تحميل رواية اجنبية بقبضة صعيدي بقلم نور زيزو pdf
بقلم نور زيزو
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بمنزل كبير الحجم وضخم يتكون من ثلاثة طوابق يحمل لافتة (منزل عائلة فايق) بمنتصف البلدة، صرخات عالية بقهرة مُعبأة بالخوف والذعر وتمتمة بهلع شديدة من هذه السيدة "وفاء" قائلة: -- وووو يا ولدي، يا حسرة جلبي على شبابك اللى راح هدر يا ولد جلبي. ونظر "فايق" إلى زوجته التى تصرخ وتلطم وجهها بقوة من الذعر وابنه "مصطفى" واقفًا يحدق بوالدته ببرود شديد كأنه لم يفعل شيء. فقال بضيق من بكاءها على شيء لم يحدث: -- بكفاياكِ عاد ياما محصلش حاجة. رفعت عينيها به وهى جالسة على الأرض ورمقته بنظرة مُخيفة مُرعبة من القادم...
رواية اجنبية بقبضة صعيدي الفصل الأول 1 - بقلم نور زيزو
بمنزل كبير الحجم وضخم يتكون من ثلاثة طوابق يحمل لافتة (منزل عائلة فايق) بمنتصف البلدة، صرخات عالية بقهرة مُعبأة بالخوف والذعر وتمتمة بهلع شديدة من هذه السيدة "وفاء" قائلة:
-- وووو يا ولدي، يا حسرة جلبي على شبابك اللى راح هدر يا ولد جلبي.
ونظر "فايق" إلى زوجته التى تصرخ وتلطم وجهها بقوة من الذعر وابنه "مصطفى" واقفًا يحدق بوالدته ببرود شديد كأنه لم يفعل شيء.
فقال بضيق من بكاءها على شيء لم يحدث:
-- بكفاياكِ عاد ياما محصلش حاجة.
رفعت عينيها به وهى جالسة على الأرض ورمقته بنظرة مُخيفة مُرعبة من القادم.
ثم وقفت "وفاء" من مكانها مذعورة وعينيها مُتسعة على مصراعيها بقوة من برود ابنها وتقدمت نحوه بخطواتها التى تشبه الزحف أرضًا.
ثم قالت حينما وقفت أمامه غاضبة من تصرفاته هو ووالده:
-- جولت أيه؟ محصلش حاجة!! أنت جتلت واحدة من حريم دار الشرقاوى، موخدتش بالك من مصيبتك! عاصم الشرقاوي غريب عنك أياك، ما تجوله يا فايق كيف عاصم الشرقاوي هيرد الجميل اللى ولدك عمله… دا هتبجى رحمة منيه لو كلفته ثمن رصاصة فى رأسك يا مصطفى ما بالك لو مرحمكش.
نظر "فايق" بضيق شديد إلى ابنه ثم تأفف بغضب وقال:
-- هملي يا وفاء، هو ما هيعرف بحر الدم اللى فتحه علينا وعلى البلد كلتها بمخه دا غير لما يشرب من كأس الدم دا.
ألتف لكي يغادر ليستوقفه صوت "مصطفى" يقول بضيق شديد:
-- أنت رايح فين يا أبويا؟
صاح به مُنفعلًا بضيق شديد دون ان يلتف إليه قائلًا:
-- رايح أشوف حل للكارثة اللى عملتها وهتأخدنا وياك على جنهم بيدك.
فتح باب المنزل ليخرج منه وتقابل مع ابنته "نهلة".
حدقت بقلق على والدها المُنفعل ووجهه عابس أو بالأحرى وجهه يشبه البركان المُلتهب.
فقالت:
-- وا مالك يا أبويا؟
لم يُجيبها علي السؤال ثم غادر المنزل.
دلفت "نهلة" وحدقت بأمها وأخاها ثم قالت بغضب سافر:
-- طبعًا كل دا منك أنت بسبب المُصيبة اللى عملتها.
رفع نظره إلي أخته لتقول بأقتضاب غاضبة من أخاها:
-- متبصليش أكدة، أطلع برا وشوف كيف البلد كلتها بتحدد على اللى عملته مع عاصم الشرقاوي، أنتِ فتحت عليك وعلينا باب جنهم يا أخويا، ومهيسلمش منها لا رجل ولا ست، لا كبير ولا صغير.
-- ن خلاص إحنا يا دوب نتخبي هنا فى الدار ونطلب كفنا بالتوصيل.
تأفف بضيق شديد من حديثهم ثم قال:
-- بكفاياك نوح كيف أمك، الرصاصة جت غلط أنا كان الود ودي أجتلها بيدي عشان كرامتى اللى أتحرجت واتهانت بسببها، أنا مندمانش على اللى عملته ولو رجع بيا الزمن هعمله تاني، عائلة الشرقاوي مش جدي يا نهلة.
ضحكت ساخرة على حديثه وعينيها تتنقل من أخاها إلى والدتها ثم قالت:
-- عجلي ولدك ياما، الظاهر ان تجارته فى السلاح ومعاشرته للمطاريد خليته ينسي من هو عاصم الشرقاوي وأن بإشارة منه كل المطاريد ولا أرض ولا جبل هيبجوا فى ظهره.
صعدت إلى شقتهما بالأعلي غاضبة وخائفة من القادم بسب غباء أخاها.
***
"ســـرايـــــا الشرقـــاوي"
فى الطابق العلوي يعمه صوت صراخ وبكاء النساء على فقدان أحد أفراد العائلة.
كانت "تحية" تجلس على الأريكة فى البهو بجوار "مُفيدة" تربت على ظهرها وهى تصرخ بألم شديد على فراق أبنتها.
حتى خرج "عاصم" من الغرفة مُرتديًا عباءة سوداء وعلى أكتافه عبائته السوداء اللون ويلف عمامته حول رأسه وفى يده نبوته.
هرعت "مُفيدة" نحوه بغضب وقلب مُحترق ثم تشبثت بذراعه وقالت:
-- هتلهم تأر بنتى يا عاصم، دم بنتى ضناية هيروح أكدة.
صعد "مازن" للأعلي بقهرة ودموع تكاد تكون جفت على فراق أخته ثم قال:
-- الرجالة تحت يا عاصم.
ألتفت "مُفيدة" له غاضبة من كلمته وصرخت بهلع شديدة شبه فاقدة لوعيها:
-- رجالة، أنتوا هتدفنوا بنتى أكدة من جبل ما تأخده تأرها من اللى عملها، لا بنتى ما هتدفنش ولا هتدخل جبرها جبل ما اللى عملها يدخل جبرهم.
مسك "عاصم" يدها بقوة غاضبة ويكاد يكبح نيرانه بسبب حالته وهى ام قلبها مُحترق على فراق ابنتها.
ثم قال:
-- أكرم الميت دفنه يا مرات عمي، سارة دلوجت فى دار الحج ندفنها وأنا أحرجلك البلد كلتها مش بس اللى عملها.
نظر إلى "تحية" لتأخذها من يدها بعيدًا عن طريقهم وأتجه نحو الدرج لتستوقفه "مُفيدة" بصوتها قائلة:
-- عشان سارة اللى الميتة جلبك بارد، لو كانت حلا ولا اللى فى بطنها كنت حرجت البلد صوح يا عاصم.
ألتف إليها غاضبًا من حديثها وصراخ غاضبًا بها:
-- حلا اللى بتحدد عنها مرمية فى أوضة العلميات لا أنا خابر هتطلع منها ولا لا والوجع اللى جواكي، جوايا كيفه وأنا مراعي حالتك وجهرتها وغلاوة حلا عندي لأخدلك بتأرها من اللى عملها.
نزل للأسفل وكان "مازن" قد جمع كل الرجال فى السرايا ليقف "عاصم" أمامهم.
فقال "حمدي":
-- البقاء لله يا جناب البيه.
ضرب "عاصم" نبوته بالأرض ثم قال بانفعال شديد:
-- متعازنيش، محدش يعزينى، والبلد كلتها لازم تدوج من اللى اللى دوجته يا حمدي، قادر.
نظر "قادر" له بأهتمام مُستعدًا لتنفيذ طلبه مهما كان.
ليقول "عاصم" بصراخ:
-- البلد كلتها فى حداد ورعب، لا كبير ولا صغير يطلع من داره، الجهاوي والمحلات كلتها تجفل بالجوة واللى يعارضك أحرجه دار وملكه، خليهم يخافوا ويجوه وأرضهم تبور لأجل اللى راح مننا وقسمًا بربي ما هينجدهم منهم غير أنهم يتخبوا فى بيوتهم.
واللى هلمحه هطخه ويتم ولاده ومراته حتى لو كان فى الشباك، ولو لمحت حرمة واحدة هوأدها حية، مهرحمش حد وناري هتطل الكل، حزني ووجعي هيكون حزن على كل دار فى البلد.
مر من وسط رجاله معهم وأتجه للمستشفى.
ترك "مازن" يستلم الجثمان وأتجه إلى غرفة العمليات.
وكانت "حلا" قد خرجت بعد ليل طويل داخل هذه الغرفة.
رأها بغرفة الرعاية و"فريدة" و"هيام" يجلسون أمامها والدموع لا تفارق أعينهم من الحسرة والوجع على فراق أختًا لهم والأخرى هنا تصارع الموت وتكاد تلحق بالأولي.
تطلع من خلف الزجاج على زوجته المُدللة وهى على فراش المرض والأجهزة الطبية تحيط بها.
فرفع يده إلى الزجاج يلمسه لربما يلمس وجهها بأنامله وتلألأت عينيه بالدموع خوفًا من ضعف هذه المرأة.
فأتاه صوت الممرضة تقول:
-- حضرتك جوزها؟
أومأ إليها بنعم وعينيه لا تفارق وجه "حلا".
لتقول:
-- الحمد لله الطفل بخير و….
قاطعها بنبرة خافتة وتلعثم:
-- حلا، كيفها؟
أجابته بنبرة هادئة بعد أن نظرت على وجه "حلا" وقالت:
-- الحمد لله العملية نجحت، أدعيها الـ 24 ساعة الجايين يمروا بسلام وتستعيد وعيه.
رن هاتفه من "مازن" فذهب إليه تاركًا قلبه وروحه هنا بهذه الغرفة.
***
رأى "فايق" رجال "عاصم" ينتشروا فى البلد ويدفعون الناس بعيدًا عن طاولات القهوة وأغلاقه القهاوي والمحلات بالقوة والأكراه.
مر "قادر" من امام قهوة وكان الرجال يشاهدون مباراة الكرة ليصوب بمسدسه على الشاشة حتى فزع الجميع ووقفوا من المكان.
فسأل صاحب القهوة بقلق:
-- فى أيه؟
صاح "قادر" حتى يستمع الجميع لحديثه:
-- في أن الكبير أمر بحظر البلد كلتها، ومن الساعة دى… لا من اللحظة دى ملمحش حد فى الشوارع، الى هلمحه هضربه بالنار كبير وصغير راجل أو مرة وحتى لو عيل صغير هضرب بالنار.
مرت سيارة "فايق" من جواره ففزع الجميع حينما ثقب إطارات السيارة بالرصاص.
فتـرجل "فايق" من سيارته ذعرًا.
أقترب السائق مة "قارد" غاضبًا وقال:
-- وااا جنت فى مخك ولا أيه؟ أيه اللى هببته دا؟
حدق "قادر" بعيني "فايق" وهو يوجه حديثه إلى السائق قائلًا:
-- أوامر الكبير أكدة، لا راجل ولا ست ولا حتى نملة تمشي على ارض البلد دى.
عاد بنظره إلى السائق بنظرة مُرعبة مُخيفة وقال دافعًا إياها فى صدره بالمسدس:
-- ولو لمحتك قصدى مرة تانية هتكون فى جلبك بدل كوتش العربية، غور.
كاد السائق أن يتحدث لكن أستوقفه صوت "فايق" يقول:
-- خلاص، يلا بينا يا فهيم إحنا.
سار على قدمه تاركًا سيارته المُعطلة فى الطريق.
رمقه "قادر" وهو يغادر وبداخله غضب لا يحتمل.
فقال بضيق:
-- تعال يا كارم شيل المخروبة دى من أهنا؟
أتسعت أعين الجميع على مصراعيها بذعر وبدأ الصراخ من الجميع رجال ونساء حينما أقترب "قاسم" رجل أربعيني وسكب دلو من البنزين على السيارة وأحرقها.
ألتف "فايق" و"فهيم" بصدمة ألجمتها حينما أنفجرت السيارة.
ومع انفجرها أدرك الجميع مدي الرعب والغضب الذي سيحل بهما.
وبدأوا يركضون خوفًا من نيران "عاصم الشرقاوي" التى ستلتهم كل من يقابل إنسان أو جماد.
حتى تحولت البلدة من حيوية غلى بلدة شبه مهجورة.
مرات سيارات "عاصم الشرقاوي" بسيارة تكريم الإنسان حاملة جثمان "سارة" الفتاة التى بمثابة نسمة العائلة، لم تأذي أحد لكن هى أول من طالها الكره والغل.
وكانت روحها ثمن كرامة "مصطفى" وكانت الثمن الحقيقي لرفض "فريدة" أولًا و"هيام" ثانيًا بالزواج منه.
كانت البلدة مهجورة مع غروب الشمس لا يوجد بها أحد سوى رجال "عاصم" بقيادة "قادر" المنتشرون فى البلد مسلحين كالصقور المُنتصرة ظهور فريستهم حتى يلتهموها.
جلب "كارم" مقعد ووضع بجوار السيارة المتفحمة ليجلس عليه "قادر" وبدأ يستمع مع رجاله بما يفعله.
عاد "عاصم" بصحبة "مازن" للمنزل بعد دفن "سارة" ليلًا.
كانت "هيام" قد عادت من المستشفى مع "فريدة" وجلسوا جميعًا هنا مع "مُفيدة".
وقفت "مُفيدة" بأنهيار شديد ثم قالت:
-- عملت أيه يا عاصم؟ تأر بنتى لسه مجاش.
أجابها "مازن" بهدوء شديد يدل على أنكساره هاتفًا:
-- أهدئي يا أمى إحنا فينا اللى مكفينا وحج سارة جاي جاي.
ضربت على صدره بقبضتها بأنهيار ودموعها لم تتوقف عن الأنهمار وتقول بألم ونبرة مُعبأة بالكثير من الإنكسارات والحسرة:
-- بنتى معايا يا ولدي، سارة روحها ويايا ممرتاحش فى نومتها يا ولدي، روحها بتصرخ وبتجول حجي يا أمى مجاش، بتصرخ فى ودني وبتجولي أنا أتجتل يا أمى وأنا مأذتش حد وأتحرمت من عمري وحياتي ودمي سال واللى عملها مبسوط وبتنفس بعد ما سرج منها أنفاسها، كيف أرتاح ولا يهدي جلبي وفى حد سرج من بنتى أنفاسها وروحها وهو عايش وزمانه بيشرب جهوة على روحها، بنتى اللى عمرها ما أذيت حد ولا حتى نزلت دمعة من حد بسببها، بنتى وفلذة كبدي اللى ضاعت منى، مش بس جتلوها يا مازن دى كانت السكينة اللى غرسوها فى جلب أمك ومعارفش أحركها جولي يا ولدي أعمل أيه بعد ما حرقوا جلبي وروحي وياها.
سقطت على الأرض باكية بأنهيار لا تتحمل فراق ابنتها الغالية والمُدللة.
أقترب "مازن" منها وجلس على الأرض يضمها إلى صدره وهو يقبل جبينها بضعف وقد تتساقطت دمعته مع بكاء والدتها ودموعها التى تذرف ألمًا.
هتف بنبرة خافتة:
-- ورحمة سارة يا أمي لأجتل اللى عملها بيدي.
ضربته بقوة وهى تدفعه بعيدًا عنها صارخة بأنهيار تام:
-- لا متجولهاش.
لم تتحمل قسم ابنها برحمة ابنتها المتوفية وكأنها لم تصدق ما حدث.
عاد إلى والدته مُجددًا وضمها له وهو لا يبالي بضربها إلى صدره.
أقتربت "تحية" من "عاصم" خطوة وقبل أن تتحدث إشار إلى "مازن" ودلفوا الأثنين إلى غرفة المكتب.
فقال "مازن" بضيق شديد:
-- ناوي على أيه يا ولد عمي، محدش عملها غيره مصطفى ولد الصديق، هو هددنا مباشرة من غير خوف.
أومأ "عاصم" له بصمت.
ليتابع "مازن" بجدية حازمة:
-- ساكت ليه؟ أنت ناوي تسكت عن اللى حصل لسارة ولا مستني لما حلا تحصلها عشان تتحرك.
رمقه "عاصم" بغضب شديد وهو يقول:
-- وااا يا مازن لدرجة دى، هتجدر على فراج خيتك التانية.
صاح "مازن" بأنفعال شديد وعقله لا يستوعب خسارة أثنين من أخواته بليلة وضحاها:
-- دا اللى ناجص يا عاصم أخسر التانية كمان والله لأحرق بيت الصديق باللي فيه رجالة وحريمه.
هز "عاصم" رأسه بهدوء وقال:
-- دا تأر ولازم نأخدوا، حجنا مهنسبهوش من عائلة الصديق مش عاصم الشرقاوي اللى يهمل ثأره وحجه، بحور الدم هم اللى فتحوها على حالهم بتصرفهم، وهى مهترتاحش فى جبرها إلا لما نأخد روح اللى عملها.
نظر "مازن" إليه بحزن شديد على فراقها ولم يتخيل نهائي أن يعيش بالبيت ويدخله وهي ليست هنا.
دلت "ناجية" إلي المكتب ثم قالت:
-- فايق الصديق عاوز يجابلك وحمدي فتح له المنضرة.
نظر "مازن" إلي "عاصم" بغضب سافر وهو لا يصدق بأن هذا الرجل دخل بيتهم بعد أن سرق منهم روح وقتلها بدم بارد هو وابنه.
ذهب "عاصم" للمنضرة مع "مازن" ولم يتفوه بكلمة واحدة بل ظل يحدق به بنظرات تقتل لو كانت النظرات تقتل كالرصاص لفتت "فايق" في الحال.
تنحنح بحرج شديد وهو يقول:
-- أنا جايلك لحد عندك وخابر زين أن ولدي غلط بس أنا جاي امد يدي بالسلام ونوجف بحور دم ونار هتحرج الكل.
أجابه "عاصم" بانفعال شديد ولم يتمالك غضبه وأعصابه أكثر:
-- النار دى مهتحرجش حد غيركم، من أصغر رأس لأكبر رأس فى عائلة الصديق هتحرجه ناري وهتطول رجالة وحريم.
-- أنا جايلك يا عاصم وبجولك ولدي مستعد يشيل كفنه جدام البلد كلتها، مستعد أجوز بنتى لك أنت أو مازن أو أى راجل فى عائلتك بس ترحم أحفادي وعيلي من تأر ما إحناش جديه.
رمقه "عاصم" بانفعال شديد ثم أقترب نحوه برأسه مُتشبثًا بنبوته ثم قال:
-- بنتـك وولدك وعائلتك كلتها رجالة بحريم ميساووش ضفر من اللى راحت ولا شعرة من رأسها، واه اللي جاي أنتوا والبلد كلتها مش جديه. لأنه طوفان يا فايق هيبلع كل اللى هيجابله.
نظر "فايق" لهم بخوف شديد ثم خرج من المنضرة.
لينظر "مازن" له وقال:
-- يا بجحته والله.
كاد "عاصم" أن يتحدث لكن أستوقفه صوت رنين هاتفه بالمستشفى يخبره بسوء حالة زوجته ليهرع إلى الخارج بخوف أصابه من فقدها.
ذهب إلى المستشفي وهناك قابل "كريس" كان واقفًا أمام غرفتها بقلق شديد بعد أن سمع بما حدث لها.
كان الأطباء يحاول معها وهناك طبيب يقف فوق "حلا" وينعش قلبها بقوة واستماتة كأنه لا يقبل بأن يخسرها مريضته.
كان شابًا بعمر زوجها ويضغط بقوة على صدرها بقبضتيه.
هاتفًا:
-- خليكي قوية عشان ابنك.
نظر الجميع بيأس من إنعاش هذا القلب الضعيف الذي تلقي رصاصة بقرب منه وأضعفه أكثر.
وضع "عاصم" يده على الزجاج بذعر من رؤيتها تحسم أمرها بالمغادرة وتساقطت دموعه بألم شديد وأتسعت عينيه على مصراعيها حين ربتت الممرضة على ظهر الطبيب.
لم يسمع "عاصم" كلماتها لكنه قراءة حركة شفتيها وهزت رأسها بالنفي عندما قالت:
-- مفيش أمل، متحاولش.
دفعها الطبيب بقوة بعيدًا وهو يقول:
-- أبعدي، ابنها لسه عايش مستحيل أقتله، لو رفعت ايدي عنها هيموت.
ظل ينعش قلبها بقوة أكثر وهو يلهث.
ناداها "عاصم" بضعف مُتمتمة باسمها:
-- حلا!!
نظر الجميع بأندهاش عندما عاد النبض مُجددًا لهذا القلب وكأن روحها تلازمه ولا تقوى على مفارقته رغم مرضها الشديد.
تبسم بلطف بسمة خافتة وهو ينظر للسماء على لطف الخالق ورحمته بقلب ذا الرجل العاشق الذي لن يتحمل فراق محبوبته.
نظر إليها وقال بخفوت:
-- أحسنتِ يا حلوتي! أحسنتِ.
رأها تفتح عينيها ببطيء شديد لم يتحمل "عاصم" البقاء خارجًا أكثر ففتح باب الغرفة ودلف للداخل بالقوة رغم معارضة الأطباء.
أقترب أكثر نحوها فرأها تنظر إليه ولم يتحرك بها شيء سوى عينيها الخضراء التى كانت تبحث عنه وسط لجميع.
وقف جوارها يتطلع بها وأنفها مُعلق به الخرطوم الطبي يساعدها على التنفس أكثر.
أنحني إليها وهو يلمس يدها بلطف وقال:
-- أحسنتِ.
تمتم بصوت مبحوح شديد يكاد يصل إلى أذنيه:
-- عاصم.
أومأ إليها بنعم كأنه أكتفي بعودتها للحياة ولا يكترث لشيء أخر.
تبسم الأطباء بسعادة وهكذا هذا الطبيب الشاب الذي لم يفقد الأمل نهائيًا فى إنقاذ هذا الطفل الحي بداخل جسد أمه التى توقف قلبها عن النبض.
غادر الجميع الغرفة بعد فحصها تحت أنظار "عاصم".
فقبل جبينها بإمتنان شديد وهمس إليها قائلًا:
-- أنا عارف أن من رحمة ربنا بيهم رجعك ليا، مش من رحمته بيا لا هو اللى عالم بالقلوب والنوايا وعالم أنا كيف كنت هرد لهم أذيتك يا حلا.
لم تقوي على الإجابة عليه فعادتها للحياة ومصارعة الموت أستنفدت كل طاقتها.
فأغمضت عينيها بتعب شديد ليمسح على رأسها بدلال وحنان مُدركًا مدي صعوبة تلقي رصاصة قرب القلب.
رواية اجنبية بقبضة صعيدي الفصل الثاني 2 - بقلم نور زيزو
صرخ “مصطفي” بوجه والده غاضبًا من فعلته يقول:
-- ليه يابا أكده صغرت نفسك وصغرتني وياك، بعد ما يحرج عربيتك تروحله وتمد يدك بالسلام ليه؟
أجابه “فايق” مُنفعلًا يقول:
-- عشان أحميك من اللى هيجري لك على أيد عاصم الشرقاوي واللى هيجرلنا وياك، ما تخرج تشوف البلد حالها فى ثلاثة أيام بجيت كيف؟ مفهاش نملة واحدة فى الشوارع، كيف المهجورة أو المحتلة فى ساحة حرب.
تأفف “مصطفي” غيظًا من تصرف والده وقال بأختناق شديد:
-- وأكدة بجي الحل؟ ومين اللى جالك يا أبويا أنى هشيل كفني، أحط الباجي من كرامتى تحت رجلهم لا، أنا مههنش كرامتى ولا اجيب العار لنفسي ولرجولتي عشان ولد الشرقاوي.
مسكه “فايق” من لياقته بغضب سافر وحدق بوجه ولده بعيني دامعة على وشك البكاء من الخوف وقال:
-- عار أيه يا مصطفي أنا معاوزش أخسرك يا بنى، أنا مبجاليش غيرك فى الدنيا دى، سكوت عاصم الشرقاوي ورفضه لأخد العزاء مش عجز منيه، أنا وأنت والبلد كلتها خابرين زين أن صمت عاصم الشرقاوي مش هين وبعديه بتكون كارثة، أنت سبت البلد كلتها بكبيرها وصغيرها ومعادتش غير الكبير، عاصم لو اتنازل عن تأره مهيكونش الكبير واصل ولا هيكون تربية الكبير جده.
أبعد “مصطفى” يدي والده عنه بضيق شديد وهو يقول:
-- أنت خايف ليه أكدة؟ هو الكبير وانت أيه يا أبويا… أنت عمدة البلد دى وبكل وقاحة منيه حرج عربيتك جصاد عينك وسكت، كيف تكون عمدتهم ويشوفوك ضعيف أكدة، لا يا ابويا أنا مش زيك.
صعد للأعلي لا يبالي بحديث والده ولا يخشي “عاصم” وما هو قادم من صمته.
***
فتحت “فريدة” باب الغرفة بهدوء ليلًا لتري “مازن” جالسًا الأرض قرب النافذة ينظر إلى صورة “سارة”. أغلقت باب الغرفة ودلفت نحوه بهدوء مُرتدية عباءة سوداء اللون وتضع رابطة شعر حول رأسها سوداء اللون. جلست أمامه وهى تقول:
-- مازن.
رفع نظره إليها لترى دموعها التى حولت وجهه للأحمرار الشديد وبللت وجنتيه فقال:
-- هملينى لحالي يا فريدة؟
طأطأ رأسه للأسفل حادقًا بصورة أخته المتوفية ليُشعر بيديها تطوقه وهى تضمه إليها بحنان وبدأت دموعها تتساقط وجعًا لرؤيته مُنكسر وحزين هكذا فقالت بلطف:
-- أدعيلها يا مازن، هى دلوجت فى مكان أحسن من دا بكتير، عند اللى أحن منى ومنك يا حبيبي.
تشبث بزوجته بكلتا ذراعيه وجهش باكيًا بلا حرج أو خجل من بكاءه أمامها لتمسح على ظهره بلطف وسمعته يتمتم قائلًا:
-- كانت طيبة مالهاش فى أى حاجة نهائيًا، كيف البلسم وضحكتها بتنور حياتنا يا فريدة.
سقطت دموعها على أكتافه بحزن شديد، أخرجته من حضنها وتتطلع بوجهه بحنان ثم قالت:
-- ربنا يرحمها ويغفرلها يا مازن، هى دلوجت فى الجنة ونعيمها، كلنا هنموت إحنا بس لسه وجتنا مجاش، سارة أرتاحت من الدنيا وقسوتها وغدر البشر، محدش ضامن النفس اللى داخل هيخرج ولا لا …أنا كمان هموت.
وضع يديه على فمها يمنعها من الحديث بذعر وخوف:
-- متجولهاش، جلبي مهيتحملش فراج حبيب تاني يا فريدة.
تبسمت بلطف وهى تجفف دموعه الحارة بأناملها الباردة، تطلع بها بعينيه الحزينتين فى صمت لتقترب تقبل دموعه بلطف ثم قالت:
-- والله يعز عليا دموعك دى يا حبيب جلبي وروحي، لو كان الأمر بيدي مكنتش هملتها تروحها لأجل دموعك دي لكن لا أعترض على قدر ربنا ومشيئته.
سمعت صوت “تحية” تناديها فقالت بلطف:
-- هكلم ماما وأرجعلك.
كادت أن تقف ليمسك يدها يمنعها من الرحيل فنظرت إليه بصمت ثم قال:
-- متروحيش، خليكي أهنا.
عادت للجلوس أمامه وحدقت به فى صمت ليقول:
-- أنتِ مرتي هتهملنى لوحدي فى وجت كيف دا؟
رفعت يدها إلى وجنته تلمسها بحنان ودفء ثم قالت:
-- معجول أهملك لحالك، لو مكنتش أجعد تحت رجلك فى وجت كيف دا هجعد أمتى؟
تبسم بلطف إليها ثم قال:
-- أنا هجتل مصطفي بيدي وأخد تأرى محدش هيأخد تأري غيرى.
أتسعت عيني “فريدة” على مصراعيها بصدمة ألجمتها ثم قالت:
-- أنا عارفة أنكم هتأخدوا تأرها بس مش بيدك، مش عشان تأخد تأري ترملني أنا وتحسر جلبي عليك مفكرتش فيا أنا.
رفع يده إلى وجنتها يلمسها بحنان ثم قال بحب شديد وعينيها تتأمل كل شىء فى وجهها:
-- يعلم ربنا أنا بحبك جد أيه يا فريدة، ويعز عليا فراجك لكن حجي هأخده.
نظرت “فريدة” له بعيني باكية لتراه يقترب منها أكثر وهى تتأمله بخوف وكأنه يودعها قبل أن يذهب إلى موته. قبلها بحنان لتتساقط دموعها وقلبها يرتجف ذعرًا ورعبًا من الغد وشعرت برجفة يديها ليضم “مازن” يديها بيده بدفء.
تسللت “فريدة” من فراشه فجرًا بعد أن تأكدت من نومه وذهبت نحو خزانته وفتحتها برفق شديد حتى لا يشعر بها وسرقت مسدسه من الخزانة وخرجت من الغرفة هاربة خوفًا من فعلته وما يسعى إليه.
***
فتحت “ناجية” باب السرايا وكان “عاصم” يدخل مساندًا “حلا” مُتشبثًا بيديها. هرعت “فريدة” إليها بسعادة لعودتها حية سالمة من الموت، شهرًا كاملًا وهى بداخل الرعاية المركزة بالمستشفي. عانقتها “فريدة” بحماس شديد وهى تقول:
-- ألف حمد الله على السلامة يا حلا.
أتاها صوت “ناجية” من الخلف تقول:
-- بركة أنك رجعتي بالسلامة يا ست الستات.
أكتفت “حلا” ببسمة لطيفة ثم قالت:
-- فين طنط مُفيدة؟
صرخ “مازن” من الأعلي غاضبًا باسمها قائلًا:
-- فريدة!!
نظر الجميع على الدرج ليروه قادمًا نحوها فمسكها من ذراعها بقوة وهو يقول:
-- أنتِ اللى خدته مش أكدة، محدش يعملها غيرك يا فريدة.
نظرت له بخوف شديد من غضبه ليقول “عاصم” بهدوء:
-- سلاحك ويايا يا مازن.
نظر “مازن” له بغضب سافر من فعل زوجته وهى سبب هذه المشكلة ليقول “عاصم”:
-- فريدة خدي حلا لأوضتها، تعالي يا مازن.
لم يترك ذراعها من الغضب الذي يجتاحه ويحرق صدره ليجذبه “عاصم” بقوة من ذراعه ودلف به للمكتب وهو يقول:
-- جنت إياك، عاوز تروح تجتله وجوا داره، أنت جبل ما تطلع سلاحك هتكون رجالته صفتك يا مازن ومن غير ما يأخدوا فيك يوم واحد، خابر ليه لأنهم غفر العمدة، موظفين حكومة مهمتهم حمايته.
صرخ “مازن” بأنفعال شديد من فعلته قائلًا:
-- لا يا عاصم دا حجي وهأخده، عشان خيتى ترتاح فى جبره.
ربت “عاصم” على كتفه وهو يشعر بغضبه وحزنه تمامًا ثم قال بحزن:
-- هيجي، والله لأجبلكم حجها، بس أخذ الحج حرفة ولو مهتعرفش كيف تأخد حجك من غير ما تأذي حالك يبجي متأخدهوش لأن كل مرة هتحاول تأخده وتفشل هيبجي لك حج غيره وهتعيش فى دوامة حجوج مبتتجابش.
أومأ “مازن” له بالموافقة على رأيه ثم قال:
-- ماشي يا عاصم خلينى وراك للأخر.
***
دلفت “حلا” إلى غرفة “مُفيدة” ورأتها جالسة على فراشها تبكي بحزن على فراق أبنتها فجلست “حلا” جوارها على الفراش بتعب شديد ثم قالت:
-- عاملة أيه دلوقت يا طنط؟
جففت “مُفيدة” عينيها من الدموع الحارة ثم قالت بلهجة واهنة:
-- معلش يا بنتى معرفتش أزورك فى المستشفى وأطمن عليكى.
تبسمت “حلا” بلطف شديد ثم قالت بعفوية:
-- ولا يهمك.
دلفيت “هيام” للغرفة مُسرعة وغاضبة مما سمعته وقالت بهلع:
-- شوفتى يا ماما اللى حصل؟
رفعت “مُفيدة” نظرها عن “حلا” ثم نظرت إلى ابنتها التى تهرع إليها ثم قالت:
-- فايق الصديق جه الدار عندنا.
ترجلت “مُفيدة” من مكانها غاضبة بعد أن سمعت بحضور قاتل ابنتها إلى بيتهم دون ان يكثرت لشيء كأنه لا يخشي شيء وهنا قلبها كان أقتلع من مكانها كاملًا حين شعرت بقساوة هذا الرجل على حياتهم ومشاعرهم، كادت أن تهرب من الغرفة لكن أستوقفها صوت “هيام” تقول:
-- رايحة فين يا ماما، دا مشي.. عارفة جاي ليه، جال أيه بيمد يده بالسلام، بيعرض على عاصم أن ولده يشيل الكفن أو حتى بنته تتجوز أى راجل من عيلتنا وننهى التأر.
أتسعت عيني “مُفيدة” على مصراعيها بصدمة ألجمتها هو يقدم المساومات حتى يفض النزاع ويقفوا الحرب خوفًا من فقد أبنه بعد أن أفقدها ابنتها الغالية وكأن روح أبنه أغلى من روح ابنتها ودماءها التى سالت على الأرض، ألتفت إلى “هيام” مصدومة من هذا الحديث الذي وقع على مسمعها لتقول:
-- سلام، ننهى التأر بكفن وجوازة….. جوازة.
خرجت “مُفيدة” من الغرفة غاضبة وعينيها تبث شرارة نارية ومكر شيطاني وترجلت للأسفل ودلفت إلى المكتب لترى “عاصم” جالسًا مع “مازن” فقالت:
-- أنا موافقة.
نظر الأثنين إليها بعدم فهم وعلما هى تصدر موافقتها لتقول:
-- أنا سمعت أنه جه أهنا ومدد يده بالسلام وأنا موافقة.
وقف “مازن” من مكانه مُصدومًا من حديث والدته بينما نظر “عاصم” غير مُصدقًا بأن زوجة عمه ستتخلي عن حق أبنتها المتوفية، قال بهدوء شديد:
-- جولتي أيه؟
رفع رأسها بتفاخر ثم قالت بهدوء شديد وعينيها تحدق بـ “مازن” قائلًا:
-- نجبل السلام.
أقترب “مازن” من والدته وهو لا يُصدق ما يسمعه وعينيه تحدق بعيني والدته مباشرة وقال:
-- كيف يا أمى؟ مصطفي يجتل سارة ومجرد ما يشيل كفنه خلاص أكدة.
نظرت إلى “عاصم” بغموض ثم قالت:
-- ومين جال أني هجبل بكفن مصطفي، أنا تأر بنتى فى بنتهم يا مازن.
لم يعقب “مازن” على حديث والدته فما زال لا يفهم ما ترمي والدته له لتتابع حديثها بعد ان نظرت فى عينيه قائلة:
-- أنت هتتجوز بنته وتجيبها لي أهنا؟
عم الهدوء والصمت فى الغرفة بعد كلمتها ليقطع هذا الصمت صوت زجاج ينكسر فنظر الجميع إلى الباب وكانت “فريدة” تقف هناك وسقطت من يدها صنية القهوة وعينيه مُتسعة على مصراعيها لا تصدق ما سمعته. تأففت “مُفيدة” بغضب سافر وهى لا تبالي بهذه الفتاة وتابعت حديثها:
-- سمعتنى يا مازن.
تحدث “مازن” بصدمة أحتلت عقله وقلبه وما زال عقله لا يترجم ما سمعه وتنوي والدته عليه فقال:
-- كيف دا؟
مسكته من لياقته بغضب سافر حاد ثم قالت:
-- كيف ما سمعت، تتجوز بنته وتجيبها على داري وإلا جسمًا بربي يا مازن أغضب عليك ليوم الدين ولا تكون ولدي ولا أعرفك وتأري وجتها أخده بيدي حتى لو أضطرت أجوز هيام للي جتل خيتها لأن أخوها جبان وخايف على جلب المحروسة ليتكسر فاهم ولا.
نظرت إلى “فريدة” نظرة باردة حاجدة بعد ان أخبرتها بطريقة غير مباشرة بأن زوجها سيتزوج أخرى وسيجلب لها زوجة ثانية. تابعت حديثها وعينيها ترمق “فريدة”:
-- سمعتنى يا بنتى لكن لو ولدى رفض يبجي حلال عليكي وجلبي وربى يغضبه وأجف أخد عزاءه فى وسط البلد بنفسي.
وقف “عاصم” من مكانه وألتف حول المكتب وهو يسير نحوها وكاد “عاصم” أن يتحدث قائلًا:
-- يا مرات عمي ….
قاطعته “مُفيدة” بحديثها دون أن تلتف إليه قائلًا:
-- لو سمحت يا عاصم متدخلش فى اللى ميخصكش، تأر بنتى يخص ولدي وبس ولو طلع عيل وميهموش غير مشاعر مرته اللى خايف يجرحها يبجى يخصنى لحالي.
خرجت من الغرفة بعد أن مرت من جوارها صامتة ولا تبالي لشيء. نظرت “فريدة” إلى زوجها الواقف هناك صامتًا يحدق بزوجته الباكية رغم صمتها لكن عينيها تصرخ من هذه الصدمة التى حلت عليها. ألم يكفي زفافهم الذي كلما قرروا إقامته يفسده شيء والآن قبل أن يفعلا حفل زفافهما مُضطرًا بالزواج من أخرى.
خرجت “فريدة” من مكانها واتجهت إلى غرفتها خائفة وحائرة من القادم.
***
أرتدت “حلا” سترتها القطني وجلست على الفراش بتعب شديد ليُفتح باب الغرفة ودلف “عاصم” مُنهكًا ليراها تتكأ بذراعها الأيمن على الفراش وفى ذراعها الأيسر ما زال مُعلقة فى رقبتها بسبب أصابتها. أسرع نحوها بقلق يساعدها فى الجلوس جيدًا ثم جلس أمامها وأخذ كم سترتها الأخرى وحاول مساعدتها فى أرتدائه. همهمت “حلا” بلطف رغم ألمها فقال بخفوت:
-- أسف.
تبسمت بلطف شديد إليه حتى لا يشعر بالذنب ثم قالت:
-- حصل خير ما وجعتنى أوى.
رفع يده إلى وجنتها يضع خصلات شعرها خلف أذنها بدلال ورسمت بسمته على شفتيه بإمتنان سعيدًا برؤيتها أمامه وقلبه ينبض بجنون لها ما زال لا يُصدق أنها أخيرًا امامه وتتنفس بدفء ليقول:
-- حمدالله على سلامتك يا حبيبة قلبي.
نظرت “حلا” إليه وعينيها تبتسم قبل شفتيها ومسكت يده بحنان ثم قالت بخفوت:
-- أنا كويسة يا عاصم، شوفنى قصادك أهوه.
أومأ برأسه بإمتنان ليقول:
-- أتوحشتك يا حلوتي، رايحتك وصوت نفسك، ضحكتك وحضنك وعنادك حتى عصبيتك أتوحشت كل حاجة فيكي وبيكي.
تبسمت “حلا” بعفوية على كلمته ثم قالت بمرح تشاكسه:
-- تلاقيك كنت خايف على ابنك.
أبعدها عنه بجدية غاضبًا من أتهامها له فهو لم يهتم كثيرًا لهذا الطفل الذي لم يخلق بعد ولم يخرج للدنيا وقال:
-- معجول أخاف على اللى لسه مجاش وأهملك أنتِ، يعلم ربنا أن جلبي ما أتوجع غير عشانك أنتِ.
ضحكت “حلا” بعفوية ثم أومأت إليه بنعم وقالت:
-- عارفة، أنا بس بهزر معاك، قولي أنك عرفت أنه ولد صح.
أومأ إليها بنعم فقد أخبره الطبيب أثناء بقائها فى المستشفي لتقول:
-- تعرف أنى كنت مبسوطة أوى لما عرفت انه ولد، هيطلع زيك.
وقف “عاصم” من مكانه ليذهب إلى غرفة تبديل الملابس وبدل ملابسه وهو يحدثها قائلًا:
-- كيفي أنا!
أومأت إليه بنعم وهي تفتح هاتفها لتنظر إلى المكالمات الواردة وهكذا الرسائل التى وصلت إليها أثناء مرضها. بدأت تفتح الرسائل بملل لكنها صُدمت عندما رأت رسالة من “جوليا” لتفتحها بضيق شديد فأتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة ألجمتها مما رأته وسقطت الهاتف من يدها أرضًا. نظر “عاصم” إليها بقلق شديد وقال:
-- في حاجة يا حلا؟
لم تجيبه بل تساقطت الدموع من عينيها بغزارة.
رواية اجنبية بقبضة صعيدي الفصل الثالث 3 - بقلم نور زيزو
اقترب “عاصم” من “حلا” بقلق من نظراتها ودموعها التي تتساقط، يسألها بحيرة:
--ما لك يا حلا؟
وقف أمامها وهي صامتة لا تُجيب، ليضع يده على أكتافها وهزها بلطف قلقًا عليها، لتقول بتمتمة غاضبة:
--أنت تعرف؟
عقد حاجبيه وهو لا يفهم ما تسأل عنه، فقال بقلق:
--أعرف إيه؟
رفعت رأسها حتى تتقابل أعينهما، عينيها تقتله بغضب سافر، كادت نيرانه تحرق هذا الرجل للتو في الحال، على عكس عينيه التي تتسائل عن سؤالها الغامض وملامحها الغاضبة، فقالت بضيق شديد:
--كنت تعرف مين أهلي؟ بابا تعرفه؟
ابتلع ريقه بقلق شديد، ثم نظر إلى شاشة الهاتف بضيق شديد وقرأ رسالة “جوليا” وكأنها تنتقم من “عاصم” وما فعله بها، بهذه الرسالة التي تخبرها بها أن هذا الزوج الذي تعشقه يعرف من يكون والدها؟ ويخفي الأمر عنها، أومأ إليها بنعم بعد أن تأفف بضيق شديد.
لتقف “حلا” من مكانها بضيق شديد وتصرخ بـ “عاصم” قائلة:
--كنت تعرف وخبيت عني؟ طب ليه؟ أنا أتحملت الفترة الصعبة دي كلها مع جوليا عشان أعرف مين أهلي؟ هم كمان من حقهم يعرفوا من بنتهم بعد كل اللي جوليا عملته فيهم، جبت القسوة دي كلها منين؟ كيف قسيت قلبك عليا؟ دا أنا حلا حبيبتك، معقول قدرت تشوفني بتوجع كده وتسبني؟
كاد أن يتحدث ويديها تضرب صدره، لكنها أنهت حديثها وكلماتها القاسية، ثم دفعته بعيدًا عنها لتركض إلى المرحاض غاضبة منه وتبكي في صمت وانهيار حاد. أغلقت باب المرحاض بقوة ووقفت خلفه تبكي بانهيار تام وتضع يدها على فمها بحزن حتى جلست أرضًا وتتكأ بظهرها على الباب.
وقف “عاصم” أمام الباب ويطرق عليه بقلق شديد قائلاً:
--حلا… أفتحي أفهمك يا حلا، اسمعني بس.
سمعت صوت بكاءها وشهقاتها من الداخل، ليمسح جبينه بحيرة مما حل بهما. مُنذ قليل أخراجها من المستشفى بعد أن صارعت الموت، والآن رغم وجعها وإصابتها، لكن حل بها حزن آخر.
***
ظلت “فريدة” حبيسة غرفتها تبكي بدموعها، جالسة أرضًا وبشلال دموعها تسيل على وجنتيها وعينيها الباكية تنظر على فستان الزفاف الموجودة على فراشها، لم ترتديه حتى الآن وزوجها يخطط للزواج من غيرها من أجل إرضاء والدته المحروقة بنار الفراق على ابنتها.
فتح باب الغرفة وولج “مازن”، كانت الغرفة عتمة والأضواء مغلقة، فتح الضوء ليراها جالسة بزاوية الغرفة منهارة في صمت وتكبح صوت بكائها وأنينها الأليم.
أقترب “مازن” منها بهدوء وحيرة شديدة، ثم جلس أمامها على ركبتيه، لتخفي رأسها بين ذراعيها وهي تضم ركبتيها إلى صدرها باكية، فرفع خصلات شعرها للخلف، ثم رفع رأسها بالقوة للأعلى حتى تتقابل عيونها، ليقول:
--بالله عليكي يا حبيبتي ما تبكييش يا فريدة، معقول يعني أنا أهملك وأروح لغيرك؟
صمتت بضعف وعيونها ما زالت تبكي، مُدركة تمامًا بأن هذا مجرد حديث، فهو سيقبل بطلب والدته حتى لا تتأذى أخته الأخرى ولا يخسر رضا والدته. قبل جبينها بحنان، ثم قال:
--بِكفايكي بكاء يا فريدة، والله دموعك بتقتلني وتقطع في روحي.
أجابته بنبرة مبحوحة واهنة تكاد تخرج كلماتها من حنجرتها قائلة:
--اتجوّز يا مازن! بكفايانا عناد في القدر، إحنا مش لبعض، كل مرة نقول هنجوز يحصل اللي يمنعني، كل دي إشارات من ربنا إننا مش لبعض، بس إحنا بنكذب على بعض.
ضمها إليه بقوة غاضبًا من كلماتها، ثم قال:
--مستحيل، أنتِ ليا وبتاعتي وأنا ملكك أنتِ، ويحرم عليا أي ست تانية غيرك يا فريدة، حتى لا قدر الله وحصل واتجوزتها هتبقى جوازة على الورق بس، والله ما يخصني غيرك وبس.
جهشت باكية بحزن شديد ورفعت يديها إلى صدره تتشبث به بقوة وضعف، لتقول بحزن:
--متسبنيش يا مازن، أنا كذابة وبكذب عليك، أنا مقدرش أعيش من غيرك، والله روحي تروح مني….
مسح على رأسها بلطف شديد وعينيه تحدق في فستان زفافها الأبيض، فأبعدها عن نظره ليحدق بها بدلال، ثم قال بلطف:
--قومي البسيه.
نظرت له بأندهاش شديد من طلبه وقالت:
--فل وحش تشوفني به يا مازن قبل الفرح؟
تبسم بسخرية من حالهم، ثم قال:
--هيجرالنا إيه تاني، إحنا جرالنا كل حاجة يا فريدة وما شاء الله وصلنا لمرحلة الجواز التاني، أنتِ جافشة وياكي الفرح أوعي.
لم تفهم كلمته، فقال:
--أنا حاسس إننا محسودين ومهنعملش فرح… العمر كله إلا لما نشيب، أنا بقول أكفاية كده علينا وبلا فرح.
أومأت إليه بنعم.
***
كانت “هيام” تختبئ في فراشها وتتحدث في الهاتف مع “جاسمين”، فقالت بقلق شديد:
--ماما مصرة إنه يتجوز بنت الصديق، يا إما كده يا أما هتبقى نهايتي أنا وأتجوز لمصطفى، أنا مش قادرة أتخيل أني أتجوز البلطجي ده، ده سايقها كده في البلد بالغل والحقد، أنا مشفتلوش مثيل يا جاسمين.
تنهدت “جاسمين” بقلق على صديقتها وحياتها التي على وشك الانهيار، فقالت بلطف:
--إن شاء الله خير يا حبيبتي، ربنا يعملك اللي فيه الصالح.
دمعت عيني “هيام” بحزن شديد، فإذا ركضت السعادة لها، ستكون قد سُرقت من أخاها، وتمتمت قائلة:
--مقدرش أتخيل تعاسة مازن وفريدة، ساعات أقعد أفكر إن لو أنا اللي ضحيت عشانهم، هبقى مش مطلقة، لكن فريدة مش هتتحمل وجود زوجة تانية وتشاركها في جوزها وهتتطلق من قبل ما تتم جوازها على حبيب عمرها.
صرخت “جاسمين” بقلق من تفكير صديقتها قائلة:
--لا يا هيام أوعي تعملي كده وتضحي بحالك، سيبها لتدابير ربنا.
أومأت لها بنعم بحيرة تحتل عقلها وخوف يتملك قلبها العاشق، فهي أيضًا تحمل في قلبها رجل تحبه وتتمنى العيش معه وصنع الكثير من الذكريات الجميلة بصحبته وتحقيق أحلامها كبقية الفتيات.
***
خرجت “فريدة” من غرفة تبديل الملابس الصغيرة مُرتدية فستان زفافها الأبيض، ضيقًا من الصدر وواسعًا جدًا من الأسفل وله ذيل طويل من الخلف يزحف خلفها على الأرض وطويلًا بسبب انتزاعها للحذاء، بكم شفاف من التل وشعرها الأسود مسدول على ظهرها والجانبين يحط بوجهها الصغير العابس ويتملكه الحزن.
تطلع “مازن” بها، رغم خجلها من رؤيته لها بهذا الفستان، كان الحزن والخوف يحتلان ملامحها وعينيها العسليتين. أقترب “مازن” منها بنبضات قلب تضرب صدره وأوشكت على إيقاف قلبه من سرعتها ونبضاته، حتى أنه شعر بأن عمره قد انتهى تمامًا بعد رؤيتها بفستان زفافها، وكأن كل أحلامه تحققت في هذه الحياة.
رفع يده إلى يدها وأخذها في راحته، ثم بدأ يديرها في حركات دائرية وقال بلطف:
--كيف القمر يا فريدة.
تبسمت بخفوت شديد بعد أن توقفت عن الدوران، أخذ خطوته الأخيرة نحوها ولمس وجنتها بدلال ونعومة، لتسير القشعريرة في أطراف جسدها، حتى شعر “مازن” برجفة جسدها من خجلها، فتبسم أكثر بإشراق وبهجة وقال:
--والله بحبك وعمري ما هكون عريس ولا راجل لحد غيرك يا فريدة، أنتِ عمري اللي عشت حياتي كلها بجري وراه وأخيرًا لمسته بإيدي.
ظل تحدق في عينيه مباشرة بخجل شديد، ليضمها إليه بحنان. شعرت في ضمته بالطمأنينة والأمان الذي فقدته مع حديث والدته. تشبثت به بقوة وكأنها تتمنى أن يعتصرها بداخل أضلاعه القوية ويخفيها عن الجميع، يخبئها داخل قلبه وتعتزل هذا العالم بقسوته وألمه. قبل جبينها بلطف لتغمض عينيها باستسلام لوجوده ودفئه، شعور الأمان والسلام الذي شعرت بهما معها، كانت مشتاقة لهما. لا تعلم أهي قسوة من والدته أم وجع على فراق ابنتها ما أوصلهما إلى هذه المرحلة، لكن ما تعلمه أن هذا الرجل لا يتمنى غيرها ولن يضم امرأة هكذا سواها هي فقط.
***
جلس الجميع على السفرة يتناولون الإفطار بدون “حلا” و”مفيدة”. جاءت “ناجية” لهما وقالت:
--مدام حلا بتقول مش هتفطر.
تأفف “عاصم” بضيق من عنادها وهي تتجنبه بسبب غضبه، فبدأ في تناول طعامه بعد أن كان ينتظر نزولها، وقال بحدة:
--طلعي لها الفطار فوق يا ناجية عشان علاجها.
أومأت إليه بنعم، ثم خرجت من غرفة السفرة لتقابل “حمدي” يدخل من باب السرايا ويسألها عن “عاصم” قائلاً:
--جناب البيه فين؟
أجابته بتعجل وقدميها تسير إلى المطبخ:
--بِيفطر يا حمدي وهسيبه في حاله لحد ما يأكل لقمة بس، وهسيبني أنا كمان لأن ورايا مشاغل.
أجابها بضيق شديد من ردها هاتفًا باقتضاب حاد:
--الأهالي برا وعايزينه.
ابتلعت “ناجية” ريقها بقلق من طلبه، خوفًا من “عاصم” عندما يعلم أن الأهالي تخطوا أمره وخرجوا من منازلهم وجاءوا إلى منزله بأقدامهم. دلفت إلى الغرفة ورأته يتناول الطعام في صمت وهدوء، فتنحنحت بخفوت، ثم قالت:
--حمدي مستني جنابك برا.
أنهى طعامه، ثم أخذ نبوته في يده وخرج ليخبر “حمدي” بما حدث قائلاً:
--الأهالي متجمعين وعايزين يتحددوا ويا جنابك عشان الحظر بيقولوا الامتحانات هتبدأ والسنة هتضيع على ولادهم.
تأفف بضيق شديد، ثم حسم أمره مُتشبثًا بقراره، وكاد أن يخرج من السرايا غاضبًا وقد عقد حاجبيه باختناق وغضب بعد أن ضرب نبوته في الأرض من الغيظ، لكن استوقفه صوت “مفيدة” تقول:
--هسيبهم يا عاصم، هسيبهم أنا تأري مأخدتش كده، أنا رضيت بالسلام اللي قدمه فايج، لكن أهالي البلد مالهمش ذنب في حزننا والعيال حرام تضيع عليهم السنة والأرزاق المقطوعة… ربنا ما يجعلنا من قاطعين الأرزاق.
أشار “عاصم” لـ “حمدي” بنعم، ثم قال:
--هسيبهم يا حمدي يروحوا لحال سبيلهم.
التف إلى “مفيدة” بجدية، ثم قال بحدة مُعارضًا حديثها:
--بس جواز مهيتمش يا مرات عمي، هنا مفيش حد من عائلة الصديق هيدخل داري ويعيش وسط عائلتي.
اقتربت “مفيدة” منه غاضبة، ثم قالت بضيق:
--محدش طلب منك تتجوز يا عاصم بيه، ولو على بيتك أنا ممكن أخرج منه حالًا.
جاء “مازن” من الخلف مستمعًا لحديث والدته، فنظر إلى “فريدة” الواقفة بعيدًا وتحدق به، ثم نظر إلى والدته وقال بضيق وهو يشعر بأن صدره يحترق بنار قلبه الملتهب:
--خلاص بقى فضوها سيرة بقى.
تأفف “عاصم” بضيق شديد، ثم قال بجدية صارمة:
--اعملي اللي يحلو لك، لكن أنا مهقعدش في الجعدة دي ولا هدخل في الجوازة دي واصل.
خرج “عاصم” من المنزل وصعد لسيارته، ثم انطلق إلى شركته لا يعلم ماذا حل بعائلته، الجميع بدأوا يعارضونه ويتصرفون كما يشاؤون. جلس في مكتبه بخنق وضيق شديد وينظر في هاتفه يرغب بالاتصال بزوجته الغاضبة، لكن كبرياؤه يمنعه، فلم يفعل ما يستحق خصامها أو تجاهلها له وهجره هكذا.
وقع بعض الأوراق بتركيز منغمسًا في عمله، حتى رن هاتفه، وعندما نظر لشاشته كانت “حلا”. تنهد بهدوء شديد، ثم قال:
--ألو.
تحدثت بضيق شديد ونبرة باردة:
--عايزة أتكلم معاك وضروري، وما يخصني نهائيًا فاضي ولا لأ.
شعر بغيظ شديد من لهجتها وطريقة حديثها كأنها تأمره، فقال باقتضاب:
--وأنا مفاضيش لما أرجع نتحدت.
أغلق الهاتف في وجهها، لتستشيط غيظًا منه وألقت الهاتف على الفراش وصرخت غيظًا وعقلها يشتعل من النار. جهزت “حلا” ملابسها واستعدت للخروج، فأرتدت بنطلون أسود وتي شيرت أبيض اللون، ثم وضعت البلطو السماوي على أكتافها بسبب إصابتها، وأخذت هاتفها ومفتاح سيارتها، ثم انطلقت للخارج مستشيطة غيظًا.
ترجلت للأسفل حتى قابلت “هيام” في طريقها، فسألتها بقلق:
--رايحة فين يا حلا وأنت تعبانة؟
أجابتها “حلا” بضيق شديد:
--رايحة لعاصم الشركة، أتريقها فوق دماغه بإذن الله.
تبسمت “هيام” بلطف، ثم أقتربت منها تهندم لها ملابسها جيدًا، ثم وضعت خصلات شعرها على كتفها بعفوية، بينما تقول بلطف:
--ترققيها كيف ما تحبي، لكن خليكي دايماً كيف القمر يا قمر أنتِ.
أومأت “حلا” بلطف مُبتسمة بسبب حديث أختها واهتمامها لهيئتها مهما كانت غاضبة أو صغيرة. خرجت مُبتسمة لا تحمل في يدها سوى الهاتف ومفتاح سيارتها. صعدت سيارتها الزرقاء المرسيدس الجديدة من مرآب السرايا وأنطلقت إلى شركته تتوعد له بالانتقام.
ترجلت “حلا” من سيارتها ليأخذ الأمن مفتاح سيارتها كي يأخذها إلى المرآب، ثم دلفت “حلا” إلى الشركة.
دلف السكرتير إلى غرفة الاجتماعات بصحبة بعض الفتيات، وكلا منهم تحمل ملف ورقي خاص بها، فجلس “عاصم” ينظر في الأوراق أمامه. قال السكرتير بهدوء ولهجة رسمية:
--دول اللي اتقدموا لوظيفة السكرتارية، ومدير الـ HR مجاش النهاردة وكلمت باشمهندس مازن، قالي أجيبهم لحضرتك.
قال “عاصم” لينظر إليهم ثم قال:
--من ميته رئيس الشركة بيدخل في دا؟
أجرى لهم المقابلة باختناق، ثم قال بحدة:
--خليهم يرتاحوا برا دلوقتي.
خرجوا معًا للخارج. تحدثت إحدى الفتيات مع الأخرى بحماس:
--واااا يخربيت جماله، هو في كده؟
أجابتها الأخرى بحماس أكثر قائلة:
--رغم إنه بعمة وجلابية بس قمر جوي، أبيع عمري كله وأقعد بس أبص عليه.
تأفففت “حلا” بغضب أكثر، يكاد يهدم الشركة كاملة بعد أن سمعت غزل هؤلاء الفتيات بزوجها، لتقول بحدة وصوت مرتفع يسمعه الجميع:
--عاصم جوا.
أومأ إليها بنعم، لتقول بضيق شديد:
--معاه حد؟
هز السكرتير رأسه بالنفي، وقال ببسمة:
--لا، ولو معاه مستر عاصم سايب خبر، ووقت ما حضرتك تيجي تدخلي دوغري.
رفعت “حلا” حاجبها بغرور وهي تحدق بالفتيات غيظًا، رغم كبريائها وفخرها بأن هذا الرجل زوجها وملك لها وحدها. دلفت إلى مكتبه غاضبة، ثم أغلق السكرتير الباب خلفها.
رفع “عاصم” نظره ليراها تسير نحوه، فأندهش من وجودها أمامه دون أن تخبره، فقال بدهشة:
--مقولتيش إنك جاية؟
تحدثت “حلا” بضيق شديد وتسير نحوه بخطوات ثابتة هاتفة:
--قلتلك يا عاصم إني عايزة أتكلم معاك.
عاد بنظره إلى الورق بضيق شديد، فهي من بدأت بالخصام والهجر، ثم قال بخفوت شديد:
--جولتلك مش فاضي.
جلست على المقعد أمام مكتبه ونظرت إلى المكتب لتراه ينظر بملفات هؤلاء الفتيات الأربعة، فقالت باختناق وغيرة شديد تلتهم قلبها العاشق، وكيف لعينيه أن تنظر لأخرى حتى لو كان من أجل العمل:
--أنا شايفاك بتعملش حاجة غير بتتفرج على صور البنات.
تبسم “عاصم” بخبث شديد على غيرتها دون أن ترى هذه البسمة، ثم عاد بظهره للخلف وتطلع بوجه زوجته الغيورة، وقال بجدية باردة:
--بحاول أختار منهم وجه للشركة، أنتِ خابرة إن أهم شرط في الشغل المظهر الحسن، أنا محتار بين اتنين.
رفعت “حلا” حاجبها الأيسر للأعلى بدهشة وغرور من حديث زوجها، ثم تمتمت بغيظ شديد:
--المظهر الحسن، زي كل الرجالة، ميهمكش غير الشكل… ياااااه.
نظر “عاصم” إلى زوجته باندهاش، ثم قال بتهكم:
--ياااااا!! حلا.
أجابته بعناد غاضبة وغضبها يحتل ملامحها وأنفاسها ونظراتها، كل شيء بها بدا عليه الغضب والغيرة:
--قصدك إيه إنك محتار بينهم، دي وظيفة ولا عروسة إن شاء الله يا بيه، لا وكمان ما عارف تختار.
أعطاها ورقتين لفتاتين، ثم قال:
--اختاري أنتِ يا حلا.
نظرت “حلا” إلى الورق وهي تعض شفتها السفلي بأسنانها وتغلق قبضة يدها من الغيظ، لتُصدم عندما رأت الاثنتين هما من يتغزلوا به، لتقول ببرود شديد قائلة:
--أختار!! ولا واحدة يا عاصم، ولا واحدة فيهم هتدخل الشركة ولا مكتبي.
نظر “عاصم” لها بتعجب ولا يعلم سبب غضبها الزائد من الفتيات، ليُصدم عندما رآها تمزق الأوراق بتهور، ليقول باندهاش:
--حلا؟!!
تحدثت بحدة صارمة هاتفة:
--قوم أطردهم يا عاصم.. لا ولا أقولك هطردهم أنا.
وقفت من مكانها بضيق شديد، ليسرع “عاصم” من مكانه إليها، ثم مسك ذراعها بقوة ليسقط البلطو عن أكتافها وأدارها له حتى تتقابل أعينهم، فقال:
--جنتي أياك يا حلا، من ميته بتدخلي في شغلي؟
صرخت به غاضبة بانفعال شديد قائلة:
--من ساعة ما بقي ما عندك وقت ليا عشان تقعد تتفرج على البنات وتحتار بينهم كمان.
أخذ خطوته الأخيرة نحوها حادقًا بها بعينيه وعينيها الخضراء بجمال الطبيعة الخلابة، يتطاير منهم الشر والغيظ، نيران غيرتها تلتهم قلبها، قال بنبرة خافتة:
--بتجاريني حالك بشوية بنات جايين يشتغلوا عندي، كيف عقلك سمحلك بدا؟ أنتِ ملكة حياتي وقلبي وروحي، لكن هم مين؟ جولي لي.
تنهدت بضيق، ثم قالت بغيظ من هدوئه:
--لكن أديتهم وقتك وأنا لا.
تبسم بعفوية وهو يرفع يده الأخرى إلى وجهها يلمسه بأنامله، ثم وضع خصلات شعرها خلف أذنها وقال بلطف ويضحك بتلقائية على زوجته:
--أنتِ مالك يا حلا، لتكوني جاية عشان تتخانجي وياي؟
دفعته بعيدًا عنها بغيظ شديد، ثم قالت:
--آه جاية أتخانق وأفرج عليك الشركة كلها.
ضحك “عاصم” ساخرًا من حديث زوجته وما جاءت لفعله، ثم قال:
--أنتِ البنج أثر عليكي يا حلا ولا الحمل عشان أفهم بس.
ابتعدت عنه بخنق شديد، ثم قالت:
--لا دا ولا دا يا حبيبي، أنا مجنونة، نعمل إيه بقى؟ ربنا رزقك بواحدة مجنونة… أقولك طلقني أحسن دام ما طايقني.
رفع حاجبه لها بضيق شديد، وقبل أن يتحدث، دلف السكرتير كي يستمع لجوابه من أجل المقابلة، فنظر إلى “حلا” بجدية صارمة وكأنه يخبرها بألا تتدخل في عمله، وقال:
--أنا اخترت غادة.
--تمام يا عاصم.
قالتها بضيق شديد من موافقته على هذه الفتاة التي تتغزل به، ثم غادرت المكتب ومنه على بوابة الشركة لتنطلق بسيارتها بعيدًا، ليرن هاتفها برقم “فريدة” لتُجيب “حلا” عليها قائلة:
--أنا في طريقي للبيت.
تحدثت “فريدة” بضيق شديد قائلة:
--مازن جرّي يتجوز يا حلا.
أجابتها “حلا” بنبرة خافتة:
--أهدئي طيب وأنا جاية.
تحدثت “فريدة” لكن “حلا” لم تنتبه نهائيًا لحديثه، فجذب انتباهها هذه السيارة التي تسير خلفها، لتقول بتمتمة خائفة:
--أنا متراقبة يا فريدة.
أرتعبت “فريدة” خوفًا بعد أن سمعت جملتها وقالت بقلق:
--حلا أنتِ فين؟ تعالي على البيت على طول، أنا هكلم مازن أو عاصم…….
قطع حديثها صوت صرخة “حلا” القوية التي خرقت أذنيها عبر الهاتف، لتقف من مكانها ذعرًا وخرجت من غرفتها مُتلهفة وقلقة.
رواية اجنبية بقبضة صعيدي الفصل الرابع 4 - بقلم نور زيزو
حدقت “حلا” بالسيارة جيدًا وهى تستمع لحديث “فريدة” عبر الهاتف لتدرك أنها سيارة زوجها لتضغط على المكابح فجأة.
لكن “عاصم” لم يستطيع الضغط على المكابح من توقفها على سهو لترتطم رأسها بالمقودة وخرجت منها صرخة قوية بينما سقط الهاتف على أرضية السيارة.
ترجل “عاصم” من سيارته سريعًا خوفًا عليها بعد أن أرتطم بسيارتها ليركض إلى سيارتها وفتح الباب مذعورًا.
فأدارت رأسها له ببرود شديد ثم قالت بحدة:
--عايز أيه؟ عايز تموتنى!
لم يبالي بسؤالها وأقترب إليها بقلق يحدق بملامحها وجبينها يتفحصها حتى يتأكد من سلامتها وألا يصيبها شيء.
تطلعت “حلا” به فى صمت وعينيها تراقب عينيه التى تتجول فى وجهها بهدوء والقلق التى أحتل كيانه حتى فى لمست يده إلى وجنتها لتقول بلطف:
--بتعمل أيه؟
تحدث بنبرة خافتة تكاد تسمعها ويده ترفع خصلات شعرها عن جبينها ويعيدهم للخلف قائلًا:
--زينة!
تبسمت بخباثة على قلقه وقد قررت الإنتقام ولو قليل منه على ما فعله معها ثم أشارت بذراعها المُصاب قليلًا وقالت:
--أتوجعت
نظر إلى ذراعها بقلق وسقطت يده عن وجنتها إلى كتفها وقال بأسف:
--أسف، أنتِ اللى وجفتي فجأة، تعالي أوديكي المستشفى
هزت رأسها قليلًا بالنفي معارضة طلبه وتحلت بعنادها وكبريائها لتقول ببرود ونبرة غليظة بعد أن نظرت للأمام:
--ما عاوزة منك حاجة يا عاصم، روح شوف شغلك وأختياراتك اللى محيرة
ابتسم بخفة على غيرتها لأول مرة تقريبًا يراها بهذه المرحلة.
وضع خصلات شعرها خلف أذنيها لتدفع يده بعيدًا عنها بتذمر شديد فنظر إلى حلق أذنيها ليتذكر كيف تركه على طاولتها صباحًا قبل أن تستيقظ حتى تتنازل عن غضبها منه فقال بعفوية مُبتسمًا على قبولها لهديته:
--جميل
تعجبت من كلمته فنظرت إليه باستغراب لثنائه المُفاجيء فقالت:
--أيه!!
قال بلطف وعينيه لم تعانق عينيها فقط بل أعتصرتها بعناق طويلًا ويغمرها عشقه وإعجابه بهذه المرأة:
--أنتِ جميلة يا حلوتي، حيرتي!! اه بصراحة حيران فى الأختيار لأن من يوم ما دخلتي حياتي وعيني مبجاتش جابلة ولا شايفة ست على وجه الأرض غيرك
تكتنحت بحرج شديد ولم تستطيع كبح بسمتها بعد غزله بها وهذا الثناء الذي أحتل قلبها وجعله يرفرف خجلًا من كلماته.
مد يده إليها لتنظر إلى يده قليلًا ثم وضعت يدها فى يده الممدودة وترجلت من السيارة معه وأغلقت سيارتها ثم أخذها إلى سيارته وأتصل بـ “حمدي” وقال بجدية:
--أبعت حد يا حمدي يأخد عربية مدام حلا
ضحكت “حلا” بخفوت ثم قالت وعينيها تنظر إليه وهو يقود سيارته:
--هتروح فين؟
أخذها إلى أقرب مطعم وطلب وجبتهما معًا ثم جلست تنظر إليه مُنتظرة أن يتحدث لتقول:
--أتكلم يا عاصم!! الموضوع مخلصش على كدة
تنحنح بحرج شديد ثم قال بلطف:
--هتكلم لما تأكلي الأول، أنا …
قطعه مجيء النادل يضع الطعام وبدأوا فى تناول طعامهم وعينيه تراقبها رغم وجبتها الضيئلة التى لا مثيل لها رغم كونها حامل لكنها تتناول عينات فقط ليقول:
--كملي يا حلا، أكلتك ضعيفة جوي
هزت رأسها بلا فسحب منديلًا ورقيًا من فوق الطاولة ليمسح لها فمها بدلال وهى تراقب يده ثم قالت:
--أنا كلت ممكن أسمع
تنهد بهدوء قلقًا من أن تسمع حديثه ومترددًا فى أخبارها لكنه أستسلم للأمر وبدأ يخبرها عن والدها “ماكس” وكونه رجل مسيحي لكنها ابنته.
أرتجفت “حلا” ذعرًا من قذارة “جوليا” فهى جلبته لها حتى تبيعها له كفتاة ليل.
دمعت عينيها حزنًا وأشمئزت من هذه المرآة.
فعلت كل شيء شنيع معها .. سرقتها من والدها ونسبتها لرجل أخر وسحبت الأموال من أهلها وقامت ببيعها لرجال أخرين لتشعر بتوعك معدتها لتركض إلى دورة المياه وهى تضع يدها على فمها لتستفرغ كل ما تناولت من هذا الشعور الذي أصابها.
ذهب “عاصم” إلى دورة المياه وانتظرها مُطولًا حتى خرجت له بعيني منتفخة من البكاء ووجهها أحمر كالطماطم وترتجف وتشعر ببرودة جسدها فتشبثت بذراعه بقلق ثم قالت:
--روحنى يا عاصم…
مسح على جبينها بلطف وأخذها مساندًا لها إلى الخارج وقد أصابها المرض مما سمعته.
أغمضت عينيها بحزن شديد فى مقعدها وتتحاشي النظر له بل تخبيء وجهها عنه وتعقد ذراعيها أمام صدرها باكية فرغم أغلاق عينيها لكن دموعها تذرف عن جفنيها.
نظر “عاصم” إليها تارة وإلى الطريق تارة أخرى فقال:
--حلا
لم تجيبه ليتأفف بضيق شديد فهو حاول جاهدًا إخفاء الحقيقة عنها لكن “جوليا” سعت للإنتقام مرة أخرى….
وصل إلى السرايا فترجل من سيارته أولًا وفتح باب السيارة لها فكانت كما هى على حالها لينحنى قليلًا ويحملها على ذراعيه ثم أخذها إلى الداخل هامسًا إليها بقلق:
--أنتِ زينة؟ متجلجنيش عليكي
أومأت إليه بنعم وهى مغمضة العينين ورأسها فوق صدره تسمع دقات قلبه وتشعر بقلقه التى أحتل قلبه عليها ولأجلها لكنها الآن تشعر بقساوة القدر معها وكم وجودها مهلك لها ومُنهكًا تتمنى لو كان الموت أختارها فى هذه الحادثة وأنتهت حياتها….
ولج “عاصم” بها إلى الغرفة ووضعها بالفراش لتنكمش في ذاتها حزينة ويائسة كأن العالم أنتهي لكن فى الحقيقة هى قد غرقت فى ذكرياتها القليل مع “ماكس” وهل سيقبل بها أبنة له مُسلمة؟ هل سيقبل بحياتها وكونها زوجة تعيش هنا ولم تضع قدم لها فى كاليفورنيا مرة أخرى؟ هل يكن لها الحب والأحترام أم يراها فتاة يتم بيعها دومًا؟…
قطع شرودها يدي “عاصم” التى لمست قدميها ينزع عنها حذاءها برفق وقليلًا بعد شعرت بالغطاء على جسدها وقبلة لطيفة وضعت على وجنتها ليخرج “عاصم” من الغرفة حتى يترك لها مساحة كافية حتى تفرغ ما بداخلها.
فور سماعها لإغلاق الباب تركت العنان لقلبها ينفجر وجعًا وجهشت باكية وهى تخفي رأسها فى وسادتها وبدأ صوت أنينها وبكاءها يعلو شيء فى شيء.
أستمع “عاصم” لصوتها وهو يقف خلف الباب يتألم قلبه ويبكى من داخله على ألمها فعزم أمره على أخبار “ماكس” بالحقيقة ربما يبدأ هو بالسلام ويمد يديه لها ينقذها من ألمها التى تحرقها…..
***
أرسلت “مُفيدة” الخادمة حتى تخبر زوجة “فايق” بأنها قبلت المعاهدة وستقبل بأبنتها زوجة لابنها.
تبسمت “وفاء” بحماس ودلفت إلى غرفتها مُتحمسة لأنهاء بحر الدم قبل أن يبدأ ويسرق عمر ابنها.
أتسعت أعين “فايق” على مصراعيها بصدمة ألجمته وقال:
--متأكدة
أومأت “وفاء” له بسعادة تغمرها فتبسم بأنتصار وخرج من الغرفة سعيدًا ليقول:
--مصطفي!! مصطفي
خرج “مصطفى” على صوت والده يناديه بصوت مرتفع وقال بجدية:
--نعم يابويا
--أفرح يا ولاد الشرقاوية وافجوا على جواز نهلة من مازن
قالها مُتحمسًا على عكس “مصطفى” الذي أصابه الصدمة وقال بغضب:
--ايه!! أنا مموافجش بجي وخيتى مهتتجوزش البنى أدم دا ولو على جثتي
ضرب “فايق” كتف ابنه بغضب سافر ثم قال بضيق:
--وفر جثتك لأعمالك يا مصطفي بيه وكفاية جوا أن خيتك هى اللى هتدفع ثمن جريمتك وهتتجوز من اللى أنت جتلت خيته
أتاهما صوت “نهلة” من الخلف تقول بصدمة أصابتها مما سمعته للتو:
--هتجوز!! أنا!!
ألتف “فايق” إليها بتوتر فهو لم يخبرها بعد بهذا العرض الذي قدمه لعائلة الشرقاوي وتقدم فى خطته دون معرفة لرأيها كأنها جارية او دمية لديهما يفعلوا بها ما يشاؤنا.
تنحنح “فايق” بتوتر ثم قال:
--تعالي يا نهلة
صرخت “نهلة” بانفعال شديد وعينيها تتجول أمامها من صدمتها لا تستوعب ما سمعته قائلة:
--أجي أيه؟ أنتوا أزاى تجرروا أكدة، أنتوا هتودوني للجحيم بأيديكم ولا أنت يا بابا فاكر أن هتجتلوا بنتهم وهم هيكرموا بنتكم ويحطوها على رأسهم تاج
صمت “فايق” دون أن يُعقب على حديثها فدلفت إلى غرفتها وهى تضرب قدميها بالأرض …..
***
تحدث “مازن” بجدية قائلًا:
--أنا معاوزش فرح ولا نيلة يا خالة تحية، أنا فريدة مرتي وهتعيش ويايا من اللحظة دي
نظرت “تحية” إلى “فريدة” الجالسة بجوار “مازن” صامتة وهى أكثر الناس معرفة بابنتها وطالما أخترت الصمت إذا هى موافقة.
فأبنتها ليست من هؤلاء اللاتي يصمتن ويقبلون بكل شيء.
أومأت إليه “تحية” بنعم قائلة:
--ماشي يا مازن، إحنا كمان مهنعرفش نعمل فرح فى الوجت دا، بس أرجع لأمك الأول يا مازن
نظر “مازن” إلى “تحية” بجدية ثم قال بحزم:
--أمي دخلها أيه فى دا؟ أنا متجوز فريدة أكدة أكدة وهى مرتي فرجت أيه تعيش ويايا دلوجت ولا تعيش فى الأوضة اللى جاري، وبعدين دى شيء يخصني لحالي أنا ومرتي
تنهدت “تحية” بإيجاب ليقف من مكانه وأخذ “فريدة” من يدها قائلًا:
--تعالي يا فريدة
أخذها وصعد إلى الأعلي وقال بهدوء أثناء صعودهما:
--متخافيش يا فريدة وبالله عليكي معاوزش اللى هيحصل دا يأثر عليكي ولا يضايجاكـ، أنا معنديش أغلي منكِ يا فريدة ومقدرش أبص لست غيرك
أومأت إليه بنعم ببسمة حزينة رغم صدقه الذي لمس قلبها وطمئنها إلا أن حقيقة زواجه من امرأة أخرى وستحمل فى بطاقتها اسمه تزعجها بقدر سعادتها.
لف ذراعه حول أكتافها وصعدا معًا لتدخل إلى غرفتها وقبل أن تغلق الباب وضع يديه يمنعها من غلقه ثم قال:
--مفيش حاجة كدة على الطاير
خجلت من كلمته وهى تضع يدها على الباب لتحمر وجنتيها وعينيها ترمقه بحياء ثم قالت:
--أتلم يا مازن
أستشاط غضبًا من زوجته ثم قال بانفعال وهو يدفع الباب قائلًا:
--أنا جولتلك الكلمة دى مسمعها بعد الجواز، أنا لو أتلمت هبجى فضيحة يا بت
دفعها للداخل لتبتلع ريقها خجلًا منه وقالت بتلعثم شديد:
--مازن!!
--أستنى بس أنا هفهمك غلط بالحنية من غير ضرب
قالها مُبتسمًا بخباثة وهو يجذبها من خصرها إليه وبيده الأخري يغلق الباب عليهما……
***
وصل “عاصم” إلي الفندق الذي يقيم فيه “ماكس” وطلب رؤيته وجلس ينتظر فى المطعم الخاص.
كان “ماكس” يجمع أغراضه فى الحقائب كي يغادر مصر ووصله أتصال بحضور “عاصم” ليترجل للأسفل ورأه جالسًا هناك فسار نحوه ثم قال:
--أسف إذا تأخرت عليك
أومأ “عاصم” له بهدوء ثم قال بجدية وباللغة الأنجليزية:
--أنا هدخل فى الموضوع مباشرة
أعطاه “عاصم” فيديو مصور لـ “جوليا” وهى تعترف بعلاقة “ماكس” بزوجته ثم أعطاه ورقة التحليل التى تثبت أن “حلا” ليست ابنة “جوليا” ولم تكن أختًا لـ “مازن” ومعها مجموعة من الصور لـ “حلا” رغم إختطاف “جوليا” لها فور ولادتها لكن “عاصم” أراد أن يعطيه جزءًا من ابنته التى فقدها.
لم يصدق “ماكس” ما سمعه وما يراه الآن فحدق بوجه “عاصم” ولا يستوعب أن سبعة سنوات وأبنته بجواره و”جوليا” أعز أصدقاءه وأكثر الأشخاص الذي قدم المساعدة لها وكان يد عون لها طيلة حياتها هى نفسها من طعنته فى قلبه وانتزعت منه ابنته فور ولادتها دون أن يراها للحظة واحدة أو يضمها ويلمس أناملها….
***
شعرت حلا بمرض جسدها وخموله وحرارتها التى أرتفعت فدلفت إلى دورة المياه وغمست جسدها فى حوض الأستحمام بملابسها لربما تستعيد طاقتها…
وصل “عاصم” إلى المنزل بعد مصارحة “ماكس” وترك له المجال كي يفكر ويستوعب الأمر وحقيقته الصادمة.
ترجل للمنزل فأستوقفه “تحية” بقلق قبل أن يصعد وأخبرته بطلب “مازن” ليقول بهدوء:
--همليهم يا خالة، على الأجل حد يفرح فى البيت دا ….
قاطعه أنقطع الكهرباء فى السرايا كاملة.
ألتف كي يخرج من باب السرايا لكن أستوقفه صوت صرختها القوية من الأعلي..
أنقطعت الكهرباء على سهو فحاولت “حلا” النهوض من حوض الأستحمام وسط العتمة الشديدة وهى لا ترى أصابعها حتى ولا أسفل قدمها لتنزلق قدميها فى الماء وتسقط أرضًا فصرخت بألم شديد من بطنها وشعرت أن طفلها سيخرج الآن..
صعد “عاصم” ركضًا على الدرج وهو يصرخ باسمها قائلًا:
--حلا
وصل للغرفة ليفتح الباب بفزع بعد أن سمع صرختها التى شقت قلبه وفلقته لنصفين، تناسي شجارهما وخصامها ولم يتحرك له سكانًا إلا خوفًا عليها فقط بهذه اللحظة.
بحث عنها بعينيه فى الغرفة وسط العتمة ليشعر بأرتطام جسدها بصدره تتشبث به بقوة وتخفي جسدها بين ذراعيه، طوقيها جيدًا ويديه تمسح على ظهرها ورأسها المبلل هامسًا لها بدفء ونبرة خافتة:
--أنا أهنا متخافيش
جهشت باكيًا دون أن تتفوه بكلمة وشعر برجفة جسدها بداخله كأن جسده هو ما يرتجف ليبتعد عنها قليلًا وهو يرفع رأسها للأعلي بسبابته حتى تتقابل أعينهما وقال:
--أنتِ زينة؟!
دموعها تسل من عينيها، لا يتفوه لسانها بكلمة وأكتفت بدموعها الحارة ليربت عليها بلطف وتسللت يده إلى وجنتها يمسح دموعها من جفنيها ثم وجنتيها وقال:
--أنا جارك أهنا يا حلوتي
أومأت إليه بنعم بعد أن زرع بداخلها الطمأنينة والأمان ليهدأ من روعة قلبها المرتجف ذعرًا.
تبسم بحنان إليها ثم أقترب يقبل جبينها لتغمض عينيها بأستسلام هائمة بسحر لمسته له ثم شعرت بأنفاسه تضرب وجهها لكن أبتعدت عنه قليلًا وهى تضع يدها أسفل بطنها بألم وقالت:
--أنا عايزة أقعد
أخذها لأقرب مقعد وجعلها تجلس بلطف ثم جلس جوارها وهو يضع هاتفه المُضيء على الطاولة وقال بقلق:
--أنتِ زينة
أومأت إليه بنعم وهى تعود بظهرها للخلف حتى تلتقط أنفاسها وتسترخي قليلًا.
تطلع بوجهها ثم وقف من جوارها وذهب ليحضر لها ملابس ومنشفة ثم عاد لها وقال:
--جومي غيري خلجاتك لأحسن تبردي الأول وبعدين أرتاحي
أومأت له بنعم بينما نزل للأسفل ليري مشكلة الكهرباء وبعد أن عادت الكهرباء صعد إلى غرفته وكانت حلا” مُستلقية على الأريكة بتعب وتحاول تعقيم جرح كتفها لكنها لا ترى أين تضع يدها.
جلس “عاصم” أمامها وأخذ من يدها المطهر وبدأ يطهر جرحها فى صمت بينما قالت:
--أتكلم يا عاصم، قول اللى عايز تقوله
نظر “عاصم” إليها قليلًا ثم قال:
--أنا جولت لماكس، مع أنى مبالغش أن أبوكي أسمه ماكس بس يلا، حجه وحجك بس مخابرش كيف أجولها لـ مازن معاوزش أعرف رد فعله
تمتمت “حلا” بهدوء شديد قائلة:
--ما تقوله يا عاصم، أنا ما قادرة أستحمل مشكلة تانية أو أخسر حد تاني، أنا ما بعرف اللى هنا هيتقبلوني ولا لا، بكفاية عليهم أنى أجنبية وما من هنا وكمان ما بنتهم كمان من ديانة تانية، أنا متخلفة كليًا عن الكل وكل واحد له طاقة، أنا عارفة أنهم ما بالفظاعة دى ولا الوحشية لأن مهما كان الإنسان قذر عمره ما هيكون بقدر جوليا واللى عيشته معاها، أنا عايزة أعيش حياة طبيعية مع ناس بيحبوني …..
أنهمرت دموعها على وجنتيها أثناء حديثها معه ليرف يديه يجفف دموعها ثم قال:
--أهدئي يا حلا، بنتهم أو لا… أجنبية أو عربية .. مسيحية أو مسلمة أنتِ دلوجت من العائلة دى حتى لو أيه، أنتِ مرتي وأم ولدي اللى فى بطنك ودي الحجيجة الأهم يا حلا… حطيها دايمًا جصادك أنتِ مرت عاصم الشرقاوي مهما كان الماضي أيه أنتِ نصي التاني وروحي وأفداكي بعمرى كله يا ست البنات كلتها ….
أومأت إليه بنعم فتبسم وأخفض رأسه ليمسك اللاصق الطبي حتى ينهى تعقيم جرحها لكنه صُدم عندما رأي دماء على قدميها أثر سقوطها فأتسعت عينيه على مصراعيها بصدمة
فرفع نظره إليها…….
رواية اجنبية بقبضة صعيدي الفصل الخامس 5 - بقلم نور زيزو
رفع نظره إليها مما حدث بها فى غيابه وكأنه يلوم نفسه على سقوطها، لمس ركبتها بأنامله وهتف بشجن غاضبًا مما حدث لها قائلًا:
-- جولتلك خلي بالك على حالك؟
تطلعت “حلا” إلى نظرت عينيه التى لا تفارق جرحها وبدأ فى تعقيمه وألمه يبدو على ملامحه وبأنفاسه لتقول:
-- عاصم أنا بخير، دا مجرد خدش طبيعي
تأفف بضيق شديد مما حدث دون أن يُجيب عليها. تنحنحت بقلق ثم مسكت وجهه بيديها الأثنين لتتقابل أعينهما معًا فى نظرة طويلة وقالت بعفوية وبسمة رُسمت على شفتيها:
-- أنا بخير، بص ليا كويس، ما فيا حاجة نهائيًا وأنت مستحيل تقدر تمنع أى حاجة تحصلي
-- بخاف عليك
يقالها “عاصم” بجدية صارمة فقالت بدلال:
-- عارفة، لكن دا شيء طبيعي، أبسط حاجة ممكن تحصل لأى بني أدم أنه يتخدش كدة
أومأ إليها بنعم ووضع اللاصقة على ركبتها عفوية ووقف أمامها ثم حملها على ذراعيه وذهب نحو الفراش بينما ظلت تنظر إلى وجهه الصامت فقالت بجدية:
-- هتمشيها!!
نظر “عاصم” إليها وتوقفت قدميه عن التقدم للفراش، تأفف بهدوء ثم قال:
-- جولتلك متفتحيش الموضوع دا تاني يا حلا
تأففت غيظًا من رده وإصراره على عمل هذه الفتاة معه وقلبها لا يتحمل فكرة وجود فتاة تتغزل به معه بنفس المكان لتقول بأختناق:
-- نزلنى يا عاصم
لم يلبي طلبها حتى وصل للفراش وأنزلها عليه فمسكت الوسادة فى يدها وقذفتها فى وجهه قائلًا:
-- نام على الكنبة وما تتكلم معايا نهائيًا تاني
تشبث “عاصم” بالوسادة بغضب سافر يكبحه بداخله حتى لا يخرج كالعاصفة فى وجهها وذهب إلى الأريكة غاضبًا منها، صرخت غيظًا من هذا الرجل العنيد:
-- خليها تنفعك بقي يا عاصم
جلس على الأريكة دون أن يُجيب عليها وهو لا يفهم سبب غضبها الشديد ورفضها التام لهذه الفتاة فهي لم تطلب أن يعين رجل عوضًا عنها لأنها تغار عليه من أنثي أخرى، بل غيرتها نابعة من “غادة” لشخصها فأغمض عينيه بضيق بعد أن وضع يده على وجهه عاجزًا عن إرضاء زوجته التى تتذمر دومًا ليقول:
-- تعبت يا حلا، حُبك تعبني
رفعت الغطاء عن رأسها بانفعال شديد ثم قالت:
-- سمعتك!!
رأها “مازن” واقفة هناك بجوار الشرفة صامتة وهادئة مُنذ ساعات طويلة لم تتحرك حتى لم تترشف رشفة ماء واحدة فأقترب نحوها مُدركًا بأن حالتها هذه وشرودها سببهما هو ويوم الغد، طوقها بذراعيه من الخلف وأتكأ برأسه على كتفها وقال بدفء:
-- أعمل أيه عشان تطمني يا فريدة والجلج دا يروح؟
تنهدت تنهيدة مُعبأة بالكثير من الألم الموجود بداخلها والقلق الذي يفتك بعقلها وقلبها معًا لتقول:
-- لو في حاجة تتعمل كنت طلبتها أنا منك يا مازن، أنا أول حد عايزني أطمن
ألتفت إليه بقلق وعينيها على وشك البكاء وتهرب الدموع منها لتقول:
-- لكن فكرة أن بكرة واحدة تانية هيتحط أسمك فى بطاجتها غيري وجصاد الناس كلتها هتكون مرتك مُخيفة لا دي جاتلني من جوا حتى لو أنا خابرة زين أنك بتحبني أنا والجواز دا على ورج بس
ضمه إليه بصمت وهو لا يملك جواب على كلماتها، تشبثت به بحزن رغم شدة يديها عليه وأوشكت عظامها على أختراق ضلوعه الصلبة وبنيته الجسدية القوية إلا أنها ما زالت ترتجف ألمًا فكيف لعاشقة بأن تسمح لزواج ثاني لزوجها وحبيبها، وضع قبلة على جبينها بلطف فأغمضت عينيها باستسلام تاركة العنان لهذه الدموع بان تنهمر على وجنتيه.
تحدثت “هيام” مع صديقتها “جاسمين” في الهاتف بقلق قائلة:
-- معرفش يا جاسمين، اللى حصل مخليني مستحية أتكلم وي عاصم او مازن فى موضوعنا، وفى نفس الوجت مجادرش أتكلم وي أدهم أكدة وهجوله أيه، فراج سارة كسرنا كلنا وهدم أفراحنا وخلي البيت كله فى حزن وغضب، حتى حلا اللى كنت هلجأ ليها تتكلم وي عاصم متخانجة وياه ومبيتكلموش، كل الطرج مسدودة
طمأنتها “جاسمين” بحديثها حين قالت:
-- متجلجيش يا هيام، أدهم متفهم اللى حصل هو بس حابب يكون وياكي فى الوجت دا ويشاركك حزنك
صمتت “هيام” قليل وتنظر لأصابع يدها التى تفركهما معًا والسماعات فى أذنيها تسمع تنهيدات “جاسمين” فقالت بتردد:
-- مجدرش أتكلم وياه دلوجت يا جاسمين، مازن عصبي جوي ولو عرف أني بكلمه فى التليفون ممكن ينشف رأسه وميوافجش وانا عمري ما خنت ثجة أهلي فيا، قبل كدة كان بيتجحح أنه بيساعدني فى دراستي بما أنه داكتورى لكن دلوجت بعد ما الإمتحانات خلصت هيتحجج بأيه تجدري تجوليلي…
أومأت “جاسمين” بيأس شديد من محاولة إقناع صديقتها وهى الوسيط بينهما لتقول بعفوية:
-- فهمتك، وأنا مهجبركيش تتحد وياه لأني من صاحبة سيئة عشان أجولك خوني ثجة أهلك فيكي وأنا خابرة زين تربيتك وكيف ممكن يكون عجابهم ليك، ربنا يكتبلك الخير يا هيام وأنا معنديش مانع أفضل الوسيط بينكم لحد ما يحصل حاجة رسمي يا ستى بس تجيبلي الأكل اللى بحبه
تبسمت “هيام” بسعادة على تفهم صديقة طفولتها ودعمها لها ثم قالت بحماس شديد وفرح تغمر قلبها:
-- موافجة طبعًا كل اللى تطلبيه
ضحكت “جاسمين” على صديقتها العاشقة لكنها تحتفظ بهذا العشق حتى يظهر فى العلن أمام الجميع وقالت:
-- يااا على الإنسان….
أغلقت معها ثم أخذت “هيام” نفس عميق وخرجت من غرفتها تاركة الهاتف على فراشها لتري والدتها تستعد للاستقبال “نهلة” فى منزلها بعد أن شرطت على “فايق” بأن يحضر ابنته إليهم ولن يذهبون هم لمنزله نهائيًا، أقتربت منها بقلق شديد وقالت:
-- ماما
قاطعتها “مُفيدة” بنبرة حادة كالسيف قائلة:
-- مت حاوليش يا هيام تمنعني
قالتها وهى تهندم عباءتها السوداء المكونة من طابقتين عباءة سوداءة باللأسفل فضفاضة وبها حزام من الخصر تربطه للخلف وعلى أكتافها عباءة من الحرير الأسود اللامع بدون أكمام لكنها مفتوحة من الكتف حتى الخصر لتخرج منها “مُفيدة” ذراعيها رغم أن العباءة سوداء خالية من أى تطريز بسبب حزنها على ابنتها وتخليها عن أى حُلي إلا أنها كانت تعطيها مكانتها وفخامتها، شعرها الأسود مُنسدل على ظهرها وتضع رابطة أعلي رأسها، نظرت “هيام” إلى “حلا” الواقفة هناك مع “فريدة” الباكية فى صمت على ما يحدث وذهبت إليهما لتقول بهمس:
-- مر ثلاث شهور على موت سارة وكل يوم بيمر أمي بتزيد رعب إذا كان أنا بنتها وخايفة منها فما بالكم بنهلة المسكينة
نظرت “فريدة” لها بحزن وهى تشفق على هذه الفتاة أمامها لتتابع “هيام” بجدية:
-- أه مسكينة لتكوني فاكرة أنها جاية تخطف جوزك منك يا فريدة، البنت دى هتعيش هنا فى جحيم تحت رحمة أمي وبس المفروض تشفجي عليها مش تبكي كره ليها
أومأت “حلا” بنعم وهى توافقها الرأي، فتحت باب غرفة “عاصم” وخرج منها غاضبًا على ما يحدث وتعابير وجهه المُخيف من الغضب الذي يحمله وهو مجبرًا على الجلوس فى هذا المجلس أمام رئيس المركز والعمدة “فايق” وكبار الأعيان والمحافظ وعضو مجلس الشعب النائب عن دائرتهم ويتنازل عن ثأره بقبوله لهذا الزواج، تطلع بوجه “حلا” الواقفة هناك مع الفتيات تتحاشي النظر له مُرتدية فستان أسود فضفاض بسبب بلوغها الشهر السادس فى حملها وكبر بطنها، تستدل شعرها على الجانب الأيسر وظهرها وترتدي قلادة ذهبية تحمل اسمه بالأنجليزية وخاتم زواجهما فقط، لاحظت “هيام” نظراته المُسلطة عليها فقالت بلطف:
-- عاصم….
قاطعتها “حلا” بضيق شديد قبل أن تلفظ بكلمة أخري بعد ذكر أسمه وقالت:
-- متكمليش يا هيام… أنا داخلة أوضتي
تركتهم وذهبت نحوه لكي تعود إلي غرفتها ومرت من جواره لكنه أستوقفها بيده عندما مسك راحة يدها بلطف وقال:
-- كفياكي هجر يا حلا
نظرت له بضيق شديد من أفعاله وقبوله لهجرها وخصامهما لأيام حتى بلغوا شهرًا مُتشبثًا بقراره وبقاء “غادة” فى شركته، كأنها تملك مكانة أكبر منها فى قلبه وقالت بحدة:
-- أنت عارف ردي يا عاصم، أنا خيرتك وواضح أنك أخترتها عني
دفعت يده عنها بأنفعال شديد ثم ذهبت للغرفة فتنحنح بحرج من “فريدة” و “هيام” الاتي راقبان الموقف ورأوها تعامله هكذا، تنحنح بضيق منها ثم خرج ليدخل الأثنين لها بعد مُغادرته فصرخت “فريدة” بها غاضبة:
-- والله يا حلا أنتِ ست عاجلة مستحيلة، أنا دلوجت بس أول مرة أخد بالي أنك طفلة فعلًا وطول العشرين سنة اللى عشيتهم كنتِ أهبل من كدة
صرخت بأنفعال شديد والغيرة تأكل قلبها من الداخل وعقلها يتخيل الكثير من الأفكار قائلة:
-- والله أنا طفلة، ها أه صحيح طفلة، لما أسمع واحدة بتتغزل بجوزى قصادي بكل بجاحة وهو يعينها عنده، غيرانة أه راح أموت من الغيرة لمجرد التفكير أنها بتعمله القهوة كل يوم فى الشركة ومسموح ليها بنطق اسمه حتى لو هتقول مستر عاصم، لكنها بتنطق اسمه، قلبي راح يجن جنونه بس لمجرد أنها هناك معاه وعينيها بتلمحه وتتغزل فيه حتى لو فى سرها، أنا بحبه بعمرى وأنفاسي وكل دقة بقلبي كيف أسمح لواحدة مثلها تبقي معه هناك
-- معقول مش واثجة فى جوزك، عاصم… لكن عاصم جلبه حجر وعيني ما بتلمح مرأة على وجه الأرض، إحنا من جساوته وموت جلبه كنا خابرين زين أن فكرة جوازه مُستحيل لحد ما جيتي
قالتها “هيام” بسخرية من هذه الفتاة التى تتوقع أن هناك من ستسرق زوجها الوحش منها، أجابتها “حلا” بعيني باكية وهى تحترق بنيران غيرتها وحدها:
-- بثق فى عاصم بعمرى كله، لكن هى ما بثق فيها يكفي أن عينيها تلمحه يا هيام، أنا هنا بموت من جوايا من الغيرة وهو معصب مني ومخاصمني ودا بيوجعنى أكتر، أنتِ حتى ما بتتخيلي قد أيه خصامه واجعنى من جواه
أجابتها “هيام” بغضب سافر قائلة:
-- فالحل اللي عجلك وصلك له أنك تخاصمي جوزك طب مخايفاش التانية تستغل الموقف وتسرجه منك
ضربتها “حلا” بالوسادة فى وجهها وصرخت بغضب:
-- كرريها مرة كمان وأنا أقوم أقتلك بأيدي يا هيام، عاصم مستحيل يخوني
لم تنتبه أبدًا لوجوده خلف الباب يسترق السمع لحديثهم وبكائها ليبتسم بعفوية عندما سمع “فريدة” تقول:
-- كان الله بعون عاصم، هو كيف متحمل طفلة هبلة كيفك
غادر مُبتسمًا وهو يجيب علي سؤالها بعد أن خرج من الغرفة قائلًا:
-- لأني عاشج الطفلة الهبلة دي
نزل للأسفل فسأله “مازن” بجدية:
-- جبت تليفونك
تبسم “عاصم” بعفوية وكأن غضبه تبخر فى الهواء ثم قال:
-- ممهمش التليفون
خرجوا معًا وكان “فايق” كقادمًا مع “مصطفي” الكثير من الرجال فلم يتحمل “عاصم” هذا الشيء وتنازله عن حقه وثأره نظر الجميع إلى “وفاء” وهى تقف هناك مع بقية الناس وبداخل السيارة “نهلة” التى ترتدي فستان أبيض من الحرير وتضع حجاب من الحرير على رأسها ووجهها، نظر “مازن” بإنقباض قلب إلى “عاصم” الذي أشار له بألا يقبل الزواج لينظر إلى “مُفيدة” التى تقف على باب السرايا وتنتظر ابنها وقلبه يكاد يتوقف من الوجع بهذه اللحظة، جلس أمام المأذون ليعقد قرآنه على “نهلة فنظر مُطولًا ليد “فايق” الممدودة له ثم لوالدته فأشارت له بنعم ووضعها بقلق وتم عقد القرآن لتقترب “وفاء” من السيارة ثم أخرجت ابنتها التى تبكي وترتجف بصدمة وهى لا تصدق بأنها تدفع ثمن جريمة أخاها هنا وقدميها تكاد تشبه السلحفاة فى تقدمها لباب السرايا حتى وصلت أمام “مُفيدة” لتقول بجدية:
-- خديها يا ناجية
أخذتها “ناجية” من والدتها بصعوبة و”نهلة” ترتجف وتبكي وقد بدأت فى الصراخ، تقدمت “وفاء” للأمام لتمنعها “مُفيدة” بنظرة من عينيها حين رمقتها بغضب ناري ثم قالت:
-- إياكِ تفكري تحطي رجلك جوي بيتى وإلا متلومنيش على اللى عملته
نظرت “نهلة” من الداخل إلى والدتها بصدمة وهكذا “وفاء” الواقفة فنظرت مرة أخري إلي “مُفيدة” وقالت:
-- وبنتي….
قاطعتها “مُفيدة” بقسوة ونبرة جاحدة حين قالت:
-- كانت بتك!! دلوجت هى مرت ولدي ومهتخرجش من أهنا إلا على جبرها وأنتِ مهتلمحهاش بعينيك مرة تاني ولا حتى وهى فى كفنها…. وكل ما تتوجعي عليها افتكرى أن دا ثمن دم بتي سارة وجريمة ولدك
دلف للسرايا وأغلقت الباب دون أن تسمح لـ “وفاء” بتوديع ابنتها حتى ولو مرة أخيرة، نظرت إلى “نهلة” بغضب سافر ثم دفعتها بقوة أرضًا وهى تقول:
-- غوري من خلجتي وحسك عينيك ألمحك مرة تاني تلبس أبيض
سقطت “نهلة” أرضًا ليسقط الحجاب عن وجهها وترى وجهها الباكي ذو اللون الأحمر من شدة بكاءها وعينيها البنيتين مليئتين بالدموع وشعرها البني كحبات القهوة مُنسدل على ظهرها وغرتها الطويلة تحيط بوجهها، ألقت “مُفيدة” بعباءة سوداء عليها وقالت بقسوة:
-- غورى غيري خلجتك وبعدها تروحي على المطبخ تعملي الأكل لأسيادك ولما تخلصي تغسلي هدوم الخدم والرجالة اللى بتسهر طول الليل عشان تحمينا من أمثالكم ولما تخلصي تعمليلي فنجان جهوة سادة وتجبهولي وحسك عينك تتأخري عن ساعة واحدة
تشبثت “نهلة” بالعباءة وهى تحدق فى “مُفيدة” ولم تتخيل نهائية أن هناك امرأة تكون بهذه القسوة، وقفت من مكانها بخوف من هذه المرأة ثم قالت:
-- معندكيش خدم يعملولك ده
نظرت “هيام” بحزن على هذه الفتاة وكانت “تحية” تقف بجوار ابنتها “فريدة” يراقبان الوضع وقسوة “مُفيدة” ولم يتجرأ أحد علي التدخل ومنعها عما تريده، أقتربت “مُفيدة” منها بعيني يتطاير منها الشر ثم قالت:
-- أمال أنتِ أيه، أنتِ خدامة أهنا
أقتربت “مُفيدة” منها أكثر لتصفعها لكن هذه المرة لم تنجح فوقفت أمامها “حلا” التى ظهرت من العدم وحدقت بها بغضب مما تفعله وتذكرت كيف أستقبلتها “مُفيدة” فور وصولها من كاليفورنيا، قالت بجدية:
-- كفاية
رمقتها “مُفيدة” بصدمة الجمتها وهى لا تُصدق بأن “حلا” التى أعتبرتها ابنة لها تقف أمامها الآن، قالت “مُفيدة” بحزم:
-- بعدي يا حلا
شعرت “حلا” بأنامل “نهلة” التى تشبثت بها بقوة من الخلف وكأنها تترجاها بألا تتركها وتذهب مع هذه المرأة فهزت “حلا” رأسها بلا بتحدي ثم قالت بحدة:
-- ناجية هتعمل الأكل
دفعتها “مُفيدة” من كتفها بعيدًا عن طريقها حتى تصل لهذه الفتاة لكنها لم تنتبه لقوتها فكادت “حلا” أن تصطدم بالدرج فى بطنها لكن لحسن حظها أمسكها “عاصم” فى اللحظة التى صرخ بها الجميع خوفًا على “حلا”، تطلع “عاصم” بوجه زوجته بقلق شديد ثم قال:
-- أنتِ زينة؟
أومأت له بنعم ليرفع رأسه إلى “مفيدة” وقال بنبرة حادة تحمل تهديد صريح قائلًا:
-- إحنا عملنالك اللى عايزة يا مرت عمي لكن لحد حلا ولازم تأخدي بالك زين لأن خدش واحد أو نسمة هواء متعجبهاش مهسكتش
أدركت “نهلة” ان هذه الفتاة تجرات على التدخل وتحدي “مُفيدة” لأنها زوجة الكبير الذي يخشاه الجميع، تأكدت من تخمينها عندما رأت القلادة التى تحمل أسمه فى عنقها.
دلف “مازن” للداخل غاضبًا مما فعله اليوم ليرى “نهلة” تقدم القهوة لوالدته وترتدي عباءة سوداء من ملابس “ناجية” يعرفها جيدًا، أرتشفت “مُفيدة” القهوة لتبصقها سريعًا صارخة بغيظ:
-- دى زيادة يا بهيمة
تألمت “نهلة” بحزن من معاملة “مُفيدة” وقالت بثقة:
-- حضرتك طلبتيها سادة
سكبت “مُفيدة” القهوة الساخنة على “نهلة” لتصرخ من الألم باكية ووقفت “مُفيدة” بغضب:
-- دوجي اللى عملتيه بجي، غورى أعمليلي واحدة تانية زيادة
رأي “مازن” ما تمر به هذه الفتاة التى اصبحت زوجته وهى الآن ستعيش تحت رحمة والدته القاسية وتقدم خطوتين نحوهما وقبل أن يكمل طريقه أستوقفه صوت “فريدة” من الخلف تناديه قائلًا:
-- مازن…
ظلت تراقبه وهى تفكر فى حديث “هيام” وربما سيخونها بسبب هجرها وخصامها له، فقالت:
-- أنت موافق على اللى عملته مُفيدة؟
لم يجيبها فحدقت”حلا”به من الرأس لأخمص القدم بغضب يلتهم قلبها، جالسًا أمامها ولا يبالي بما يحدث حوله كأنه بعالم أخر، أذنيه لا تسمعها ولذا لسانه لم يجيب على كلماتها، استشاطت غيظًا أكثر عندما رأت بسمته العريضة تحتل شفتيه وتعلو وجهه وعينيه لا تفارق الهاتف، الغيرة لعبت دورها فى الحال وبدأت “حلا” تلتهب من الداخل أكثر وتساءل عقلها الكثير من الأسئلة مثل هل يخونها الآن؟ أيمكن أن يراها قبيحة بعد أنتفاخ بطنها بسبب الحمل؟ هل معاشرته لها كأجنبية اصابته بالملل لذا خانها مع امرأة من الصعيدي تشبهه؟
وقفت من مكانها غاضبة وتضرب الأرض ضربًا بأقدامها حتى وصلت للمرآة وتطلعت بها كثيرًا، بطنها لم تنتفخ كثيرًا بعد ووجهها ما زال بجماله لتستدير غاضبة منه وأخذت نفس عميق تهدأ من روعتها ثم سارت نحوه ووقفت أمامه مباشرة وهو لا يكترث كثيرًا بها لتضرب قدمه بقدمها فصرخ “عاصم” من ضربها القوية له وقال:
-- ااه حلا
مدت يدها إليه ثم قالت ببرود شديدة:
-- التليفون
لم يفهم كلمتها فرفع حاجبه إليها باستغراب لتقول بهدوء تام تحول لصرخة قوية فى نهاية الجملة:
-- هات التليفون ولا تحب أصرخ
رغم هيبته ووقاره، قوته التى يخشاها الجميع إلا أن نبرتها الحادة التى تحمل تهديدًا له ونظرتها التى تخبره بأنها لن تتغاطي عن هذه الخيانة فأبتلع ريقه خوفًا من هذه الفتاة التى بحجم عقلة الأصبع مقارنة به، أعطاها الهاتف فى هدوء دون معارضة، جلست جواره بأختناق من مكره وجذبت يده جيدًا وعينيها تنظر لعينيه وتقول:
-- لا تتذكى عليا يا عاصم
وضعت أصبعه على بصمة الهاتف لتفتحه ثم قالت بسخرية:
-- يا لك من ماكر
تركت يده بلا مبالاة ثم نظرت بالهاتف لتراه مفتوحة على فيديو فضغطت على زر التشغيل وكان فيديو لها فشعرت سريعًا بهمس فى أذنها يقول:
-- بتفرج على حبيبتي فيها حاجة دي؟
قشعر جسدها بأنتفاضة قوية من همسه وقربه منها هكذا، ألتفت إليه كي تنظر له لتتلامس أنفهما من هذا القرب فقال:
-- بس تعرفي من جريب أكدة أحلي بكتير أوي
أزدردت لعابها بقوة خجلًا من نظراته وأنفاسه التى تلطم وجهها كاملًا، كلماته التى تقشعر قلبها حبًا، لا تعلم كيف له أن يبدل حالها ويمتص غضبها فى وهلة ويجعلها ترغب به لأخر العالم بكلمة صغيرة منه، تتطلع “عاصم” بوجهها وكل أن بها ليقول بهمس ويديه تحيط خصرها:
-- أتوحشتك يا حلوتي
تبسمت “حلا” بلطف ثم رفعت يدها إلى وجنته تداعب لحيته بدلال بأناملها ليقترب “عاصم” أكثر منها لكنه صدم عندما همست له بجدية يتغاطي عليها الكبرياء:
-- أنا قولتلك يا أنا يا السكرتيرة دي
تبسمت بعد أن ربتت على لحيته وهربت من أمامه ليستشاط غضبًا منه فأستدار لها بانفعال شديد وقال بتهكم:
-- ليكن كيف ما تحبي يا حلا وخليك ثابتة على موجفك وأنا كمان مبأخدش أوامر من حد
وقف لكي يخرج من الغرفة لتخرج خلفه مُنفعلة لتراه ينزل للأسفل فنظرت من الأعلي ورأت “نهلة” تقدم فنجان قهوة أخر لـ “مُفيدة” وقبل أن تسكبه عليها هربت من أمامها باكية وتترجاها بألا تفعل حتى أصطدمت بـ “عاصم” وأختبأت خلفه فتأففت “حلا” بضيق شديد:
-- كان ناقصني أنتِ
ترجلت للأسفل لتسمعه يقول:
-- بتعملي أيه؟
نظرت “مُفيدة” لهذه الفتاة وقبل أن تغضب رأت “حلا” تمسك فنحان القهوة بعد أن نزلت من الجهة الأخري للدرج وقالت:
-- لو كن دلق القهوة هيخفف من غضبك خلينا ندلقوا
سكبت القهوة على يدها بضيق لتفزع “مُفيدة” وهكذا “عاصم” وهرعوا نحوها لتبكي “مُفيدة” حزنًا على فعل “حلا” التى تعتبرها الآن بمثابة طفلتها وقالت:
-- جنتي أياك
-- بل قلبي موجوعة وأنا شايفاكي بالقسوة دي
قالتها ببكاء من ألم يدها وحزنها على ما وصلت “مُفيدة” له من قسوة، نظر “عاصم” لها بألم بعد ان أخذ يدها فى راحة يده وقال بقلق:
-- جومي
أخذها للمطبخ صامتًا ووضع يديها تحت صنوبر الماء فأزدردت لعابها خوفًا من صمته غاضبًا من فعلتها فقالت بتوتر:
-- أتكلم ما تسكت يا عاصم
تنهد بصمت لتقول بحزن شديد:
-- حتى تنهيدتك بتوجع
أجابها ببرود شديد دون أن ينظر لها:
-- متنفسش أحسن لو أنفاسي كمان واجعاكي يا حلا
سحبت يدها من قبضته ورفعت الأثنين إلى وجهه لتديره إليها حتى تتقابل أعينهما معًا وتطلعت بعينيه مباشرة وقلبها ينبض بجنون إليه فقالت:
-- معقول أنفاسك توجعنى، دا أنا مبنامش بسلام غير وأنا سامعة وحاسة بأنفاسك جنبي
لمس وجنتها بأنامله وعينيه تخبرها كم هو مُشتاقًا لها ولكل شيء بها بكل جوارحه ثم قال بلطف:
-- لمسك بيدي وقلبي حاسس أنك بعيدة .. بعيدة عنى جوي يا حلوتي، كيف الجمر اللي فى سماء مجادرش أوصلك لكني عاشجه بعمرى كله
-- أنا هنا يا عاصم جنبك
ظل يرمقها بعينيه في صمت لتقترب أكثر منه وتضع رأسها على صدره وتلف ذراعيها حول خصره ليأخذ نفس عميق بأريحية وطوقها بذراعيه.
فتحت “ناجية” باب المنزل صباحًا لتجد “ماكس” واقفًا أمامها.
رواية اجنبية بقبضة صعيدي الفصل السادس 6 - بقلم نور زيزو
ترجلت “حلا” من الأعلي متوترة بعد ان علمت بحضوره لمنزلها والآن ستلقاه ليس كأصدقاء بل كعائلة، أب وابنته فقشعر جسدها بتوتر وتردد من فتح هذا الباب وهى تعلم بأنه بالداخل يجلس مع زوجها بغرفة المكتب، أخذت نفس عميق ثم فتحت الباب بخفوت شديد ودلفت، تقابلت أعينهما معًا ودمعت عيني “حلا” فور رؤيته ليقف “ماكس”من مكانه فور رؤيته ليقف “ماكس” من مكانه بهدوء وتقدم نحوها و”عاصم” يراقبهما حتي وصل “ماكس” أمامها وتبسم بخفوت حين رفع يده ولمس وجهها،وتحولت هذه البسمة إلى ضحكات هسترية لا يصدق أنه تقابل مع ابنته مُنذ سنوات ولم يتعرف عليها بل كان يبحث عنها بجنون لا يحتمل، ضحكت “حلا” معه على هذه القدر ليضمها إليه لأول مرة فوق “عاصم” من مكانه وهو لا يتخيل أنه يرى أخر يُضمها ولا زال غير مستوعب ان هذا الرجل هو والدها فما زال يراها أبنة عمه التى تزوجها كي يحميها من قسوة العالم عليها، أغلقت يده على نبوته بأحكام ثم تنحنح قليلًا وقال:-
-أنا هطلع برا
مر من جانبهم بخطواته الواثقة الثابتة ثم قال:-
-ممصدجش أن رجل غيري بيضمها
ضحكت “حلا” عندما سمعت جملته وأستوقفته عندما أحتضنت يده بيدها ونظرت إلى “ماكس” بقلق ثم قالت:-
-لن تأخذني معك، أنا عندي عائلة هنا
ضحك “عاصم” بسخرية على كلمتها ثم نظر إلى “ماكس” وقال:-
-وكأني هسمح له بدا حتى لو عايزه
رفع “ماكس” حاجبه بسخرية ثم قال:-
-سأتركها لأجلها وليس لأجلك فلا تغضبنى أكثر
كاد “عاصم” أن يغضب فى وجهه لكن وقفت “حلا” بالمنتصف وقالت:-
-أهدأوا وما تتخانقوا هو بيكون أب ابنى … يا هو بيكون جد أبنك معقول تعاملك كدة، دا حماك أليس من المفترض أن تحترمه قليلًا
ضحك “عاصم” بسخرية أكبر على كلمتها ونظر للجهة الأخرى وقال:-
-أنا ماشي جبل ما أفجد عجلي بسببك
وضع “ماكس” قبلة على جبينها ليعود “عاصم” مُسرعًا يدفعه بعيدًا عنها وجذبها من يديها إليه وهو يقول:-
-أتحشم جولتلك ممنوع اللمس
نظر “ماكس” إليه بأندهاش من غيرته فهل يغار عليها حتى من والدها فأى عشق يحتل قلب هذا الوحش، أشار بسبابته على “عاصم” وهو يوجه حديثه إلى “حلا” قائلًا:-
-كيف تعيشين مع هذا؟ ستقتله غيرته يومًا
ضحكت “حلا” بعفوية بعد أن أقتربت من والدها ثم همست فى أذنه قائلة:-
-لكني أحبه جدًا
أومأ إليها بنعم ثم ودعها وهو لا يعرف متى سيقابلها مرة أخرى وأتجه إلي المطار تاركًا هذه البلد وابنته بها…
_________________________________
كانت “تحية” تجلس مع “مُفيدة” و”هيام” فى غرفة المعيشة يشاهدون التلفاز فجاءت “حلا” تجلس معهم لتبدأ “تحية” فى أعطاءها الفاكهة لتتناولها قائلة:-
-كُلي يا حلا وأتغذي عشان تجدري تولدي
أومأت إليها بنعم وهى تتناول التفاح فنظرت “مُفيدة” لها بهدوء ثم قالت:-
-لستك زعلانة منى
نظرت “حلا” لها بضيق شديد ثم قالت:-
-أشش لكن ليه تعاقبي نهلة وهى ما عملت حاجة ولا أرتكبت أى ذنب
نظر الجميع على جراءة “حلا”، لم يجرأ أحد على معارضة “مُفيدة” لطالما كانت سيدة قوية الشخصية ومُخيفة بقدر “عاصم” لهذه العائلة فبعد “عاصم” كانت “مفيدة” تحتل القوة والغضب فماذا سيحدث بعد أن فقدت ابنتها وأصبحت كالأسد الجريح الذي يخشي الجميع الدخول لعرينه لكن “حلا” لطالما كانت مُختلفة واستثنائية منذ لحظة وصولها، الأولي التى لم تخشي “عاصم” وتزوجت لا، بل جعلته عاشقًا لها وعلى أستعداد لهدم العالم كله وغزو لأجلها وأصبحت الأقرب إلى “مُفيدة”، تحدثت “مُفيدة” بهدوء شديد:-
-وسارة عملت أيه عشان تموت؟ جيبلي ذنب واحدة بتى عملته وأنا هخلي مازن يطلجها ويرجعها لبيتها
جاءت “فريدة” من الداخل مع حديثهما لتجلس جوار والدتها تستمع للحديث كالبقية فقالت “حلا”:-
-أنا ما بعترض على أخذ الحق لكن نأخذوه من اللى غلط وأذي ووجع لكن هي ما عملت حاجة أبدًا
صمتت “مُفيدة” ولم تُجيب بل ذهبت بنظرها إلى “نهلة” التى خرجت من المطبخ تحمل كوب الشاي الساخن على الصنية وتسير نحوهما، أغمضت “حلا” عينيها بضيق شديد بسبب ما تعيشه “نهلة” وكيف تحولت إلى خادمة بمنزلهما، قدمت “نهلة” الشاى لـ “مُفيدة” فأخذته وهى تحدق بها وقالت بنبرة مُخيفة:-
-جولتلك مشوفش شعرة من رأسك بدل ما أحلجهولك
أسرعت “نهلة” بأخفاء غرتها التى ظهرتها من أسفل الحجاب التى أرتدته فرضًا من “مُفيدة”، وقفت “حلا” بضيق من هذه المعاملة التى تتعرض لها “نهلة” ثم قالت:-
-تعالي يا نهلة
مرت من أمامهما لتصرخ “مُفيدة” بها غيظًا تقول:-
-حلا!!
ألتفت “حلا” لها بهدوء ثم قالت:-
-أنا هخرج أشتري حاجات ومحتاجة حد معايا يا ماما
ذكرتها “حلا” بوعدها وأنها أم لها حتى لو لم تنجبها فصمتت “مُفيدة” بضيق ونظرت للجهة الأخري، صعدت “حلا” تبدل ملابسها فأرتدت بنطلون أسود وتي شيرت أبيض اللون فضفاض من أجل بطنها وتسللت إلى وسادة “عاصم” بينما هو نائمًا وتغلغلت يديها إلى وسادته حتى اخرجت محفظة النقود الخاصة به وأخذت منها بطاقته البنكية وهى تبتسم بمكر شديد ثم وضعت قبلة على وجنته اليسرى وهو نائمًا على بطنه ويحتضن وسادته بين ذراعيه لتهمس فى أذنيه بدلال:-
-حبيبي أنا هخرج أشتري حاجة
أومأ إليها بنعم أثناء نومه ثم قال وعينيه مُغمضتين قائلًا:-
-اممم خلي بالك من حالك
تبسمت بمكر وهى تخفي بطاقته خلف ظهرها وخرجت من الغرفة مُبتسمة لترى “نهلة” تقف أمامها فى أنتظارها ترتدي بنطلون جينز وقميص نسائي أزرق اللون يصل لركبتيها فقالت “حلا”:-
-برافو
نظرت “نهلة” إليها بقلق وقالت:-
-طنط مُفيدة لو شافتني…
قاطعتها “حلا” وهى تتباطأ ذراعها بعفوية ويسيرون معًا نحو الدرج:-
-ثلاثة حاجات هنا لو عرفتيهم هتكوني بأمان، أولهم أني حلا مستحيل يعارضني حد وثانيهم هنا …
مسكت قلادتها التى تحمل أسم “عاصم” وقالت بعفوية وبراءة:-
-عاصم!! زوجي العزيز …. أنا يمكنني أعمل أى حاجة وأنا واثقة أن عاصم هنا
تبسمت بعفوية يفيض منها الحُب وهى تذكر زوجها التى تحتمي به وتفعل أى شيء تريده لأنها واثقة بوجوده لطالما وجوده كان السند والأمان لها، ربما وجود شخص مثله فى حياتها ما كان بمثابة الحياة نفسها، فهل هناك شيء يجب أن تملكه أكثر من قلب رجل كـ “عاصم”، سألتها “نهلة” بعفوية وحرج:-
-وثالثهما؟!
ضحكت “حلا” وهى تنزل الدرج أمامها بعفوية قائلة:-
-أنك زوجة أخى
تلاشت بسمة “نهلة” سريعًا فزوجها التى تتحدث عنه لم تراه حتى الآن ولا تعرف مظهره حتى فإذا قابلته صدفة ربما تتعرف عليه أم لا، ظهرت “مُفيدة” أمامها من العدم لترى “نهلة ترتدي هذه الملابس وقبل أن تتحدث رأت “حلا” رد فعل “نهلة” عندما عادت للخلف خطوة خوفًا من غضب “مُفيدة” لتقول “حلا” بعفوية:-
-هروح لدكتورة بطني بتوجعني من فترة للتانية
تجاهلت “مُفيدة” النظر إلى “نهلة” بعد أن علمت بمرض “حلا” ثم قالت بقلق:-
-ومجولتيش ليه، أستني هغير خلجاتي وأجي وياكي
تبسمت “حلا” بعفوية وهزت رأسها بلا وقالت:-
-لا ما تقلقي، أرتاحي أنتِ
أخذت “نهلة” وخرجت من المنزل لتصعد إلى سيارة وأنطلق السائق بها فبدأت تقصي “نهلة” عن حياتها لتقول:-
-أنا طالبة بسنتي الأخيرة فى الكلية، كلية التجارة وبنت أبويا الوحيدة مخلفش بنت غيري، يوم ما أتولدت كنت كأني جبت العار لعائلتي هم كانوا بأنتظار ولد، فضلت أمي طول فترة الحبل متعرفش أنا بنت ولا ولد عشان أبويا، نفسي أشتغل فى بنك لكن بمجرد ما اتجوزت أخوكي أنا خابرة زين أن كل طموحاتي وأحلامي ماتت، عمري ما تخيلت أبدًا أن أدفع تمن جريمة أنا معملتهاش لكن أبويا يستاهل أنى أفديه بعمري مش بجوازة، لكن مصطفي والله ما بيستاهل حتى وهو أخويا
تبسمت “حلا” ثم أخذت يد “نهلة” بين راحتي يديها ونظرت إليها بعفوية ثم قالت بطمأنينة ونبرة دافئة:-
-ستحل، كل حاجة هتكون بخير صدقنى، أنا هنا معاكي لكن تحملي قليل لأن ماما مُفيدة موجوعة الآن وأنا هكون جنبك لأني واثقة أن مستحيل حد يساعدك غيرى فى البيت دا.. وأفتكرى أنك زوجة أخى وكمان أكبر منى بسنتين
أندهشت “نهلة” من كلماتها وقالت بأعجاب:-
-معقول
تبسمت “حلا” بعفوية وهى تقول:-
-أممم أنا فى تانية هندسة ولم أكمل العشرين عام حتى… أنا الطفلة اللى هزمت وحش الصعيد
ضحكت “نهلة” على هذه الفتاة وهى فخورة بكونها زوجة لهذا الوحش، ذهبت “حلا” إلى الطبيبة لتطمئن على طفلها ثم ذهبوا معًا إلى المول لشراء أغراض لطفلها …..
___________________________________
كان “عاصم” جالسًا فى مكتبه بالشركة وبدأ هاتفه يرن كثيرًا بأستسلام رسالة تلو الأخر لكنه تجاهل الأمر بسبب الأجتماع وفور أنهائه فتح الهاتف أثناء سيره مع “مازن” فى الرواق ودُهش عندما وجد كل الرسائل من البنك تخبره بخصومات المبالغ، تعجب لهذا الأمر ثم فتح محفظة نقوده ليجد بطاقة البنكية مُختفية فتذمر بضيق على تصرف زوجته وهو خير الأشخاص معرفة بأنها من فعلت ذلك فلم يجرأ أحد على سرقته وحتمًا بطاقته البنكية لديها، دلف للمكتب بعد ان أتصل برقمها وخلفه “غادة” تتحدث عن مواعيده وهو لا يبالي بشيء سوى أنتظار صوته الذي أتاه سريعًا تقول:-
-حبيبي!!
تذمر على كلمتها قائلًا:-
-دلوجت بجيت حبيبك بعد ما صرفت فلوسي
ضحكت بعفوية على كلمته ثم قالت:-
-هههه فعلًا، مين هيصرف علي أنا وأبنك غيرك يا روحي لكن…..
توقفت عن الحديث فجأة بعدما سمعت صوت “غادة” جواره تقول:-
-أعملك جهوة يا مستر عاصم
قبل أن يجيب أجابت “حلا” فى الهاتف بنبرة غضب مُخيفة:-
-إياك، فكر يا عاصم تقول أه وتحمل جنوني
أبتلع ريقه بخوف من هذه الزوجة الغيورة وقال بجدية:-
-لا يا غادة روحي أنتِ
صرخت بالهاتف بأنفعال شديد:-
-غادة….. بدون ألقاب
سمعت “غادة” صراخها من الهاتف لتنظر إلى “عاصم” فتنحنح بحرج وهو يشير إليها بأن تذهب للخارج فلبت طلبه بينما هو نظر إلى صورة “حلا” الموجودة على شاشة اللابتوب الخاص به وتبتسم فقال بلطف:-
-أبعتلك فلوس تانية لو الفيزا ممكفيش حلوتي
تنحنحت بخجل من تراجعه عن الغضب الذي تلاشي من كلمته ودلاله لها فقالت:-
-لا كفاية بس ممكن تجبلي حاجة وأنت جاي
أومأ لها بنعم ليقول:-
-عيوني لكِ
دلف “مازن” للمكتب فأشار له بأن يجلس صامتًا بينما سمع “حلا” تقول:-
-ممكن تجبلي فرايد تشكين
أومأ إليها بنعم ثم أغلق الأتصال معها بينما نظر إلى “مازن” المهموم والعبء يثقل من كاهله فقال بلطف:-
-تعبك جوازك التاني، ولا تعب فريدة
رمقه “مازن” بحيرة من أمره وقال بتردد:-
-فريدة على طول زعلانة ومهمومة يا عاصم حتى وأنا جارها وأمي محساش بحاجة غير نار الأنتجام اللى بتحرجها من جوا وأنا بين نارين أمى ومرتي
هز “عاصم” رأسه بنعم ثم قال بتفهم لموقف صديقه:-
-لو على مرت عمي هملها من حساباتك حلا جارها ومهتهملش خليك أنت وي فريدة وهى هبابة أكدة وهتتعود وتبدأ تفوج من همها وحزنها
أومأ “مازن” له بنعم رغم أنه لم يشعر بخير قادم بل الخوف والقلق يتملكوه ….
______________________________
وصلت “حلا” إلي المنزل وصعدت “نهلة” إلى غرفتها سريعًا قبل أن تراها “مُفيدة”، وصلت “حلا” إلى غرفة “مُفيدة” وكانت جالسة على الفراش تحتضن صورة “سارة” فى يديها لتقول:-
-هجيلك كمان شوية
تركت “مُفيدة” الصورة جانبًا وقالت بعفوية:-
-تعالي يا حلا
عادت “حلا” للدخول وجلست جوارها لتمسح “مُفيدة” على رأسها بحنان وسألتها بقلق على حالتها:-
-طمنينى الدكتورة جالتلك أيه؟
أومأت “حلا” لها بنعم وطمئنتها على طفلها الصغير الذي تحمله فى أحشائها فتبسمت “مُفيدة” لأجلها بخفوت وقالت:-
-زين أنتبهي على حالك الفترة الجاية ولو حستي بتعب جوليلي على طول
أومأت “حلا” لها بنعم وبسمة مُشرقة تزين وجهها وشفتيها فربتت “مُفيدة” على يديها بلطف وقالت:-
-جومي أرتاحي من المشوار وأنا هبعتلك ناجية بكوباية عصير وسندوتش أكدة ولا حاجة تأكليهم
وضعت “حلا” رأسها على قدم “مُفيدة” ثم قالت بحنان:-
-خلى أنام هنا معاكي
مسحت “مُفيدة” على رأسها بلطف وظلت كما هى حتى غاصت “حلا” فى النوم من التعب بين يدي هذه المرأة التى تملك حنان بقدر قسوتها ولطف بقدر غضبها وحدتها، لم تتمكن “حلا” من فهم شخصية “مُفيدة” كيف لها أن تكون الشيء ونقيضه، تعطيها الحنان والأمومة التى فقدتها فى نفس الوقت التى تقسي على “نهلة” وتأخذها للجحيم…
___________________________________
دق باب غرفة “فريدة” وذهبت لتفتح لكنها صُدمت عندما رأت “نهلة” أمامها فسألت بغضب:-
-أفندم؟
تنحنحت “نهلة” بقلق وتردد ثم قالت بخفوت مُتلعثمة فى الحديث:-
-ممكن أتكلم مع مازن دقيقتين؟
لم تتمالك “فريدة” نفسها وكبح غضبها بعد أن سألت هذه الزوجة عن زوجها لتدفعها من كتفها غيظًا منها ثم قالت بمكر وحقد:-
-مازن!! أنتِ فاكرة نفسك أيه؟ لتكون فاكرة نفسك مرته بجد ويحجلك تحدد وياه، فوجى يا بت أنت أهنا مجرد خدامة وجوازكم دا على ورج وإياك أشوفك وي جوزى أنتِ فاهمة ولا أفهمك أنا بطريجتي
أبتلعت “نهلة” لعابها بخوف من هذه المرأة فما زال هذا المنزل يسكنه أشخاص أسوء كـ “مُفيدة” وقبل أن تتحدث جاءت “هيام” نحوهما بضيق مما سمعته وقالت:-
-أيه يا فريدة اللى بتجولي دا ها؟
صرخت “فريدة” بضيق شديد وقلبها تعتصره الألم:-
-اللى سمعتيه إياك تجربي من جوزى يا بهيمة أنتِ وإلا متلومنيش على اللى هعمله
دلفت “فريدة” لغرفتها غاضبة وأغلقت الباب بينما تساقطت الدموع من عيني “نهلة” من هذا الجحيم الذي تعيش به فقالت “هيام” بعد أن وقفت أمامها غاضبة هى الأخري بنبرة حادة:-
-وفري البكاء لبعدين، وأوعي تنسي أنك هنا فى بيت كل اللى فيه كارهينك وخسرانين شخص غالي عليهم فكل اللى ليكي هنا جسوة وجهرة وبس
مرت من أمامها ونزلت الدرج لتقابل “عاصم” على الدرج وقالت بعفوية:-
-حلا نايمة عند ماما
أومأ إليها بنعم ثم ألتف لينزل الدرج مرة أخرى وأتجه إلى غرفة “مُفيدة”، طرق الباب برفق ثم دلف ليرى زوجته نائمة فى الفراش و”مفيدة” تجلس جوارها تراقبها عن كثب فقالت بلطف:-
-صاحية
تبسمت “حلا” بعد أن لفت ذراعيها حول عنقه دون أن تفتح عينيها لتتسارع نبضات قلبه بمن براءتها وقربها منه حتى انه يشعر بأنفاسها التى لطالما أشتاق لها طيلة اليوم فقال بعفوية:-
-أفهم أيه من عمايلك دى
ضحكت “حلا” بلطف وقالت بلطف:-
-كان لازم أشغلها شوية عن تعذيب نهلة، مسكينة البنت
تبسم على زوجته التى ظلت ساعات تصطنع النوم حتى لا تذهب “مُفيدة” إلى هذه الفتاة وتعاملها بقسوة وتنفث بها غضبها وقال:-
-كل مرة أحبك أكتر
فتحت عينيها ببطيء بعد أن سمعت كلمته وتتطلعت بعينيه وهو يصعد الدرج بها ليدير رأسه إليها وتتقابل أعينيها فقالت بحب:-
-كيف كل مرة يخفق قلبي لك أكتر من اللى قلبها
شد ذراعيه عليها أكثر وضمها له مُبتسمًا لكن سرعان ما تلاش البسمة عندما نظر أمامه فنظرت “حلا” تجاه نظره وصرخت بهلع عندما رأت “نهلة” تقف على داربزين الدرج من الأعلي وتحاول السقوط للأسفل كي تنهي حياتها الأليمة…..
يتبع الفصل التالي اضغط على ( رواية اجنبية بقبضة صعيدي ) اسم الرواية
رواية اجنبية بقبضة صعيدي الفصل السابع 7 - بقلم نور زيزو
“عاصم” أسرع نحوها بهلع ليمسك يدها يمنعها من القفز، و”حلا” ركضت بقدر طاقتها خلفه. دفع “نهلة” بقوة بعيدًا لتتشبث “حلا” بها قبل أن تسقط.
رفعت “نهلة” عينيها إليه باكية بأختناق وحزن، أصابها ليصرخ “عاصم” بها أكثر:
-- أنتِ جنيتي!
صرخت “نهلة” مثله بأنفعال شديد وحزن يحتل قلبها قائلة:
-- جنت عشان عاوزة أخلص من عذابي وتعاستي.
رفع سبابته فى وجهها بأنفعال شديد وقال:
-- لما تحبي تخلصي من حياتك ميبجاش فى بيتي، روحي أرمي حالك تحت أى عربية ولا نطي فى البحر مهيفرجش كتير، لكن فى داري لا.
أتسعت عيني “حلا” على مصراعيها من قسوة زوجها على هذه الفتاة لتقول بجدية:
-- عاصم بتقول أيه!
تأفف بأختناق سافر ثم دلف إلى غرفته. جهشت “نهلة” باكية فى حزنها، لتربت “حلا” على ذراعيها بلطف وحنان ثم قالت:
-- أهدئي يا نهلة وكله هيكون تمام، أنا هتكلم مع مازن الصبح وهحاول أخليه يطلقك ما دام دا اللى هيريحك.
نظرت “نهلة” لها بحزن شديد وعينيها تسل منهما الدموع بغزارة وقالت بسخرية:
-- ولما يطلجنى الموضوع هيتحل وحياتي هتتصلح، أنا أهلي رموني هنا ومسألوش فيا.. حتى محاولوش مجرد محاولة يجوا يشوفني.
ضمتها “حلا” بلطف وقالت بطمأنينة:
-- أنا هنا ما تقلقيش.
هدأت “نهلة” قليلًا فى بكائها ثم دلف إلى الغرفة بحزن شديد، فحتى الموت رفضها. ذهبت “حلا” إلى غرفتها غاضبة من زوجها الشرس الذي لا يهتم لمشاعر أحد ولا يراعي وجع وألم الغير.
***
“منـــزل فـايــق الصديــق ”
أستعدت “وفاء” للخروج من المنزل مُرتدية عباءتها السوداء، لكن استوقفها صوت زوجها من الخلف يقول:
-- على فين يا وفاء؟
ألتفت إليه بجدية ووجه عابس تقول:
-- رايحة أشوف بنتى وأطمن عليها.
وقف “فايق” من مكانه غاضبًا ليقول:
-- لا متروحيش، همليها لحالها وهى هتتأجلم على العيشة هنا، لكن انتِ مرت العمدة متروحيش تستسمحي حد عشان تشوفي بتك وفى الأخر هيطرودكي ومهتشوفهاش، أوعي تخلي عائلة الشرقاوي تعلم علينا مرة تانية.
أتاه صوت “مصطفى” من الأعلي يقول:
-- دا على أساس أنهم معلموش علينا لما جوزت بتك ليهم وعيشتها فى دارهم.
ألتف “صديق” له غاضبًا من حديثه وهو سبب كل شيء يحدث ليقول:
-- أجف خشمك دا لأن كله من تحت راسك وعمايلك السوداء دى، وربنا الكعبة يا مصطفي لو ما نزلت عن رأسي بحديدك السم دا هأطخك عيارين وأخلص من جرفك، وأنتِ خشي على جوا مفيش طلوع.
تأففت بضيق شديد من كلماته وقالت بصدمة ألجمتها من قسوة قلبه على ابنته:
-- واا أهمل بتى أكدة من غير ما أعرف هي عايشة ولا ميتة عندهم.
أجابها أثناء سيره للخارج بنبرة باردة قائلًا:
-- عايشة متجلجيش، لو ميتة كانوا بعتوها جثة عشان يحرجوا جلبك وجلبي عليها وندوج العذاب اللي داجوا.
خرج من المنزل لتتطلع “وفاء” بابنها بحزن شديد ثم قالت:
-- منك لله يا ولدي، حرجت جلبي على بتي الصغيرة.
صعدت إلى غرفتها باكية ولا تعرف متى سترى ابنتها حية أمامها مرة أخرى وبعينيها. هندم “مصطفي” ملابسه وخرج من المنزل غاضبًا من أهله وتصرفاتهم.
***
“سرايــــا عاصــم الشـــرقــــاوي”
كانت “حلا” جالسة على الأريكة وتشاهد برنامج إذاعي لتربية الطفل وتأكل الفاكهة فى يدها، حتى جاءت “هيام” لها تقطع تركيزها بجلوسها جوار “حلا” فى صمت. نظرت “حلا” لها بهدوء فى صمت مُنتظرة أن تتحدث أختها لكن لم تفعل. أنزلت “حلا” الطبق عن قدميها ووضعته على الطاولة ثم أخفضت صوت التلفاز ونظرت إلى “هيام” تقول:
-- مالك؟
تأففت “هيام” بضيق شديد، فغمزت “حلا” لها على عبوسها ثم قالت بعفوية:
-- أدهم!!
نظرت “هيام” لها بأندهاش، فقهقهت “حلا” ضاحكة على هذه الفتاة لتقول:
-- الحب يا عيني الحب، ماله أدهم؟
-- عايز يتكلم ويايا بس أنا مهعرفش أعمل أكدة، أخاف من مازن يجطع رجبتي وإحنا مفيش بينا حاجة ولا علاجة رسمية.
قاطعتها “حلا” بعفوية بعد أن عادت بظهرها للخلف تسترخي من أجل طفلها الموجود فى أحشائها:
-- علاقة رسمية!! أنتِ جاية ليا عشان دا… أنتِ عاوزاني أتكلم مع عاصم فى موضوع الخطوبة صح؟
نظرت “هيام” لها بوجه عابس رغم ترجي عينيها بأن تفعل وقالت بقلق:
-- مر على موت سارة ثلاث شهور، المفروض أستني لحد أمتى ولا هكون أكدة أخت وحشة عشان بفكر فى نفسي.
تمتمت “حلا” بعفوية قائلة:
-- لا هو المفترض أن المثل اللي بتقولوا دا اسمه أيه….
قاطعتها “هيام” بجدية قائلة:
-- الحي أبقي من الميت.
أشارت “حلا” بسبابتها فى وجه “هيام” وقالت:
-- هو دا كنت هجيبه، سيبها على الله والعبده لله.
تبسمت “هيام” بعفوية على أختها وقالت بحماس:
-- طب يلا.
نظرت “حلا” لها بأندهاش من تعجل وقالت:
-- ماشي، لما عاصم يجي من الشغل.
مسكت “هيام” يدها لتساعدها فى الوقوف وتقول بحماس:
-- روحي له يا حلا الشغل وأهو تغيري جوا البيت اللي أنتِ مبتخرجيش منه دا.
هزت “حلا” رأسها بالموافقة وقالت:
-- عندك حق، أنا أطب عليه أشوفه بيعمل أيه من ورايا.
صعدت للأعلي تبدل ملابسها وأرتدت فستان أصفر اللون بكم مصنوع من القطن وحذاء بدون كعب أبيض اللون، ثم ترجلت للأسفل ورأت “هيام” تبتسم بحماس لتقول:
-- المصلحة بتغير.
خرجت من المنزل وصعدت للسيارة لينطلق السائق بها إلى حيث شركة زوجها. رأت “نهلة” تسير فى الحديقة وتحمل فى يدها صنية الطعام الساخن وتتجه نحو “مُفيدة” فتأففت بضيق من غضب “مُفيدة” المُشتعل بداخلها وما زال قائمًا.
غادرت السيارة من السرايا لتراها “مُفيدة” فنظرت إلى “نهلة” التى تضع الطعام أمامها وقالت:
-- فطرتي ولدي جبل ما يطلع.
أجابتها “نهلة” بنبرة خافتة تقول:
-- فريدة مجبلتش وفطرته.
هينكزتها “مُفيدة” فى كتفها بغيظ من تجاهلها لأمرها وقالت:
-- أسمها ستك فريدة، قولي فريدة حاف أكدة مرة تانية وأنا أجطعلك لسانك، جومي من خلجتي سدتي نفسي على الوكل.
وقفت “نهلة” بحزن وأنكسار كي تغادر من أمامها، لكن أستوفتها “مُفيدة” بصوتها الحادة تقول:
-- كان لازم أخوكي يفكر مليون مرة جبل ما يجرب لعيالي ويفتكر أن ليهم أم اسمها مُفيدة واللي يجرب من عيالها تأكله بسنانها واللى شوفتي كوم واللي جاي كوم تاني يا بنت الصديق.
لم تتمالك “نهلة” حزنها أكثر وألتفت إليها صارخة بها تتطلق العنان لأوجاع التي فاضت بها:
-- وأنا ذنبي أيه؟ اللي بتعملي فيا هرجع بنتك مثلُا؟ أذيتك وذُلك لي هيروحه من وجعك وهتنسي … لا مستحيل النار والكره اللي جواكي هيفضلوا يكبروا مع كل مرة هتشوفني وأجولك على حاجة تستاهلي، تستاهلي كل مرة تلمحني فيها تتوجعي أكتر ودا بيبسطني بيجبلي حجى منك أول بأول، جسوتك عليا مردودة فى جلبك الموجوع.
وقفت “مُفيدة” من مكانها بعد أن أستمعت لهذا الحديث من هذه الفتاة وصفعتها بقوة على وجهها، لطمة اخرجت بها كل أوجاعها وقسوتها حتى رأت أنف “نهلة” تنزف الدماء بعد أن نظرت لها بألم وقالت بتحدي:
-- حتى الجلم دا بيدل على وجعك اللي أنا وجعته ليكيكادت أن تقتلها في الحال لكن منها “ناجية” التي هرعت نحوها تمسك ذراعيها بلطف وتقول بذعر:
-- أمشي من جصادها دلوجت.. أمشي.
رحلت “نهلة” مُنتقمة منها ولو قليلًا على ما تفعله بها. دفعت “مُفيدة” هذه المرأة بعيدًا عنها وذهبت للداخل غاضبة ونيران أوجاعها نشبت للتو من حديث هذه الفتاة.
***
“شــــركــة الشـــرقــــاوي”
هندمت ملابسها بعفوية قبل أن تدخل مكتبه وكانت ترتدي بدلة نسائية وتستدل شعرها الأسود القصير على الجانب الأيسروظهرها، ثم نظرت في مرآة صغيرة وإعادت وضع أحمرار الشفاف. وعندما وصل الساعي إلى المكتب أخذت منه القهوة ودلفت “غادة” بفنجان القهوة إلى المكتب وهي ترمقه بعينيها، رجل أسر قلبها برجولته وحدته التي تزيده ووسامة على وسامته. ألتفت حول المكتب بأرتباك لرؤيته، فكلما رأته أو استنشقت عطره الرجولة يقشعر جسدها وتزداد توترًا.
وضعت فنجان القهوة وهى تقف جواره وهتفت بنبرة خافتة ناعمة مُثيرة:
-- أتفضل الجهوة.
أومأ إليها بنعم دون أن يرفع نظره عن الورق الذي أمامه وقال:
-- خذ الملف دا وصلي لباشمهندس مازن.
أومأت إليه بنعم بعد أن قوست شفتيها وحاجبيها حزنًا على تجاهله لها وتصلبه كأنه جبل جليدي لا يشعر بشيء ولا يتأثر بأنوثتها الفاتنة وجمالها، فقط يهتم لزوجة الفتاة التي لم تبلغ 20 عام وتشبه الأطفال ولا شيء بها مثيرة كامرأة. أغتاظت “غادة” من تصرفه فأخذت الملف بأنفعال ليصطدم بفنجان القهوة ويسكب على المكتب وعلى عباءة “عاصم” وبنطلونها. هلعت بخوف منه قائلة:
-- آسفة لم أقصد.
جذبت المناديل من العبلة فوق المكتب وأقتربت منه لتمسح عباءته مما أدهش “عاصم” لمسها له وقبل أن يصدر رد فعل، صُدم بزوجته تقف أمامه.
رأتها “حلا” وهي تحاول مسح عباءته بالمنديل وقريبة منه جدًا بعد أن سكبت القهوة عليه. ولم تتمالك “حلا” غضبها وغيرتها التي حرقتها للتو فأسرعت نحوها لتجذب يدها سريعًا بعيد عن زوجها. أندهش “عاصم” من ظهور زوجته في مكتبه دون سابق أنذار.
ومسكت “غادة” من ذراعها تقول:
-- حصلت والله.
تحدث “عاصم” بهدوء غاضبًا من صوت زوجته المرتفع:
-- أهدئي يا حلا وأسمعي الأول.
دفعته بعيدًا عنها وتقول:
-- أبعد كدة عني، دا أنت لسه دورك جاي بس الأول أشوف الهانم خطافة الرجالة.
تمتمت “غادة” بضيق شديد من حديث “حلا”:
-- أيه اللي بتجولي دا أنا مسمحلكيش.
ضحكت “حلا” بسخرية وهى تنظر إلى زوجها تارة وإلى هذه الفتاة تارة وقالت:
-- ما تسمح لي والله، أنا هفرجك بقى اللي مسموح لي.
أخذتها للخارج بصراخ ولسانها لم يتوقف عن سب هذه الفتاة وتجمع الموظفين على صوتها و”عاصم” يسير مُحاولة السيطرة على زوجته المجنونة، لكنها تسير إلى المصعد بها كى تطردها من الشركة نهائيًا وضغطت على زر المصعد لكنه كان بالأسفل فصرخت “حلا” بها غاضبة:
-- أياك أشوف وشك هنا تاني.
حرجت “غادة” كثيرًا من نظرت الجميع وتجمعهم حولها ينظره وكأن “حلا” قبضت عليها في حضن زوجها أو وضع مخل. لتغضب كثيرًا منها وما زالت “حلا” تجذبها نحو الدرج فدفعتها “غادة” بعيدًا عنها قد سئمت من هذه المرآة لتسقط “حلا” عن الدرج. فصرخ الجميع وهرع “عاصم” نحو زوجته التي سقطت للتو أمام ناظره، بينما ذعرت “غادة” بعد أن رأتها تسقط رغم حملها وأرتجفت هلعًا مما سيحدث لها.
هرع “عاصم” للأسفل حيث زوجته وجاء “مازن” من الداخل بعد أن سمع بما حدث ليرى “عاصم” يحملها على ذراعيه بهلع وهى تصرخ من الألم وتضع يديها فوق بطنها لتقول بصدمة:
-- أنا هولد …. والله ابني هيخرج يا عاصم… لا أبعد عني يا خاين أنتِ.
ترجل بها للأسفل حيث سيارته وأنطلق بها للمستشفي. وهل لا تكف عن الصراخ من الألم و”مازن” يقود السيارة بسرعة جنونية من أجل أخته التي أوشكت على الولادة بشهر السابع.
كبحت صراخها بألم شديد وتشبثت بعباءته من الخلف بألم ثم قالت:
-- مستحيل أولد، أنا ما هولد ولد أبوه خاين بيخوني اااااااه.
ضحك الجميع عليها وهى تصرخ به وتتعرض على ولادتها رغم رغبة طفلها بأن يخرج من أحشائها للتو دون أن يكمل فترة حمله فقد قرر هذا الطفل أن يولد في شهرها السابع. مسح “عاصم” على رأسها بلطف وقال بعفوية:
-- مستحيل أخونك والله، أولدي بس وبعدها هعملك كل اللي عايزاه يا حلا.
ضربته على كتفه من الخلف وهو جالسًا بالمقعد المجاور للسائق وهي بالخلف وقالت غاضبة:
-- كذاب، أنا شوفتك بعيني وهي لزقة فيك يا خاين …. اااااه هولد والله هولد، لا مستحيل لازم أعاقبك أنا ما هجبلك ولد.
ضحك “مازن” على أخته المجنونة أثناء قيادته للسيارة وقال:
-- ما تثبتي على حاجة هتولدي ولا لا.
ضربته على ذراعه من الخلف بغضب سافر وأجابته بحدة ونبرة ألم:
-- كأنه بمزاجي يا غبي، الولد دا منحاز لأبوه الخاين أنا ما عايزاه …. طلقني.
لم يجيب “عاصم” عليها بل نظر إلى “مازن” وقال بجدية:
-- بسرعة يا مازن أنا صدعت من جنانها، هبابة كمان وهتجولي خدوني على الجبر.
لم تتمالك أعصابها وقضمت ذراعه بأسنانه غيظًا من كلمته ونفثت بها ألمها الذي تشعر به ليصرخ “عاصم” من قوتها فقالت بأنفعال:
-- بعينيك أني أموت وأسيبك هنا تتهن مع الحيوانة دي ….. اااااه.
ألتف إليها بهدوء ثم أخذ يديها في راحة يده بحنان وقال:
-- بعد الشر عنك يا حبيبة جلب.
نظرت له بعيني باكية من الألم الذي تشعر به وقد تراجعت عن موقفها وعنادها ثم قالت بعفوية:
-- بتحبني؟
مسح على رأسها بدلال وعينيه تنظر بعينيها مباشرة بحب ثم قال:
-- عاشجك والله وبموت فيك.
تبسمت وهى تأخذ نفس عميق وتحاول تنظيم أنفاسها من أجل طفلها وهى تتحمل الألم وقالت:
-- حتى وأنا كورة أكدة.
-- كيف الجمر والله وبحبك بكل حالاتك.
قالها بعفوية ونبرة دافئة لتبتسم بسعادة ثم ضربت “مازن” بغيظ من ألم ولادتها وطفلها الذي أوشك على الخروج:
-- بسرعة أنا هولد والله الطفل هيخرج.
ضحك “مازن” على عنادها الذي تلاشي فورًا بمجرد أخباره لها بأنه يحبها بدلت رأيها كالبلهاء غارقة في سحر عشقه.
جاء الجميع على المستشفي بعد أن علموا بأمر ولادتها وكانت بغرفة العمليات لتقف “مُفيدة” قرب “عاصم” تربت على كتفه بلطف وقالت:
-- خير ربنا يجومها لك بالسلامة.
فتح باب العمليات لتخرج الممرضة بسعادة ثم قالت:
-- مبروك جايلك ولد.
تبسم الجميع بعفوية وحماس، بينما أقترب “عاصم” خطوة منها وقال بقلق:
-- وحلا!!
تبسمت له بعفوية ثم قالت:
-- زي الفل متجلجش.
قليلًا وخرجت “حلا” من العمليات بينما الطفل ذهب للحضانة بسبب خروجه قبل موعده. فتحت “حلا” عينيها بتعب وهي تُتمتم قائلة:
-- عاصم… ابني.
تبسم بعد أن قبل جبينها ويدها بدلال وقلبه يتراقص فرحًا ما زال لا يصدق بأنه أصبح أبًا الآن وجاءه طفل فقال بعيني دامعة من الفرح:
-- بخير يا حلوتي.. حمد الله على سلامتك.
تحدثت “تحية” بعفوية والفرح تغمر قلبها كالجميع هاتفة:
-- هتسموا أيه؟
نظر “عاصم” إلى زوجته ثم قال بعفوية:
-- يوسف.
منعها بسبب حالتها وبطنها المفتوحة بسبب ولادتها القيصرية فلن تستطيع الذهاب مما أغضبها وجعلها تحزن أكثر ليقول بجدية:
-- خلاص هروح أشوف لو ينفع.
خرج مع “مازن” للخارج وأتجاه نحو الحضانة من أجل طفله وبعد وصوله إلي الحضانة سأل “مازن” بعفوية وحماس لرؤية ابن أخته الذي جعله خال للتو:
-- فين ابن مدام حلا.
أخبرته الممرضة أنه في الصندوق رقم 4 ليسير للداخل مع “عاصم” ليُصدم الأثنين بالصندوق الذي يحمل اسم “حلا” فارغ ولا أثر للطفل. فهلعت الممرضة بخوف من أختفاء الطفل قائلة:
-- أنا حاطته أهنا بيدي.
أتسعت عيني “عاصم” على مصراعيها ونظر إلى “مازن” الذي ألجمته الصدمة تمامًا مثله بعد أختفاء طفله أو بالأحري إختطافه فور ولادته وخروج من رحم أمه.
رواية اجنبية بقبضة صعيدي الفصل الثامن 8 - بقلم نور زيزو
أنقلبت المستشفي رأسًا على عقب فور انتشار خبر اختطاف طفل رضيع من غرفة الحضانة.
احتلت رجال "عاصم" المستشفى وكل ركن بها وأغلقوا الأبواب دون أن يسمحوا لأحد بالخروج أو الدخول من باب المستشفى.
علمت "حلا" بما حدث بسبب غياب زوجها وتأخره، فحاولت النزول من فراشها باكية بانهيار.
منعتها "مفيدة" بقلق وذعر قائلة:
-- أنتِ رايحة فين يا حلا؟ بطنك مفتوحة يا بتي.
جذبت يدها من قبضة "مفيدة" بانهيار تام وهي أم لم تحمل طفلها لثانية واحدة بين ذراعها وقد خطف منها للتو فور خروجه من رحمها، وقالت:
-- دا ابني.
حاولوا السيطرة عليها لكن لا جدوى من المحاولة. فرغم كونها فتاة لم تصل للعشرين بعد، إلا أنها الآن أم وسُرق قطعة من روحها. دموعها لم تتوقف كالفيضان الذي سل من عينيها بقوة ورجفة قلبها المرعبة قبل جسدها الذي يرتعش خوفًا وذعرًا.
سمعت "نهلة" بما حدث وهي في انتظار المصعد بالطابق الأول في المستشفى لتقلق وتشعر بالخوف على "حلا"، هذه الفتاة التي لم تقسو عليها وكانت الألطف في هذا المنزل.
لم تنتظر المصعد واتجهت للسلالم لتصطدم بأحد وكادت أن تسقط من فوق الدرج، لكن سرعان ما أمسكت هذه المرأة يدها قبل أن تفعل.
تطلعت "نهلة" على يد المرأة بصدمة ألجمتها حين رأتها تضع على وجهها نقابًا قصيرًا يخفي فمها وأنفها ويظهر جبينها وعينيها بوضوح، وعلى رأسها هذه العباءة السوداء المفتوحة وتلفها حول نصفها العلوي بحذر.
لكن هذا لم يكن ما لافت بها، بل هذه الأساور الذي سُرق من ذهبها من سنة ونصف تقريبًا كان بيديها وأحجاره الزرقاء.
تشبثت "نهلة" بيدها جيدًا وأدارت الأساور لتتأكد أكثر، فكان هناك حجر مفقودًا من مكانه.
لتتشبث "نهلة" بها بانفعال وقالت:
-- أنتِ تعرفي مصطفى؟
نظرت الفتاة لها بصدمة ألجمتها، وقبل أن تتحدث رأت "نهلة" شيئًا يتحرك أسفل العباءة لترفعها مسرعة.
وصُدمت عندما رأت طفل رضيع عارٍ، فاتسعت عيني "نهلة" وهكذا الفتاة.
لتتمتم "نهلة" بتلعثم شديد:
-- دا ولد حلا.
دافعتها الفتاة بقوة بعيدًا عنها خوفًا من أن تُمسك هنا بعد حضور الشرطة وهكذا الفوضى التي حلت داخل المستشفى.
لكن "نهلة" كانت أذكى منها، فتشبثت بالطفل لتتركه الفتاة قبل أن يُقبض عليها.
نظرت "نهلة" للطفل بصدمة، لا تعرف ماذا تفعل به؟ أتعيده للحضانة أم تأخذه إلى غرفة "حلا"؟
كان الطفل جميلًا ويبتسم بعفوية وهو لا يدرك شيئًا بعد بهذه الحياة.
سارت به نحو غرفة "حلا" خائفة من أن يسألها أحد عن مكان الفتاة؟ أو الخاطف؟
هل ستخبرهم عن أخاها الأحمق، فما زال يفتعل المشاكل رغم ما حدث معها؟
قطع شرودها فتح باب الغرفة، وكانت "حلا" تحاول الخروج و"مفيدة" تمنعها.
و"هيام" تتحدث مع "مازن" على الهاتف لأجل "حلا" تقول:
-- مجدرنيش عليها على مازن.
توقفت عن الحديث وهكذا الجميع عندما رأوا "نهلة" أمامهم وتحمل الطفل بين ذراعيها.
لتترك "هيام" الهاتف من يدها دون أن تغلق الاتصال.
اتسعت عيني "حلا" على مصراعيها عندما رأت "نهلة" هي من تحمل الطفل بدلًا من الجميع، كانت هذه الفتاة التي أحسنت إليها رغم قسوة الجميع عليها.
تحدثت "تحية" بتلعثم وصدمة ألجمتها كالجميع:
-- أنتِ اللى خطفتي الواد.
اقتربت "فريدة" منها بسرعة جنونية وأخذت "يوسف" من يدها بقوة وهي تصرخ بها قائلة:
-- مُنتظرين أيه من بين الصديق، دي عائلة الشر بيجري في دمهم.
عادت للخلف بقدميها تعطي الطفل لـ "حلا" التي وقفت كالتمثال من صدمتها.
وعينيها لا تفارق وجه "نهلة" وتأخذ أنفاسها بصعوبة حادة.
سمع "مازن" بكاء الطفل وهذا الحوار الذي يدور بينهما.
وكان واقفًا بغرفة المراقبة وحدق في الشاشة التي أمامه وكانت "نهلة" تأخذ الطفل من هذه المرأة.
أدرك أن هؤلاء النسوة سيقتلُونها قبل أن يدركوا الحقيقة وأنها من أنقذت "يوسف" ولم تخطفه.
سحب "عاصم" من يديه وعادوا ركضًا إلى الغرفة.
اقتربت "حلا" بصدمة منها بخطوات بطيئة تكاد تتكأ بيديها على الحائط من ألم بطنها، حتى عبرت باب الغرفة ووقفت أمام "نهلة" ودموعها لا تجف بعد، حتى بعد عودة "يوسف" سالمًا.
لتقول "نهلة" بحزن من هذا الظلم الذي تعرض له، وخصيصًا أن "حلا" تعتبر صديقتها الوحيدة في هذه العائلة:
-- أنا.
قاطعت حديثها وابتلعت كلماتها قبل أن تدافع عن نفسها أمام "حلا" حينما صفعته "حلا" بقوة على وجهها وعينيها ممتلئتين بالدموع على خسارة ابنها الذي لم تراه حتى الآن.
ثم صرخت بانفعال تكاد تفقد عقلها مما تراه:
-- أنتِ اللى خطفتي ابني، معقول تطلع منك أنتِ، دا جزاء الإحسان اللي عملته معاكي.
اغرورقت عيني "نهلة" بحسرة على ما تسمعه.
وهي حقًا لم ترتكب شيئًا ولم تلمس ابنها من مكانه، وقالت بتلعثم:
-- لا أنا معملتش حاجة.
اقتربت "حلا" منها ربما تقتلها للتو بعد ما رأته وألم خسارة ابنها.
تفتت قلبها الحزين الذي فلق لنصفين بعد ما حدث، ورغم ألم بطنها المفتوحة من ولادتها، لكن صدمة خسارة ابنها وخبر اختطافه جعلتها تتكأ على أقدامها بصعوبة وتتحرك من فراشها.
كادت أن تلطمها مرة أخرى على كذبها، ليستوقفها "مازن" بجدية قائلاً:
-- همليها يا حلا.
أبعد "عاصم" زوجته بلطف عن "نهلة" ليقف "مازن" بالمنتصف.
وعاد "عاصم" للغرفة بزوجته ونظر إلى "يوسف" و"تحية" تحمله بين ذراعيها بسلامة ونائمًا، فقال:
-- أهدئي يا حلا.
لم تتوقف عن البكاء رغم عودة طفلها.
حدقت "فريدة" بزوجها مصدومة مما تراه وكيف تجرأ الآن على الدفاع عنها والصراخ بـ "حلا" لأجلها.
تلألأت دموعها في عينيها وهي ترمقهما من كثب في صمت وقلبها يتألم بل يصرخ وجعًا مما تراه، خصيصًا أن "مازن" بدأ بالحديث معها.
استدار "مازن" إلى "نهلة" الباكية وحدق بها بضيق شديد من ضعف هذه الفتاة ليقول بخنق:
-- لما تكوني مغلطتيش متسكتيش، خدي حقك ولا لسه كل دا متعلمتيش أن سكوتك مهيجعش غيرك.
رفعت رأسها إلى "مازن" بانكسار وحزن فقالت بتلعثم:
-- أنا معملتش حاجة.
أومأ إليها بنعم وأنه يعلم ذلك، ثم قال بجدية:
-- روحي دلوجت، الجعدة أهنا مش زينة ليك.
دلف للغرفة مرة أخرى وأغلق الباب، لكن "نهلة" رغم قسوة "حلا" عليها لم تذهب للمنزل قبل أن تطمئن عليها وتبارك لها على إنجاب طفلها الرضيع.
ظلت جالسة أمام باب الغرفة على المقعد.
ففتح الباب بعد ساعة تقريبًا وخرج "مازن" مع "عاصم" ليُدهش الأثنين عندما رأوا "نهلة" ما زالت هنا.
وقفت قليلًا في صمت تحدق بهما، بينما جاء "قادر" إلى "عاصم" وقال:
-- العربية جاهزة يا جناب البيه.
التف "عاصم" كي يحدثه، لكن استوقفه صوت "نهلة" الرقيقة رغم خوفها من التجرؤ والتحدث إلى هذا الرجل الوحشي الذي لطالما سمعت عن قوته وخوف الجميع منه:
-- ممكن أتكلم مع حلا.
التف إليها بضيق شديد من جملتها ورمقها بعينيه التي تشبه الصقر الجريح وقال:
-- هتقولي ليها إيه، مخطفتش ولدك ولا هتقولي ليها حمد الله على السلامة، الحالتين أسوأ من بعض، روحي يا بنت فايق وافتكري أن سكوتي مش ضعف ولا خوف، أنا لما بسكت بجيب وراء سكاتي دمار.
ابتلعت ريقها بصعوبة خوفًا من نظرته وكلماته التي تحمل التهديد لها، وكأنه صدق بأن ما حدث من فعلتها.
لتقترب منه بتوتر وقالت:
-- أنا معملتهاش وملمستش ولدك من مكانك، دمار!! أنا أصلاً مدمرة ولا حضرتك مواخدش بالك من دا، يعني كده ميتة وكده ميتة هخاف من إيه عشان تهددني، أنا مظلومة ومعملتش حاجة، زي بالظبط ما اتظلمت في موت سارة وأنا ملمستهاش ولا حتى أعرف شكلها إيه، وأديني أه بدفع تمن موت واحدة أنا معرفش شكلها إيه ولا هي مين، كل اللي أعرفه إنها اسمها سارة وبس، ومع ذلك ساكتة.
لو في حد لازم يخاف من سكوته فهو سكوت المظلوم اللي بيتوجع وبيقول كمان عشان المركب تمشي وبس.
انهمرت دموعها على وجنتيها بانهيار مع كل كلمة تتحدث بها وهو صامتًا يحدق بها مستمع لهذا الحديث، وهكذا "مازن" و"قادر".
فتابعت:
-- أنا أتحملت كل الوجع عشان خاطر اللي حواليا ميتاذوش، أتحملت ذل وجبروت مرات عمك عشان أخويا ميتهدلش، حتى لو كان هو السبب بس هعمل إيه، رغم إنه ابتلاء من ربنا، لكن في الآخر بيفضل أخويا، مهتحملش أشوفه مقتول.
لكن وسط كل القسوة دي، حلا الوحيدة اللي طبطبت عليا ومسحت دموعي، معقول لو هأذي حد هتبقى هي.
أحلفك على مصحف إني معملتهاش.
أخذ خطوة أقرب نحوها بعيني كالصقر ويرمقها مباشرة ثم قال:
-- أمال مين اللي عملها؟
التزمت الصمت ولم تجب على سؤاله، ليتأكد مما يدور في عقله وأنها فعلت أخاها حقًا والآن تلتزم الصمت كي تحميه من غضب ونار "عاصم".
أومأ برأسه بجدية وقال:
-- يبقى هو أخوكي مفيش غيره.
أجابته بهلع وتعجل بعد أن تحاشت عينيها النظر لعينيه حتى لا يشعر بكذبها قائلة:
-- متظلمش، أنا معرفش وسكوتي معناه إني محبش أتهم حد زور ولا أظلم حد.
أنا لاقيت الولد على الكرسي في الاستراحة لحاله وفي إيده ورقة باسم حلا وجبته ليها، لكن اللي خده أنا معرفوش.
ضحك "عاصم" بسخرية على ارتباك وتوترها الذي أكد حديثه.
وتذكر كيف شاهدها في الكاميرا تأخذ ابنه من المرأة التي خطفته ولم تجده على المقعد، فقال بسخرية على فشلها في الكذب:
-- وماله، روحها يا جادر.
دفعها من معصمها إليه ليتشبث "قادر" بها بلطف قبل أن تسقط من دفعة "عاصم" القوية وأخذها من يدها بالقوة، معتذرًا منها على لمسها قائلاً:
-- أسف.
أخذها للخارج حتى وصل إلى السيارة في الخارج وفتح لها الباب الخلف لتصعد بالإكراه، ثم جلس في مقعد السائق وأنطلق بها.
كان يقود في صمت ونظر إليها في المرآة ليراها متكئة برأسها للخلف وشبه نائمة، رغم عينيها المفتوحتين وتحدق بالشوارع والمارة وعينيها تذرف الدموع في صمت.
شفق على حالها، ورغم ارتكاب الرجال الأقوياء الجريمة، إلا أن الأنثى الضعيفة هي من تدفع ثمن الجريمة وتتلقى العقاب عوضًا عن هؤلاء الرجال.
تذكر كيف والدها عمدة هذه البلد فر هاربًا أمامه بعد أن أحرق السيارة دون أن يواجهه، لذا ترك ابنته هنا تتعذب كي يتنفس هو وابنه يلقي برجل جبانًا مثله.
دلف "عاصم" للغرفة ليلاً وجلس قرب زوجته يحمل يديها في يديه بلطف.
وكانت "حلا" تبتسم بعفوية وعينيها لا تفارق طفلها، فقالت:
-- أنا بقيت ماما، أنا لا أصدق أني دلوقتي ماما.
ابتسم "عاصم" بعفوية على هذا الحديث ورفع يده يضع خصلات شعرها خلف أذنيها بلطف وقال:
-- أجمل وأحلى ماما.
أومأت إليه بنعم، ثم نظرت إليه وتحاشت النظر إلى "يوسف".
كان مبتسمًا وسعيدًا وفرحته كونه أصبح أبًا تظهر في ملامحه.
رفعت يدها بلطف تلمس وجنته بدلال وقالت:
-- يا الله أنت جميل جدًا وأنت بتضحك، لا تبتسم لأي شخص غيري.
أومأ إليها بنعم.
لتتذكر ما حدث قبل ولادتها وسبب سقوطها، فأبعدت يديها عنه بغضب وتحولت نظراتها من السعادة للضيق الشديد، ثم قالت:
-- اتذكرت يا خائن.
أخذ يدها وهو يقاطع حديثها قبل أن تغضب وتنفعل عليه في المستشفى وقال:
-- طردتها، طردتها والله.
ابتسمت "حلا" بعفوية وبراءة بعد أن حقق لها ما تريده.
وإذا كان الأمر يتعلق بسقوطها، فالنتيجة جيدة لها، قد ولدت طفلها وهما الاثنين بخير.
لتقول:
-- لو كان كده خلاص سامحتك.
ضحك على هذه الفتاة البلهاء التي تخضع وترضي بأقل شيء.
فهي لم تطلب أن ينتقم لما حدث أو يعاقب "غادة" على هذا الأمر، بل قبلت بطردها من العمل فقط.
أعطاها الهاتف بجدية ثم قال:
-- كمان لازم تعتذري لحد تاني يا حلا.
تعجبت من كلمته ونظرت للهاتف، فكان قد جلب لها جزءًا من كاميرات المراقبة وما فعلته "نهلة" وإنقاذ طفلهما.
ورغم ذلك صرخت "حلا" بها واتهمتها زورًا ولم تكفي بذلك، بل صفعته أمام الجميع وألحقت التهمة بها.
أزدردت لعابها بحرج من فعلها ثم نظرت إلى "عاصم" ليشير لها بنعم، فحقًا "نهلة" لم تأخذ طفلهما بل أعادته لهما، ولولا وجودها وما فعلته لكانا خسرا "يوسف" للأبد.
دلف "مفيدة" مع "هيام" وقالت بعفوية:
-- أنا هروح وهجيلك بكرة وهيام هتجعد جارك أهنا؟
تذكرت "حلا" ما تفعله "مفيدة" بـ "نهلة" لتقول:
-- لا رجاءً خليكي أنتِ يا ماما مفيدة.
أومأت لها بنعم وقررت "مفيدة" الجلوس مع "حلا" في المستشفى بناءً على رغبة "حلا" لأجل "نهلة" فقط.
فعلت حتى تستريح "نهلة" قليلًا من قسوة "مفيدة" وإذلالها.
خرجت "فريدة" من غرفة طبيبة النسا والتوليد بوجه قلق وشاحب وتحمل في يدها صورة لأشعة السونار بعد أن أخبرتها الطبيبة بحملها في الشهر الأول.
نظرت مطولًا لهذه الصور ولا تعلم ماذا تفعل.
تحمل في رحمها ثمرة حبها لزوجها رغم كونه يملك زوجة أخرى.
وبعد أن ظهر من العدم ودافع عنها أمام الجميع ومنع "حلا" من الصراخ بها، بدأ القلق يتغلغل بداخلها مما حدث.
فهذا البداية لشيء كارثي قادم لها حتمًا.
الآن بدأ بالدفاع عنها أمام "حلا"، غدًا سيقف أمام والدته لأجلها، وهذه الشفقة ربما تتحول لحب كبير وتخسر هي زواجها وحبيبها لأجل هذه الفتاة التي دخلت حياتهما بسبب الانتقام.
وصلت سيارة "عاصم" على السرايا بعد أسبوع تقريبًا من الحادث بعد تصريح "حلا" بطفلها من المستشفى.
استقبلتها "تحية" و"مفيدة" برحب شديد وجلسوا في غرفة المعيشة.
و"مفيدة" حملت "يوسف" على ذراعيها بعفوية.
وهذا الطفل عكس الجميع الذي يخشون "مفيدة" ويبتعدون عنها، فقد أحبها بشدة وبدأ يضحك لأجلها ويحرك ذراعيه نحو وجهها لتبتسم بعفوية.
ثم قالت:
-- طالع شبهك.
تعقبت "حلا" فنظرت "مفيدة" إليها لتراها تبحث عن أحد بعينيها.
و"عاصم" زوجها دخل المكتب للتو أمامها، فلم تبحث عنه.
لتقول "مفيدة" بضيق وعينيها تحدق بوجه "يوسف" وتحمل يده الصغيرة بين راحة يدها:
-- تلاقيها هنا ولا هنا يا حلا.
-- أنا.
-- لتكوني فاكرني عبيطة يا حلا ولا بتأكل أونطة، اللي بدور عليها هتلاقيها هنا ولا هنا، مش قعدتني جارك في المستشفى عشانها بس مش مشكلة، أنا اللي يهمني صحتك وسلامتك.
قالتها بجدية لتشعر "حلا" بحرج من هذا الحديث.
قاطع حديثهما مجيء "ناجية" بذعر وهي تقول:
-- ألحجي يا ستي.
رفع الجميع أنظارهم لها لتتابع الحديث بذعر وقلق:
-- وفاء مرات العمدة جاية وبتتخانق وياي جادر عشان تدخل تشوف بتها.
لم تتمالك "مفيدة" أعصابها وغضبها بعد ما سمعته لتقف من مكانها وأتجهت للخارج.
فخرجت خلفها "تحية" و"هيام" بذعر ربما يمنعوها عما ستفعله.
رواية اجنبية بقبضة صعيدي الفصل التاسع 9 - بقلم نور زيزو
خرجت مُفيدة للخارج وخلفها تحية وهيام لترى وفاء تتشاجر بالحديث مع قادر ورجاله من أجل رؤية ابنتها.
"والله وليكي عين تيجي أهنا؟ صحيح تجتلوا الجتيل وتمشوا فى جنازته."
تنحنحت وفاء بحرج من ظهور مُفيدة أمامها ثم قالت بأرتباك شديد:
"أنا مجتلتش حد ولا ماشية فى جنازة، أنا جاية أشوف بتي وأطمن عليها ولا تكوني فاكرة حالك أشتريتها بالجوازة المهببة دي."
أومأت مُفيدة لها بنعم بجبروت وقسوة ثم قالت:
"أيووووا أنا أشتريتها ومن اللحظة اللى رجلها دخلت الدار دي فيها جولتلك مهتلمحيش طرفها ولا خيالها إلا وهى خارجة جثة جصادك ودا إذا خبرناكم بموتهم وكنا كرماء وياكم."
أستشاطت وفاء غيظًا من جبرت هذه المرأة وقالت:
"بعد الشر عن بتي إن شاء الله للي يكرهه."
دفعتها مُفيدة من كتفها بغيظ شديد ثم قالت:
"هملينا بجى فى حالنا بدل ما أدخل أموتهالك وأطلعهالك جثة بجد … غورى."
أقتربت تحية من مُفيدة تأخذها للداخل ثم قالت:
"تعالي ويايا وأنت يا مرت العمدة أرجعي دارك وكفاية مهانة أكدة."
أخذتها تحية للداخل وأغلق قادر البوابة. دلفوا للداخل وكانت حلا جالسة محلها مع طفلها الصغير تداعب أنامله. نزعت مُفيدة حجابها ووضعته على الأريكة وتضرب بيدها على فخديها بضيق.
ربتت حلا على ذراعها بلطف لكنها لم تتمالك اعصابها أو تهدأ من روعها لتقول مُفيدة بأختناق وسخط شديد:
"هي فين المصيبة دى؟ أنتِ يا بهيمة… ناجية تعالي شوفي لي الداهية دى فين؟"
صعدت ناجية للأعلي باحثة عنها، بينما رن جرس الباب ودلف قادر بهدوء منحني برأسه للأسفل حتى لا يتطلع بهؤلاء النسوة دون قصد وقال بخفوت:
"عايز جناب البيه."
أومأت تحية له بلطف فأكمل طريقه للمكتب وكان يحمل بيديه صندوقًا. دقائق وخرج ومعه عاصم. ظل ينظر عليه بجدية حتى خرج تمامًا وسار نحو حلا بهدوء وأخذ يديها بلطف قائلًا:
"تعالي عايزك."
وقفت معه بهدوء متكئة على ذراعيه جيدًا ودلفت للمكتب ولم يترك يديها إلا عند المقعد لتجلس عليه بحذر وقال:
"جبتلك اللى طلبته."
نظرت للصندوق بسعادة تغمرها وبسمة أشرقت وجهها الشاحب من التعب ثم أشارت إليه بأن يقترب منها. أنحنى بظهره للأمام حتى يكون فى مستواها لتقول:
"شكرًا يا روحي."
قالتها ثم وضعت قبلة على لحيته بزاوية فمه ليبتسم على طريقة شكرها له ثم قال:
"لك ما تريدين يا حلوتي."
ضحكت على لهجته ثم وقفت قائلة:
"تعالي طلعني وخلي حد يجيب الصندوق دا ويوسف."
ضحك عليها بينما يأخذ يديها فى راحتي يده قائلًا:
"دا انتِ عايزة فريج من الخدم وراكي بجى."
قهقهت ضاحكة على كلماته العفوية حتى وصلوا للدرج فقال:
"أسمحولي يا جماعة."
قالها ثم حمل حلا على ذراعيه فتبسمت تحية وهكذا مُفيدة على هذا الرجل الذي ما زال يخجل من حمل زوجته أمامهم لكن يفعل بسبب مرضها الآن وجرح بطنها.
***
تحدثت هيام فى الهاتف بضيق شديد قائلة:
"أعمل أيه يا جاسمين كل ما أجى أفتح الموضوع تحصل حاجة، كلمت حلا فى الموضوع ولدت أعمل أيه تاني، جوليله يستنى ولا مجادرش بجى يطلعنى من دماغه احسن أنا تعبت."
تنهدت بخنق من حظها التعيس وكلما أقترب الفرح منها سلبه القدر لتسمع جاسمين تقول:
"كل تأخيرة وفيها خير يا هيام لكن متيأسيش أكدة وكله هيتحل وأدهم معندوش أستعداد يخسرك وهيستناكي العمر كله هو بس جالي أنا وتامر أنه متوحشك بس، كلميه مرة يا هيام طمني أنك عايزاه وكلها مسافة وجت بس."
صرخت هيام بسخط شديد بينما تدخل للشرفة غاضبة:
"جولتلك لا، مهكلمهوش ألا لما يكون بينا حاجة رسمي، أنتِ بتحددي أكدة كأنك متعرفيش عوايدنا وتجاليدنا ولا اللى ممكن يعمله عاصم ومازن لو عرفوا حاجة كيف دي."
صمتت جاسمين ولم تعقب وهى خير الناس معرفة بذلك لتتابع هيام بأختناق:
"لو كانت حلا اللى جالت أكدة كنت جولت انها متربية برا الصعيد لكن أنتِ كيف؟"
"صعبان عليا حالكم والله وجلبي متجطع عليكم أنتوا بتحبوا بعض ومحرومين من بعض بسبب الظروف." قالتها جاسمين بنبرة خافتة ممزوجة بالحزن.
***
دلف مُفيدة غاضبة غلى غرفة نهلة وكانت تُصلي جالسة على سجادة الصلاة فتأففت بضيق وخرجت ساخطة وبقلبها نار تأكلها، بل تلتهم قلبها من الداخل بصدرها المُلتهب بلهيب الفقد وفراق ابنتها.
رآها مازن تدخل إلى غرفتها فسار نحوها بلطف ودلف وراءها وقال:
"أمي؟"
أجابته مُفيدة بنبرة خانقة قائلة:
"نعم."
جلس على الأريكة جوارها ثم قال:
"لستك مكملة فى اللى بتعمليه، بس سؤال هل أرتحتي يا امي بتعذيبك ليها؟"
صمتت مُفيدة وخرجت منها تنهيدة قوية فتابع مازن بنبرة اكثر هدوء:
"مرت ارحتيش ويمكن بتتوجعي كل يوم شايفة بنت اللى جتله بتك جصاد لكن جوليلي يا أمي، مش لو كنا خدنا بتأرنا كيف الناس كنتِ هترتاحي أحسن من أكدة، تعذيب واحدة بريئة معملتش حاجة ولا أذيتك فى حاجة مش حل للوجع اللى جواتك."
دمعت عيني مُفيدة وهى تستمع لهذا الحديث حتى تحولت الدموع لفيضان دموعي يذرف على وجنتيها من الحزن وألم الفراق على ابنتها فلذة كبدها ونبضة قلبها الصغير. ضمها مازن إلى صدره لتجهش باكية يؤلمه رؤية والدتها بهذا الحزن والغضب الذي تخرجه على هذه الفتاة لم يخفف من حزنها وألمها، بل يزيدهما أكثر بأضعاف.
ربت على ظهر والده بحنان ثم قال بخفوت:
"أهدئي يا أمى والله لو أمرتي لأجتلك مصطفى وأجبلك رأسه تحت رجلك، أنتِ بس شاوري…."
***
"حبلة!! مبارك يا حبيبتي ربنا يجومك بالسلامة، وغلاوتك عندي لأكل الدار كلتها لحمها ولما تجومي بالسلامة هأكل البلدة كلتها."
قالتها تحية بحماس شديد وفرحة تغمرها لتقول فريدة بوجه عابس وحزين:
"لا يا ماما، لو بتحبنى وليا غلاوة عندك صح متجوليش لحد واصل دلوجت."
لم تفهم تحية سبب حديث أبنتها وإخفائها خبر كهذا على الجميع وزوجها. جلست جوارها مُتعجبة ثم قالت بتساؤل يفتك بعقلها:
"ليه يا فريدة، حد يا بتى يخبي فرحته بحاجة كيف دى، هو الحبل بيدار يا بتى؟"
أومأت فريدة لها بوجه عابس يحتله الغضب والحزن وقالت:
"بيدار يا ماما، هيدار وغلاوتي عندك يا ماما ما تجولي لحد."
هزت تحية رأسها بنعم رغم حيرتها وعدم تقبلها للأمر فقالت:
"حاضر يا بتى وأمري لله."
***
تبسمت حلا بعفوية وهى تراقب ناحية التى تغير الملابس لأطفالها من أجل الأستحمام ثم بدات فى تحميمه ليصرخ من لمس الماء لجسده فضحكت ببراءة وقالت:
"براحة عليه يا دادى ناجية."
تبسمت ناجية بلطف بينما تحمل الطفل على كف يدها وبالأخرى تحممه، بسمتها كانت على براءة هذه الطفلة التى أصبحت أم من أيام قليلة وتبتسم ضاحكة على كل فعل أو صوت يُصدر من يوسف رضيعها. قالت بنبرة ناعمة:
"متخافيش عليه."
صرخ يوسف باكيًا لتتذمر حلا مع صراخه وقالت:
"خلى بالك لأحسن المياه تدخل في عينيه."
أنهت ناجية ما تفعله ووضعت الطفل فى روب الاستحمام الصغير ثم وضعته على الفراش فتبسمت حلا وأستمتعت بمداعبة أنامله الصغيرة بأصابعها ثم بدأت تساعده فى أرتداء ملابسه حتى وقفت ناجية تراقبها جيدًا من بعيدة ثم قالت:
"على مهلك ومتخافيش."
تبسمت حلا فور نجاحها فى فعلتها لتبتسم ناجية ثم غادرت الغرفة وقالت:
"هعمله اللبن."
حملته حلا على ذراعيها تضمه إلى صدرها بدلال حتى يشعر بوالدته ويستمع لصوت دقات قلبها وأنفاسها وهى أيَا بالمثل تستنشق عبيره الدافئ الطفولي كأن عبيره ورائحته تحمل معها برائته ونعومته. أغمض عينيه مُستسلمًا للنوم بين ذراعيه والدته التى كانت تندهش لكل فعل أو صوت منه. حركت يديه كانت تجن بعقلها وتكاد تطير به.
دلف عاصم للغرفة وفى يده اللبن الخاص بطفله لكنه وجد زوجته المُدللة جالسة على الفراش ومتكئة بظهرها للخلف وتحمل طفلها على ذراعيها وهم الأثنين غارقين فى نومها العميق. وضع اللبن جانبًا وأقترب من زوجته بعد أن ترك النبوة من يده وعباءته المفتوحة. كان يوسف يضع إبهامه فى فمه ويده الأخري مُغلقة على إبهام والدته.
أخذه بلطف من بين ذراعيها ووضعه بفراشه الصغير قرب فراش أمه ثم أقترب من زوجته النائمة كالأميرة وساعدها على التمدد جيدًا حتى تنام بأريحية. وضع الغطاء عليها فتمتمت بصوت نائم وعيني مغلقتين:
"عاصم."
تبسم بلطف ثم جلس على الفراش جوارها ومسح على رأسها بدلال وهتف إليها بخفوت:
"عيوني."
ألتفت إليه ببراءة لتضع رأسها على قدمه ولا زالت مغمضة العينين ثم قالت:
"أتاخرت ليه؟"
تبسم بعفوية على زوجته التى تفقدته طول اليوم بسبب غيابه بالخارج ثم قال:
"كنا عندي شغل كتير فى المكتب."
"أتعشيت؟"
هز رأسه بنعم وبيده الأخري ينزع عمامته عن رأسه، يقول بلطف:
"اه."
فتحت عينيها بأستغراب وغيرة بدأت تنشب داخل عقلها وسألت:
"مع مين وفين؟"
ضحك بينما يقرص وجنتها بدلال ثم قال:
"فى المكتب مع مازن والمهندسين كلتهم رجالة."
قال كلمته الاخيرة بعد أن راي نظرة الغيرة فى عيني زوجته وليس هذا فقط، بل فتح عيونها وأنتفاضها من فوق قدميه دليل واضح على غيرتها وأفكارها الخبيثة. عادت للنوم مرة أخري ثم قالت:
"أوكي، صح كنت عايزة أتكلم معاك فى موضوع."
نظر عاصم لها بأهتمام لسماع ما تريده. أعتدلت فى جلستها بلطف من جرح بطنها ثم نظرت إليه بقلق من رد فعله:
"بصراحة هو بخصوص هيام."
نظر عاصم إليها بهدوء بعد أن علم ما تقصده تمامًا وقال:
"الجواز مش اكدة."
"حاول تتكلم مع مازن، هو الوحيد اللى بيقدر يفتح الموضوع مع ماما مُفيدة، حتى أنا بستحي أتكلم معها فى دا وهي لسه حزينة على موت بنتها على الرغم من أن مر شهور والله يكون فى عون هى بتكون أم، بس هيام مش عايزة خطبة كبيرة وعزايم وضيوف هي مُكتفية حتى بقراءة فاتحة وتأجل الخطبة والشبكة لأى وقت تحدده حتى لو بعد سنة."
قالتها بجدية، رفع عاصم حاجبه الأعلى بمكر وقد قرأ شيء فى عيني هذه المرأة زوجته وهو خير الناس معرفة بها وبأفكارها. أزدرد لعابها بتوتر من نظرته فسأل ليربكها اكثر:
"هو اتحدد وياها؟"
هزت رأسها يمينًا ويسارًا بسرعة تنفي هذا السؤال تمامًا وهتفت بتعجل ولسانها يسارع رأسها وحركتها قائلة:
"لا والله وحياة ابنى يا عاصم ما عملها، هيام أصلًا ما بتعملها، بصراحة عشان ما اكون بخبي عليك هو أقترح الفكرة عليها لكن هيام رفضت وقالت أنها مستحيل تخون ثقة أهلها وأخوها وأنت فيها، قالت أنكم ربتوها زين ولا تربيتها ولا أخلاقها تسمح أنها تعمل من وراكم حاجة، عشان كدة أنا حابة أنك تأخد خطوة فى الموضوع وزى ما هي أحترمت وجودكم وثقتكم رجاءًا أنتوا أحترموا قلبها ومشاعرها ولا تقسوا عليها بالفراق أكتر من كدة ما دام عندكم المبادى للموافقة على أدهم."
ظل صامتًا يرمق زوجته بنظراته الحادة فأبتلعت لعابها خوفًا من رد فعله وصراحتها الأكثر من اللزوم ثم قالت بخفوت:
"طبعًا الرأى الاخير ليكم، لكن عاصم…."
نظر بأهتمام لها بعد أن تفوهت باسمه لتقترب قليلًا منه ثم رفعت يدها تلمس لحيته بدلال ونظرت بعينيه مباشرة نظرة عشق هائمة بمشاعر هذا الرجل التى تغمرها من الداخل ثم تابعت بنبرة دافئة وناعمة:
"أنت كمان بتحب وعاشق، عارف تمامًا يعنى أي قلب يحب ويشتاق، أنا عاشقاك وما في أتحمل يوم بدونك ما بالك بقلب هيام اللى أتحمل شهور من غير ما تسمع صوته أو تشوفه حتى من بعيد، صدقنى العاشق ما بيتحمل…. قولي طيب أنت فيك تتحمل شهر واحد بدوني؟"
مسك وجهها بيديه الأثنين بين راحتيه وتطلع بعينيها الخضراء الجميلتين ثم همس إليها بنبرة دافئة تحمل جزءًا مما بداخله لها:
"مستحيل ساعة واحدة أتحملها من غيرك مش تجوليلي شهر."
تبسمت بحماس وانتصار كأنها وصلت لمرادها من هذا الحديث وسألت بعفوية:
"هتأخد خطوة؟"
"جريب بس جولي إن شاء الله، لكن دلوجت تنامي وترتاحي زين عشان الدكتورة هتعدي عليكي الصبح بدري تشوف الجرح."قالها بلطف ثم ساعدها فى التمدد على الفراش ووضع قبلة على جبينها بحب ثم ضحك بعفوية على مكر هذه الفتاة الضئيلة كحجم عقلة الأصبع برأس صغير خبيث تصل لمرادها منه بكل مكر مُستغلة عشقه لها وهو مرحبًا بهذا المكر بكل رحب. دلف للمرحاض وتركها تغوص فى نومها العميق.
***
دق باب غرفة نهلة ودلفت حلا تحمل الصندوق على ذراعيها. وقفت نهلة من مكانها بفزع عندما رأت حلا أمامها فقالت بخفوت:
"أعملك حاجة؟"
وضعت حلا الصندوق على أقرب طاولة لها ثم وقفت أمام نهلة وقالت:
"بصراحة أنا جاية عشان اقولك أنى أسفة على اللى حصل فى المستشفي، عارفة أن القلم إهانة كبيرة ليكي وما يتغفر بكلمة أسفة، عشان كدة جبتلك هدية اتمنى تمحي الزعل ولو جزء منه، أنا عارفة أني ظلمتك بس وقتها أنا مكنتش فى وعي حاولى تحطي نفسك مكاني أنا واحدة لسه والدة ويتقالي أبنك اتخطف من قبل حتى ما المسه او أشوفه، الصدمة كانت كبيرة."
"ربنا ما يوريكي فيه حاجة وحشة أبدًا." قالتها نهلة بنبرة خافتة ثم تابعت بحزن شديد:
"لو على الجلم مهيجش حاجة جصاد اللى انا عايشة فيه أهنا."
أقتربت حلا منها ثم وضعت سبابتها أسفل رأس نهلة ترفعها للأعلي كي تتقابل أعينهما ثم تبسمت لأجلها ومن أجل بث الطمأنينة بداخلها وقالت:
"ما تقلقي، أنا هحل الموضوع دا وما حد ابدًا بيقدر يأذيكي ولا حتى ماما مُفيدة."
تبسمت نهلة لها بأنكسار لتقول حلا بلطف:
"ما هتشوفي هديتي."
فتحت نهلة الصندوق وكان بداخله كتب الجامعة الخاصة بـ نهلة. فنظرت إلى حلا لتربت على يدها ثم قالت بجدية:
"تقدري تروحي على الجامعة، أنا طبعًا عارفة أن ماما مُفيدة ما هتقبل بحاجة زي دى بس أنا معاكي ولا تخافي وأتذكري أنا بكون زوجة عاصم الشرقاوي، اه ما هتسمح لك تطلعي بس فيكي تربي امورك فى الجامعة وتكتفي بالأيام اللى هتروحيها معايا، ممكن تتفقي مع حد من اصدقائك تأخدي منه المحاضرات اللى هتغيبيها أو تذكري أكتر هنا بس الأهم ان ما تفوت عليكي السنة، أتفقنا."
تبسمت نهلة بحماس شديد وعانقت حلا بحب وامتنان شديد لتقول:
"أنتِ أحلى أخت وصاحبة فى الدنيا."
أبتسمت حلا أكثر وربتت على ظهرها ثم قالت:
"بتمنى ما تكوني زعلانة منى ولا على اللى بدر مني."
نظرت نهلة لها بامتنان شديد ثم قالت:
"معجول ترجعيلي حياتى وكليتى ودراستى وأكون زعلانة منك، مستحيل والله مفيش أى زعل جوايا منك."
خرجت حلا من الغرفة ثم أتجهت إلى غرفة هيام. دلفت للداخل دون أذن لتراها جلسة فى الشرفة مع جاسمين التى جاءت لزيارة صديقتها فتسللت إليهم حتى سمعت صوت بكاء هيام فأسرعت للداخل تقول:
"أيه دا مالك؟"
"مفيش." قالتها هيام بحرج وأدارت رأسها للجهة الأخرى حتى تجفف دموعها وتخفيها عن أختها الصغيرة لتبتسم حلا عندما جلست بجوارها على المقعد ولفت ذراعيها حول عنقها وقالت:
"بتخبي يا صغنن ما تستاهلي الخبر اللى عندي."
نظرت هيام لها بفضول وبيديها تجفف دموعها فقالت:
"مفيش."
سألتها هيام بفضول شديد قائلة:
"جولي بجى."
"أنا كلمت عاصم من فترة على موضوعك والنهاردة أتصل عليا وقالي أنه هكلم مازن." قالتها حلا بغرور وتكبر مُصطنع بينما قفزت هيام من مقعدها فرحًا وعانقت حلا لتنفجر ضاحكة عليها ثم قالت:
"ما معقول جن جنونك بس جبت سيرته بس حتى تعرفي أن ما إليك غيرى."
"طبعًا." قالتها هيام ثم بدأت بتقبيل أختها فرحًا وتمتم بسعادة:
"أنتِ أحسن أخت فى الدنيا كلتها والله."
أتاهما صوت مازن من الغرفة يقول بأنفعال شديد:
"مش لما تكون أختك بجد."
نظر الجميع له باندهاش شديد وخرجوا من الشرفة بينما هيام تتعجب لكلماته وسألت باستغراب:
"جصدك أيه يا مازن، أيه اللى بتجوله دا."
"تطلعت حلا به بصدمة ألجمتها لقذف مازن التحليل فى وجهها لتغمض عينيها بحزن من معرفته لهذه الحقيقة وقالت بتلعثم وعيني دامعة:
"مازن أنا كنت هقولك بس…."
"بس أيه، أجولك أنا مجولتيش ليه جولتي أستنى لحد ما أتم الواحد وعشرين وأخد الورث منهم وأهج منهم كيف ما جيت، كنتِ عايزة تكملي خطتك وأحتيالك تمامًا كيف اللى ربتك." قالها بجدية وقسوة لتتدمع عينيها من أفكار أخاها عنها، مُنذ دخولها لهذا المنزل وهى تراه أخ لها وسند حتى بعد معرفتها للحقيقة ظلت تراه أخ وسند تشتكي له زوجها وتتحامي به.
ذرفت الدموع من عينيها بينما مسكت هيام ذراعها بقوة وقالت:
"اللى بيجولوا دا صح، أنتِ جاي هنا عشان الفلوس والورث مش أختي."
هزت حلا رأسها بلا بحزن شديد. تحدث مازن بغضب سافر وقال:
"دا بعينيها وعلى جثتي أنها تطول جنيه واحد من مالي وتعبي، لا دا على جثتي تفضل فى البيت دا لحظة تانية وي أهلي وناسي النصابة دى…."
أخذها من ذراعها بالقوة وخرج من الغرفة وترجل الدرج بها بينما هيام تصرخ باسمع وتترجاه أن يتركها. وصل للأسفل وظهر أفراد العائلة واحد تلو الأخر على صوت صراخ حلا التى تتألم من قبضته وصراخ هيام التى تترجاه أن يتوقف. فتح باب السرايا دون أن يعري أهتمام لزوجها الغائب أو طفلها التى يصرخ بيدي ناجية وتوقف عن الطعام. دفعها للخارج بغضب سافر.
رواية اجنبية بقبضة صعيدي الفصل العاشر 10 - بقلم نور زيزو
دفعها للخارج بغضب سافر دون أن يهتم لصراخ النساء فى الخلف لتسقط “حلا” أرضًا على الأدراج.
باللحظة التى وصلت سيارة “عاصم” وترجل من السيارة بصدمة ألجمته وعينيه مُتسعة على مصراعيها مما يراه.
حدق “مازن” بـ “عاصم” الذي ظهر للتو من العدم ليتذكر للحظة ما تناساه وإنها ليست أخت له فقط بهذا المنزل بل زوجة لهذا الرجل الوحشي.
أقترب “عاصم” مُسرعًا من زوجته الجالسة على الأرض وتبكي بأرتجاف.
نزع عباءته الرمادية اللون الموضوعة على أكتافه ثم وضعها على أكتافها العارية بسبب ملابسها وبيجامتها القصيرة عبارة عن بنطلون قصير يصل لأسفل ركبتيها وتي شيرت بكم واحد وكتفها الأخر عاري.
رفع نظره إلى “مازن” ولم يستمع لما بجعبته بل لكمه بقوة على وجهها وأقترب مرة أخرى كي يلكمه، لكن توقفت “حلا” بالمنتصف وقالت بنبرة خافتة وسط دموعها:
--ما تعملها، عاصم لو سمحت لا تعلمها كفاية.
صرخ بها مُنفعلًا بعد أن ساره فى داخل المنزل قائلًا:
--وهو مجالش كفاية لي وهو بيرمي مرتي برا داري، لا يا حلا.
أبعدها عن طريقه لتتشبث بيه بذراعيها وهى تحيط خصره ثم قالت:
--رجاءًا يا عاصم، هو عنده عذره خلينا نتكلم ومستحيل أسمح لك تأذيه، مازن بيكون أخي وأنت عارف دا كويس.
نظر “مازن” لها بحيرة من امرها والآن تدافع عنه وما زالت تصر على كونه أخاها حتى بعد طرده لها، لكن قاطعها “عاصم” يقول:
--لا مفيش كلام لازم يرتبي على اللي عمله.
قالها بأنفعال ويحاول فك يديها عن خصره بضيق.
تحدث “مازن” بانفعال شديد غاضبًا من هذه الحقيقة التى سقطت عليه كدلو من الماء الباردة الذى سقط على رأسه:
--أتربي على أيه؟ واللي عملته هى أيه، نصابة ومحتالة دخلت بيتنا ووسطنا عشان الفلوس، الفلوس اللى هتورثها مننا ولو دا هدفك يبجي على جثتي أنك تأخذي مني مليم واحد، لا أنتِ اللى زيك لازم يتسلم للمركز.
تأفف “عاصم” بأختناق سافر ولا يتحمل ما يسمعه والهراء الذي يتفوه به هذا الرجل، ثم قال:
--خد بالك من كلامك عنها يا مازن، لأن كيف ما جولت وعرفت هي متبجاش خيتك يعنى الصفة الوحيدة اللى ليها أنها مرتي وأنا اللى يغلط فى مرتي أدفنه حي بعد ما أجطع لسانه، ورث هتورث منكم أيه وكام، ما تفتح عجلك يا باشمهندس أبوك كان معاه كام بعد الجمار والسفر والنسوان عشان يورثه لأربعة من عياله ومرته، لو شايف أنها جاعدة هنا عشان الورث تبجي غبي لأن اللى هتورثه معاكم مجرد ملاليم من اللى ممكن تورث وهى مرت عاصم الشرقاوي وأم ولده، أنت أكتر واحد خابر دا زين.
كانت تستمع “حلا” للحديث والشجار بينهم وأحدهم يتوعد بالأنتقام ودفن الاخر حيًا والأخر لا ينوي على أنهاء الشجار من صدمته.
لكمه “عاصم” مرة أخرى بعد أن وصل له بيديه ليسقط “مازن” أرضًا وتنزف أنفه وبدأ “عاصم” يلكمه مرات متتالية ورد “مازن” له لكمة، والجميع يشاهدون فقط دون تدخل بين هذان الذئبان.
لتستسلم للأمر الواقع وتقفد الوعي فألتف “عاصم” بعد أن سمع صوت أرتطام جسدها بالأرض وصرخ الجميع.
ليحملها على ذراعيه بسرعة ولهفة خوف من أن يكون أصابها شيء، صعد للغرفة، وضعها بالفراش وحاول إيقاظها بقلق شديد لتفتح عينيها بسرعة فقال بأغتياظ:
--حلا.
--ما كان عندي حل تاني وأنتوا ماسكين فى بعض بسببي.
قالتها بعد أن جلست أمامه فصرخ بها بسخط شديد بعد أن تحول قلقه إلى غضب:
--تخضينى عليكي.
ترجل من الفراش غاضبًا بعد أن كذبت بشأن مرضها، ترجلت خلفه بضيق شديد وتتحدث بجدية:
--عاصم لو سمحت، أنا مستحيل أسمح لك تأذيه وأنت ضربته كفاية، مازن بكون أخي حتى لو هو رفض دا لكن بالنسبة ليا ومن ساعة ما دخلت البيت دا وهو أخي وهيام بتفضل أختي، حتى ان ماما مُفيدة قبلت فيا وأعتبرتني بنتها بجدية وبتعاملنى كأنها أمي، حاول تتمالك غضبك للحظة وفكر فيا أنا.
ألتف لها بضيق وبداخله بركان من الغضب بعد أن رأها على الأرض بالخارج ثم قال:
--وهو مفكرش ليه فيا وفيكي لما طردك من داري ومعملش حسب لأى حاجة خالص.
أستدار كي يخرج من الغرفة لكنها كانت أسرع منه بجسدها الذي بخف الفراشة ووقفت أمام الباب تمنعه من الخروج ثم قالت بحزن شديد وعينيها تبكى دموعًا تذرف على وجنتيها الحمراء وترتعش شفتيها مع حديثها:
--عاصم أسمعني قبل ما تخرج، أنا مسامحاه وما زعلانة منه ما تكبر الموضوع أكتر كفاية أنه مصدوم دلوقت بالحقيقة اللى عرفها تخيل كام مرة قبلني وكام ضمني على أنى أخته ودلوقت أكتشف أنى ما أخته.
أقترب “عاصم” بغيرة شديدة تأكل قلبه كأن عقله المُشتعل كان ينقصه الغيرة بهذه اللحظة وقال بنبرة مُخيفة:
--جلبك وضمتك!! يااااااا إياكِ يلمسك مرة تاني ولا حتى تسلمي عليه بالأيد فاهمة وكمان متطلعيش من أوضتك بالخلجات دى مرة تانية، دلوجت بجى فى غريب فى البيت فاهمة ولا لا.
أومأت إليه بنعم بخوف شديد بعد أن أزدردت لعابها رعبًا منه ونظرات عينيه التى تكاد تقتلها للتو ثم قالت:
--اه أكيد، لا تخاف ممكن نكتفي بقبلة الصباح قبل الجامعة وضمة واحدة لما يرجع من شغله.
كز “عاصم” على أسنانه بغضب سافر، سمعت صرير أسنانه من محلها وضرب الباب الذي تقف أمامه بقبضته ليحاصرها به لتقول بتلعثم شديد مرتجفة من رؤيته كالجمر المُتلهب وعينيه تلتهب من شرارة الغضب الممزوج بالغيرة:
--قصدي يعنى أنا مثل هيام بيضمها وبيقبلها حتى ماما مُفيدة أنا حابة القبلات دى بتحسسنى أنه أخي بجد وحنين.
--حلا.
قالها بنفاد صبر من هذه الفتاة التى تغار من أي شيء حولها فقالت:
--حاضر حاضر، ما هسمحه يقلبنى ولا يضمنى أساسًا من دلوقت مازن ما هعمل كدة نهائيًا لأنه ما بعتبرني أخت له.
بعثر غرتها بلطف رغم غضبه ثم وضع قبلة على جبينها وضمها إليه بحنان، أخذ نفس عميق وتنهيدة قوية يهدأ من روعه ثم قال بهمس:
--أنا هضمك وهبوسلك رأسك وأيدك كمان بيرضيك كدة.
أومأت إليه بنعم ببسمة تنير وجهها ورفعت ذراعيها تلفهما حول خصره بلطف شديد وإمتنان لوجوده ثم قالت:
--بيرضينى ويكفينى كمان حبيبي.
--ولأجل عيونك ودموعك الغالية علي يا حلا مهجتلهوش كفاية عليه اللى خده وأنه خسر أخت بتحبه كيفك أكدة وأنا واثج أنه مهيلاجيش أخت كيفك فى عمره كله.
قالها بحزن شديد وضيق يقتله من الداخل بسبب تنازله عن أخذ حق زوجته التى تهانت أمام الجميع.
***
سارت “فريدة” فى الحديقة نحو “مازن” الجالس هناك وحده بعد ما حدث صباحًا ولم يُحدث أحد.
جلست جواره فى صمت ليسأل “مازن” بضيق:
--عندك كلمتين جاي تجوليلهم أنتِ كمان.
نظرت “فريدة” له بحزن شديد ثم قالت:
--ليه مُصر تخسر كل اللى بيحبوك يا مازن، بالأول أنا خسرتني وجت ما وافجت على كلام أمك وأتجوزت ولا مأوخدش بالك أننابعاد بعاد جوي يا مازن، جبل الخطوبة والجواز كنا جريبين عن كدة، جولت معلش فترة وهتعدي ومبتعديش.
ودلوجت بتخسر حلا خيتك اللى من يوم ما دخلت البيت دا وهي بتعتبرك أخوها وسندها، العيلة الصغيرة اللى بتستناك ترجع من الشغل عشان تأخدها فى حضنك كيف هيام وتأخد شيكولاتها منك.
قال بضيق شديد وكأنه لا يستمع لحديث “فريدة” بل يستمع لصوت عقله الخبيث وأفكاره الشيطانية السيئة فقط:
--بتمثل وتكدب علينا على ما توصل لسن الجانوني اللى تأخد فيه الورث وتهرب.
ضحكت بسخرية عليه مما تسمعه من حديث وهو لا يستمع نهائيًا لها بل ما زال مُصر على ما بداخله.
نظرت لضحكاتها بضيق أكثر فقالت بتهكم ونبرة هادئة:
--ورث أيه اللى بتتكلم عنه، حلا من يوم ما حطت رجلها فى البلد دى وأنت بنفسك جررت تجوزها عاصم فى خلال أيام معدودة ومن يومها وهى مسئولة منه وهو لوحده اللى بيصرف عليها ولا خدت منك جنيه ولا سألتك عن ورث ولا ليها كام أو أيه حتى؟، أنا مفتكرش حتى انك دخلت عليها بهدية او حاجة دهب تخليك تجول أنها طماعة وعايزة فلوس ومحتالة.
نظر للأمام بهدوء مُستفز ثم قال بجدية:
--بكرة تشوفي لما توصل للواحد وعشرين هتطالب بالورث.
ولا لم تتمالك غضبها أكثر من هذا الرجل ولا تعلم ماذا حدث لحبيبها ورجلها الذي أخترته وصرخت “فريدة” بأختناق سافر قائلة:
--أنت بتكدب الكدابة وتصدجها، كيف ما كدبت على حالك لما جولت أن جوازك من نهلة مهيبعدناش وأدينا أهو بعاد يا مازن وكل واحد ميعرفش حاجة عن التاني، فوج لحالك بجى أنت بتخسر كل اللى بتحبهم وحتى هيام سرجت فرحتها النهاردة بعمايلك دى ومن ساعتها بتبكي فى أوضتها بسبب أخوها اللى مبيفكرش جبل ما يعمل حاجة وتصرف.
وقفت لكي تغادر من امامه حزينة على ما وصلت له من أمره لترى “نهلة” تقف أمامه بعد أن سمعت جزءًا من حديثهم وقالت بحزن:
--أنا مجصدتش أتصنت عليكم.
تجاهلت “فريدة” ودلفت للداخل بحزن شديد ودموع قد تساقطت على وجنتيها من الحزن والألم الذي أصبحت تعيش معه ويحتلها من الداخل.
***
خرجت “هيام” من غرفتها فجرًا على صوت بكاء “يوسف” ورأت “ناجية” تحمله على ذراعيها وتطعمه اللبن لكنه لا يكف عن البكاء.
أقتربت “هيام” منها وقالت:
--ماله.
--متشغليش بالك يا بنتى، كل العيال الصغيرة أكدة تبكي هبابة وهنامقالتها “ناجية” بلطف ثم قالت بحب:
--أدخلي نام وأرتاحي أنتِ.
جلست “هيام” معها حتى شروق الشمس بصحبة “يوسف” هذا الأمير الصغير المُدلل الذي جاء لعالمهم ومنزلهم.
فتح باب الغرفة وخرج “عاصم” صباحًا مُتجهًا إلي العمل ورأي “ناجية” نائمة على الأريكة و”هيام” تحمل طفله وتسير به فى الرواق ذهابًاً وإيابًا.
سار “عاصم” نحوها وقال:
--تعبك يا هيام، كنت صحي حلا أو رني عليها التليفون تطلعلك.
ألتفت “هيام” له بحرج شديد فهى أكثر شخص يتجنب الحديث مع هذا الرجل فقالت بأرتباك سافر:
--لا مفيش حاجة، أصل هو نام.
أومأ إليها بنعم ثم ترجل للأسفل وذهب إلى عمله.
***
أستعدت “نهلة” للذهاب إلى الجامعة بأول يوم دراسي فى العام الجديد.
أرتدت فستان أصفر اللون ولفت حجابها الأسود وحملت الحقيبة السوداء لتخرج من الغرفة واتجهت إلى غرفة “حلا”.
طرقت الباب بتوتر وخوف من معرفة مُفيدة” لعودتها إلى الجامعة وهل ستقبل بهذا القرار أم لا.
فتح “حلا” الباب ببسمة عفوية رسمت على وجهها فور رؤيتها لـ “نهلة” وقالت:
--ووااوو ايه الحلاوة؟ يلا أنا جاهزة.
خرجوا الأثنين معًا وكانت “حلا” ترتدي بنطلون جينز وتي شيرت أبيض اللون وعليه قميص أسود مفتوح وتصفف شعرها على ظهرها بحرية.
ترجل الأثنين معًا و”حلا” تنادي “ناجية” قائلة:
--دادى ناجية.. دادى ناجية.
رفعت “مُفيدة” نظرها إلى “حلا” وتحمل فى يدها فنجان القهوة ودُهشت من “نهلة” التى تستعد للخروج فقالت بضيق:
--حلا.
جاءت “ناجية” من الداخل بينما نظرت “حلا” إلى “مُفيدة” وقد أدركت من ملامحها العابسة سبب تُحدثها إليها فقالت بخفوت:
--أنا هروح الجامعة يا دادي، يوسف نايم فوج خلي بالك منه.
أومأت “ناجية” لها بلطف ثم سارت “حلا” إلى “مُفيدة” وقالت بهدوء:
--نعم.
وضعت “مفيدة” فنجان قهوتها على الطاولة ثم وقفت بضيق وقالت وعينيها تكاد تحرق “نهلة” بشرارتها:
--عرفت أنك رايحة الجامعة لكن البهيمة دا رايحة على فين.
تنحنحت “حلا” بهدوء شديد ثم قالت بحرج:
--رايحة معايا الجامعة، عاصم قالها تروح معايا.
--عاصم بتاعك دا كان رافض جوازها من ولدي ودلوجت بجي بيديها أوامر والله عالي لما يجي انا هشوف الموضوع دا.
قالتها “مُفيدة” بضيق شديد على عكس “حلا” التى تبسمت بلطف وقالت بدلا:
--انا مش هتأخر ممكن يوسف يقعد معاكي لما يصحى.
تأفف “مُفيدة” بتذمر ورغم غضبها قالت بأختناق:
--هتوصينى على حفيدي أياك، روحي وخلي بالك من حالك.
ضحكت “حلا” بلطف على هذه المرأة التى تحمل بداخلها قسوة وحنان فى آن واحد.
خرجوا معًا، صعدوا للسيارة الخاصة بـ حلا وعندما وصلوا للجامعة قالت بجدية:
--أنا مش هدخل معاكي دلوقت بصراحة عندي مشوار أهم بس هخلص علي طول وهجيلك.
أومأت “نهلة” لها بلطف ثم ترجلت من السيارة لتقول “حلا” بجدية:
--ودينى الشركة لعاصم يا عم حمدي لو سمحت.
أخذها إلى الشركة وصعدت بالدرج بدلًا عن المصعد ثم أتجهت إلى مكتب “مازن” لتراه واقفًا مع المُهندسين زملائه وفور رؤيتها أنهي الأجتماع بضيق شديد وعاد للجلوس على مكتبه.
تنحنحت بحرج ثم قالت:
--أنا جيتلك هنا لأني ما عارفة ألاقيك فى البيت.
لم يجيب عليها فأقتربت بخطوات ثابتة نحوه ثم جلست على المقعد الأمامي للمكتب وحدقت به ثم قالت مُتابعة:
--أنا ما زعلانة منك، أنا كمان لما عرفت زعلت وكنت عايزة أموت من الجوع اللي جوايا، تخيل الست اللى فضلت عمري كله عايشة معها ومتحملة كل قسوتها وجبروتها عليا لأنها أمى ما بتكون أمي لا ويا ريت كانت واحدة لاقيتنى وعطفت عليا كنت شفعت لها اللى عملته فيا مقابلة أنها ربتنى لكن تخيل بقى تطلع هى نفسها اللى خطفتني من أمى.
أشعل “مازن” سيجارته بإختناق شديد لا يتحمل وجودها أمامه وكلما سمع صوتها زاد غضبه:
--أنا ميخصنيش حياتك ولا معاناتك لأن بالنسبة انا مستحيل أصدج كلمة واحدة منك لأنى مبثجش فيكي يا حلا، دا إذا كان أسمك حلا.
دمعت عينيها بحسرة وألم لما الت الأمور إليه مع أخاها فتابعت حديثها قائلة:
--تخيل تعيش مع واحدة تقعد تبيع فيك عشان بس تجيبلها فلوس، مجرد سلعة للبيع بمقابل، اه ما هنكر أن لما بعتتني لهنا بكذبة جديدة كان هدفها والورث اللى أنا ما بعرف هو كام ولا يستاهل انى أتبع ليكم كسلعة ولا ما يستاهل، من وقت ما دخلت بيتكم وأنا شوفت أخ لي وسارة الله يرحمها كانت أخت لي وهيام كلكم أخواتي وحبتكم لأنكم أخواتي أو مرة اتخانقت مع عاصم جيتلك أشتكيلك منه وقولتلك خليه يطلقنى، لأنك أقوى من عاصم مثلا لا بس لأنك أخي وسندي ورجلي بعد أبي، عشيت عمر مع أبوك عمران على أنه أبي فكل مرة كانت جوليا بتضربني او تحبسبنى وأنا صغيرة كان بيطبطب عليا ويحبنى لأنه فاهم أنى بنته، عاش ومات وأنا بنته يا مازن كيف سارة ماتت وأنا اختها، حتى ماما مُفيدة أكتر شخص كان بيكرهني قبلتنى وخليتنى بنتها وبقيت تتخانق وتدافع عني ولو حد قرب مني ممكن تأكله بسنانها وأنا واثقة من دا، معقول أنت ما بتقبلنى أخت ليك، طب أيه الأذي اللى عملته حتى تكرهني كدة.
كاد أن يتحدث لتقاطعه بحدة صارمة مُتابعة حديثها وسط بكائها:
--احتيال ونصاب، مستحيل أنا بحياتي كلها ما أهتمت بالمال وألا كنت قبلت بحياة جوليا وروحت لكل رجل ليلة واحدة وبقيت غنية بس أنا كل اللى اهتمت فيه عائلة تحبنى وتحمينى، يكون لي أم زى مُفيدة وأخ وأب زيك وأخوات زى هيام وسارة وزوج كيف عاصم، معقول أمنيتى مستحيلة، أنا كل اللى طالبة منك تجبلي حاجة حلوى وأنت راجع من شغلك زى ما كنت بتعمل، تمسح على رأسي وتضمني بس والله ما عايزة منك أكتر يا مازن ولا مال، أتصل بالمحامي أو البنك أى حد كان وأنا أتنازلك عن الورث من غير حتى ما أعرف هو أيه حتى لو كان كنوز العالم، أنا عايزة أخ وخال لأبنى يوسف، أنت حملت بأيدك وضمته.
جهشت باكية من الحزن التى سيطر عليها بينما أطفي “مازن” سيجارته ووقف من مكانه.
ألتف حول مكتبه لتقف “حلا” بخوف من رد فعله أو يطردها مرة أخرى من مكتبه أمام الجميع مرة اخرى.
ضمها إليه بقلب يسكنه الحب فمنذ أن ظهرت فى حياتها وهى زرعت الحب لها بكل قلب يراها، وأولاً كان قلب “مازن” حتى قبل “عاصم” فمنذ أن كانت “جوليا” تتصل به قبل أن ترسل “حلا” لأجل المال وهو يرسل لها المال من أجل المقامرة ويهددها ألا تلمس أخته، فكيف يكرهها وهو يحبها قبل أن يراها.
تشبثت “حلا” به بأمتنان وسعادة تغمرها ليقول:
--كفاياكِ عياط بجى هتبلي الجميص يا بت.
أومأت له بنعم بعد أن أبتعدت عنه وتجفف دموعها، أخرج من جيبه حلوى لأجلها ثم قال:
--ضحكت بعفوية وسط بكائها، أخذتها بسعادة كأنها طفلة حصلت على الحلوى من أبيها.
أقتربت كي تضع قبلة على جبينه لكنها سرعان ما تراجعت عندما تذكرت حديث “عاصم” وقالت بأرتباك:
--لا ما بقدر عاصم هيقتلني.
فتح باب المكتب على سهو ودلف “عاصم” مُنفعلًا وخائفًا بعد أن أخبره أن زوجته هنا.
أزدردت “حلا” لعابها بقلق من زوجها، قال بجدية بينما يسير نحوه ويشير لها بيده بأن تقترب:
--اه هجتلك لو عملتيها، تعالي هنا.
أدات أن تذهب نحوه لكن “مازن” مسك معصمها وقال بجدية ويده الأخري تشير على وجنته:
--مش جبل ما تدفعى تمن الحلوين.
نظرت له تارة بقلق وتارة أخرى بخوف من زوجها وهى الآن تقف بين رجلين أعند من بعضهما وكلاهما صعيدين لن يقبل الأخ بهزيمته أمام زوج أخذ أخته منه والآن يقف حاجزًا بينهما ولن يقبل الزوج بأن تقترب زوجته وتلصق شفتيها بهذا الرجل الذي نعتها بالغربية وقطع كل صلته بها حتى لو تصالحا الأثنين معًا يكفي أن الآخر يعلم حقيقة كونها لست أخت له.
أبتلعت لعابها بأرتباك ورجفة ولا تعلم ترضي من فى هذه اللحظة.