صرخت وفاء صرخة مدوية تعبر عن فزعها وخوفها على ابنتها. تحركت إليها بوهن، فهي ما زالت لم تُشفَ بالكامل. جلست أرضًا ورفعت فداء على قدميها وهي تضرب وجنتها برفق وتقول: –فداء يا بنتي، فوقي يا ضنايا. إيه اللي جرالك يا حبيبتي؟ لم يكن هناك رد من فداء التي فقدت وعيها فور حادث السقوط. فصرخت الأخرى بأعلى صوتها: –عم صالح، الحقيني يا عمي صالح.
في تلك الأثناء، كانت أروى تدخل إلى القصر برفقة رمزي ويتبادلان أطراف الحديث. ولكن ما رأت ذلك المشهد أمامها حتى قذفت بحقيبتها جانبًا وركضت لتجاور وفاء وهي تسألها بخوف جام: –إيه اللي حصل يا طنط؟ أجابتها وفاء من بين بكائها بتقطع: –وقعت من… على السلم… لازم نوديها المستشفى. وقفت أروى وهي تتلفظ بتخبط كصغيرٍ تائه: –أيوه مستشفى، لازم ننقلها مستشفى. تقدم رمزي مبادرًا ليرفع فداء عن الأرض قائلًا: –هتبقى كويسة، متقلقوش.
خرجوا جميعًا، ويتقدمهم رمزي الذي توجه مباشرًة إلى سيارته، ثم صرخ فيهما قائلًا: –حد يفتح الباب بسرعة. نفذت أروى أمره فورًا لتساعده في وضع تلك الجريحة على المقعد الخلفي وبجوارها وفاء. وقبل أن تصعد أروى ورمزي، جاء إليهم صالح الذي سألهم بقلق: –في حاجة ولا إيه يا ست هانم؟ محتاجين مساعدة. أجابته أروى قائلة: –مش وقته يا عمي صالح، المهم اتصل بفارس وحسام يحصلونا ع المستشفى.
–حاضر يا هانم، هدخل أقول لحسام بيه وهتصل ع الأستاذ فارس. شردت أروى لوهلة وكأنها تفكر في شيء، ثم نظرت إلى رمزي وقالت: –خدهم للمستشفى يا خالي وأنا هحصلكم. تحركت هي ركضًا إلى داخل القصر بحثًا عن حسام، لتبدأ في تنفيذ خطة جديدة لتوحيد الأحفاد مجددًا. كانت تعدو على الدرج صعودًا وهي تدعي بداخلها أن توفق في هذه المرة ويوافق حسام على الذهاب معها. وصلت إلى غرفته لتأخذ صدمة جديدة، حيث ذلك الوضع الذي يقطع نياط القلوب. تعجلت
في الوصول إليه لتنطق بخوف: –مالك يا حسام! إيه اللي بيحصلك ده؟ لم يعطها جوابًا فقد أنهكه التعب لدرجة قد أنسته كيفية التحدث. ف تراجعت أروى سريعًا لتخرج من أمامه، مما أوحى إليه بأنه قد تخلى عن مساعدته. ولكنها لم تكن يومًا بتلك الشخصية السيئة التي تحجب مساعدتها عن الآخرين، وخصوصًا إن هذا هو نفسه حسام الذي تعتبره شقيق زوجها.
قلة من الدقائق وكانت قد هلت مجددًا، ومن خلفها صالح الذي كان سندًا آخر قد تحامل عليه حسام بالإضافة إلى أروى، مما جعله يستوي على قدميه بوهن شديد. على جانب آخر. كان متحكمًا في عجلة القيادة في وضعٍ من الهدوء التام، الذي عكرته نغمة الهاتف الخاص بدينا، فلم يكن المتصل سوى والدتها. تأففت بضيق وهي ترفض استقبال المكالمة. فكان لأميرة رأي آخر، حيث أعادت الاتصال بها مجددًا. وهذه المرة سبقها فارس قائلًا: –ردي يا دينا.
تصدت دينا لقوله قائلة: –بس دي ماما وأنا مش عايزة أكلمها. أردف فارس ناصحًا: –متعوديش نفسك تخاصمي مامتك أو تكلمك مرة ومترديش عليها. مهما يحصل بينكم هتفضل والدتك وليها احترامها. أضافت دينا قائلة: –بس أنا لو قدمت لماما الاحترام اللي هي عايزاه هبعد عن ربنا. رد عليها مختصرًا: –طيب ردي بس عليها دلوقت ونتكلم. امتثلت لإرادته وأجابت على الهاتف، ليأتيها صوت أميرة تقول:
–أنا خرجت من البيت أنا وأختك يا دينا، واحتمال نتأخر على ما نرجع. قالت دينا بضجر: –طب وأنا أعمل إيه؟ أنا مالي؟! جاءها الرد سريعًا: –عشان أنا أخدت المفتاح معايا. انتي معاكي النسخة بتاعتك؟ ضربت على جبهتها وقالت بتذكر: –نسيته. قالت أميرة بسعادة: –زي الفل، خليكي مع ابن المعز بقى لحد ما إحنا نرجع. علمت بشأن إغلاق الاتصال عندما أحست بتلك الاهتزازة الخاصة بالهاتف، فزفرت بضيق قائلة: –قابل بقى!
أعادت الاتصال بوالدتها لتحتل الصدمة قسمات وجهها، حيث وجدت الهاتف مغلقًا. فهتفت غاضبة: –هتجننني، أقسم بالله. سألها فارس بجدية: –إيه اللي حصل؟ أجابته باندفاع: –محدش في البيت وما فيش مفتاح، وبتقولي خليكي… وضعت يدها على فمها عندما أدركت ما كانت ستنطق به. ليكمل هو بدلًا عنها: –قالتلك خليكي معايا؟ إيماءت برأسها وهي تخفض عينيها حرجًا: –أيوه! أدار عجلة القيادة سريعًا وهو يقول مشاكسًا: –يبقى ربنا يصبرك على القعدة مع فداء.
تخلت عن شعور الحرج وضيق ما بين حاجبيها وهي تسأله بترقب: –مين فداء؟ مراتك؟ –فداء دي جنتي على الأرض. –بتحبها أوي كدا؟ سحب نفسًا طويلًا قبل أن يتحدث بحماس قائلًا: –فداء تبقى أختي، بس دنيتي كلها. بالنسبة لي أحسن حد في الدنيا… استمر يحدثها بحب عن شقيقته، وهي تطالعه باستمتاع وبإعجاب بملامح وجهه التي باتت تروق لها في الآونة الأخيرة. وبغتة وجدته يزيل عنه رباط الأمان قائلًا: –يلا بينا.
التفتت برأسها للجهة الأخرى لتجد نفسها أمام إحدى القصور التي كانت تراها في المسلسلات التلفزيونية. فسألته بنبرة اندهاش: –متهزرش وتقول إنك عايش هنا! ابتسم قائلًا: –طب وهزر ليه؟ قالت بإصرار: –لأ، مش بيتك. أنت هنا بتعطي درس لحد من الطلبة، صح؟ حرك رأسه نفيًا، فأضافت دينا بقليل من السخرية: –ما هو مش معقول تبقى عايش هنا وأنت مدرس! ضحك فارس قائلًا: –امال لو شوفتيني بقى وأنا قالب عربيتي أوبر، كنتي هتقولي إيه!
اتسعت حدقتاها وأضافت: –لأ بتهزر بجد! ثم أكملت وهي تتفقد السيارة بعينيها: –بقى العربية التحفة دي مشغلها أوبر! كاد فارس أن يقول شيئًا، ولكن كان لهاتفه رأي آخر، حيث ارتفع صوته يخبره باتصالٍ من العم صالح. يحدث داخل مستشفى الطوارئ الجامعي، وخصوصًا في الطابق الثاني. كانت أروى تتحرك ذهابًا وإيابًا وهي تنتظر خروج الطبيب بصبرٍ قد أوشك على النفاذ. فخرج الطبيب لينهي ذلك الانتظار سائلًا أروى دون مقدمات:
–هو المريض ده أكل إيه آخر حاجة؟ وقفت أمامه لتضيق ما بين حاجبيها: –معرفش! … هو كويس؟ أجابها بجدية: –أيوه هو كويس. كل الموضوع إنه أكل حاجة تسببت في جرح المعدة، وده اللي خلاه يستفرغ دم. تنهدت براحة لتسأله: –طيب ينفع يخرج النهاردة؟ –أيوه. هو شوية كدا وهيحس بتحسن، بس معدته هتوجعه شوية الفترة الجاية. فأنا هكتب على علاج وأكل معين لازم يلتزم بيه لحد ما يخف تمامًا. تركها الطبيب وجاء من بعده صالح الذي قال:
–أنا كلمت فارس بيه يا هانم وهو جاي في السكة. –ماشي يا عمي صالح، شكرًا! … خليك أنت هنا مع حسام وأنا هروح عشان أشوف فداء. على صعيدٍ آخر. ترجل باسل من سيارته أمام العقار الخاص برمزى وعائلته، حيث كانت تلتقي بهم أروى. رمق المبنى بنظرة غاضبة قبل أن يتحرك بطابع الغرور وثقته العمياء في نفسه وفي حديث والدته. توقف أمام الحارس الذي كان رجلًا آخر غير من التقاه باسل سابقًا، ليبادر بسؤاله قائلًا: –حضرتك عايز مين يا فندم؟
رد عليه باسل ساخرًا: –هو القصر الجمهوري لسه بردو مشددين الحراسة! قال الرجل مستغربًا: –حضرتك تقصد إيه يا فندم؟ معلش مش فاهمك! زفر باسل بضيق وقال: –أنا بضيع وقتي معاك ليه. خطا خطوة للأمام ولكن لم يكررها، حيث أوقفه الحارس ممسكًا بذراعه وقائل: –بعد إذن حضرتك يا فندم، ممنوع الدخول غير بإذن من أصحاب العمارة. رمقه باسل بنظرة بازدراء قبل أن يقول: –أنا عفاريت الدنيا كلها بتتنطط في وشي، ف بلاش تمنعني.
أنهى حديثه نافضًا يد الحارس بعيدًا عنه. وهذه المرة تدخلت أروى زوجة رمزي التي كانت تعود من الخارج، لتنطق قائلة: –عايز إيه يا ابن المعز؟ التفت إليها ليجد أمامه نسخة أكبر سنًا من زوجته. فسار إليها واضعًا يديه في جيبي بنطاله، ثم توقف قبالتها ليقول بنبرة يشوبها بعض الاستخفاف: –أنتي بقى مرات رمزي! ابتسمت على نبرته قائلة: –أيوه أنا. ده أنت شاطر ومذاكر أهو! قال باندفاع: –عايز أروى… اللي المفروض إنها مراتي!
–مراتك تدور عليها في بيتها مش هنا. –وهو حضرتك تعتقدي إنها هتتجرأ ترجع القصر بعد اللي حصل امبارح؟ أجابته وهي تتفحص قسمات وجهه بترقب: –الست مكانها بيت جوزها، وهي بالفعل في قصر المعز دلوقتي. لم ينطق بحرف آخر بل تخطاها ليغادر، ولكنها أضافت قائلة: –أروى هي مكسبك الوحيد يا ابن المعز. لو خسرتها هتخسر معاها كل حاجة. استدار إليها سائلًا: –تقصدي إيه؟ قالت بنبرة من الود:
–أنت النهاردة مكنتش جاي تفهم، كنت جاي تتخانق. ف لمّا تبقى عايز تفهم بجد تعالى، وأنا هشرحلك، أو حتى ساعتها ممكن تسأل أروى وهي هتقولك كل حاجة. وساعتها هيكون بابنا مفتوحلك يا ابن المعز. ****** كانت تقف بجوار خالها الذي تحدث قائلًا: –فارس عرف؟ –أيوه، وزمانه ع وصول. بس نسيت أطلب من عم صالح يعرف باسل. –خلاص هرن عليه أنا. منعته قائلة:
–مش هيرد. ده أنا ما حبتش أكلم فارس عشان كنت شاكة إنه مش هيرد بعد اللي حصل امبارح. نقوم نرن ع باسل اللي متأكدة إنه مش هيرد! ده مش بعيد يكون عاملنا بلوك. وها هو الطبيب قد جاء إليهم بنتائج الفحص تزامنًا مع وصول فارس مصطحبًا معه دينا، ليشرح لهم الطبيب قائلًا:
–بصوا يا جماعة، هي الحمدلله حالتها مستقرة حاليًا والنزيف توقف، وعملنا أشعة والحمدلله مفيش أي نزيف داخلي، بس الحالة نزفت كتير وحاليًا محتاجة دم. لكن مع الأسف فصيلة دمها مش متوفرة هنا، فياريت بسرعة تتصرفوا في كيس دم. ضربت وفاء على فخذيها وقالت بنبرة مهمومة: –هنتصرف إزاي دلوقتي! هنجيب منين فصيلة الدم النادرة دي! ياريت كنت أنا وأنتِ لأ يا ضنايا. هدر فارس بصرامة:
–ماما، أرجوكي بلاش النواح ده. أختي هتبقى كويسة، ادعيلها بس وربنا معانا وبيساعدنا نتصرف. غادر المكان لإجراء بعض المكالمات بحثًا عن فصيلة دم أخته، بينما دينا قد جلست بجانب وفاء لتواسيها قائلة: –فداء هتبقى بخير يا طنط، متقلقيش. هتقوم بالسلامة وتبقى أحسن من الأول كمان. أزالت أروى دموعها عن وجنتيها، واقتربت من وفاء لتقبل رأسها، ثم نزلت بجذعها لتربت على يدها قائلة: –كلنا جنبها، متقلقيش يا طنط، ادعيلها بس.
انفجرت وفاء في البكاء مجددًا وألقت بنفسها بين أحضان أروى التي عانقتها بحنان، وتشاطرت معها في البكاء، عندما قالت وفاء: –أنا خايفة أوي يا أروى، خايفة على بنتي. مطلعتش من الدنيا غير بيها هي وفارس. أنا خايفة يحصلها حاجة… أنا خايفة أوي. كان فارس قد أنهى اتصالًا لتوه، ليجد رمزي قد طل من خلفه قائلًا: –ها يا فارس، وصلت لحاجة؟ تنهد الآخر بقلة حيلة مردفًا: –مع الأسف لسه، بس في ناس صحابي هيشوفوا متبرع يكون عنده نفس الفصيلة.
ربت رمزي على كتفه قائلًا: –متقلقش، أنا كلمت واحد معرفة شغال في جامعة طنطا وفي ظرف 3 ساعات بالكتير هيكون وصل ومعاه الدم. تلفظ فارس شاكرًا: –أنا متشكر جدًا يا متر والله، جميلك ده مش هنساه، وأنا تحت أمرك. –الأمر لله يا ابني، أهم حاجة دلوقتي أختك تقوم بالسلامة.
دلفت ميار سريعًا إلى المستشفى ومن خلفها ممدوح وهما يسألان عن الغرفة التي يبقى فيها حسام، فقد علم ممدوح مسبقًا من أحد حراس القصر بما حدث للأحفاد وذلك عندما طلب منهم الدخول للقاء حسام. اندفعت إلى الغرفة دون أن تعبأ أو تتحدث مع صالح، الذي قد دلف خلفها قائلًا: –بعد إذنك يا آنسة ميار، الدكتور قال نسيبه يرتاح. نقلت نظرها بين حسام وصالح لتسأل بقلق: –هو إيه اللي حصل؟ ما كان حلو الصبح وهو بياخد مني الفطار!
أجابتها أروى التي انضمت إليهم مؤخرًا: –الدكتور قال إنه أكل حاجة جرحت معدته. ثم ضيقت عينيها اللتان أُنهكتا لشدة البكاء، وسألتها بشك وترقب: –انتي قلتي إنك اللي جبتيله الفطار الصبح؟ ابتلعت ميار ريقها بخوف وقالت بتلعثم: –آه… بس عادي يعني! … أكيد اللي حصل ده مش من الأكل اللي أنا جبته، دي مجرد سندوتشات، هحطله فيها إيه يعني. قالت أروى بشك يتزايد: –بس أنا مقلتش إنك حطيتي حاجة!
كانت تتمنى لو أن معجزة تخفيها فورًا من أمام أروى لتتخلص من هذا المأزق. وكان حقًا ما تمنت، حيث صدح الهاتف بتلك النغمة الأجنبية المزعجة، لتقول هاربة من أمامها: –هرد ع الفون. تابعتها أروى بشرود وهي تخطو إلى الخارج، لترد ميار على صديقتها قائلة: –اتصلتي في وقتك يا سلمى. لم تهتم سلمى لكلماتها، وإنما قالت باندفاع وخوف: –ده إحنا نهارنا أسود يا ميار، الدجال طلع نصاب واتقبض عليه. قالت ميار دون اكتراث: –طب وإحنا مالنا ما يولع!
–إحنا مالنا إزاي بس، انتي ناسيه الأعمال اللي عملناها عنده. دي طلعت حاجات خطيرة. حماتي من ساعة ما شربت العصير اللي فيه الهباب اللي هو عمله وهي بتستفرغ دم… وشكلها بتموت. صفعة ميار نفسها كفًا وهي تولول: –يا نهار أسود، يا نهار أسود! حسام كمان في المستشفى، يا نهار أسود يااااني! دي عمتي لو شمت خبر باللي حصل ده وإن ابنها تعب بسببي أنا هروح فيها… ينهار أسود عليا وعلى سنيني السودا وعلى اليوم اللي مشيت وراكي فيه!
قالت سلمى بتهكم: –اسمعي يا ميار، أنا كلمتك عشان أحذرك لتقولي حاجة قدام حد. اللي يموت يموت، واللي يتعب يتعب. إحنا ولا عملنا حاجة ولا نعرف أي حاجة… فاهمة!!! يحدث داخل الغرفة أن يسأل صالح أروى قائلًا: –الآنسة فداء عاملة إيه دلوقتي يا أروى هانم؟ تنهدت أروى وقالت: –الحالة حاليًا مستقرة بس محتاجة دم وفصيلة دمها مش متوفرة هنا، وأهو فارس وخالي رمزي بيدوروا. سألها حسام بصوت واهن وهو يقول مستغربًا: –فداء بنت عمي! هي تعبانة!
قالت أروى بحزن: –فداء وقعت من على السلم لما كانت بتحاول تساعدك، ودلوقتي محتاجة دم. صمت قليلًا يستوعب ما قالته، ثم سألها: –فصيلة دمها إيه؟ –الدكتور بيقول O سالب. –دي فصيلة دمي، أنا هتتبرع لها. قالت أروى باعتراض: –بس أنت تعبان! قال حسام سريعًا: –لأ الحمدلله أنا أحسن دلوقتي، خليني أتتبرع لها. تنهدت أروى وقالت: –اصبر بس يا حسام، لو معرفناش نتصرف في دم نخليك تتبرع أنت. –أكيد! –أكيد يا حسام.
على صعيدٍ آخر رجع باسل إلى القصر وهو شارد الذهن، تتردد في عقله تلك الكلمات التي قالتها عمة أروى. عندما دلف إلى البهو الداخلي، تعجلت ولاء في خطواتها إليه وهي تسأله بلهفة: –ولاد عمك أخبارهم إيه دلوقتي يا باسل؟ انتبه لسؤالها ليرد عليها بآخر قائلًا باستنكار: –وأنا هعرف منين يا دادة، عندك فوق اطلعي اطمني عليهم. قالت باستغراب: –هو أنت يا ابني متعرفش إنهم في المستشفى؟
أجابها بعدم المعرفة، لتبدأ هي توافيه بما حدث في غيابه، ليعود أدراجه خروجًا من القصر، متجهًا بسيارته إلى حيث قد أرشدته ولاء. وصل إلى حيث ينتظر الجميع، وبمن فيهم حسام الذي أصر كثيرًا على رؤية ابنة عمه، فلم ترد أروى رغبته بخيبة، لتأخذه هي وصالح على كرسي متحرك. تحرك باسل تلقائيًا إلى حسام، جاثيًا أمامه على ركبتيه وهو يسأله باهتمام: –حسام، أنت كويس؟ عامل إيه دلوقتي؟ أماء برأسه مجيبًا في هدوء: –الحمدلله بخير، متقلقش.
–طب وفداء؟ تشدق بهذا السؤال وهو ينهض ناظرًا إلى فارس، ليعطيه الآخر تفصيلًا عن حالتها. وما إن انتهى من الحديث، حتى خرج إليهم الطبيب طالبًا منهم أن يتعجلوا في إحضار الدم لضرورته في الوقت الحالي. سأل فارس رمزي قائلًا: –ها يا متر، الراجل بتاعك وصل فين؟ تفقد رمزي ساعته اليدوية قبل أن يخبره قائلًا: –والله يا فارس، كلمته من نص ساعة قال إنه اتحرك.
طلب حسام من صالح تحديدًا أن يرجعه إلى غرفته، معللًا ذلك برغبته في الحصول على قسط من الراحة، ولكن في الحقيقة كانت لديه أفكار أخرى. أما أروى فقصدت الكافتيريا الخاصة بالمستشفى لتحصل على بعض الماء. وأثناء عودتها وجدت باسل قد لحق بها، فكان يطالعها ويداه في جيبي بنطاله، وقسمات وجهه ملؤها التهجم. لتتغاضى هي عن وجوده وكادت تتخطاه، فأوقفها بصوته الأجش قائلًا: –هو أنا شفاف؟ تراجعت إليه ونطقت بتحدٍ قد زاده غضبًا:
–اسم الله عليك طول بعرض، بس بالنسبة لي شفاف فعلاً. وجودك زي عدمه. تلاشت المسافة بينهما باقترابه منها، ضاغطًا على زند يدها وهو ينطق بنبرة كالفحيح: –أقسم بالله يا أروى لو مرجعتيش عن اللي في دماغك هتشوفي مني وش مش هيعجبك. سألته بفضول زائف: –هو انتي مخبية فين؟ ضيق ما بين حاجبيه ليردد باستغراب: –هو إيه ده؟ تحرر معصمها من يده التي ارتخت قليلًا، لتقول ببسمة ساخرة: –وشك التاني اللي بتقول عليه ده، مخبيه فين بقى!
اصطك على أسنانه والشرر يتطاير من عينيه، لينطق بتحذير: –بلاش تستنفذي غضبي! حركت كتفيها بلامبالاة وقالت: –يبقى تتجنبني، وملكش دعوة بيا. خفف من غضبه بزفرة طويلة وقال: –أنا بحذرك للمرة الأخيرة، تنازلي عن الأملاك اللي سرقتيها، ولا أقولك هعملك عرض حلو، هعطيكي مبلغ يعيشك مرتاحة عمرك كله.
لم تكن تتوقع منه غير ذلك، فهو من دمر حياتها سبقًا، ليس صعبًا أن يكون بهذه القسوة. قبل أن تتجمع الكلمات على شفتيها، سبقها فارس الذي طل من الخلف برفقة دينا، وقال معاتبًا: –لا دا كلام ينفع يتقال ولا دا وقته يا باسل. أجابه باسل قائلًا: –مش مع دي! كل ما كان الوقت أبكر كل ما كان مناسب عشان نطردها ونخلص منها. قال فارس مدافعًا عنها:
–اللي مش عاجبك وجودها دي يا باسل، من غيرها كانت أختي وحسام الله أعلم بحالتهم دلوقت… منقدرش ننكر فضلها. ولو خالها مش موجود كنا دلوقت بنلف حوالين نفسنا ع دم ل فداء، لكنه الحمدلله قدر يتصرف والدم وصل. تحدث باسل بنبرة مرتفعة:
–لأ طبعًا ملهاش فضل أبدًا، كان ممكن أي حد ينقذهم عادي. ولا أقولك هي أصلاً لو مكنتش ظهرت في حياتنا كان الورث اتقسم وخلصنا من الهم اللي إحنا فيه، و مكنش حد فينا هيوصل للوضع الحالي ده، سواء كان حسام أو أختك، وكان زماني ارتحت ورجعت الكويت. رد عليه فارس بنبرة مماثلة: –طب وأنت إيه اللي مقعدك هنا! تقدر تمشي محدش مانعك. صرخ باسل غاضبًا: –هو أنا يعني قاعد عشان سواد عيونك؟
ما هي اللي أجبرتني أول ما دخلت القصر… بس أنت فعلاً صح، أنا وجودي ولا هيقدم ولا يأخر. واضح إنها عرفت تكسبكم في صفها وأنتم أغبياء مش فاهمين حاجة. حك فارس مقدمة رأسه كأنه يمنع نفسه من إكمال ذلك الحوار الاشتباكي، ثم وجه حديثه إلى أروى قائلًا: –أنا هوصل دينا البيت وهاجي يا أروى. بمرور يومين على تلك الأحداث، كان الجميع قد عادوا إلى قصر المعز بعد تحسن حالة حسام الصحية وبعض التقدم الذي قد لحق بفداء.
من يراهم الآن يجزم أن تلك العائلة قد التم شملها مجددًا، ولكن صراحة ليس كاملًا، فذلك المغرور قد اختفى مؤخرًا عن الأنظار. في قصر المعز وتحديدًا على مائدة الطعام، كانوا يتناولون طعامهم في هدوء وسكينة، حتى رأت أروى حسام يمد يده صوب طبق «المحشي» لتهتف باندفاع: –لأ يا حسام، المحشي ده حار وغلط عليك. قال مترجيًا: –عشان خاطري يا أروى بالله عليكي. قالت بصرامة: –لأ يعني لأ يا حسام. تدخلت وفاء في الحديث قائلة:
–يا ابني اسمع الكلام أحسن تتعب تاني. سألت أروى فارس عن رأيه قائلة: –رأيك إيه يا فارس؟ نظر الآخر إلى ابن عمه مشاكسًا: –هو المحشي فعلاً طعمه حلو أوي يا حسام… حتى مش عارف أسيبه وأقوم. قال حسام برغبة واضحة: –اهو فارس معندوش مانع. –لأ طبعًا مينفعش. كانت هذه جملة فارس الذي هدم بها أحلام الآخر عن تناول لفائف الأرز، لتضيف أروى بصرامة: –يبقى ممنوع. تذمر فارس كالأطفال وهو يقول: –لأ بقى كده حرام والله، أنا بحبه وعايز آكل منه!
مليش دعوة بقى. أروى بإصرار: –والله يكش تقلبها مناحة، مش مسموح لك نهائي. تأفف بضيق، ثم قال بتذكر: –طيب مش هاكل بس عندي سؤال. أروى بانتباه: –إيه هو؟ –أنتي وباسل إزاي متجوزين؟ وإزاي هو معرفكيش لما انتي مراته؟ شردت هي في هذه الأثناء، بينما كان ثلاثتهم يحدقون بها بانتظار الجواب، ليصدح هاتفها باتصالًا من رمزي، فأجابت سريعًا ليأتيها الرد: –باسل مسافر الكويت يا أروى، لازم نمنعه…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!