الفصل 3 | من 49 فصل

رواية احببت مافيا الفصل الثالث 3 - بقلم نور

المشاهدات
59
كلمة
4,546
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 6%
حجم الخط: 18

لا تقترب مني. هل كنت تعرف أم لا؟ أجل، فور انتهاء لفظه لتلك الكلمة، سرعان ما تلقى صفعة على وجهه منها. لينصدم كثيراً بهذا الكف، ليجدها تمسكه من ملابسه بقوة وتنظر له بحنق، لتقول بصوت يجهش بالبكاء: لماذا فعلت بي هكذا؟ لماذا يا "عمر"؟ لقد اعتبرتك صديقي. نظر لها، ومن نبرتها ليشعر بوخزة في أيسر صدره من رؤيتها تنظر له هكذا ودموعها تسيل على وجنتها، لتصرخ به بغضب وانفعال: هل كنت تستمتع وأنت تراني هكذا؟ نظر لها بشدة وحزن، قال:

"أفيلا". اصمت. صاحت به غاضبة لتقول: رأيتني وأنا أهتف باسمه يومياً. تعلم أن هلوستي كان عنوانها هو، وتصر وتكمل بخداعك لي. في ذلك اليوم التي رأيته في المشفى كان حقيقياً، كانه هو "علي". لتجدني أركض كالمجنونة، فتواطيني بكذبك الذي اعتدت عليه. كان مصدوماً بكلامها، إلى أنه شعر بحزن شديد من اتهامها له. كيف أمكنك أن تفعل هذا بي؟ هل تعلم كيف عشت هذه السنوات؟

لقد كان الندم يأكل قلبي وضميري الذي يلاحقني وأتعذب منه مراراً. لقد كنت أفكر في الانتحار كل يوم، وأرى أن ليس من حقي تنفس ذلك الهواء الذي سلبته منه. أردت إنهاء هذه المأساة بأي طريقة. "أفيلا". أنا لم. أنت لا تعلم عما مررت به. أنتم لا تعلمون شيئاً.

قالت آخر جملة وهي تتركه وتجلس على ركبتيها وتبكي بحرقة، والآخر متضايق لسماع صوت بكائها. جلس مقابلها، كانت تضع راحة كفيها على وجهها. أنه لم يرها ضعيفة بهذا الشكل لمرة واحدة حين "علي" قد مات. هل كانت تكبح كل ذلك بداخلها؟ ليلعن نفسه بالحزن الذي سببه إليها. رفع ذراعيه بتردد خشية أن تفهمه خطأ، ليتنهد وضمه إليه برفق، متخطياً الحواجز. كل ما يشغله أن يوقف بكاءها. إلى أنه ترك مسافة. اعتذر.

قال ذلك بهمس لها، ليمسد بيده على شعرها يهداها. لتتوقف عن البكاء. تمنى أن يعانقها يوماً، لكن لم يرد أن يكون عانقاً إنسانياً ليواسيها لا غير. كان ممرضتين مارين، ليتوقفا عند المكتب وابتسما حين وجدا من رؤية عمر وأفيلا يتعانقان كما هيأ لهم، فكان الباب زجاجياً مطل على الداخل. ماذا تفعلون؟ جاءهم هذا الصوت من خلفهم، وكان "ياسر". ارتبكوا. بينما هو ألقى نظرة على ما كانوا يرونه، ليراهم. فنظر إلى الممرضتين، قال بحدة:

اذهبوا إلى عملكما. أومأ برؤوسهم وذهبوا. نظر ياسر إليهم، ثم نظر إلى عمر وأفيلا وذهب. توقفت "أفيلا" عن البكاء، لتدرك ما يحدث، فتبعده عنها على الفور. نظر لها، كان وجهها منتفخاً ومليئاً بالدموع. وكان لا يستطيع التحمل. قال: اهدئي، أنا آسف. أريد أن أعرف ما حدث. نظرت له وأردفت قائلة: أخبرني مازن أن معك إجاباتي. ليجمع قبضته بضيق، ليسمعها تقول برجاء:

أرجوك يا "عمر"، لا تخبئ عني أي شيء. يكفي، أريد الحقيقة. ليس بمقدوري التحمل، صدقني. تنهد بقله حيلة من نبرتها، ليقول: في ذلك اليوم لم تكوني بمفردك. نظرت له بعدم فهم، ليكمل: سمعت حديثك عبر الهاتف في ذلك اليوم الذي كنتِ غريبة به كثيراً. لا أعلم، روادني شعور غريب. خشيت عليك، فقمتُ باللحاق بك.

وقف "عمر" أمام الفيلا التي رأى "أفيلا" تدخل إليها. نظر لها من الخارج، لا يعلم أن كان عليه الدخول أم لا. دخل وهو ينظر حوله، يبحث عنها ولا يعلم أين هي أو ما الذي يفعله هنا. أنه يخطئ إن علمت أنه تبعها، لن تفهم سوى أنه يزعجها. سمع صوت سيارة بالخارج. وقف خلف حائط، سمع صوت أقدام. نظر، وجده "كاسبر". تعجب كثيراً من رؤيته، ليجده يصعد الدرج ويدخل لإحدى الغرف. هل كان هو من تحدثه عبر الهاتف وتريده أن يكونا بمفردهما؟

شعر بغصة في حلقه وحزن. قرر الرحيل، فما حاجة لوجوده وقلقه التافه. لم يكن سوى تطفل بالفعل على حياتها.

خرج من خلف الحائط، ذهب، لكن توقف. لا يعلم لماذا. أراد أن يلقي نظرة. صعد وهو متردد كثيراً، ليقترب من الغرفة. وقف خلف الحائط ليلقي نظرة، لتتسع حدقتا عينه ويفتح فاه بصدمة كبيرة تعتاره، ونبضه يعلو من ما يراه برؤية "أفيلا" بتلك الملابس، وفي يدها سكين تتساقط من عليها قطرات دماء، الذي كان هو صاحبها، ومستلقياً على الأرض. وتلقي أنظار عليه. والدموع تسيل من عينيها بصمت، لتقع السكين من يدها وتذهب. لينزل سريعاً قبل أن تنتبه له. اختبأ حتى لا تراه. ثم سمع صوت أقدامها. نظر إليها، كانت قد ارتدت ملابسها. ليجدها تخرج من الفيلا. وما أن ابتعدت، حتى نظر للأعلى ويركض متوجهاً للغرفة. نظر إلى "كاسبر" الذي كان غارقاً بدمائه.

بربك، ماذا فعلتي يا أفيلا؟

قال ذلك بضيق وهو يراه. ليقترب منه بخوف شديد من ما يقحم نفسه فيه، فهذه مخاطرة كبيرة. ليتسلم للأمر ويجلس بجانبه. وضع يده على أنفه، يتحسس، حتى زفر بارتياح عندما وجده يتنفس وعلى قيد الحياة. اقترب منه ليحمله، لكن توقف لوهلة. نظر إلى السكين. اقترب منها، كان سيمسكها، لكنه تراجع. نظر إلى يده، ثم أخرج مناديل، ثم قام بتغليفها، ثم دفنها في جيبه جيداً وعاد إليه. ليضع ذراعه على كتفه ويحمله وينزل به. أدخله إلى سيارته ودخل هو الآخر وقاد بسرعة متوجهاً لأقرب مشفى من هنا. ليلقي أنظاره عليه،

قال: سوف أنقذك، ليس لأجلك، من أجلها هي فقط. لا أريدها أن تكون قاتلة. لا يصدق أنه حقاً يساعده. لا يصدق أنه يفعلها وسينقذه. فلطالما تمنى أن يبتعد عن حياتها للأبد، لتكون أفيلا له فقط. فلقد كان يشكل عائقاً إليه. لقد تمنى موته، وها قد يحدث ما أراده، وبعدها يريد مساعدته. ليزفر بضيق وينظر أمامه ويسرع في القيادة.

توقف عند مشفى. فتح السيارة وحمله ودخل به سريعاً. رآه الأطباء والممرضون بالدماء الغزيرة من عليه، ليسرعوا إليه بسرير متحرك. وضعه عليه وأخذوه وذهبوا. نظر لهم عمر، ثم تذكر شيئاً. أمسك هاتفه ليخرج رقماً. وحين رد عليه، لم يعطه وقتاً للاستغراب من اتصاله، ليقول: تعالى إلى المشفى سريعاً.

كان "عمر" عند أمام غرفة التي بها "كاسبر". رأى "مازن" في نهاية الممر، كان يلهث، فيبدو أنه كان يركض. ليتقدم سريعاً منه والقلق بادياً على وجهه، فكان "عمر" اتصل به من رقمه الذي كان مدوناً بسبب والدته، وأخبره عن أخيه ووجوده في المشفى. اقترب منه. نظر له. ثم نظر إلى الغرفة التي يجلس أمامها. قال: ما الأمر؟ ما به "علي"؟ لم يرد عليه. فأردف قائلاً: ماذا حدث له؟ لا يزال بصمته. لكن الآخر قلق. مما قال بغضب:

ألا تسمع ماذا حدث لأخي ولماذا هو بالمشفى؟ ليقاطعه خروج الطبيب. وقف "عمر" واقترب مازن منه سريعاً ليقول: ما به؟ هل هو بخير؟ لم تكن تعابير وجهه الطبيب ميسرة، ليقول: أقمنا جرحه، لكن حالته حرجة بسبب نزيفه الغزير. نحتاج لأحد يتبرع له بالدم. سوف أتبرع له. أخيه. جيد. لكن يجب أن نتطابق من عينه الدم أولاً. أومأ له "مازن" بالموافقة. ذهب الطبيب، لكن توقف فجأة. عاد بأنظاره إليهم، ثم قال: كيف جرح هكذا؟ نظر له "مازن" بإستغراب.

ليكمل: وكأنها كانت محاولة قتل. لينصدم ما يسمعه. قال: ماذا؟ ليس جرحاً عادياً حسب تشخيص حالته. هناك من قام بطعنه بمهارة، حيث كادت أن تصيب الكلية أسفل العضلات في المنطقة الواقعة أسفل نهاية القفص الصدري، وهي متصلة بشكل غير محكم بالغشاء المصلى البطني، الذي يمكن أن تتسبب طعنة كهذه في إتلاف كليتي الشخص. لكن قد تمزقت إحدى خلاياه ليزيد الوضع خطورة. تسرب الهلع لقلب "مازن" والخوف مما حدث لأخيه. الوضع لا يبشر خيراً. ماذا تعني؟

سنفعل ما بأيدينا، المهم أن نسرع. ليزداد القلق من نبرته. بينما الطبيب نظر إلى "عمر" الذي كان صامتاً، وخانته تعبيرات وجهه بالتوتر وتعرق جبينه وهو يتذكر ما رآه. كان يبدو عليه المعرفة، فهو من أحضره. شعر بأن النظار موجهة نحوه. ذهب الطبيب وتركهم. لينظر "مازن" إلى "عمر" الذي لم يفهم. نظره إلى أنه قال: اسرع بنقل الدم له. ألم تسمع؟ قال إن وضعه خطير. لا يزال ينظر إليه. تعجب. ليجده يقترب ويقف أمامه مباشرة ويقول: لم تجاوب.

بشأن ماذا؟ ماذا حدث له؟ لا أعلم. قال ذلك بعدم معرفة، يحاول التماسك. لا تعلم؟ من يعلم إذاً؟ نظر عمر إليه، يشعر باتهام في نبرته. من أحضرته لهنا. ماذا تعني؟ يقول الطبيب إنه طعن. أي أحد تعمد ذلك. هل كان هناك من يحاول قتله؟ نظر عمر إليه. ونظر بعيداً بضيق من تلك الأسئلة. فما الذي وضع نفسه فيه؟ لماذا اتصل به؟ يبدو أنك تعرف، فلما أنت صامت؟ من يكون؟ لماذا لم تمسكه به؟ لا أعرف من يكون. الم تر وجهه؟ لا. أنك كاذب.

نظر "عمر" إليه من نبرته الواثقة، ليرسم ابتسامة ساخرة ويقول: هل أبدو لك أحمقاً؟ أنا محامٍ. أعرف من النظر في التعبيرات من أمامي أن كان كاذب معي أم صادق. وأنت كاذب. قلت أنك لا تعرف من يكون، أي أنك رأيت وجهه، لكن لم تعرفه مسبقاً. بينما سألتك أن كنت رأيت وجهه، فنفيت. كيف هذا؟ كان مندهشاً منه، وكيف أوقع به بسؤلان. كيف أحضرته للمشفى؟ وما المكان الذي اجتمع به؟ هل كنت تعلم أن أحد سوف يقتله؟ أم أنك هو؟

نظر له بصدمة كبيرة، فها هو يتهمه كونه قاتلاً. ماذا تقول؟ أخبرني بالحقيقة قبل أن أتصل بالشرطة وأتهمك بما حدث له، وأن لك يد بذلك. هل تدري ما سيحدث لك؟ ستنهار مكانتك، اسمك، كنيتك، كطبيب، سيكونان بالقاع. حتى وإن لم يثبت عليك شيء، فالمجتمع سيثبت ذلك من نظرتهم لك. ولن يروك بريئاً كالقانون. بل سيقتنعون باتهام باطل الذي وجه نحوك. وأن تقبل بك مشفى لن يحدث.

كان عمر مصدوماً مما يسمعه، ليشعر بالخوف حقاً من ما يقوله وتهديده إليه، أنه سينتهي بلا أدنى شك. لكنني من أنقذته. قال ذلك بتبرير، ليرد عليه باللامبالاة: وتخفي على المجرم؟ ليشعر بالضيق ويقول: لا أستطيع إخبارك. لنخبر الشرطة إذاً. إن كنت تريد أن تعرف، الشرطة لن تتدخل في الأمر. نظر "مازن" إليه بشدة، وقال: أتتريدني أن أعلم من حاول قتل آخر وأدعه وشأنه؟ لن أخبرك حتى تعدني. هل تعرفه؟

لم يرد عليه، إلى أنه أومأ برأسه. لينظر له بشدة وعدم فهم، ليقول بضيق وقلة حيلة ليرضي فضوله: حسناً. من هو؟ صمت قليلاً، ثم قال بتردد: أفيلا. لتتسع عيناها بدهشة. هل قلت أفيلا؟ لا أعلم لماذا فعلت ذلك، لكن ما أعرفه أن يوجد سبب وراء فعلتها. هل تسخر مني؟ قال "مازن" ذلك بضيق، ليضيف: تريد أن تقنعني أنها فعلت ذلك بزوجها؟ لينظر "عمر" إليه بصدمة كبيرة، ليقول بصوت ضعيف وهو لا يصدق: زوجها؟

أجل. أيضاً أنها تحبه، فكيف لها أن تفعل تلك الجريمة وبحق من فعلتها؟ كان يسمع وصامتاً، يشعر بغصة في حلقه من حزنه، فلقد فهمها خطأ. أنه زوجها حقاً، لم يكن شيء خطأ بوجودهم بمفردهم. تنهد، ثم قال باللامبالاة: لا أعلم. رأيتهم في منزل من، ثم خرجت "أفيلا" وكان هو على مستلقياً على الأرض.

نظر إليه بشدة، ليقاطعه صوت من الغرفة، وكانت ممرضة تهتف بأحد الأطباء. ليشعر "مازن" بالخوف، وكأنه كل وشك فقدان أخيه الذي تبقى له. يخشى فقدانه كما فقد والدته منذ قريب. هل سيذوق الفقد للمرة الثالثة، ولم يعد له أحد؟ وجد الطبيب يهرول إلى الغرفة بطاقمه، ويقومون له صدمات كهربائية، ينعشون به نبضات قلبه التي كانت تتوقف، وأنفاسه بدأت في أن تنقطع. لكن بدأ الجهاز بالعمل من جديد، وعادت نبضاته كالمعتاد. ليخرج الطبيب. نظر إليه، قال:

عليك أن تسرع. الوضع يسوء. المريض لا يستجيب لنا. أومأ له على الفور. اقتربت منه ممرضة، قالت: لنذهب. نظر لها. ثم نظر لعمر وذهب معها. كان لا يصدق ما يحدث وما سمعه. أفيلا؟ لكن كيف؟ كيف تكون هي من فعلت ذلك؟ لقد رأى كم يحبان بعضهم، وكم سعت حتى تجمعهما بوالدته. وبيوم وليلة تقتله؟ هل حاولت قتل أخيه حقاً؟ دخل مع الممرضة لترى تطابق الدم. حتى انتهت، وقالت: سلبي. ليس زمرة الدم نفسها. لا. كيف؟

خرج مسرعاً. نظر له عمر، وإلى أنه يركض، وجسده ليس ضعيفاً. فحين يأخذون منه أحد دماء، يبقى مسطحاً لبضع وقت. د مي غير مطابق له، إنه O. يجب أن أجد متبرعاً له نفس زمرة دمه. قال "مازن" ذلك وهو محتار. البنك. ماذا؟ بنك الدم. انتظر هنا، سوف أذهب أحضره. أومأ إليه. ليجده يذهب. وقف أمام غرفة أخيه، ينظر إليه. ثم سمع أصوات. نظر، وجد رجالاً يشبهون حراسه الذي يراهم مرافقينه دائماً. وقفوا أمامه. قال أحدهم: ماذا حدث؟ أين السيد "كاسبر"؟

تعجب من هذا الاسم ومن "كاسبر" هذا الذي تلفظه باسمه. هل هو أخاه؟ سألهم كيف عرفوا بوجوده في المشفى. أخبروه أنهم اتصلوا به ورد عليهم أحد، أخبرهم بوجوده في المشفى. علم أنه عمر. جاءت ممرضة تقترب منهم وتقول: إذا سمحتم، ممنوع الوقوف هكذا. هذه مشفى، أنتم تزعجون المرضى. لم يتحرك أحد منهم. فهم لن يغادروا غير وهم يرون سيدهم أفاق. لم يتعودوا أن يرونه ضعيفاً. هل طعنه تفعل به هكذا؟

تعرض لإصابات بالغة ونفد منها. لطالما كان ينفد ببراعته، فما دهاه هذه المرة؟ قدم "مازن" اعتذاره لها، وسألها أن كان مسموحاً أن يبقى اثنان. لتصمت وتؤمئ إيجاباً. فأخبرهم أن يبقى اثنان منهم. وبالفعل غادروا، وبقي اثنان من يُعتمد عليهم. تأخر "عمر" بعض الشيء، وقلق كثيراً أن يكون لم يعثر على الدم. جاء الطبيب. قال: لماذا لم تحضروا متبرعاً حتى الآن؟ كانت سيتكلم، لكن قاطعه عمر الذي أتى. اقترب منهم. ولم يجد معه أي شيء، فقلق وقال:

أين... ألم تجد؟ بلا، أعطيته لهم حتى لا يتعرض للطقس ويصبح فاسداً. أومأ بتفهم. وذهب الطبيب عندما علم أنه أحضر الدم الذي يحتاجونه. ثم عاد. دخلا إلى الغرفة. وقف "مازن" نظر إليهم من الزجاج. رآهم يعلقونه إليه. ثم يفتحوه. فبدأ بسريان ليدخل لجسد "كاسبر". ليشعر بالارتياح بعدما تعدى الخطر. كيف حدث لسيدي ذلك؟ قال ذلك أحد رجاله، يخاطب نفسه. نظر له "مازن": ليس سهلاً أن أحد يمسه له أو يخدشه خدشاً صغيراً.

ليجمع قبضته بضيق. وهو يتخيل ما حدث له. سمعوا رنين هاتف. وكان هاتفه للرجل. ليخرجه ويرد عليه: أخذوها. لا أين. أيها الأغبياء، ألستم مكلفين بحمايته؟ نظر "عمر" و"مازن" لرجل إليه. ونبرته الحادة وانقلاب تعبيراته الجامحة: ماذا تنتظرون؟ اخرجوها من هناك قبل أن يقتلها. أقفل الهاتف. وكانوا ينظرون إليه. قال رفيقه: ماذا هناك؟ اختطفت تلك الفتاة المخترقة. تقصد السيدة "أفيلا"؟ وفور سماع "عمر" اسمها، ليقول: ماذا؟ "أفيلا"؟ أين هي؟

نظر له "مازن" وإلى ردة فعله، خوفه عليها. سينقذونها. فالسيّد "كاسبر" كان يضع عليها حماية حساباً لذلك اليوم. كان يحميها. بينما هي غدرت به. يا للسخرية. قال "مازن" هذا. نظروا إليه بإستغراب. بينما "عمر" لم يهتم بكلامه. مر وقت قليل. ثم رن هاتف الرجل. نظر إليه "عمر" بإهتمام: حسناً. أقفل الهاتف. ليسأله: ماذا حدث؟ هل هي بخير؟ أجل، أنقذوها في آخر لحظة.

شعر بالارتياح. وهو يتساءل عن أي خطر كانت فيه "أفيلا". أنه حقاً لم يفهم شيئاً. بينما "مازن" غير مهتم بما يحدث إليها. كان "عمر" جالساً يفكر بها. وللحظة انتبه لأمر. ممكن أنها تذهب للشرطة وتخبرهم بما فعلته وتدمر ما فعله. فحتى أن كان حياً، ستعاقب. عليه أن يلحق بها. نظروا إليه وهو يذهب.

مر سبعة عشر ساعة عليهم. وأتى "عمر". وعلم أنه لا يزال لم يستيقظ. وجدوا الطبيب يدخل الغرفة. ذهب مازن خلفه. تبعه الرجلان. دخل ليجدوه فتح عينيه. قال "مازن": أنت بخير. كان لا يزال جسده ضعيفاً وتحت تأثير المخدر. قال الطبيب: الحمد لله أنك أفاقت. قدنا نفقد الأمل. نظر "كاسبر" إلى "مازن" وإلى "عمر" والطبيب. ثم نظر إلى الرجلان. قال بصوت ضعيف: أين أنا؟ في المشفى. لماذا؟ نظر له الطبيب بإستغراب من سؤاله. ماذا حدث لي؟

ليقول أحد رجاله: سيدي، ألا تعلم؟ أننا ننتظرك حتى تفيق لتخبرنا. لحظة واحدة. قال الطبيب ذلك، يقاطعه وهو ينظر إلى "كاسبر": هل تعلم ماذا حدث لك؟ سبب دخولك للمشفى؟ صمت. ولم يرد عليه. ينظر حوله. قال الطبيب يوقفه: لا تحاول تذكر الآن. قل فقط أجل أم لا. نظر له ليضيف: أتتعلم من تكون؟ تعجب من سؤالها. لكن أومأ برأسه بمعنى نعم. فقال الطبيب وهو يشير عليهم: هل تعلم من يكونون هؤلاء؟

نظر إلى وجوههم. ثم نظر إلى الرجلان. لينظر إلى الطبيب وينكر معرفته ب"مازن" و"عمر" وأنه لم ير وجوههم قبل. ينصدم "مازن" كثيراً. يقول: أخي، ألا تعرف من أكون؟ نظر له "كاسبر" بإستغراب شديد من كلمة أخي، الذي لقبه بها للتو. أخرجهم الطبيب، ليبقى معه بمفرده. ذهب مازن وهو ينظر لأخيه الذي لم يكن ينظر له، وكأنه حقاً لا يعرفه. وقف بالخارج ينتظر الطبيب الذي كان يتحدث معه. يتحدث معه. ثم خرج. اقترب منه. قال: إنه فقد جزء من ذاكرته.

نظر له بشدة وإستغراب. ليكمل: إنه يعرف من يكون وكنيته الشخصية. كان يرد على أسئلتي تلقائياً. لكن حين سألته عن اليوم، حسب ظنه هو، أصطدمني برده: وما كان هو؟ 2020/3/14. لتتبدل ملامحه بتعجب شديد من هذا التاريخ. هذا ما عرفته أن يظن أننا لا نزال بتلك السنة. لا يعلم أنها قد مرت. لم أخبره عن تاريخ اليوم حتى لا يكون ذلك مربكاً بالنسبة إليه، ويحاول العثور على أحداث تلك السنة، فيضر بحالته. ماذا يعني هذا؟

إن سنة بأحداثها تلاشت من ذاكرته. سنة؟ قال ذلك الرجل بإستدراك. وهو يتذكر التاريخ الذي سمعه. ليقول بإستدراك: إنه اليوم الذي جاء سيدي فيه إلى مصر. أتذكر ذلك التاريخ. فهم بطبيعة عملهم، لا ينسون أي شيء. وإن كان أوقات أنفاسهم، يجب أن يحسبوها. قال "مازن" بإستغراب: كيف؟ فرد عليه الطبيب: لا يزال أمامنا لمعرفة حالته جيداً. سنعمل على فحوصات وصورة لرأسه لمعرفة أن كان رائعاً أحدث به اختلال، أم أي اضطراب قد أصابه.

قال ذلك، ثم استأذن وذهب. جلس "مازن" في دهشته. وبعد مرور الوقت، وكان الطبيب مانع أي أحد الدخول إليه، لأنه لم يكن بصحة جيدة، لا يزال متعباً. كان "مازن" متضايقاً من هذا، فهو يريد التحدث معه. جاءت ممرضة وأخبرتهم أن الطبيب ينتظرهم في مكتبه. علموا أن النتيجة قد ظهرت، وقام بتشخيص حالته. جلسا مقابلانه. ليخرج صورة طبية "أشعة" وأعطاها لمازن. نظر إلى الطبيب وإلى ما في يده. ليأخذها منه، ليقي نظره، وهو لا يفهم شيئاً. قال الطبيب:

أثبتت تلك الصورة التي أقمناها بالتصوير الرنين المقطعي المحوسب لاستبعاد أورام الدماغ وغيرها من الاضطرابات الدماغية البنيوية، أم تخطيط كهربائية الدماغ EEG لاستبعاد اضطرابات الصرع. لكن رأسه سليم. لم يتعرض لأي إصابة أو خدش ولو صغير. ليتعذب. ويترك ما في يده على المكتب. ويقول: كيف؟ لماذا لا يتذكرني إذا؟ Dissociative Amnesia. فقدان الذاكرة التفارقي. قال "عمر" ذلك بإستدراك. لينظروا إليه. ويقول الطبيب بتفاجؤ: كيف علمت؟

أنا طبيب أيضاً. أومأ بتفهم. فقال "مازن": عن ماذا تتحدثون؟ أنا لم أفهم بعد حالته. فقدان الذاكرة التفارقي. هو فقدان ذاكرة ناجم عن الصدمة، أدت لعدم قدرة على تذكر المعلومات الشخصية الهامة في الفترة التي فقدها فقط. الصدمة التي تعرض لها جعلته يفقد جزء من ذاكرته، وهي بمده قصرها "سنة". أما ذاكرته القديمة مازالت نشطة كما هي. وهذا هو ما عليه الآن. أ... الن يتذكرني مجدداً؟

بلى. هناك احتمال لذلك. لكن احتمال ضئيل. نوع فقدان ذاكرته كان لاضطراب نفسي. ليس فقدان ذاكرة كلي. لو وضعت احتمال كبير كونه سوف يتذكر ببعض الجلسات من أجل تكوين عقله. ليصمت قليلاً ويكمل: لكن عقله هو ذاته من قام بمسح ذلك الجزء من ذاكرته. هناك ثغرات داخل ذكرياتها. يكون العقل له القدرة على تكوينها. ولفرط صدمة ساحقة جعلته يعاني. فيتدخل العقل ليقوم بمساعدته صاحبه ويمحي ذلك الجزء الذي قد يؤثر عليه قادماً بشكل مفرط. محو؟

قال "مازن" ذلك. يخاطب نفسه: ذاكرته الذي تجمع بها مع أمي وعرفني قد مُحيت. بربك، ماذا فعلتي يا أفيلا؟ قال آخر جملة بضيق. نظر "عمر" والطبيب إليه. لينظر لهم ويقول: هل أستطيع أن أراه؟ صمت الطبيب قليلاً. ثم أومأ برأسه بالموافقة. دخل مازن إلى "كاسبر" الذي كان مستيقظاً في ذلك الوقت، ينظر إلى الفراغ بشرود. اقترب منه. ليلحظ وجوده وينظر له. جلس على حافة السرير. قال: أخي، ألا تتذكرني؟ ماذا عن أمي؟ ألا تتذكرها أيضاً؟

نظر له بعدم فهم واستغراب من تلك الدمعة التي سالت من عينه. دموع. أنه لا يعرف من يكون الذي أمامه، وعن أي أم يتحدث. أخبرني أنك تمزح. تتذكرني، أليس كذلك؟ تتذكر كل شيء صحيح؟ حسناً، سأساعدك. قال ذلك ببعض الأمل. ليقول: الآن، لقد كنا عائلة جميلة لشهرين. تجمعت معنا بعد غياب طويل. حاول أن تتذكر. عائلة؟ أومأ له وهو يقول: أجل. أنا وأنت وأمي. من أنت؟ وعن ماذا تتحدث؟ مازن، أخيك. هذا أنا. تذكرني.

نظر له "كاسبر" بإستغراب وهو ينظر له وما يقوله. هل كان لديه عائلة حقاً؟ دين أخ؟ ليصمت ويريد التذكر. لكن لما لا يرى أي شيئاً مما يقول عليه. لقد سعينا لجعلك تقابلها. لقد رأتك قبل موتها. لقد حزنت عليها كثيراً. حزن؟ عن أي حزن يتحدث؟ ومن التي رآها قبل موتها؟ من الذي قابلها؟ بينما "مازن" يذكره بأيامهم الماضية ويجعله مضطرباً دون أن يدري، ويسبب له الأرق بفضوله الذي ينهشه. ليتذكر ما حدث بتلك الفترة. لماذا لا يتذكر أحداً؟

لماذا؟ لقاطعه صوت صفير داخل رأسه. يعج جمجمته. ولا يسمع غيره. ليشعر بألم شديد. ليمسك بكلتا يديه. لتنطلق صرخة مدوية منه من ذلك الصوت الذي يسمعه. نظر له مازن بشدة. قال بقلق: ماذا بك؟ الآخر كان يعافر، وكأنه يصارع وحشاً. ليصدر صوت اختناق شديد، منع أثر حركته المندفعة، متناسياً إصابته البالغة التي تمنعه من الحراك البتة، ويحب أن يلتزم الفراش. ماذا يحدث؟ أخي. ليفتح الباب بسرعة. نظر، وجد الطبيب. ليدخل سريعاً هو وممرضتين.

ماذا فعلت؟ قال ذلك إليه بتساؤل. ليرتبك ويقول: لقد. أبعده بضيق. واقتربوا من "كاسبر" الذي كان هائجاً يعافر. قد استطاعتهم ليقوم بحقنه فيهدأ. حتى ارتخى جسده أثر المخدر. وتوقف عن الحراك. نظر ل"مازن". سار تجاهه. أمسكه من ذراعه وأخرجه من الغرفة. قال: ماذا قلت له؟ نظر له وللغرفة. وقال بتبرير: أنا فقط أخبرته عني. حاولت أن أذكره بما حدث في الفترة الأخيرة ل... ليهتف به بغضب وهو يقول: أتتريده أن يجن؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...