وضعت لهم الطعام على المائدة وأخبرتهم بأن الطعام جاهز. ومن الطبيعي لن تنتهي من حديثهم الممل. يتحدثون ولن يشعروا ماذا تفعل هذه العبارات بالفتاة. من آلام في القلب، وانشغال العقل، والكثير والكثير من الأحزان والمفاجآت تحدث بداخلها. تتمنى من ربها بأن تتزوج وتستريح من هذا المنزل ومن صاحبه.
دخلت الغرفة التي تجلس بها وقت مجيئها إلى هذا البيت. كانت تحتفظ بكتاب الله في درج محدد من الغرفة. أخذته من مكانه وجلست على الفراش وبدأت بقراءة آيات الله. انفتح باب الغرفة بحدة وبالطبع لم يكن سواها. نظرت إليها بسخرية من وضعها وشكلها، فأردفت قائلة: "ست الشيخة، ممكن تجيبي لنا شوية ميه؟ ده لو مش هتزعجك طبعًا." وضعت مصحفها على المنضدة ونهضت من مكانها متوجهة إلى الخارج دون أن تتفوه بحرف واحد. ولكن أوقفتها
يد هذه المتعجرفة قائلة: "آه، متنسيش تقولي لأستاذ سامح." ألقت آخر كلماتها بسخرية منها. أما هي، فنظرت لها نظرات كانت كفيلة بإحراقها. ذهبت إلى المطبخ وأحضرت لهم الماء ووضعته على الطاولة التي كان يجلس عليها الجميع تحت نظرات "سناء" التي كانت تحمل كل الكره لها. ثم توجهت إلى غرفتها لتكمل ما كانت تفعله. انفتح الباب ولكن هذه المرة بهدوء. توجه ناحيتها وجلس على الفراش بجانبها وربع قدمه وأخذ يستمع إليها حتى أن تنتهي.
"صدق الله العظيم. في حاجة يا حبيبي؟ أجابها طفل لم يبلغ السابعة من عمره وعلى وجهه ابتسامة طفولية جميلة قائلاً: "حد قالك إن صوتك جميل يا ندوش؟ ابتسمت رغماً عنها فأردفت قائلة: "يا حبيبي أنت أجمل. قولي بقى مأكلتش مع ماما بره ليه؟ "ماما قاعدة بره عمالة تتكلم مع خالتو ومش عايزة تأكلني." "مش إحنا اتعلمنا قبل كده ناكل لوحدنا؟ أجابها وهو يفكر قائلاً: "امممممممم بنسي." "بتنسى يابكاش." وأخذت تدغدغه في بطنه
وهو يضحك فأردفت قائلة: "طب إيه رأيك نجيب أكل وتأكل؟ أخذ يصفق بيده بفرحة قائلاً: "هيييه، يلا." وبالفعل ذهبت إلى المطبخ وأحضرت طعام لهذا الصغير وأخذت تطعمه. *** دخل المكتب بعد أن أذن له بالدخول. جلس على المقعد الأمامي له ثم قام بوضع دفتر صغير على سطح المكتب فأردف قائلاً: "دي كل المعلومات اللي طلبت أجمعها لك عن عشق، وعايز أقولك إنها ملهاش أي علاقة بينا."
أمسك الدفتر وأخذ يقلب به باهتمام وعينيه تخطف بعض الكلمات الهامة دون عن الباقي. ثم قام بوضع الدفتر على المكتب فأردف قائلاً: "تمام، أنا كده اطمنت." "ممكن أفهم بقى إنت إيه اللي قالقك؟ "مفيش يا مراد بس كان لازم أعمل كل احتياطاتي برضو." ثم تابع مغيرًا للحديث: "إلا قولي عملت إيه بحوار الصفقة الجديدة؟ وأخذوا يتحدثون بأمور تابعة للعمل الخاص بهم. وبعد نهاية الكلام، أردف مراد قائلاً: "تمام كده، أنا هقوم أصلي المغرب."
هز رأسه بالموافقة. ولكن تابع الثاني حديثه قائلاً: "ما تيجي تصلي معايا، أهو ناخد ثواب الجماعة." "لا مشغول ولما أخلص أبقى أصلي." "مفيش حاجة تشغلك عن ربنا يا أدهم." زفر بضيق من هذا السخيف فأردف قائلاً: "خلاص يا مراد روح بقى." نظر إليه بيأس، فهو يعلم أنه ليس مشغولاً الآن. يقول هذه الجملة عادةً لكي يهرب من هذا السؤال، ولكن بالنهاية يدعو له بالهداية. أما هو، فتابع عمله ببرود وكأن لم يحدث شيء. ***
أما بالجانب الآخر عن عائلة محمود. أخبر والد شيرين هذا الرجل بأن ابنته ذاهبة للنزهة مع أصدقائها. وبالطبع لم يرفض طلب لأبيها وهو بالنهاية والدها ويعلم أن لا يوجد عنده ذرة قبول من ناحيته. أما هي، فقد ذهبت مع صديقاتها من قبل أن تخبره شيئًا بناءً لرغبات والدها. ***
مرت عدة ساعات على هذا البيت وأنهت يومها مع عائلتها بسلام حتى أن لاحظت اختفاء ابنها الصغير. أخذت تجول أنظارها بجميع أنحاء المنزل ولكن لم تجده بعد. ذهبت إلى غرفة "ندي" وجدتها تجلس على سجادة الصلاة وبيدها خيط به عدة خرزات تهبط واحدة تلو الأخرى (سبحة) . ورأت ابنها على الفراش يغط في سبات عميق. أخذت تهدر بأعلى صوتها قائلة: "إنتي عملتي إيه بابني هااه؟ وإيه اللي جابه عندك في الأوضة؟ عملتي فيه إيييه؟
نهضت من على الأرض وتحدثت بهدوء على عكس انزعاجها من الداخل فأردفت قائلة: "أولاً أنا معملتش فيه حاجة. وثانياً ابنك جالي الأوضة وقالي إنه عايز ياكل وإن حضرتك مشغولة مع خلاته ومش عايزة تأكليه. أكلته وبعدين نام." "إنتي كذابة. كذابة." وقامت بإمساكها من شعرها وأخذت تشدد من قبضتها عليها وأردفت قائلة: "ده أنا هوديكي في داهية. فاهمة؟ هوديكي في داهية."
حاولت التملص منها ولكن لم يأتي بفائدة. بعد أن أخذت تتأوه من تحت يديها بشدة، أخيراً قامت بنفرها إلى الوراء وأردفت بصراخ قائلة: "لو كان هامك ابنك أوي كده، كنتي لاحظتي غيابه ساعة لما كنتي بتاكلي. إنما إنتي لاحظتي بعد أما مشيوا. لأ وعاملة نفسك قلقانة أوي. إنتي أصلاً مستحقيش لقب الأمومة من الأساس، ولا حتى تستحقي تعيشي ثانية واحدة. أنا ماشية ومش جاية تاني."
وبالفعل قامت بتبديل ملابسها وأخذت أشياءها. ولكن قبل أن تمشي توجهت ناحيتها وأردفت بتساؤل قائلة: "أنا بس عايزة أعرف حاجة. ليه كل مرة ده من ناحيتي؟ ابتسمت بخفة وأردفت بحقد معلوم بقولها قائلة: "عارفة ليه؟ عشان إنتي واحدة حلوة وجميلة وجمالك ده مغطي عليا طول ما إنتي هنا في بيتي. والصراحة برضه خوفت لواحدة زيك تاخد جوزي مني." ثم تابعت بسخرية: "ما أصل الفقير اللي زيك بيبص للطبقات الراقية اللي زي حالاتنا."
أغمضت عينيها بقوة تود أن يصبح كل هذا حلمًا وستستيقظ منه سريعًا. دموعها انسابت بغزارة وسرعان ما توجهت إلى الخارج. وجدت زوجها ينهض على السلم وأوقفها لكي يرى ما بها وما سبب بكائها، ولكنها نفرته وتوجهت إلى خارج العمارة. أما بالداخل، كان ابنها يجلس على الفراش بخوف من والدته. فهو كان يتابعهم من أول الحديث، وبعلم إذا تقدم اتجاهها سوف تقوم بصفعه. ندي محمود ***
كانت تجلس على الأرجوحة الموجودة بالحديقة. تتقدم تارة إلى الأمام وتارة إلى الخلف. عقلها مشغول منذ أن دخلت هذا القصر بهذا الشاب الوسيم. هل يأتي يوم ليطلبها من والدها ويعافر الكون لتبقي زوجته؟ هل يأتي اليوم الذي يجلس على قدمه وبيده علبة حمراء بها خاتم من الذهب؟ لا لا، من الألماس. هل يأتي اليوم الذي يقف في منتصف الطريق ويهدر بأعلى صوته بكلمة واحدة وهي "أحبك". هل تأتي هذه الأيام أم ماذا؟ حسناً، لو ستأتي بإذن الرحمن. متى؟
أسئلة كثيرة تدور داخل عقلها ولم تكف عن طرح الأسئلة، ولكن لم تأتي بإجابة بعد. شعرت بأن فرد آخر جلس على الأرجوحة مما جعلها تقف بسرعة. نظرت يسارها وجدت من خطف قلبها بأول نظرة. وسرعان ما تلاشت ملامحها العابسة إلى ملامح سعيدة. لالالا، ملامح مبهجة ويكاد فمها ينقطع من كثرة التبسم.
أما هو، فنظر إليها برضا وراحة. نعم، كان يتجنبها ويظهر قاسياً وبارداً عندما شعر أنها ابنة أحد منافسيه في السوق. واتت إلى قصره لكي تبدأ معه خطة للانتقام. ولكن الآن، ينظر إليها وكأنها شيء كبير بالنسبة إليه. فأردف بابتسامة هو الآخر قائلاً: "الجميلة كانت سرحانة في إيه؟
وقف لسانها عن التحدث وشعرت بارتفاع درجة حرارة وجهها. كان قلبها ينبض بشدة يكاد أن ينقلع من مكانه. وكل هذا بسبب تلك العبارات. ولكن ماذا ستفعل إذا اعترف بحبه إليها؟ لا لا، ستموت لحظتها. فأردفت قائلة: "ع. عادي... ك. كنت قاعدة زهقانة... ووو... طلعت أقعد برة... بس... "امممممممم... طيب تسمحيلي أقعد معاكي؟ ولا... تحدثت باندفاع وسعادة: "أكيد طبعاً."
وأخذوا يتحدثون بعضهم البعض وبقلبها سعادة لم تأتِ من قبل. أما هو، فكان يجلس على غير عادته. يضحك ويتفوه ببعض المواقف المضحكة. وغيره وغيره. أهذا أدهم الحسيني الذي يعرف بجبروته وكبريائه المعهود؟ أهذا أدهم الحسيني الذي يرهب منه الكبير والصغير؟ ولكن من المعلوم أنه وقع. وأيضاً لم يعلم أحد ما بداخله. ***
ذهبت إلى منزلها ولم تبالي بالهاتف الذي كان يهتف باسم "أسر" منذ بداية خروجها من منزل هذه المرأة. جلست على الأرض وظلت تصرخ بما أوتيت بها. تود أن تمسك جميع الأناسي التي تدير الظلم قلوبهم وتصفعهم وتأخذ حقها حتى تهدأ قلبها. تتذكر حديثها عندما قالت لها إنك تزيدين عني جمالاً ولذلك أكرهك. ظلت تضحك بسخرية. هذا السبب الذي أدى إلى فصلها؟ لا، بل ظنت أنها تعجبه بزوجها.
مسحت على وجهها وتزيل الدموع من على وجهها. نهضت من مكانها وتوجهت للمرحاض، تغسل وجهها من كثرة البكاء لعلها تكف منه، ولكن العكس حدث. فمع كل قطرة ماء تسقط على وجهها، يهبط منها أضعاف القطرات من الدموع الحارقة. خرجت منه وذهبت لارتداء الإسدال وبدأت في تأدية صلاتها. كانت تشكو إلى ربها من هؤلاء الناس الذين لا يرحمون. أخذت تبكي وتبكي وهي تتفوه بالكلام.
انتهت من صلاتها وهي تزيل الدموع المنتشرة كالشلال على وجنتيها. كانت الآيات القرآنية تتردد على لسانها. أمسكت المصحف الخاص بها وفتحته على نهاية ما توقفت عليه وبدأت بالقراءة. بسم الله الرحمن الرحيم "الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" "وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۚ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ"
"وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا" (سورة الرعد: 28) *** أما بالجانب الآخر عند "أسر".
مرت أكثر من ساعة وهو بيده الهاتف ويجري اتصالاً لخطيبته، ولكن لم يأتيه الرد بعد. حفر القلق حفرة داخل قلبه وأصبح ينبض بشدة خوفاً عليها. أجرى اتصالاً مرة أخرى لوالدتها أخبرته بأنها لم تعرف شيئاً. أخذ منها عنوان هذا المنزل الذي تعمل به وهم بالذهاب إلى القصر أولاً ثم إليها ثانياً. *** بالداخل.
كان يجلس على الأريكة يحتسي كوباً من الشاي. وبجانبه هذه "عشق" وهي تنظر إليه بحب. وتتذكر كيف كان لطيفاً معها وابتسامتهما السعيدة معاً. عبست فجأة عندما تخيلت أنه لن يحبها وأنها مشاعر أخوة. كانت دموعها كادت أن تلمع عينيها. أفاقت من شرودها عندما وجدت "أسر" أمامهم ويتحدث: "بستأذن من حضرتك يا أدهم بيه أروح أطمن على خطيبتي لأنها مش بترد عليا." صمت برهة ثم تحدث قائلاً: "هي خطيبتك دي ساكنة فين؟
"أنا هروح لها المكان اللي بتشتغل فيه." "بتشتغل؟ طب بتشتغل إيه؟ "احمم... خدامة." ضحك بسخرية قائلاً: "آه صح، ماهو بواب مراته هتبقى شغالة إيه." كانت هذه الكلمات من أحمد بصوت خافت، ولكن كان هذا ظنه. نظر إليه الجميع بحدة مما تفوه به باستثناء "أسر" التي كانت نظراته وجع وانكسار. تحدثت كبيرة القصر قائلة: "متزعلش منه يا أسر، هو بس لسانه متبري منه شوية." ابتسم ابتسامة صناعية قائلاً: "لا عادي محصلش حاجة."
"طيب يا أسر أنا هبعت معاك السواق ويوديك المكان اللي إنت عايزه. ولو عايز خطيبتك تيجي تشتغل هنا كطباخة لحد ما تتجوزه، مفيش أي مشكلة. عشان لو إنت قلقان عليها في المكان اللي بتشتغل فيه." كانت هذه الكلمات من "أدهم". نظر إليه بفرحة قائلاً: "بجد يا سعادة البيه؟ "بجد يا أسر؟ "ربنا يجبر بخاطرك يا بااشا. ويوقف لك أولاد الحلال. آمين. عن إذنك همشي أنا." أومأ له بالموافقة وعلى وجهه ابتسامة صغيرة. وبالفعل غادر المكان.
"إيه يا ابني الحنية دي؟ " كانت هذه العبارات من أحمد. "إنت اسكتتتتت خاالص. في حد يتكلم اللي إنت قلته ده." "على فكرة ماكنش قصدي حاجة والله. وبعدين أنا كنت بتكلم بصوت واطي." "هو إيه اللي ماكنش قصدي. مش عشان إنت غني وهو فقير تبقي تدوس عليه؟ لا طبعاً هو زيك بالظبط. ومتنساش إنك قبل ما تكون غني، كنت زيه ويمكن أكتر كمان." ألقى آخر عباراته ونهض متوجهاً إلى غرفته. بينما تحدثت عشق قائلة: "على فكرة أبيه أدهم عنده حق."
تفوهت بهذا اللقب عندما سألته عن ما اسمه واسم أخيه ووالدته. فعجز لسانها خجلاً عند نطق اسمه. فأردفت بهذا اللقب احتراما له. *** استمعت إلى رنين الباب. نهضت من مكانها وقامت بفتح الباب. قطعة صغيرة وعندما رأت من بالخارج قامت بفتح الباب له بابتسامة مصطنعة. "إزيك يا أسر." "سؤال واحد وعايز جواب. مبترديش على تليفونك ليه؟ "آه... التليفون معمول صامت." رفع إحدى حاجبيه باستنكار قائلاً: "بجد؟
هزت رأسها بمعنى نعم. أخرج هاتفه وقام بالضغط على اسمها وسرعان ما صدح رنين هاتفها بالداخل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!