تعددت اتصالات خديجة بزوجها حسام بدون جدوى ولا رد. اتحيرت من موقف والدته حين أغلقت السماعة في وجهها. عندما وصل حسام إلى منزل والديه استقبلوه بالترحاب الشديد، ثم أطلعوه على قضية خالد أخو خديجة وما حدث له، وأن عليه أن يطلقها حتى لا يتعرض للطرد من عمله في السفارة. حسام بضيق: بس يا بابا، خديجة ملهاش ذنب وأنا بحبها وهي مستحملة عصبيتي في الغربة وإهمالي ليها ديما وانشغالي بشغلي.
والد حسام: حب إيه وأرف إيه، المهم مكانتك وشغلك والحب ده ييجي بعدين مع وحدة تانية تناسبك. فطلقها يعني طلقها، يا إما بقه تخليها وتروح تقف مع عمك في محل العطارة. إيه رأيك؟ حسام بحزن: لا مقدرش أسيب شغلي ومكانتي. خلاص أمري لله هطلقها. والدة حسام بابتسامة: كده تبقى راجل يا ابني وميهمكش أي وحدة ست. المهم شغلك ومستقبلك. *** بعثت خديجة رسالة لحسام تستفهم موقفه من عدم الرد عليها.
فبعث لها رسالة من كلمتين: "أنتي طالق بسبب قضية خالد ولا تتحدثي مرة أخرى". ذهب حسام إلى غرفته غاضباً. والده: سبيه هو يومين وهينساها وهجوزه ست ستها بنت ناس يليقوا بينا، مش بنت العطار دي. قرئت خديجة الرسالة فصرخت: ليه ليه ليه؟ حرام وذنب إيه وأنا حبيتك واستحملت معاك كتير. هرولت لها والدتها خوفاً جراء صريخها. أم خالد بحزن: إيه يا بنتي جرا إيه؟ خديجة بحسرة: حسام طلقني يا ماما. عرف بلي حصل لخالد. أم خالد
والقهر والحزن يملاؤها: ليه بس كده يا ابن الناس. وإنت عارفنا كويس وعارف خالد. بدل ما تقف جنبنا، تطلع منك كده. احتضنت خديجة والدتها وبكيا بكاء شديد. نظرت أم خالد للسماء وكأنها تناجي ربها: قد اشتد الكرب يا الله. فهل يا سيدي من فرج قريب. *** في غرفة القائد أبو جهاد الإيراني، كانت أشجان ترتعد خوفاً وألماً. يدخل أبو جهاد مبتسماً: أشجان، يارب تكوني استريحتِ شوية. يلمس شعرها ووجهها بيديه: بس اتصورِ أحلوّيتي أوي.
فترتعش أشجان وترجع للوراء. فيغضب أبو جهاد ويقف: أجننتِ يا أشجان؟ أترفضيني؟ أم يصدق قول الشنقيطي فيكي؟ وغرر بك أحد الأوغاد وانقلبتِ علينا. ثم يمسك بندقيته مصوباً إليها: سيكون هذا آخر يوم في حياتك. هرولت إليه أشجان مرتعبة وجثّت تحت رجليه: أرجوك، لا، لا. أنا منكم ومش قصدي، بس عشان لسه تعبانة شوية.
فضحك أبو جهاد، ثم رفع رأسها بيديه وانحنى ليحملها، ثم ألقى بها على الفراش وانهال عليها غير عابئ بآلامها ولا عبراتها التي تسقط رغماً عنها. وما أن فرغ منها أبو جهاد بنفور: هيا اذهبي لحجرتك ودعيني أنام بعض الوقت. ارتدت أشجان ملابسها بالكاد وهي تتألم بشدة، حيث أن أحد الجروح قد فتح ونزف منه الدماء. غط الشقي أبو جهاد في سبات عميق تاركاً المسكينة تنزف. خرجت أشجان من غرفته بحركة ثقيلة من شدة ألمها.
وما هي إلا خطوتين ووقعت مغشياً عليها. كان صهيب مترقباً لخروجها من غرفة القائد، ففرح في البداية لأنها خرجت، ولكن عندما رآها تخرج والألم يظهر على وجهها وذراعها يقطر دماً ثم تسقط أرضاً. هرول إليها فحملها وأدخلها غرفتها وتحسس جبهتها فوجدها شديدة الحرارة وجسدها يرتعش وتتصبب عرقاً والجرح ينزف. خاف صهيب على أشجان أن تلقى حتفها بهذه الصورة. ولكنه لم يدرك كيف يتصرف معها.
ثم داهمته فكرة أن معاذ كان في آخر سنة في كلية الطب قبل أن يلتحق بهم. فذهب إليه مسرعاً. صهيب بقلق: أدركني يا معاذ. الست كنت طبيباً، أشجان تحتضر. ساعدها بالله عليك. معاذ بابتسامة ممزوجة بحزن: لهل الحد تحبها يا صهيب؟ ويحدث نفسه: وأنا أيضاً أحبها، ولكن أتراها تحب من؟ أظن صاحب الصوت الشجي الذي كان معنا في المعتقل. وفهمت الآن لماذا ورطته معنا. هي غيرة إذاً. ثم أفاق من شروده على صوت صهيب يستعجله، فذهب معه مسرعاً.
دخل معاذ عليها ووجدها تهذي بكلمات، وكان من بينها اسم خالد وكررته كثيراً. سمعها صهيب: سأقتله حتماً يوماً هذا الشقي الذي تركتينا لأجله. معاذ مشيراً إليه: ليس هذا وقته يا صهيب. اذهب سريعاً وأحضر ما كتبته لك في هذه الورقة من دواء. ولكن أحضر لي ماء أولاً كي أحاول تخفيف عنها الحرارة حتى تأتي. ثم نظر للجرح الذي في يديها ووجده ينزف. معاذ بغضب: أظن هذا سبب الحمى ويجب غلقه. سأكتب لك أيضاً بعض الخيوط الطبية وسأخيطه لها.
صهيب بحزن: وهل ستتحمل هذا بدون بنج؟ معاذ وهو يهز رأسه: إنها محمومة ومغشى عليها ولن تشعر بالخياطة. أسرع صهيب واشترى ما كتبه معاذ من مضادات حيوية وخيوط للجرح. وبقي معاذ بجانبها يقوم بعمل كمادات من الماء البارد حتى تهدأ حرارتها. معاذ بحب: ما أجملك حتى وأنِتِ نائمة. أعترف أني أحببتك ولم أُشأ أن أعترف لكِ بحبي، لأني أعلم أنكِ لن تكوني لي يوماً لوحدكِ، وأنكِ تجاهدين بنفسكِ لكل أفراد الجماعة. كم أتمنى أن تكوني لي بمفردي.
وتذكر حديث خالد عن زوجته جويرية وتمنى أن يكون مثله يوماً مع أشجان. وغلبه حبه، فتقرب معاذ من شفتيها التي ترتعش وأطبق عليها بقبلة طويلة ليطفئ نار قلبه المشتعلة وهي غائبة عن الوعي ولا تشعر. وما أن سمع خطوات صهيب حتى ابتعد عنها سريعاً حتى لا يجهز عليه، فهو يعلم مدى حبه لها. صهيب يدخل بما يحتاجه معاذ: بتوتر. اهو جبت لك كل اللي انت عايزه. يلا وريني هتعمل إيه. معاذ بحذر شديد: يمسك الخيوط ويبدأ في تخيط الجرح.
تتأوه أشجان وهي فاقدة للوعي ويمسك بيدها صهيب وعينه تمتلئ بالدموع. وينظر لمعاذ بحدة كي ينتهي سريعاً. معاذ وقد تصبب عرقاً: الحمد لله خلاص خيطت الجرح. هديها دلوقتي حقنة مضاد حيوي عشان الجرح يلتئم بسرعة، وكمان حقنة مسكن وخافض للحرارة. وإن شاء الله تبقى كويسة قريب. بس هي محتاجة للراحة، أنت فاهمِني؟ يعني يا ريت الشنقيطي والإخوة يسبوها شوية عشان تتعافى. صهيب بغضب: لو حد قرب منها هقتله. معاذ بنظرة
تملؤها الغيرة من حب صهيب: بوركت أخي، حماك الله، ولكن لا تتهور حتى لا يؤذيها أحد أو يؤذيك أنت. *** على الجانب الآخر، استعد أدم ووالدته للذهاب إلى منزل جويرية لخطبتها. أجلس أدم والدته على الكرسي المتحرك ثم حملها إلى سيارته وأجلسها ووصل بها إلى منزل جويرية. تسمع جويرية طرقاً على الباب فتنادي أختها بسمة لتفتح حتى تستعد وترتدي النقاب. بسمة باستغراب: أنتم مين؟
أدم بابتسامة: أنا عمو أدم يا حلوة ودي أمي. وإحنا عايزين نقابل ماما وأختك جويرية، ممكن؟ تدخل بسمة جرى لجويرية: جوري، واحد بره اسمه أدم ومعاه مامته عايزينك. جويرية بتعجب: أدم ومامته كمان! خير، ليه يا ترى؟ أتمت جويرية ما ترتديه وارتدت نقابها الأبيض الذي يجعلها كالملائكة. أم جويرية تسألها بتعجب: مين الناس دول يا ضنايا؟ جوري: دول اللي كنت بشتغل عندهم الفترة اللي فاتت. أم جويرية: آه، الست الكبيرة دي. وخير، جه بنفسه كمان.
جوري بترقب: اهو هنعرف فيه إيه. بس لو جايين عشان أرجع لهم، هعتذر عشان مش عايزة مشاكل أكون أنا السبب فيها. وخرجت لهم جويرية وهي تسند والدتها لتخرج وتقابلهم معها. أم جويرية بترحيب: أهلاً وسهلاً، شرفتونا. أم أدم بابتسامة: الشرف لينا يا حاجة ومعلش جينا كده من غير ميعاد. بس كنا قلقانين على جوري. جويرية بخجل: أهلاً بيكي يا أمي، نورتينا. ووحشتيني والله. ثم تنظر إلى أدم وتستشعر أن هناك أمر غريب وراء حضوره.
أزيك أستاذ أدم، شرفتنا. أم أدم بعتاب: لو كنت وحشتك، كنتِ جيتِ يا جوري وسألتِ عليه. فات أسبوع مش يومين وإنتي ولا حس ولا خبر. إيه، نستينا خلاص؟ جويرية بحرج: لا يا أمي والله، بس يعني... مش عايزة أكون خلاف بين أستاذ أدم والمدام.
أم أدم: يا بنتي، كل شيء قسمة ونصيب. وأدم وتالين خلاص مبقاش بينهم نصيب وكل واحد راح لحاله. ومش انتي السبب يا جوري. هو من زمان وأنا كنت بحكيلك، وهو كان صابر عليها عشان أيسل. بس حس إن البنت لما تكبر وتشوفهم دايماً في مشاكل، هيأثر عليها ونفسيتها هتتعب. فالانفصال أحسن بينهم. جويرية بحزن: ليه بس كده؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. أم جويرية: يا حاجة، بس ده أبغض الحلال. ويمكن مع الوقت النفوس تتصافى ويرجعوا لبعض عشان بنتهم، حرام.
أم أدم بحرج: والله يا حاجة ربنا شاهد إننا حاولنا كتير معاها، بس النصيب. وسيبك بقه من الموضوع ده وندخل في المهم. أم جويرية بترقب: خير يا حاجة. وقلب جويرية يكاد يقع منها، لأنها تشعر أن هناك شيء سيحدث. أم أدم وهي تنظر لجويرية بحب وتبتسم: صراحة، جوري بنتك يا حاجة مفيش زيها. أدب وجمال وأخلاق والتزام. وأنا حبيتها زي بنتي بالظبط. أم جويرية: تسلملنا يا أم أدم. والله هي بتحبك كمان وبتشكر في حضرتك أوي.
أم أدم: وكمان أدم ابني معجب بشخصيتها أوي وأخلاقها. وعشان كده جينا نطلب إيديها ومش هنلاقي أبداً زيها، وإن شاء الله تعوضه عن التعب والحزن اللي شافه في حياته. أم جويرية تنظر لجويرية بصدمة، وكأنها تقول: إنتي مقولتيش إنك متجوزة ليه؟ جويرية وقد ابتلّت عرقاً وخجلاً وحزناً أيضاً: وبصوت ضعيف مكتوم: مينفعش، مينفعش. أدم مقطباً حاجبيه: ليه؟ عشان ظروفي؟
خلاص مفيش نصيب. وأنا والله كنت بعملها بما يرضي الله، بس هي السبب. وكنت بحلم إنك إنتي تكوني من نصيبي وتعوضيني عن اللي شفته معاها. ثم وقف وتقرب منها: أرجوكي وافقي. أنا... أنا بحبكككككككككك. جويرية ترجع للوراء: أستاذ أدم، أنا مقدرة مشاعرك وظروفك ومش ده السبب في الرفض. إنما السبب إني متجوزة. أدم بصدمة ويضع يديه على جبهته: متجوزة؟ إنتي بتتهربي مني صح؟ مش معقول. وكمان مقلتيش حاجة زي دي؟ وكمان إنتي مع أهلك لسه؟
جويرية: صدقني والله أنا متجوزة، بس لسه مدخلتش بيت جوزي. ثم بكت جويرية: لأنه اتخد مني يوم فرحنا. أم أدم بحزن: يعني إيه مات؟ جويرية بنفي: لا لا، الحمد لله عايش، بس اتحبس يوم فرحنا بقضية ظلم. وأنا خبيت عليكم عشان متظنوش فيه حاجة وحشة أو تخافوا مني ومتقبلوش إني أشتغل. أدم يشعر بعدم الاتزان ويمسك بيد الكرسي ويهوي عليه حزناً. فها هي حبيبة القلب أصبح من المستحيل أن يصل إليها. ألم يكفِ نصيبه التعيس مع تالين؟
ها هو يتلقى صفعة ثانية من خيبات القدر. ولن يستطيع الارتباط بمن أحبها. أم أدم وهي ترى ابنها بهذه الحالة وقد انفطر قلبها حزناً: طيب يا بنتي، إنتي متأكدة إنه مظلوم؟ يعني إنتي ممكن بسهولة ترفعي قضية وتنفصلي عنه؟ جويرية بحزن: حضرتك بتقولي إيه؟ حد يقدر ينفصل عن روحه؟ خالد ده روحي، وحبيبي وزوجي وكل دنيتي. وهي سحابة وهتعدي وهيظهر الحق وهيرجع بنا إن شاء الله.
أدم وكأن أحداً قد صفعه صفعة قوية ألجمته ولم يستطع الكلام. بل أشار لوالدته ليخرجوا، فلم يحتمل البقاء أكثر من هذا. فأخذها وخرج، والحزن يملؤ قلبه ويشعر بالاختناق. وحاولت والدته تهدئته، ولكن طلب منها أن تصمت، فلا يستطيع تحمل أي كلام الآن.
أما جويرية، فطارت إلى فراشها تبكي على وسادتها. إنها تشعر بالشفقة على أدم، ولكن بالحزن أكثر على حالها وبعد خالد. فكم تشتاق إليه. دعت الله أن يجمعهما قريباً، فلم تعد تستحمل بعده أكثر من هذا. *** على الجانب الآخر، تعافى بعض الشيء المقدم أدهم. وصمم على الخروج من المستشفى على ضمانته. فخرج وتوجه إلى المعتقل حيث خالد، طالباً مقابلته على وجه السرعة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!