته. رفع "عاصم" حاجبه بغرور شديد ليبتسم "مازن" بعد أن فهم هذه النظرة وقال بخفوت متردد:

أنت عرفت اللى هتعمله. لا أنا خابرك زين أنت مجتش تجولي اللى بيدور من ورايا غير لما بدأت تأخد حجك بالفعل وبدأت تتحرك صوح. بهذه اللحظة رسمت بسمة على شفتي "عاصم" نادرًا ما ترسم على وجه هذا متحجر القلب ثم قال: بتعجبنى وأنت فاهمني زين!!

هجولك على عملته واللى ناوي أعمله يا مازن ولما يتحجج وجتها ممكن تطلج نهلة وترجعها لأهلها مبجاش ليها عوزة لكن لو رجعتها دلوجت هتفتح عيونهم أننا بنخطط لحاجة. وأنا أتعلمت درس مع جدك الكبير العين بالعين والسن بالسن وأهم حاجة المعاملة تكون بالمثل بنفس الجلم والجسوة اللى دوجتها لازم يدوجها. كيف ما جتلوا سارة غدر ومن ورايا. أنا كمان هلعب من وراهم لكن لما أخد حجي هأخده وعيني في عينيهم لأانى مش غدار.

تبسم "مازن" بحماس ليخبره "عاصم" بخطته كاملة وما هو يريده أن يفعله. كاد "مازن" أن يتحدث بالموافقة لكن أستوقفهما صوت صراخ من الخارج. خرجوا الأثنين معًا وكان الصوت قادم من المطبخ وتحديد صوت "ناجية". هرع الأثنين إلى المطبخ وكانت "حلا" جالسة على الأرض تبكي بألم من الفشل فى صنع شيء كأى امرأة مسئولة عن زوج ومنزل وطفل. ماذا أن كان زوجها لم يملك خادم كـ "ناجية"؟ ماذا كان سيصيبها؟

تطلع "عاصم" بزوجته الباكية بينما "ناجية" تقف فى الخلف بحزن من بكاء "حلا" ثم قالت بقلق من ظهور "عاصم": والله جولتلها أعمل أنا هي اللى رفضت. كان المطبخ فى حالة من الفوضي ملئ بقطع الخضراوات وشرائح البصل والمقلاة على البوتاجاز كأنها كانت تحاول أن تصنع طعام وفشلت. تمتم "مازن" بخفوت شديد قائلاً: أنا متنازل عن كوباية الجهوة.

ضربه "عاصم" فى خصره بضيق ليذهب من أمامه. أقترب "عاصم" من "حلا" وجثا على ركبتيه أمامها ثم رفع يده إلى وجهها وبسبابته رفع رأسها كي تنظر إليه فقالت بنبرة واهنة باكية: كنت عايز أعملكم سندوتشات مع القهوة. تبسم "عاصم" بلطف عليها ثم أشار إلى "ناجية" بأن تذهب لتترك المطبخ وترحل. وقف بعد أن مسكها من أكتافها وقال بحب: عاوزة تعملي أيه؟ أشارت على طبق وقالت بحزن:

كنت هعمل سندوتشات تشكين برجر وحلقات بصل مقرمشة شوفتهم على التيك توك حلوين جدًا. تبسم "عاصم" ليها بلطف شديد على سعيها لفعل الأفضل ثم قال بنبرة خافتة: وماله نعلمهم. بدأ يرتب المطبخ أولًا وهى تراقبهم عن كثب وتتابعه بنظراتها. وضع الزيت فى المقلاة على البوتاجاز وبدأ يقطع الطماطم وصنع خليط من أجل البصل بينما "حلأ" تتابع زوجها المثير بأفعاله. تسللت من أسفل ذراعه لتقف أمامه وهو يقطع البصل لشرائح فتبسم إليها وقال:

خلي بالك طب لسكينة تعورك. تبسمت بعفوية وهي تشعر بدفء جسده ومن الخلف ثم قالت: معقول أتجرح وأنت معايا. ألتفت برفق لتتقابل أعينهم. فقال بجدية: -أخلص الأكل طيب وبعدين نشوف أنتِ عايزة إيه. ضحكت "حلا" عليه ويدها تلف حول خصره بلطف وقالت: -حد يصدق أن الكبير بيطبخ؟ دا الحب بيصنع المعجزات فعلاً.

أبتعد عنها وأخذ شرائح البصل من خلفها ثم اتجه إلى المقلاة وبدأ يضع بها الطعام. السعادة التي كانت تغمر "حلا" بهذه اللحظة كفيلة بإيقاف العالم بأسره هنا. تعلم أن ما تصنعه ليس الأفضل لكنه يتقبل بصدر رحب متعمدًا أن يزيد من حماسها وألا يصيبها بالفشل حتى تستمر. خرجت وتركته في المطبخ بعد أن سمعت صوت بكاء طفلها في هذا الجهاز الصغير.

دخل "قادر" إلى المخزن الخاص بمواد البناء والإنشاء الخاص بشركة الشرقاوي ووجد المرأة تجلس محلها صامتة. جلس أمامها لترفع نظرها إليه بقلق شديد خائفة من أن يفعل بها شيء. لتقول: -خلاص هتجتلني. نظر إليها بحدة شديد ثم أخرج سكين من جيبه بهدوء لتفزع أكثر. ثم قال: -أجتلك ليه؟ هو إحنا عصابة كيفكم؟ أه هو هملك لحالك تحاسبي على عمايله؟ هو ما شاء الله رشح نفسه في انتخابات مجلس الشعب عن دايرتنا، بس معلش تتعوض. -رشح نفسه.

قالتها بصدمة شديد مما سمعته للتو عن "مصطفي". فقال بجدية ونبرة باردة تحمل في طياتها خبث كبير: -اه على حساب ناس كتير كيفك. خدعهم عشان يوصل للي عايزه، كيف ما ضحك عليكي وخدعك عشان تخطفي ولد الكبير. وأول ما وجعتي أيديكِ سمعتي بودانك اللي يأكلها الدود دي كيف أتخلى عنيكِ؟ بس معلش تعيشي وتأخدي غيرها. جومي روحي.

نظرت له كثيرًا بحيرة لا تصدق أن "عاصم الشرقاوي" بنفسه غفر لها فعلتها ومحاولة خطف ابنه. فأشار "قادر" لها بنعم يجب أن تذهب بعد أن مد يده لها بالسكين وقال: -خليها وياكي عشان تتأكدي أننا مهنهذكيش. أخذت السكين منه ولم تفكر أكثر لتقف من محلها وتفر من أمامه قبل أن يغير رأيه ويقتلها على جريمتها التي شاركت "مصطفي" بها وتدفع ثمنها وحدها هنا. لكن قبل أن تغادر نهائيًا سمعته يقول:

-مستنيش في طريجك وأنتِ معاودة تعدي على السوق. أصل عضو مجلس الشعب المستقبلي بيلف هناك عشان الناس تنتخبه. أهو تشوفه وهو واقف بيضحك على حسابك. تأففت بضيق شديد ثم خرجت من المكان غاضبة بل عاصفة هلاكية وستلتهم "مصطفي" وحده. أخرج "قادر" هاتفه واتصل بـ "مازن" ثم قال كلمة واحدة بعد أن وضع الهاتف على أذنه: -حصل. أغلق "مازن" الاتصال بينما يقف في بهو السرايا وقال بجدية: -همي أمال يا ست الكل.

خرجت "مفيدة" من غرفتها مرتدية عباءة سوداء ملكية تدل على مكانتها وثرائها الفاحش. وتضع حجابها الأسود على رأسها رغم أنها لم ترتدي الحلي والزينة منذ وفاة "سارة". فقالت: -أنا مخابرش مالك مستعجل كده ليه يا ولدي وواخدني على فين بس؟ أخذ يدها في ذراعه بحماس وقال: -همي يا كبيرة جبل ما الحفلة تخلص ويفوتك منظر ميتكررش مرة تانية.

لم تفهم حديثه أو سبب رغبته في أناقتها اليوم ومصاحبته لمكان لا تعرف عنه شيء. أي منظر سيفوتها لكنها كل هذا جعلها تسير في صمت معه. أخذها في سيارته إلى حيث السوق وهناك سمعت هتاف الجميع وترحيبهم بـ "مصطفي" الذي يسير على قدمه وسط رجاله ووالده "فايق الصديق" بجواره. اشتعلت غضبًا وعينيها تكاد تقتل "مصطفي" وتحرقه الآن خصيصًا بسمته هكذا بعد أن قتل ابنتها. شعر "مازن" بغضب وحزن والدته. فقال بلطف بعد أن أخذ يدها في يده بحنان وقال:

-دي البداية يا أمي. جوي جلبك أمال دقيقة واحدة. معاوش غير أنك تقوي جلبك دقيقة واحدة وتملي عينك منه. لم تفهم كلمته لكن سرعان ما جاء الجواب عندما اقتحمت سيارة "عاصم الشرقاوي" السوق ليتوقف الجميع عن الهتاف وترجعه للخلف كأنهم تخلوا عن "مصطفي" بحضور الكبير. فتح "قادر" باب السيارة الخلفي ليترجل منه "عاصم" بكبرياء وغرور قاتل. نظر للجميع حوله ثم قال: -أنا موافجتش على الانتخابات.

للحظة واحدة بدأ الجميع يرموا من أيديهم ملصق الانتخابات وأبتعدوا أكثر عن "مصطفي". فقال بغضب: -محدش طلب موافجتك. ضحك "عاصم" بكبر على هذا الرجل وتقدم نحوه بعد أن أخذ ملصق الانتخابات من أحد الرجال الذين يوزعوا على الجميع ووقف أمامه بتهكم شديد وقال بنبرة ساخرة هامسًا له:

-لتكون فاكر أن ممكن تنجح في الانتخابات من غير موافقتي. فتح عينك وشوف أنت بتكلم مين. أنا عاصم الشرقاوي الكبير يا عيل صغير. اه أنت عيل صغير. أفرموا بجزمتي وأوعدك لو طال عمرك للمسا هنجحك في الانتخابات. اتسعت عيني "مصطفي" على مصراعيها بصدمة ألجمته بعد أن أخبره "عاصم" أنه سيقتله الليلة ويسترد حقه بيديه بطريقة غير مباشرة. هندم "عاصم" وشاح "مصطفي" بسخرية وقال بنبرة مخيفة: -لما تكون قتيل لازم تكون قتيل أنيق وجميل.

التف "عاصم" كي يغادر وفتح "قادر" باب السيارة. وقبل أن يصعد نظر "عاصم" لأحد رجاله الذي يقف وسط رجال "مصطفي" وأشار له بنعم. أخرج الرجل سكين من وشاحه. وقبل أن يطعنه ظهرت هذه المرأة تصرخ بأسمه: -مصطفي. التف "مصطفي" لها بعد أن سمع صوتها. وكان وجهها غاضبًا كأنه وصلت لأقصى درجة التحمل وتخليه عنها أفقدها صوابها بعد أن تركها تدفع ثمن جرائمه وحدها. كانت تركض نحوه حافية القدمين وبجسد هزيل وملابسها متسخة بالأتربة. وفور

وصولها أمامه قال بصدمة: -عاصم هملك حية كيف! -ربك أطال في عمري عشان آخد عمرك ويايا.

قالتها ومع نهاية كلمتها غرست السكين في قلبه في وضوح النهار وأمام الجميع ليسقط جثة هامدة تحت أنظار الجميع. تبسم "عاصم" بفخر بعد أن أخذ ثأره أمام الجميع وفي وضوح الشمس. لكن هناك من كان بلغ أقصى درجات السعادة. فكانت "مفيدة" تبتسم بفرحة عارمة لم تظهر على وجهها مع ولادة "حلا" أو مع خبر حمل "فريدة". فرحة لم تتمكن من الدخول لقلبها إلا مع أخذ حق ابنتها المتوفية. لتدرك أن "عاصم" وابنها من انتقموا إليها دون أن يلوثوا أيديهم بالدم. عادت للسرايا بسعادة وهي تطلق الزغاريط في كل أرجاء السرايا بسعادة. جاء الجميع على صوت زغاريطها. لتقول "حلا" بأندهاش من فرحة "مفيدة":

-في إيه؟ تبسمت "مفيدة" بسعادة تغمرها وقالت: -فرحانة إيه مش من حقي أفرح لما آخد حق بنتي. وهيام. فين هيام؟ التفت للخلف لتراها تقف على الدرج مذهولة من فرحة أمها. وقالت: -جهزي حالك. عاصم من هبابة اتصل بأدهم وهيجي بعد المغرب نقرأ الفاتحة. لا أنا هخلي عاصم وأخوكي مازن يتفقوا على حفلة الخطوبة الخميس بعد بكرة.

لم يفهم أحد ماذا حدث لهذه السيدة حتى أخبرهما "مازن" بموت "مصطفي" وأكد لـ "حلا" أن الفاعلة هي المرأة التي اختطفت ابنها قتلته بعد أن تخلى عنها. اتجه "مازن" إلى حيث غرفة "نهلة" التي لم تسمع بخبر وفاة أخاها بعد. وقال بجدية: -ممكن أتكلم وياكي كلمتين. نظرت له بصمت ليقول:

-أنا مكنتش عايز أتجوزك. كيف أتجوز وأنا رجل متجوز وبحب مرتي بكل نفس ليا وكل دقة جلب. لكن أهو الظروف كانت أقوى مني. مكنتش بتجاهلك جسوة منك لكن النصيب بقى. أنا جيت أقولك لمي حاجاتك. أنا عديت على المأذون وطلقتك قبل ما أجي. العربية برا هتوصلك لدار أهلك. خرجت "نهلة" عن صمتها بقلق شديد ثم قالت: -طلقتني! مصطفى جراله حاجة. أبويا حصّله إيه؟ أذيتهم صح؟ "إحنا من مطاريد ولا جتالين جتلة؟ أنا اخترت سعادة مرتي وفرحة جلبها."

قالها بجدية بعد أن وقف من مكانه ليغادر، فقالت بحزن: "بس أنا ماليش مكان في بيت أهلي. كيف أرجع أعيش وياهم بعد ما اتخلوا عني ورموني هنا عشان يعيشوا؟ أنت فاكر إن اللي اتكسر جوايا هيتصلح؟ لا اللي أهلي كسروه هيتصلح ولا اللي أنتوا كسرتوه هيتحصل. لا هقدر أعيش خدامة هنا ولا هقدر أعيش سلعة في بيت أهلي يبيعوها كيف ما يعوزوا." خرج من الغرفة دون أن يعقب، ليجد أمه تقف أمام الباب تستمع لحديثهم، فقالت: "بعد عن طريقي يا مازن."

دلفت للغرفة ومازن يقف خلفها بقلق مما ستفعله في هذه الفتاة. ألم تأخذ روح القاتل ودفع ثمن جريمته؟ أعطت حقيبة صغيرة إلى نهلة وقالت: "دول ربع مليون جنيه، وهتلاقي عقد شقة باسمك جوا. اعتبريهم مؤخرك وحقوقك عند ولدي وتعوضي على إهانتي ليكي وعيشي وحققي أحلامك. لكن نصيحة مني، متعاوديش لدار أهلك اللي رموكي هنا ومسألوش فيكي لأنك خسارة فيهم. عارفة أنا أم واللي يجرب لعيالي لأكله بسناني وأولع فيه حي، لكن أنت؟

لا عندك أم ولا أب يولعوا فيا على اللي عملوه فيكي. تبقي خسارة فيهم." غادرت، وجمعت نهلة أغراضها بحيرة وهي تتساءل: لما الآن قرروا تركها ترحل؟ أخذها قادر بالسيارة إلى حيث الشقة التي أصبحت ملك لها، وعينيه لم تفارقها في المرآة. هدوءها وصمتها يدلّان على أنها لم تعلم بعد بموت أخيها. ترجلت من السيارة، فحمل الحقائب لها وصعد إلى الشقة، فتحها وأدخل الحقائب، ثم أعطاها المفتاح. وقبل أن يغادر، سمعها تقول: "شكرًا."

التفت إليها بذهول، فقالت ببسمة خافتة: "شكرًا يا قادر." أومأ إليها بنعم، ثم قال بحدة: "العفو. متنسيش تقفلي الأبواب كويس. ربنا يوفقك في حياتك." غادر بعد كلماته البسيطة، وتركها لا تصدق أنها أخيرًا نالت حريتها، والآن لديها الكثير لتفعله في حياتها وتبدأ من جديد. وحتمًا الأيام سترمم ما أفسده العالم بداخلها.

ركضت هيام على الدرج بسعادة تغمرها، لا تصدق بأن هذا اليوم تحقق فعلًا. كانت ترتدي فستانًا سماوي اللون مصنوعًا من التل بطبقات كثيرة ورابطة من الستان حول خصرها. وقفت جاسمين وحلا وفريدة معها على الدرج، وهي تراقب أدهم الجالس هناك في الصالون مع عاصم ومازن، وقلبها لا يتوقف عن النبض بجنون. لم تتخيل أن أمنيتها تحققت الآن. ترجلت مفيدة من الأعلى بعباءة زرقاء اللون وترتدي حليها وذهبها، كأنها عادت للحياة بعد الثأر. قالت بفخر:

"معقول في عروسة تقف أكده زي المخبرين؟ مستعجلة على إيه؟ بكرة تقولي كنت هانم في بيت أبويا." ضحكوا الفتيات بسعادة، ثم قالت فريدة بغرور: "ألا طبعًا لو بيت أبوكي هو بيت جوزك، متحسيش بتغيير أصلًا." قاطعها صوت مازن الذي صعد الدرجات القليل لأجلهم وقال: "جاهزة يا عروسة؟ هزت رأسها بنعم، ليأخذ يدها في يده وينزل درجة، لكنه عاد بسرعة إلى زوجته الواقفة وقال: "إيه الحلاوة دي؟ بت زي القمر. أجري غيري الفستان الحلو ده...

أديها عباية من عندك يا ما." ضحكوا عليها، فقلت فريدة بسخرية مبتسمة: "اتفضلي يا ستي." ضحكوا على غيرته التي لم يتنازل عنها لمرة كلما رآها. أخذ هيام معه للأسفل لتركض الفتيات خلفهم. التفت مازن بضيق قائلًا: "رايحين فين؟ اطلعوا على فوقوا." أتاه صوت عاصم الذي يحدق بزوجته التي تقف هناك مرتدية فستان أحمر من قماش قشر السمك اللامع ويظهر أنوثتها، يقول: "هملهم يا مازن."

أخرجت حلا لسانها تغيظه وركضت نحو زوجها الذي يدعمها دومًا في كسر العادات والتقاليد، حتى وإن كان يعاني من هذا الأمر، لكن بسمتها تكفي لقلبه. جلست بجوار عاصم، بينما جلست هيام على الأريكة الذي يجلس عليها أدهم، رغم بعد المسافة، وكان يتطلع بوجهها الجميل بخجل من وجود أخاها وابن عمها. لطالما أراد أن يخبرها كم هي جميلة ويتغزل بها في الحال، لكنه خجول من فعل ذلك أمام هؤلاء الرجال. تمتم بنبرة خافتة:

"نقرأ الفاتحة، وإن شاء الله كيف ما اتفجنا، هي بس تجهز نفسها وفستانها وحاجات البنات دي، ونعمل الخطوبة. بس معلش، أنا لي طلب." نظر الجميع له، فقال بلطف: "أنا عاوز نعقد مع الخطوبة." صرخ مازن برفض قاطع: "لا. كتب الكتاب مع الفرح." ضحكت فريدة وهي تتذكر أفعاله عندما أصبح زوجها وكيف تجاوز الحدود، لطالما كانت حلاله وزوجته أمام الله والجميع. نظر عاصم له بهدوء ثم قال:

"خليهم يعملوا اللي عايزينه يا مازن. كيف ما تحبوا اتفجوا مع عروستك." "شكرًا." ضحك عاصم بعفوية وهو يقف ممسكًا بيد زوجته وقال: "لازم تشكرني. مفيش رجل صعيدي هيقولك كده. بس أنا بقى رجل صعيدي عاشق وخابر زين كيف الحب بيسكن صاحبه. عندك مثلًا هيام أول مرة تتكلم ويايا كان بسبب الحب. جدر ده زين وأهم حاجة تحطه جوه عينك وتحترم جنانها. صدقني، مهما كانت عاقلة الستات لما بيحبوا بيتحولوا لمجانين." نكزته حلا في ذراعه، بينما نظر

أدهم إلى هيام وقال بلطف: "هيام في قلبي جبل عيني والله، ووعد عليا أصونها وأعززها كيف ما كانت في داركم وأكتر كمان."

أومأ الجميع لهم، ثم غادر أدهم وبدأ يحتفل أهل المنزل معها ويباركون لها بسعادة. مر يومان فقط بسبب فرحة هيام، وأنجزت كل شيء خاص بتحضير حفل الخطوبة، وكان الحفل بسيطًا جدًا يكفي لعائلتين داخل السرايا بحضور المأذون وعدد قليل من أصدقاء أدهم. جلس المأذون على طاولة زجاجية في حديقة السرايا، ووضع يد أدهم في يد مازن وكيلًا للعروس، وبعد أن عقد القران ورفع المنديل، بدأ قادر بإطلاق النيران مع رجاله كتحية. وقف عاصم يراقب فرحة الجميع

تمامًا كما أراد أن ينهي الحزن ويقتله من منزله ليعيد السعادة لأهل هذا المنزل التي سلبت منه في أيام الحزن والوجع. لقد انتشل الحزن من قلبيهما. ودع الرجال وهكذا أدهم وعائلته، ثم اتجه للداخل حيث حفلة الفتيات ورحل الجميع، بينما وقف فتيات منزله يمرحون مع هيام التي أصبحت زوجة منذ قليل. وقفت حلا جواره وتشبثت بذراعه بسعادة

وقالت بهمس لا يسمعه سواه: "عصومي." "عايزة إيه؟ قالها عاصم بجدية بعد أن بدأت تدلله دون سابق إنذار. كان واقفًا بمنتصف البهو يسمع الجميع يباركون لهيام على عقد قرانها، لكنه مشغول بحديث هذه الفتاة التي تثيره وتحتل كيانه. فهمست إليه بحب قائلة: "ما رأيك بسندوتش واحد تشيكن برجر وحلقات بصل مقرمشة؟ نظر للجميع بخجل، ثم عاد بنظره إليها وقال هامسًا بإحراج، خاجلًا من أن يعلم أهل بيته أنه يصنع الطعام من أجل زوجته، وقال بهمس: "حلا."

"ما تقلق، كلهم هيناموا في دقيقتين من التعب." أومأ إليها بنعم، قاطعه حديث مازن الذي وضع يده حول عنق فريدة بعفوية وقال: "الحمد لله بقيت في رقبة حد تاني وخلصت منك. مبقاليش غيرك يا جميل أبيض يا قشطة أنت." نكزته فريدة في خصره بخجل من نصيبها في حديثه وغزله بها أمام الجميع ووالدته تحية واقفة وتبتسم عليه، فقالت: "اتلم يا مازن." لطالما كانت هذه الكلمة تغيظه منها، فصاح بغضب مصطنع:

"خليكي شاهدة يا حماتي، حتى بعد ما بقيت مرتي وأم ابني بتقولي اتلم. أعملها كيف دي؟ ضحك الجميع عليهما، لتبتسم فريدة وهمست إليه بخبث: "خلاص اتلم، بس مش قوي." قهقه ضاحكًا لها ثم قال: "عجبت لكم يا نساء. حتى أنتوا متعرفونيش عايزين إيه ولا فاهمين حالكم، هنفهمكم إحنا كيف؟ هز عاصم رأسه بنعم كأنه يوافقهم الرأي. رفعت حلا حاجبها بغرور مصطنع ليبتسم إليها، بينما ضربت فريدة قدم مازن بغيظ من كلمته وقالت:

"والله طب اعمل حسابك تنام عند أمك النهاردة." نظرت مفيدة لها بهدوء، وقبل أن تفتعل الشجار معها، حملها مازن على ذراعيه وقال: "عند أمي وجدرتي تقوليها؟ أنا هوريكي أنا هنام فين النهاردة. عن إذنكم يا جماعة، متخافوش مهضربهاش، أنا هفهمها غلطها، وإن مفهمتش، هطلقها وأتجوز واحدة تاني." ضحكوا عليهم وهو يصعد بها، بينما هي لا تكف عن الصراخ به والتذمر بشأنه. وصل للرواق وهي تصرخ به قائلًا: "نزلني يا مازن. أنت بتسوق عليا إني بحبك."

سألها بنبرة دافئة وعينيه تحدق بعينيها الاثنين بحب وضربات قلبه تطرب صدره: "عشان إيه... أجابته بنبرة دافئة وقلبها لا يختلف حاله عن حال قلبه المتراقص فوق ضلوعها الصلبة: "بحبك." فتح باب الغرفة بحماس وهو يقول: "والله وأنا بموت فيكي. أقولك على حاجة؟ هتموتي يا سوسو."

ضحكت بعفوية على تقليده لمحمد هندي، ثم صرخت فرحًا بعد أن أغلق باب الغرفة بقدمه. بدأ الجميع يذهبون لغرفهم، واتجه عاصم إلى المكتب ينهي عمله حتى يحين الوقت ويتأكد بأن الجميع غاصوا في نومه بسبب كبريائه، حتى يصنع لها ما تريد. صعدت حلا للغرفة، بدلت ملابسها بعد أن أخذت حمامًا دافئًا، وارتدت قميص نوم من الحرير يصل لركبتها، وفوقه روب بنفس اللون الأسود بأكمام من الدانتيل يصل لركبتيها. جلست تجفف شعرها بالمجفف، حتى قاطعها صوت بكاء طفلها. قمت من محلها سريعًا واتجهت إلى سريره الصغير وبدأت تلبي احتياجات يوسف، لكنهم كأي أم لأول مرة، لا تعرف ماذا يريد ببكائه. أخذته للمرحاض وبدأت تحممه بالماء الدافئ على بشرته، ثم وضعت جسده

الضئيل في المنشفة وقالت: "مبسوط؟ ضحك الطفل الذي يبلغ من عمره شهرين بوجه والدته، لتضحك بعفوية عليه وبدأت تلبسه ثيابه مع حديثها معه كأنه يفهمها: "ما تخيلتش للحظة إني أكون أم لبيبي. أنا حلا مستحيل. بتضحك عليا إيه دلوقتي؟ بحكيلك حكايتي." ضحك يوسف على تعابير وجهها الطفولي الممزوج بالوجه المضحك في نبرتها، فتابعت حلا:

"هي حكاية تضحك فعلًا، لكنها بقت أفضل بسبب عصومي. آه عصومي، تعرف بجن جنونه لو قلت عصومي قدام حد. أصل كيف بيكون الكبير ويتقاله عصومي كده... خلي بالك، أنا عايزاك تكون زيه، رجل قوي وشجاع، حتى لو اتقال عليك وحش، كفاية إن أنا بس اللي بكون عارفة قد إيه أنت حنين وطيب. أصدر الطفل صوت بضحكته كأنه يعارضها، فقالت بحزم: -آه، أنا بس. لتكون فاكر إن ممكن أسيبك لواحدة تحبك وتاخدك مني؟

لا مستحيل، أنت بتاعي أنا وبس. ما بتتخيل أنا استنيتك قد إيه عشان تخرج. شعرت بذراعيه تطوقها من الخلف بدفء شديد بعد أن استمع لحديثها، وقال بعفوية ونبرة دافئة: -بس أنا موافق إن واحدة تاخده، ما دام هتحبه كيف ما أنت بتحبني. ضحكت "حلا" ثم رفعت ذراعيها إلى يده الموجودة حولها تتشبث بهما بدلال، وقالت: -مستحيل حد يحب حد كيف ما أنا بحبك يا عصومي. أصلًا أتحداك لو حد جواه حب بقدر الحب اللي جوايا لك.

لم يجيبها بلسانه، بل اكتفى بوضع قبلة من شفتيه على عنقها المثير، ثم أخذها إلى الطاولة لتتناول الطعام الذي صنعه من أجلها. لتبسم "حلا" بحماس شديد من وجوده معها الذي يجعل من كل شيء تريده ممكن، فقلت بلطف: -شكرًا. رفع حاجبه بغرور شديد ووجهه متذمر، عاقدًا ذراعيه أمام صدره، فقالت بقلق: -إيه؟ -مش ناسيه حاجة. قالها بجدية، لتضحك بسعادة، ثم اقتربت لتضحك قبلة على وجنته بدلال، وقالت: -شكرًا... شكرًا... شكرًا.

قالتها بلطف وبدأت تكررها مع كل قبلة تضعها على وجهه دون أن تترك أنفًا لم تقبله، فتبسم بسعادة، ثم قال بإمتنان: -لازم تشكري طريقتي في شكرك يا حلا، لأنها أول حاجة ربكتني منك وفتحت باب قلبي ليك. اتسعت عينيها باندهاش من هذه الكلمات، وقالت: -بجد! لا أنا لازم أشكرك فعلًا.

وقف يركض من محله وهي خلفه تصرخ بسعادة وتريد أن تقبله مرة أخرى وتشكرها. وعمت الغرفة ضحكاتهما، حتى أنه تخلى عن هيبته ووقاره لأجل هذه الفتاة التي تسكن بداخله وتجعله شخصًا آخر لا يراه غيره، ولم يظهر سوى أمامها. أراد أن يتفادى السرير الأرجوحي الخاص بطفله، فسقط على فراشه الكبير وهي فوقه. وبدأت تقول بعفوية: -شكرًا على حبك! شكرًا لأنك ملكي وبتاعي! شكرًا لأنك عصومي حبيبي أنا.

قالتهما، وبين كل شكر كانت تحمل قبلة إليه، فتبسم وضمها إليه، فاستلقت بجواره بين ذراعيه ليقبل جبينها هو هذه المرة، وقال بنبرة دافئة: -شكرًا لأنك هربتي من كاليفورنيا لعندي يا حلوتي. اكتفت ببسمة ويديها تحيط خصره بإمتنان لهذا القدر الذي أحضرها للصعيد، تحديدًا لهذا الرجل كي تسكن قلبه عوضًا عن بيته.

خرجت "نهلة" من الجامعة مع أصدقائها بعد أن تغيرت حياتها كثيرًا في هذه الفترة. وقد مر على خروجها من منزل "الشرقاوي" أكثر من ستة أشهر، ولا تصدق أنها الآن فتاة عشرينية بسنتها الأخيرة مطلقة، لكنها تعافر من أجل النجاح رغم حديث الناس حولها. فهم لن يعطوها شيئًا ولن يفيدوها في قساوة الأيام. كل ما يفعله الحديث الذي لا قيمة له. نظرت على الطريق أثناء حديثها لتندهش عندما رأت "قادر" يقف بسيارته هناك يتطلع بها كالمعتاد. فمؤخرًا بعد انتقالها، فكونها زوجة لم يدخل بها فلم يقيدوها عدتها التي لا تملكها. تبسمت بلطف إليه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...