كان صباحًا باردًا بعض الشيء، معبأً بالغيوم والضباب. كانت تستلقي تحت الغطاء الدافئ الذي يحميها من تلك البرودة. أجبرها صوت رنين الهاتف المزعج الذي اعتادته كل صباح على إخراج يديها من أسفل الغطاء لتجيب بصوت ناعس: "ساعة بس يا مريم، سيبيني أنام ساعة واحدة بس كمان." مريم بصوت بدا الإنزعاج به: "يا حبيبتي في حاجة اسمها السلام عليكم. يلا أنا هقفل وأتصل تاني وسمعيني كده هتقولي إيه."
أنهت حديثها مع إغلاقها للخط وهي تبتسم بمكر. ثم عاودت الاتصال مجددًا ليأتيها صوت صديقتها من الجانب الآخر: "السلام عليكم يا مريم. ممكن تسيبيني ساعة واحدة بس؟ مريم بابتسامة ظهرت في صوتها: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا أختي. لأ مش ممكن عشان عندنا محاضرة الساعة تسعة ضريبية. يا ريت بس متكونيش ناسيه إن الدكتور بيدخل تسعة بالظبط وبيقفل وراه باب المدرج." أروي:
"خلاص يا مريم خلاص. إنتي طيرتي النوم من عيني أساسًا. يلا هجهز وأعدي عليكي." مريم بتذكير: "إن شاء الله ها." أروي بتأكيد: "إن شاء الله." أغلقت أروي مع مريم وهي تتثائب بكسل، لكنها استعاذت من الشيطان لتستعد بنشاط من أجل يوم جديد ملئ بالمحاضرات الجامعية.
بينما خرجت مريم من غرفتها بعدما أغلقت المصحف ووضعته في مكانه بجانب مقعد غرفتها الإسفنجي الذي صنعه لها أخيها خصيصًا. خرجت من غرفتها بهدوء وقامت بإعداد كوبًا من الحليب الدافئ. ثم ذهبت واغتسلت قبل أن ترتدي ثياب الجامعة والتي تتكون من دريس أسود اللون متسع من الخصر إلى الأسفل. وفي أسفله بنطال أسود، يحمي قدميها من الظهور إن حدث وصعدت إحدى الحافلات الخاصة بالمواصلات. ويعلوه حجاب رقيق هادئ من اللون البيج والذي يتناسب مع لون حزام الفستان الذي يأتي على الخصر. قامت بترتيب حقيبتها بما يلزمها من أجل اليوم الدراسي.
وفي هذه اللحظة طُرق باب غرفتها ليطل عليها أخيها الأصغر ذو السنوات الخمس بعدما أذنت له بالدلوف. مريم وهي تفتح ذراعيها له: "حبيب قلبي صحي." ألقى سفيان بنفسه بين أحضانها وهو يتحدث بصوت ناعس: "متنسيش تجبيلي معاكي حاجة حلوة." مريم وهي تلعب بخصلاته: "إن شاء الله مش هنسى يا غالي على قلبي. بس إنت توضيت وصليت الصبح؟ سُفيان ببراءة: "لأ أنا لسه صحيت دلوقتي وهصلي حاضر. بس متنسيش ماشي؟ مريم وهي تقبل جبينه:
"مش هنسى إن شاء الله. ها هتصلي كام ركعة؟ ضم بين سبابته والوسطى وهو يتمتم: "هصلي دول." مريم: "ودول كام؟ سفيان ببراءة: "تنتين." مريم بضحكة: "يخلي لي العسل يا رب." ثم قبَّلت وجنته وأخبرته بأنه يذهب. ابتسم بهدوء قبل أن يخرج من غرفتها متوجهًا لدورة المياه كي يتوضأ ويصلي فرضه. خرجت مريم من غرفتها لتجد والدتها قد استيقظت للتو. قبلت يدها بحب وهي تتمتم: "صباح الخير يا ماما." الأم بحب:
"صباح النور يا حبيبتي. إيه أروي جت ولا إيه؟ مريم: "لأ لسه. زمانها على وصول. بابا لسه مصحيش؟ الأم: "لأ لسه. شوية كده وهيصحي. شوفي إسلام صحي كده ولا لسه عشان عنده معاد مقابلة النهارده." أتاهم صوته المرح من الخلف: "لأ أنا صاحي أهو يا ست الكل. صباح الخير يا ماما. صباح الخير يا مريومة." أنهى كلماته مع قبلتين طُبِعت على جبين كل منهما. الأم بابتسامة: "صباح الجمال يا حبيبي. ربنا ييسر لكم طريقكم ويفرحكم ويفرحني بيكم يا رب."
إسلام بابتسامة: "آمين يا رب. ادعي لي كتير النهارده." الأم: "أنا بدعيلك ديمًا يا حبيبي." إسلام: "ربنا يتقبل يا رب. جاهزة يا مريوم ولا إيه؟ مريم: "أنا جاهزة أه بس أروي لسه مجتش. زمانها على وصول."
ابتسم إسلام لا إراديًا من ذكر اسمها الذي يجعل قلبه ينبض بحبها المدفون به. إنها حب السنوات السبع، منذ أن تعرفت عليها مريم وهي في الصف الثالث الإعدادي وقد كان هو في الصف الثاني الثانوي آنذاك. لكنه لم يجرؤ يومًا على إخبارها بالأمر أو حتى التلميح أو النظر إليها. أبقى على حبها بقلبه حتى تحين له فرصة طلب يدها. قاطع أفكاره صوت طرقات على باب منزلهم. تحركت مريم تجاه الباب بمرح وهي تقول: "دي أكيد أروي."
ما إن فُتح الباب حتى ألقت أروي بنفسها بين أحضان صديقتها وهي تقول: "وح وح. الجو تلج. دفيني دفيني." امتلأ المكان بضحكاتهم على مرحها، ولكن صوت واحد فقط جعل الحمرة تتسرب فورًا إلى خديها. ابتعدت عن مريم سريعًا وهي تنظر للأرض بخجل، بينما تحدثت مريم بهدوء: "ادخلي يا أختي ادخلي." دَلفت أروي وصافحت والدة مريم ثم أشارت برأسها كتحية لإسلام، ولا تزال تنظر للأرض بارتباك. فهي دائمًا ما تفتعل الحماقات أمامه. إسلام بهدوء: "يلا؟
مريم: "يلا يا لُوما." خرجوا جميعًا متجهين إلى سيارة إسلام التي أحضرها له والده بعد تخرجه من كلية التجارة بتقدير امتياز كهدية له. دلفت مريم إلى جانب أخيها كالعادة، في حين جلست أروي في الخلف. وأخذت تنظر إلى الطريق في محاولة يائسة لإلهاء نفسها عن سماع صوت قلبها الذي يضرب بعنف بسبب حضوره الطاغي عليها. إنها مرحة وجريئة دائمًا، لكنها لا تعلم ما يُصيبها في حضوره. إسلام مقاطعًا الصمت السائد في السيارة:
"ها.. عاملين إيه في الكلية؟ مريم: "كلية النيلة. دول لو قاصدين يعقدونا مش هيدونا المواد دي." إسلام بضحكة خفيفة أودت بقلب تلك المسكينة في الخلف: "مفيش حاجة بتيجي بالساهل. لازم تبذلي مجهود كفاية عشان تنولي ثمرة تعبك." مريم بتأكيد: "فعلًا يارب نخلص على خير. باقي لنا سنة واحدة كمان ويبقى فل يا عم إسماعيل." إسلام: "عمك إسماعيل مين؟ مريم: "مليش دعوة يا عم. دي أروي اللي ديمًا تقول كده." أروي من الخلف بتلقائية:
"أنا أقول إنتي متقوليش." مريم: "ليه يا أختي على دماغك ريشة! أروي: "آه على دماغي ريشة. عندك مانع؟ مريم وهي ترفع يديها باستسلام: "لأ يا ستي معنديش طبعًا. وأنا أقدر." ضحك إسلام وهو يتمتم: "ناس تخاف متختشيش." وصلوا أخيرًا إلى بوابة الجامعة، فترجلت الفتاتان بعدما قبَّلت مريم وجنة أخيها ودعت له بالتوفيق في مقابلته اليوم. ***
كان يسير على عجل من أمره باتجاه إحدى المدرجات، وهو يتمنى من كل قلبه ألا يكون الدكتور الخاص بالمادة دلف قبله. وصل أخيرًا حيث وجهته، لكنه تنهد باستسلام حينما وجد أن باب المدرج قد أغلق بالفعل. سلم أمره لله ونزل حيث الكافتيريا ليجلب بعض الشاي والبسكويت السادة. أحضر ما يريد ثم ذهب إلى إحدى المقاعد ووضع أغراضه بجانبه وبدأ يأكل البسكويت مع ارتشافه للشاي بهدوء وهو منحني إلى الأمام ينظر باتجاه الأرض ليمنع ناظريه من رؤية إحدى الفتيات اللاتي مررن من أمامه.
انتهى أخيرًا من طعامه فرفع ناظريه للسماء مستنشقًا بعض الهواء البارد وهو يمسد ذراعيه بيديه. وبينما يمد يده كي يمسك بإحدى الكتب خانته عيناه، فنظر لتلك الجميلة التي تسير مسرعة باتجاه إحدى المدرجات وتلحق بها صديقتها التي تحدثت بضيق عند مرورهما من أمامه: "اهدي شوية يا بنتي لسه الساعة مجتش تسعة."
لم يستمع في واقع الأمر لرد تلك الجميلة على صديقتها، لكنه عنف نفسه وأخذ يستغفر كثيرًا وهو يؤنب نفسه على تلك النظرة. فتح كتابه بهدوء وبدأ في قراءة إحدى الدروس. ولكن عبثًا، صورتها بوجهها القمحي الذي يميل إلى البياض وكأن هالة بيضاء تحيط به، وكذلك فستانها الواسع ومشيتها المعتدلة رغم سرعتها، إلا أنها معتدلة. حجابها الذي لم يزدها سوى وقارًا. كيف لفتاة بأن تستحوذ على تفكير أحدهم من مجرد لحظة مرور!
استفاق من أفكاره على يد وضعت على كتفه. رفع رأسه ليرى صديق فرقته بجانبه. مروان بابتسامة: "أهلا.. إزيك يا عمر عامل إيه؟ عمر بابتسامة: "أنا تمام الحمد لله. إيه يا بني عاش من شافك.. بقالك يومين مختفي." مروان: "فيك الخير يا صاحبي. كنت تعبان شوية بس." عمر: "لأ ألف سلامة عليك. مالك؟ مروان: "أبدًا... لطشة برد شديدة شويتين. بس الحمد لله بقيت أحسن. إنت عامل إيه وأحوالك؟ عمر:
"ماشية الدنيا الحمد لله. يعني اديها بتزُق فينا وبنزُق فيها." مروان بابتسامة: "يارب ييسر أمرك." عمر: "آمين يا رب العالمين. محضرتش ليه المحاضرة؟ مروان: "ملحقتش. جيت لقيت الدكتور قافل الباب." عمر: "تتعوض إن شاء الله. طب أنا هقوم أجيب شاي. تحب تشرب معايا ولا حابب حاجة تانية؟ مروان: "لأ لأ تسلم. أنا لسه شارب شاي حالا قبل ما تيجي." عمر: "تمام هجيب شاي وأجيلك على طول."
تحرك عمر تجاه الكافتيريا، بينما بقي مروان يفكر في تلك التي استحوذت تفكيره، لكنه يعود ويؤنب نفسه مجددًا، فهو لا يحق له حتى التفكير بها. كيف يفعل ذلك! *** انتهت محاضرتهما بسلام لتقف أروي سريعًا وهي تتمتم بضجر: "الدكتور اللي بعد كده حاجة استغفر الله العظيم. فـ أنا هنزل أجيب حاجة سخنة أشربها عشان تروق دمي اللي هيتعكر بعد شوية." مريم بضحكة خفيفة:
"اهدي اهدي هيطق لك عرق يا بت. قومي يلا ننزل سوا. أنا عن نفسي هشتري شاي وبسكويت." أروي: "أهو ده اللي إنتي فالحة فيه. شاي وبسكويت. يلا يا أختي يلا." خرجتا من المدرج باتجاه الكافتيريا، وجلبت كل منهما ما تريد. وبينما هما ذاهبتان للأعلى، إذا بأروي تصطدم بإحدى الفتيات، والتي شهقت بصوت مسموع وهي ترى الينسون الذي بالكاد أصاب أكمام التيشيرت الأسود الذي ترتديه تلك الفتاة. تعلقت الأنظار بهم في الحال بمجرد شهقة الفتاة.
أروي بأسف حقيقي: "آسفة آسفة أوي بجد مقصدتش و... قاطعتها تلك الفتاة بصوت حاد وعالي: "أعمل بيه إيه أسفك ده ها؟ ينسون يا مقرفة؟ ينسون؟ انتي ماشية تطبشي في الناس يا عامية إنتي!
صُدم كل من مريم وأروي بسبب هجوم الفتاة المبالغ فيه. دمعت عينا أروي في الحال واحمر وجهها حرجًا، لينفر عرق الغضب بجبين مريم التي ما إن رأت عينا صديقتها الملتهبة والتي تهدد بسقوط دموعها، جذبت أروي من يدها وأوقفتها خلفها وتواجهت مع الفتاة وهي تضغط أسنانها بغضب قبل أن تُجيب:
"قالت لك مكنتش تقصد تخبط فيكي واعتذرت. فمن الأدب والاحترام إنك على الأقل لو مش هتقبلي أسفها صوتك ميعلاش عليها. ثم إني يؤسفني إني أقولك إن الاعتذار ده واجب عليكي إنتي عشان إنتي اللي جاية في اتجاه غلط وملبوخة بالتليفون اللي في إيدك. ولو مركزة في طريقك مكنتيش خبطتي فيها." رفعت الفتاة رأسها للأعلى بغرور واضح واقتربت خطوتين من مريم حتى وقفت أمامها مباشرة وهي تتحدث بحاجب مرفوع: "إنتي مين إنتي عشان تتكلمي معايا بالطريقة دي؟
مريم بثقة: "أنا بنت زيك زيك بالظبط. ومن أم وأب زيك بالظبط. وبتنفس وآكل وأشرب وأتكلم زيك بالظبط. يعني من الآخر كده.. إحنا واحد. ومنها وإليها نعود. يا ريت بعد كده تركزي في طريقك وتخلي بالك من البني آدمين اللي حواليكي عشان متخبطيش في حد ويتقلب عليكي ينسون مقرف زي ما بتقولي." أنهت جملتها وهي تمسك بيد الفتاة ووضعت كوب الشاي بها وهي تقول: "اتفضلي اشربي شوية شاي يروق دمك."
أنهت كلماتها وهي تحتضن أروي تحت ذراعها وسارا معًا باتجاه المدرج من جديد. وبمجرد تحركها علا صوت تصفيرات الشباب وضحكاتهم الساخرة على مظهر الفتاة التي تقف ذاهلة جاحظة العينين ممسكة بيدها كوب الشاي الذي تركته مريم للتو وتنظر في أثرها بذهول.
استفاقت سالي من صدمتها على الأصوات من حولها لتكز على أسنانها بغضب ثم ألقت بكوب الشاي في سلة القمامة وتحركت سريعًا من المكان وهي تلعن تحت أنفاسها وتتمتم في داخلها بوعيد قاسٍ لأجل تلك الحمقاء كما أسمتها. بينما كان هناك من يقف عند باب الكافتيريا ناظرًا تجاه مريم بإعجاب تام وابتسامة فخورة ارتسمت على محياه. تنهد بابتسامة قبل أن يكمل طريقه مع عمر للقاعة التي سيبدآن فيها المحاضرة التالية. عمر: "أوووف شوفت عملت فيها إيه؟
دي خلتها هي والحيطة واحد يا جدع وبأبسط الكلمات. أنا كنت مستني شتيمة معتبرة ولا لفظ خارج زي باقي بنات اليومين دول." مروان بابتسامة: "واضح إنها محترمة أوي وبتحب صحبتها جدًا." عمر: "أكيد. إنت شوفت وشها أحمر إزاي ولا عروقها نفضت إزاي لما سمعت الكلام اللي قالته البت لصاحبتها. ياااه بجد. في أصحاب كده! دي كانت هتاكلها." مروان ولا يزال مبتسمًا: "الأخلاق أهم حاجة في البنت. ربنا يحميها لأهلها." عمر وهو يلاحظ
تلك الابتسامة الشاردة: "آه. صح. ربنا يحميها لأهلها. ولحبايبها." مروان بعدم انتباه: "يااارب." *** كانت تهدئ من بكاء أروي وهي تتمتم: "بت إنتي بتعيطي ليه! مسمعكيش تعيطي أبدًا سامعة." أروي: "آسفة يا مريم عشان حطيتك في الموقف ده." مريم وهي تضربها بخفة على كتفها: "موقف إيه يا عبيطة إنتي. وبعدين يعني عايزة تفهميني إن أنا لو مكانك مش هعمل كده عشاني؟ أروي بسرعة: "لأ طبعًا كنت هعمل كده." مريم:
"أمال إيه بقى. عايزة تبقي أحسن مني مثلاً؟ أروي: "اسكتي يا مريم اسكتي. أنا أصلًا مش هاخد منك لا حق ولا باطل." مريم بضحكة: "الدكتور اللي استغفر الله العظيم جه أهو." ضحكت أروي بخفة وهي تستنشق ما بأنفها ثم جففت وجهها بالمنديل وهي تستعد للانتباه. *** كان يجلس في مكتب السكرتارية منتظرًا دوره في الدلوف للمقابلة الشخصية لمدير الشركة. أخيرًا وبعد انتظار دام لساعة ونصف، أتته السكرتيرة وأخبرته بأن حان دوره للدلوف.
دلف بهدوء وهو يردد بعض الأذكار ليهدئ من توتره. استحسُن المظهر العام للمكان. فهو لا يبدو عليه البزخ كما حال العديد من الشركات، بل إنه مكتب متواضع. نظر تجاه المكتب لكنه لم يجد أحدًا جالسًا إليه. عقد حاجبيه باستغراب ولكنه لم يدم، حيث خرج شاب في مقتبل الثلاثينات من العمر تقريبًا ببنطاله الجينز الأزرق الذي يعلوه تيشرت أبيض برقبة طويلة ويلتف حول عنقه كوفية صوف ناعم زرقاء بلون البنطال. بعيون بنية ناعسة بعض الشيء وشعر أشقر مصفف للأعلى. يبدو أنيقًا جدًا مع قدر معقول من التواضع.
أتاه صوته ببحة خفيفة تُظهر زُكامه: "أهلا وسهلًا يا أستاذ إسلام. نورت المكتب. وبعتذر لو اتأخرت عليك بس البرد مخلص عليا حقيقي ولازم كل شوية أغسل وشي عشان أفوَّق." إسلام بابتسامة ودودة وقلب مطمئن بعض الشيء: "ولا يهم حضرتك خالص. ألف سلامة. شفاك الله وعافاك شفاءً لا يغادر سقمًا وألبسك ثوب الصحة والعافية."
ابتسامة هادئة محببة اعتلت ثغر جود الذي أعجب كثيرًا بإسلام ولباقته وهيئته. فقد كان يرتدي بنطال جينز أسود يعلوه قميص أسود ويضع كوفية بيج حول عنقه تتناسب مع لون ساعته البيج التي يرتديها في يسراه مع لون بشرته القمحي ولحيته الخفيفة المنمقة وعيناه التي تميل للإخضرار نوعًا ما. جود بابتسامة: "اللهم آمين. اتفضل يا إسلام." جلس إسلام بهدوء مقابل جود الذي عرّف عن نفسه بهدوء:
"أنا جود السيوفي. خريج تكنولوجيا ومعلومات. يسعدني إني أتشرف بيك." إسلام وقد زال أي أثر للقلق داخل قلبه: "يشرفني يا فندم طبعًا. أنا إسلام أحمد الشوادفي خريج تجارة السنة اللي فاتت وكانت هتبقى قبلها بسنة لكن لظروف خاصة في تالتة ثانوي دخلت الجامعة متأخر سنة. وإن شاء الله متخرج بتقدير امتياز." جود بإعجاب: "ما شاء الله. كويس جدًا. ممكن الـ CV لو سمحت؟
أومأ إسلام بابتسامة وهو يقدم الملف الخاص به إلى جود الذي قام بفتحه بهدوء ليرى شهاداته الممتازة وكذلك حصوله على كورس ICDL معتمد من جامعة كامبردج ومن وزارة الخارجية وكذلك الإنجليزي لديه شهادة امتياز بها ومعتمدة كذلك. كما العديد من الشهادات المميزة.
أثنى جود عليه قبل أن يسأله بهدوء عن أحلامه وطموحاته المستقبلية. ولم يكذب إسلام في شيء حيث أخبره بكونه يود البدء من نقطة الصفر بحيث يعمل في شركة كمحاسب بسيط وبكفاءته يرتفع شيئًا فشيئًا حتى تحين له فرصة أن يبدأ في مشروع مستقل له. انتهت المقابلة على خير وأخبره جود بأنه سيهاتفه عما قريب ليعرف نتيجة المقابلة. تصافحا بود وخرج إسلام متمتمًا بكلمات الذكر كما اعتاد منذ صغره. ***
انتهت المحاضرة بسلام أيضًا واستعدت الفتاتان للمغادرة. أروي بهدوء: "آا.. إسلام هييجي ياخدنا؟ مريم: "هتصل بيه أهو أشوفه خلص المقابلة ولا لسه." هاتفت مريم أخيها الذي أجابها على الفور: "السلام عليكم يا مريومة." مريم بابتسامة: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. صوتك كده مرتاح. قولي عملت إيه؟ إسلام بتنهيدة: "لسه هستنى تليفون من الشركة يبلغوني بالقبول أو بالحظ الأوفر في المرة القادمة." مريم بضحكة خفيفة:
"إن شاء الله يبقى قبول يا عم. طب إيه هتيجي تاخدنا ولا نروح مواصلات؟ إسلام: "إنتوا خلصتوا خلاص؟ مريم بتأكيد: "أيون. يدوب أهو لسه خارجين من المدرج." إسلام: "خلاص يا حبيبتي أنا ربع ساعة بأمر الله وهكون عند باب الجامعة." مريم: "تمام يا حبيبي في انتظارك. لا إله إلا الله." إسلام: "محمد رسول الله." أنهت مريم مع أخيها وهي تدعو له بالقبول. ثم ذهبتا وانتظرتاه حتى أتى. قاما بتوصيل أروي أولًا والتي نظرت تجاه إسلام
قبل الذهاب وتمتمت بهدوء: "إن شاء الله موفق يا بشمهندس." إسلام بابتسامة: "آمين يا رب. شكرًا جدًا." ابتسمت أروي بهدوء ثم غادرت السيارة بعدما اتفقت مع مريم على أن يتواصلا من خلال الإنترنت ليلاً. *** بعد مرور يومان بروتين عادي جدًا على الجميع. اتجهت مريم تجاه غرفة أخيها وطرقتها بهدوء حتى أتى إذنه لها بالدلوف. مريم بابتسامة: "هعطلك؟ إسلام بابتسامة: "لأ تعالي تعالي. بصي الجروب ده حلو أوي. عاوزك تتابعيه بس في صمت ها."
جلست مريم إلى جواره ونظرت إلى شاشة حاسوبه لتري عن أي جروب يتحدث. قرأت قليلًا مما ظهر أمامها ثم تحدثت بابتسامة: "ما شاء الله جميل أوي وبوستاته جميلة جدًا." إسلام: "فعلًا. عملت لك آد فيه. وزي ما قلت لك استفيدي في صمت." مريم: "طب وده أسميه إيه بقى. أستفيد بصمت! طب ومينفعش أفيد؟ إسلام: "مريم ده جروب مشترك." مريم بهدوء:
"أوك مقلتش حاجة. بس أكيد فيه حدود. وبعدين يا إسلام أنا لو عندي معلومة تفيد غيري ليه مشاركهاش. ولو حد تعدى حدوده الأدمنز يتصرفوا معاه. بصراحة ده اللي أعرفه. لكن فكرة أستفيد في صمت دي مش عارفة بصراحة." إسلام بضيق: "مريم. أنا مش هستنى لما حد يضايقك وبعدين نبقى نخلي الأدمنز يتصرفوا. أنا بقولك كده عشان تبعدي عن أي شوشرة ومحدش يتعرض لك بأي كلمة." مريم ولا تزال ابتسامتها تزين محياها:
"يا حبيبي إنت معايا ومش هتسمح لحد يتعدى حدوده أبدًا." قاطعهما صوت رنين هاتف إسلام الذي وجد رقمًا غير مسجلًا. فتحدث بهدوء: "السلام عليكم." أتاه صوت أنثوي من الجانب الآخر: "وعليكم السلام. أستاذ إسلام الشوادفي؟ إسلام بهدوء: "إن شاء الله. اتفضلي حضرتك." المتصلة: "أنا سكرتيرة مكتب البشمهندس جود السيوفي." إسلام: "أهلا وسهلا يا فندم." المتصلة بروتينية:
"أهلًا بحضرتك. حضرتك عندك معاد مقابلة تانية يوم السبت القادم الساعة تسعة عشان تستلم وظيفتك في الشركة." إسلام بابتسامة: "شكرًا جدًا لحضرتك يا فندم. وإن شاء الله هحضر في الميعاد." المتصلة: "لأ شكر على واجب. مع السلامة." انتهى الاتصال ليحتضن إسلام أخته بسعادة وهو يتمتم: "الحمد لله قبلت يا مريومة قبلت." مريم بسعادة من أجل أخيها: "ألف ألف مبروك يا حبيبي. ربنا يفرحك كمان وكمان." قبَّل جبينها بحب قبل أن يقفز
من مكانه وهو يتحدث بخفة: "هروح أفرح ماما بقى كمان. دي هتتبسط أوووي."
أوقفه طرقات هادئة على باب المنزل علم على الفور صاحبتها. فاقترب سريعًا وفتح الباب لتظهر مليكته بطلتها الجذابة رغم ارتدائها لعباءة سوداء بنقوش فضية من الأكمام مع حجاب فضي يغطي خصلاتها ووجهها الأبيض بطبيعته مع عينيها التي لا يمكنه تحديد كونها رمادية أو مائلة للزرقة لأنه لا يطيل النظر إليها. ولا يجرؤ على سؤال مريم بسؤال كهذا. لكنه سيعرف يومًا ما، وهذا اليوم قريب. قريب جدًا. فأولى خطوات بناء مستقبله قد تمت منذ دقائق.
أفاقه من شروده حمحتها المتوترة. إسلام سريعًا: "آا.. أهلا أهلا يا أروي. آا قصدي يا آنسة أروي. اتفضلي مريم جوه." دلفت أروي بابتسامة مضطربة. فوجوده يربكها بحق: "شكرًا لحضرتك." إسلام: "الشكر لله. يا مرييييم.. مريم أروي صحبتك جت." خرجت مريم وهي تقفز على قدم وأخرى مبتسمة: "هلا وغلا يا غاليتي. تعالي يلا ندخل أوضتي. جهزت كل حاجة هنذاكرها." دلفت أروي بهدوء وتقدمت مريم لتسبقها إلى غرفتها، بينما نظرت مريم تجاه إسلام بمكر:
"إيه يا حبيبي هتفضل عندك كتير ولا إيه؟ مش كنت رايح تفرح ماما! إسلام بارتباك: "آه. آه أنا رايح أهو." تركها ودلف للمطبخ حيث والدتهما في حين دلفت مريم لصديقتها وابتسامة مشرقة تعلو وجهها وأمل كبير في قلبها بأن يتحقق ما تتمناه دومًا ذات يوم. *** كان يقف في شرفته يرتشف كوب الشاي بهدوء وهو ينظر أمامه بابتسامة شاردة يتذكر هيئتها التي حُفرت في ذاكرته من نظرتين فقط. تنهد بهدوء وهو يتمتم بصوت غير مفهوم:
"فرقة تالتة. باقي أعرف اسمها." قاطع شروده صوت أخيه من الخلف: "اتجننت خلاص؟ بقيت تكلم نفسك؟ التفت مروان سريعًا وهو يبتسم في وجه أخيه: "لأ يا سيدي لسه بعقلي أهو. إيه يا عم بتغيب كتير في الفترة الأخيرة ليه؟ جود بنبرة متعبة: "كان في مقابلات عشان تعيين محاسبين ومهندسين جدد. والموضوع مش سهل إنت عارف." مروان: "ربنا يقويك يا حب أخوك. بس إنت لسه مكمتش يا جود؟ البرد ده هيخلص عليك كده. إنت وشك أحمر وعينيك كمان وصوتك بايظ خالص."
جود: "هشوف كده يمكن أروح آخر النهار. المهم عامل إيه في كليتك؟ مروان بابتسامة: "يعني. ماشي الحال الحمد لله." جود: "محتاج حاجة؟ مروان بنفي: "لأ يا حبيبي تسلم." جود: "مروان لو احتجت حاجة مش لازم أقولك تعالي قولي. من فضلك متترددش إنك تقولي." مروان بتأكيد: "يا عم وأنا ليا مين غيرك بس. متقلقش والله أنا فل ومستورة الحمد لله." جود بابتسامة: "ربنا يوفقك ياسيدي. طيب هروح مشوار سريع كده وأرجع." مروان: "طريقك مُيسر يارب."
ابتسم له جود بهدوء قبل أن يغادر الغرفة ثم المنزل بأكمله. بينما عاد مروان لأفكاره من جديد. *** أتى اليوم المنتظر بالنسبة لإسلام. فاليو سيستلم وظيفته وأخيرًا. بدأت والدته تودعه بالدعاء له بالتيسير وصلح الحال، وكذلك والده الذي ينظر لابنه بابتسامة رضا: "ربنا ييسر لك طريقك يا ابني." إسلام بابتسامة: "ربنا يخليكوا ليا يا رب. يلا السلام عليكم." غادر المنزل متجهًا حيث الشركة وقد وصل إلى مكتب السكرتارية في التاسعة تمامًا.
ديما السكرتيرة: "حضرتك إسلام الشوادفي مش كده؟ إسلام بهدوء وهو ينظر إلى الأرض: "آه إن شاء الله." ديما: "دقيقة يا بشمهندس هدي البشمهندس خبر." وبالفعل دلفت لثوانٍ فقط ثم خرجت مفسحة له الطريق كي يدلف بهدوء: "السلام عليكم." جود بابتسامة: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. ما شاء الله في معادك تمام." إسلام بابتسامة: "أكيد حضرتك لازم الانضباط والوفاء بالمواعيد." جود بهدوء: "اتفضل يا إسلام عشان نتناقش في بعض الأمور."
جلس إسلام بهدوء ليتحرك جود من خلف مكتبه وجلس مواجهًا لإسلام ثم تحدث بهدوء: "شوف يا إسلام. أنا مش بس اخترتك لشهاداتك وخبراتك العلمية. أنا اخترتك بناءً على ارتياح قلبي ليك وإحساسي بقربك من ربنا. فهقدر أسلمك مكتب الحسابات وأنا متطمن إنه في إيد أمينة." إسلام: "ربنا يجعلني تحت حسن ظنك يا فندم." جود بهدوء: "مفيش داعي للألقاب. أنا مش كبير أوي كده يا عم. دا أنا كلها ٢٧ سنة بس." إسلام بابتسامة: "ولو يا فندم المقامات محفوظة."
جود: "مقامات إيه بس يا ابني. الموضوع مش مقامات خالص. أنا مبهتمش بالشكليات دي. بس على العموم زي ما تحب. تقدر تستلم شغلك من دلوقتي. ولو لسه مش مستعد يبقى هنتظرك بكرة." إسلام: "لأ خالص. هستلمه دلوقتي إن شاء الله." جود بإيماءه: "تمام جدًا. ودلوقتي هتخرج معاك الأستاذة ديما وهتوصلك لمكتبك. وهناك هتلاقي محاسب اسمه علاء. هيقعد معاك ويقولك على كل المطلوب. وإن شاء الله تسعد في الشغل معانا." إسلام وهو يقف مصافحًا إياه:
"إن شاء الله أكون تحت حسن ظنك. بعد إذنك." خرج إسلام وقد دلته ديما على مكتبه وجلس لبعض الوقت مع علاء زميل عمله الذي بدأ بشرح كل المطلوب منه. وقد استوعبه إسلام سريعًا. وبدأ باسم الله متمنيًا أن يؤدي أمانته على أكمل وجه.
قُضي يومه الأول بالشركة وعاد لمنزله بحالة من الارتياح والهدوء. أحضر لكل من بالمنزل هدايا بسيطة بمناسبة عمله. ولم ينسَ مليكته بالتأكيد. وصل لمنزله وترجل من سيارته بهدوء. صعد للمنزل ليجد أن أروي تهم بالذهاب. إسلام بهدوء: "السلام عليكم." أروي ومريم معًا: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." ثم أكملت مريم وهي تقفز إلى أخيها محتضنة إياه: "عملت إيييه. طمنّي." إسلام بضحكة خفيفة: "ابعدي بس عني عشان أعرف أقولك."
ابتعدت مريم بهدوء فنظر إسلام لأروي نظرة سريعة وهو يتمتم: "مروحة ولا إيه؟ أروي بخجل وناظريها لم يرتفعا عن الأرض: "آه إن شاء الله." إسلام: "طب البسي يا مريم هنوصلها." أروي بسرعة: "لأ لأ مفيش داعي. حضرتك لسه جاي من الشغل وأكيد تعبان ومحتاج ترتاح." إسلام بابتسامة: "يا ستي أنا مش شكت. يلا اتفضلي عما مريم تلبس. وأنا هسلم على ماما."
دلفت مجددًا وجلست في غرفة الجلوس حتى دلف إسلام إلى والدته وقد سمعت ضحكتهما معًا وكذلك فرحتها بشيء ما ودعائها المستمر له. ثم سمعت خطواته التي تقترب منها فارتبكت قليلًا. لكنها تنفست الصعداء حينما طرق على غرفة مريم ودلفها بهدوء. أعطاها شيئًا ما جعلها تقفز مجددًا بين أحضانه وهي تدعو له. تُرى هل ستحظى يومًا ما بحضنه وضحكته الصافية تلك؟ زجرت نفسها وتفكيرها وهي تفرك يديها معًا. أتاها سفيان الصغير راكضًا وهو يتمتم:
"أروي يا أروي شفتي جاب لي إيه إسلام؟ نظرت لما بيده فوجدته طقم من الصوف الناعم عبارة عن غطاء للرأس وكوفية وجوارب وجوانتي. أروي بابتسامة: "حلوين أوي يا حبيبي. تلبسهم بالهنا يا رب." اقتربت مريم منها ومدت يدها بحقيبة صغيرة وهي تتمتم: "إسلام اتقبل في الوظيفة والنهاردة كان أول يوم ليه. فجاب لنا كلنا هدايا." أمسكت أروي بالحقيبة لتشاهد ما بها على اعتقاد أن هذه هدية إسلام لمريم ومريم أحضرتها لها لتراها.
كانت الحقيبة تحتوي على ماسكة للشعر على شكل فراشة وطوق شعر كذلك به فراشة من إحدى جوانبه وطوق عنق يشبه الشباك أسود اللون. بالإضافة لبروش يخص الحجاب من اللون العسلي. ابتسمت أروي بحب وهي تتمتم: "حلوين أوي وزوقه حلو جدًا. تلبسيهم بالهنا يا رب." مريم بابتسامة: "إنتي اللي تلبسيهم بالهنا يا سكر. دول بتوعك إنتي. وأنا جاب لي إخواتهم بالظبط." أروي وهي ترمش عدة مرات بعدم فهم: "آا.. يعني.. يعني إيه؟ مريم بضحكة:
"يعني دول بتوعك يا عبيطة." قاطعهما صوته متمتمًا: "يلا؟ وقفت أروي سريعًا والارتباك واضح عليها وتمتمت بحلق جاف: "آا.. شـ شكرًا." إسلام بهدوء: "شكرا على إيه. إنتي زي مريم. يلا هسبقكم على بره." نزل درجات السلم وهو يتمتم في نفسه: "مش زي مريم أوي يعني." بينما وقفت أروي حائرة: هل هي أخت له لا أكثر؟ هل سيتعلق قلبه بفتاة أخرى؟ هل سيتدمر قلبها بعدما تستفيق على حب إسلام لأخرى؟ قاطع أفكارها وتخبطها يد مريم التي شعرت
بها وبما يدور في خلدها: "يلا يا حبيبتي. ومتفكريش كتير." نزلت أروي معها ولم تفكر في مقصد مريم من كلماتها تلك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!